تحميل كتاب الدولة الرخوة فى مصر pdf لجلال أمين

انتقل الى الصفحة : الصفحة السابقة  1, 2
♪♫.. الادارة..♫♪
رسالة sms : سيرى ببطئ ياحياة
لكى أراك بكامل النقصان حولى
كم نسيتك فى خضمك
باحثا عنى وعنك
وكلما أدركت سرا منك
قلت بقسوة
مأجهلك!!!!
ذكر
عدد المساهمات : 10336
الاٍقامة : وراء الأفق حيث لاشئ سواى وحبيبتى
العمل : مهندس
نوسا البحر :
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
2012-12-29, 4:19 pm
تذكير بمساهمة فاتح الموضوع :

الدولة الرخوة … لجلال امين

الجميع يتكلمون منذ فترة عن «الدولة الرخوة» في مصر. البعض يتكلم عن رخاوتها إزاء الأجنبي، وعلي الأخص إزاء الولايات المتحدة، فيصفونها بالدولة التابعة.

وآخرون يتكلمون عن رخاوتها إزاء أصحاب الأموال فيتكلمون عن الفساد، أو عن رخاوتها في الضبط والربط، سواء تعلق الأمر بالمحافظة علي مستوي التعليم، أو تطبيق قواعد المرور أو تنفيذ أحكام القضاء…إلخ، كل شيء في الواقع غير الأمن، الذي يبدو أبعد ما يكون عن الضعف، فيتكلم البعض عن «النظام القوي والدولة الضعيفة».

ولكن كثيرين منا مازالوا يذكرون أن الأمر لم يكن دائمًا كذلك. ففي الستينيات كانت الشكوي من إفراط الدولة في الشدة لا في الرخاوة.

من الواضح إذن أن شيئًا ما قد حدث في أواخر الستينيات أو أوائل السبعينيات أدي إلي إصابة الدولة المصرية برخاوة العظام، فما الذي حدث بالضبط؟ وكيف تطور ضعف الدولة إلي أن وصلت إلي ما هي عليه الآن؟

منذ نحو ثلاثين عامًا، هبّت علي العالم رياح شديدة يمكن أن نسميها، تمشيا مع الاصطلاح الشائع «رياح العولمة» لم تكن هذه بالطبع أول هبّة لرياح العولمة. فالحملات الاستعمارية، قديمها وحديثها، صورة من صور العولمة.

فالاستعمار يجعل البلاد البعيدة قريبة، ويوسَّع الأسواق، ويأتي بالمواد الأولية من أقصي أركان الأرض، أي أنه يقصّر المسافات التي تقطعها السلع ورؤوس الأموال والأشخاص، بل والأفكار والعادات، وهذا هو بالضبط معني العولمة.

ولكن تلك الموجات القديمة من موجات العولمة كانت تتخذ في الغالب الأعم صورة احتلال جيوش دولة لأراضي دولة أو أمة أخري، أما الموجة الحالية، التي بدأت في الثلث الأخير من القرن العشرين، فتتسم بما يمكن أن نسميه «تفكيك الدولة».

إن موجات العولمة، القديم منها والحديث، تكمن وراءها دائمًا عوامل اقتصادية، ولكن هذه العوامل الاقتصادية التي كان يناسبها في الماضي أن تتم العولمة عن طريق الاحتلال العسكري، أصبح الذي يناسبها الآن هو العولمة عن طريق تفكيك الدولة.

تفسير ذلك أن العولمة في المرحلة الحالية تأتي في أعقاب ما يقرب من ثلاثين عامًا «هي العقود الثلاثة التي أعقبت نهاية الحرب العالمية الثانية: ١٩٤٥- ١٩٧٥» اتسمت بالتدخل الشديد من جانب الدولة في الاقتصاد والمجتمع. وأنا لا أقصد مصر وحدها بل العالم الثالث كله، بل «في بعض صورها» العالم المتقدم اقتصاديا أيضًا.

كان هذا التدخل الشديد من جانب الدولة يتخذ صورة التأميم، أو إقامة أسوار الحماية ضد الواردات والاستثمارات الأجنبية، أو فرض حد أدني للأجور وحماية العمال بشتي أنواع الحماية الاقتصادية والاجتماعية، أو التدخل في تحديد الأسعار وفرض الضرائب العالية، أو إعادة توزيع الدخل لصالح فئات الدخل المنخفض، أو لتحقيق ما يسمي بدولة الرفه في الدول الأكثر تقدمًا ((Welfare State أي قيام الدولة بخدمات أساسية لكل المواطنين دون تمييز، وبأسعار في متناول الجميع.

إن موجة العولمة الحالية تهدف إلي عكس هذا بالضبط، إنها ليست إلا فيضانًا من رؤوس الأموال والسلع التي تبحث لها عن أسواق جديدة للاستثمار والتصريف، في ظل تشبع البلاد التي تنتجها وانخفاض ربحية الاستثمار فيها، بسبب تشبع الطلب من ناحية وارتفاع الأجور من ناحية أخري.

هذا الفائض من السلع ورؤوس الأموال يبحث عن أسواق جديدة واسعة لا تحيط بها أسوار الحماية، وعن فرص جديدة للاستثمار لا تتدخل الدولة فترهقها بالضرائب العالية، وعن عمالة رخيصة لا تتدخل الدولة بحمايتها بفرض حد أدني لأجورها، أو بوضع الشروط القاسية لفصل العمال…إلخ.

ويا حبذا لو تحققت هذه الفرص الجديدة للاستثمار بشراء مشروعات جاهزة «أي بالخصخصة»، فيوفر أصحاب هذه الاستثمارات علي أنفسهم أعباء المجازفة بالدخول في مجالات جديدة، وأمامهم مشروعات تامة الصنع ورابحة وجاهزة للبيع. هذا هو ما يسميه بعض الكتاب بتراكم رأس المال عن طريق «الاستحواذ ووضع اليد» Accumulation by Acquisiton)) أو ما يمكن أن نسميه «بنزع الملكية للمنفعة الخاصة» وهو عكس «نزع الملكية للمنفعة العامة».

ولكن كل هذا يتطلب دولاً ضعيفة. فكلما كانت الدولة ضعيفة سهل الحصول علي أسواق جديدة، وفرص جديدة للاستثمار بأيسر الشروط، وعمالة بأقل الأجور، وخصخصة بأقل الأسعار. فإذا كانت الدولة قوية وجب تفكيكها.

هذه بلا شك سمة من أهم سمات التطور الاقتصادي والسياسي في الثلاثين عامًا الماضية، ليس في مصر وحدها بل وفي العالم ككل. حدث في الاتحاد السوفيتي فأدي إلي سقوط الدولة السوفيتية «علي عكس ما يقال من أن هذا السقوط كان بسبب شوق الناس للديمقراطية»، وحدث في بقية أوروبا الشرقية، فأدي إلي سقوط نظام شيوعي بعد آخر، بل وحدث في أوروبا الغربية نفسها بانتشار الخصخصة وتفكيك دولة الرفه، كما حدث في بلد بعد آخر من بلاد العالم الثالث. وقد تحمل الإنسان الروسي والأوروبي وفي كثير من بلاد العالم الثالث أعباء ثقيلة نتيجة لذلك، في التعليم والصحة وفرص العمالة المتاحة، كما تحمل الإنسان المصري أعباء ثقيلة لنفس السبب.

***

كان الإنسان المصري دائمًا في أحسن حالاته في ظل الدولة القوية، عندما تكون الدولة المصرية قوية يزدهر الاقتصاد، وتُحصّل الضرائب، فتنفق الدولة علي مختلف المشروعات والخدمات العامة، وينضبط نظام التعليم، وتخلق فرص العمالة، وقد تقدم الدولة الدعم للفقراء. وعندما تكون الدولة ضعيفة لا تحصّل الضرائب، ويخرق الناس القانون، ويفقد الناس احترامهم لرجل البوليس، ويختل الأمن، ولا تحترم قواعد المرور.

وفي العصر الحديث، تنتشر الدروس الخصوصية، وتختلط مياه الشرب بمياه المجاري، ويتحرش الشباب بالنساء في الطريق العام، وتكثر حوادث تصادم سيارات الميكروباص، وتغرق العبّارات، كما يغرق الشباب المصري الذي يريد أن يصل إلي شواطئ إيطاليا واليونان في قوارب مطاطية…إلخ.

قد يقال إن هذه القاعدة تنطبق علي أي دولة، وليس علي مصر وحدها. ولكن هذا ليس صحيحًا. أو ليس صحيحًا بنفس الدرجة. فلبنان مثلاً، ما أكثر فترات ازدهاره في ظل دولة ضعيفة. ودول المغرب العربي تبدو أقل احتياجًا بكثير لدولة قوية بالمقارنة بمصر. والأمريكيون ينفرون بطبعهم من الدولة القوية، ويفتخرون بالدولة التي تتركهم وشأنهم.

أما في مصر فسواء نظرنا إلي التاريخ الحديث أو المتوسط أو القديم، سنجد أن ازدهار الحضارة المصرية وتقدم أحوال الإنسان المصري يكونان دائمًا في عصور الدولة القوية.

كثير من الكتاب يفسرون هذه الظاهرة المصرية، باعتماد مصر هذا الاعتماد الكلي علي النيل، فالنيل يحتاج إلي تدخل مستمر من جانب الدولة، أي إلي دولة مركزية قوية، لمجرد استمرار الحياة نفسها، سواء عندما يكون النيل شحيحًا بمياهه، فتتدخل الدولة بتوزيعها توزيعًا عادلاً، أو عندما يكون النيل كريمًا أكثر من اللازم، فتتدخل الدولة بحماية الأرض والسكان من اكتساح الفيضان لها.

ولكن النيل قد يكون هو تفسير الحاجة إلي دولة قوية في مصر، ليس فقط كمصدر للمياه، بل وأيضًا كسبب للكثافة السكانية العالية المتركزة حول مجري النيل. إذ كلما زادت الكثافة السكانية اشتدت الحاجة إلي دولة مركزية قوية.

من ناحية أخري، قد يكون السبب سمات في الشخصية المصرية تجعلها تميل إلي تسليم قيادها إلي حاكم قوي ولا تستطيع تنظيم مشروع بنجاح اعتمادًا علي مجرد التعاون بين مجموعة من الأفراد، بل يحتاج هذا دائمًا إلي وجود رئيس قوي. ولكني أعود فأقول إن هذه السمات في الشخصية المصرية «بفرض وجودها بالفعل» قد تكون نتيجة لاعتياد المصريين وجود دولة مركزية لعدة آلاف من السنين، نتيجة لهذا الاعتماد الكبير علي مياه النيل.

أيا كان السبب، فإن من الصعب إنكار حاجة المصريين، أكثر من غيرهم من الشعوب، إلي دولة مركزية قوية. ومن الشيق أن نابليون بونابرت كتب في مذكراته وهو منفي في سانت هيلانا، أنه لا يعرف بلداً في العالم يحتاج إلي دولة قوية بالدرجة التي تحتاجها مصر (اقتطفها جمال حمدان في الجزء الثاني من «شخصية مصر»).

كان لابد إذن أن تدفع مصر ثمنًا أعلي مما دفعه غيرها نتيجة هبوب رياح العولمة ابتداء من السبعينيات، فزلزلت قوائم الدولة المصرية حتي أفقدتها توازنها، وأصبحت آيلة للسقوط. وقد ضاعف من أثر العولمة في إضعاف الدولة المصرية ثلاثة عوامل مهمة:

الأول: هزيمة الدولة المصرية في ١٩٦٧، حيث نتج عن الاعتداء الإسرائيلي احتلال سيناء وما ترتب عليه من آثار اقتصادية، وضعف سياسي، وفقدان الدولة الناصرية ما كانت تتمتع به من ولاء غالبية المصريين.

والثاني: شخصية الرئيس الجديد الذي حلّ محل عبد الناصر في ١٩٧٠، إذ اجتمعت فيه عدة صفات ساعدت علي تفكيك الدولة المصرية. ومن ناحية لم يكن أنور السادات يشيع الرهبة في الناس مثلما كان يشيعها سلفه، وهو محب للترف والتمتع بالحياة مما جعله بطبعه يضيق بالقيود التي يفرضها القانون علي هذا التمتع، وأكثر تسامحًا مع ما قد يميل له المحيطون به والمقربون إليه منه إلي الخروج عن القانون. وهو بطبعه مفتون بكل ما هو غربي،

ومن ثم لديه استعداد طبيعي لقبول فتح الأبواب أمام الأجانب، وإزالة أي عقبة قائمة في وجوههم، ولو علي حساب القواعد المستقرة. وهو من ناحية أخري يأتي في أعقاب رئيس قوي أفرط في تقييد حريات الناس فكان من السهل علي الرئيس الجديد أن يخلط بين إتاحة مزيد من الحريات للناس «وهو أمر مطلوب» وبين تفكيك الدولة وإحلال دولة رخوة محل الدولة القوية «وهو أمر غير مطلوب».

والثالث: أن موجة العولمة الجديدة اقترنت بحدوث تضخم جامح «كانت العولمة نفسها أحد أسبابه» ساعد التضخم من أكثر من وجه علي الإسراع بتفكيك الدولة. فقد أدي التضخم إلي أن تفقد الوظيفة الحكومية الكثير من هيبتها واحترامها «لعدم مسايرة المرتبات الحكومية لمعدل التضخم»، وجعل من الأسهل لصاحب المال، مادام يملك القدر الكافي منه، أن يشتري ذمة المسؤول الحكومي أو المسؤولين عن القطاع العام، كما أدي ارتفاع معدل التضخم إلي تضاؤل قدرة الحكومة والقطاع العام علي منافسة الشركات الأجنبية، بقدر انخفاض قيمة الجنيه المصري بالنسبة للدولار.

اجتمعت هذه العوامل كلها، مع رياح العولمة، لتحدث تأثيرها في إضعاف الدولة الذي بدأ المصريون يشعرون به ويستغربونه، منذ أوائل السبعينيات، وهم الذين تعودوا علي تعليق الآمال علي الدولة القوية للسهر علي مصالحهم وحمايتهم، ولم تكن نتائج هذا الضعف نتائج طيبة علي الإطلاق،
في عهد الرئيس مبارك تضافرت قوي العولمة مع الميول الشخصية للممسكين بدفة الحكم وأصحاب المناصب الكبيرة، لخلخلة أسس الدولة في مصر، حتي أصبح منظر الدولة بعد ثلث قرن من وفاة جمال عبدالناصر يدعو إلي الرثاء تارة، وإلي السخرية تارة أخري.

فها هم رجال يحتلون أعلي مناصب الدولة، ويتولون مسؤولية الاقتصاد والأمن والقضاء والسياسة الخارجية والتعليم والإسكان والثقافة والإعلام…إلخ، ولكنهم، في الغالب الأعم، لا يحملون أي ولاء لمشروع نهضوي أو قومي، بل لا يعرف لهم تاريخ نضالي أو سياسي من أي نوع قبل توليهم هذه المسؤوليات، ولا حتي اهتمام يزيد علي اهتمام الرجل العادي بالأمور السياسية والعامة، فوجدوا أنفسهم يشتركون في اتخاذ قرارات مهمة في حياة البلد بسبب صفات شخصية فيهم، تجعل جلوسهم في هذه المناصب لا يسبب أي متاعب لراسمي السياسة الحقيقيين في الداخل والخارج.

هؤلاء يأتون إلي مواقع المسؤولية في عصر تهب فيه رياح العولمة التي تدفع بعنف أبواب الاقتصاد، وتجلب إلي مصر (كما تجلب إلي غيرها) شركات دولية تغزو السوق بمنتجاتها، وتريد تنفيذ استثمارات جديدة للإفادة من العمل الرخيص (بشرط أن يبقي رخيصاً)، وتتوق إلي شراء شركات القطاع العام وأراض مملوكة للدولة (بشرط أن تكون أسعارها زهيدة وسعر العملة المصرية مواتياً)، وتريد تطويع نفسية المستهلكين لشراء ما تريد بيعه (سواء كانوا يحتاجونه أو لا يحتاجونه، يتفق مع عادات المصريين أو لا يتفق).

في ظل هذا وذاك، أي في ظل هذا النوع من المسؤولين الكبار وهذه الأهداف للعولمة، ما الذي يمكن أن نتوقعه إلا ازدياد الدولة المصرية رخاوة؟ (إلا فيما يتعلق بحفظ الأمن طبعاً)، فقوي العولمة لابد أن ترضي المسؤولين الكبار حتي يحققوا لها طموحاتها، والمسؤولون الكبار لديهم الاستعداد النفسي للتعاون مع هذه القوي، التي تجمع في يديها المال والقوة معاً، فلابد أن تكون النتيجة تغليب المصالح الخاصة للطرفين علي المصالح العامة، وتطويع سلطة الدولة لخدمة تلك المصالح الخاصة، وهذه هي «الدولة الرخوة» بعينها.

وقد زاد الطين بلة في العشرين سنة الأخيرة شدة التدخل الذي مارسه صندوق النقد الدولي في السياسة الاقتصادية المصرية منذ ١٩٨٧، عندما ظهر عجز الدولة عن سداد أقساط ديونها الخارجية وفوائدها، وعلي الأخص ابتداء من ١٩٩١، عندما وقعت مصر اتفاقية مع الصندوق عرفت باسم اتفاقية «التثبيت والتكيف الهيكلي» وانطوت علي انسحاب الدولة من كثير من المهام التي اعتاد الناس أن تمارسها الدولة منذ الستينيات، وعلي الإسراع ببيع شركات القطاع العام، ترتب علي هذا كله أن ما كان متواضعاً من مظاهر رخاوة الدولة في السبعينيات وأوائل الثمانينيات انتشر واستفحل في العشرين سنة الأخيرة.

ففي ميدان التعليم مثلاً.. شهدت السبعينيات بداية انتشار الدروس الخصوصية في المدارس والجامعات، ولكن هذه الظاهرة لم تلعب مثل هذا الدور الذي تلعبه الآن في الحياة الاجتماعية المصرية، ولم تصبح الشغل الشاغل لأهالي التلاميذ مثلما أصبحت في العشرين سنة الأخيرة، ولانتشار ظاهرة الدروس الخصوصية عدة معان، من بينها تخلي الدولة عن جزء مهم من مسؤولية تعليم المصريين ليصبح التعليم محل صفقات خاصة، تعقد مباشرة بين أهالي التلاميذ والمدرسين، بل أصبح الأهالي في بعض مراحل التعليم «يشترون» نجاح أولادهم في الامتحانات بالقيام بالتصرف الواجب مع المدرسين.

شهدت السبعينيات أيضاً بداية نمو المدارس الخاصة وعادت المدارس الأجنبية إلي الظهور، ولكن الجامعات الأجنبية لم تظهر إلا في الثمانينيات، وانتشرت هذه الجامعات والمدارس الأجنبية والخاصة وتعددت أنواعها في العشرين سنة الأخيرة، بل غزا التعليم الأجنبي الجامعات الحكومية بفتح أقسام للتعليم بلغات أجنبية إلي جانب التعليم بالعربية، فدعم كل هذا انقسام المجتمع المصري إلي أمتين: أمة قادرة علي دفع مصروفات التعليم الخاص والأجنبي، وأمة غير قادرة، وتظاهرت الدولة بأنها تراقب ما يجري تدريسه للتلاميذ في هذه الجامعات والمدارس، وهي في الحقيقة ضعيفة القدرة (بل الرغبة أيضاً) علي الزج بنفسها في هذه الأمور.

في ميدان الإنتاج الثقافي والفني يلاحظ أيضاً مثل هذا التغير في نصيب الدولة ونصيب القطاع الخاص، ففي المسرح والسينما وإصدار الكتب والصحف والمجلات شهدنا في العشرين سنة الأخيرة زحفاً منتظماً من جانب القطاع الخاص وانسحاباً منتظماً من جانب الدولة، وبينما انخفض ما تقدمه الدولة من دعم لهذه الأنشطة الثقافية زاد ما تتلقاه الدولة من دعم من القطاع الخاص، ولم تكن نتيجة هذا الانسحاب من جانب والغزو من الجانب الآخر مرضية دائماً.

فعلي سبيل المثال، ليس هناك أي سبب للاعتراض علي أن تبني دار الأوبرا الجديدة بمعونة يابانية، ولكن من المزعج جداً، للعين والقلب علي السواء، أن تري شركات لبيع السيارات تحتل مدخل دار الأوبرا لتعرض فيه سياراتها، أو انظر إلي ما طرأ من تغير علي معرض القاهرة الدولي للكتاب في يناير الماضي، حيث تم المعرض تحت لواء شركة من شركات التليفون المحمول، فملئت شوارع المعرض بإعلانات الشركة، وظهر الميل الواضح لدي المسؤولين الجدد عن المعرض إلي تخفيض عدد الندوات، التي جرت العادة علي عقدها لمناقشة موضوعات تهم الرأي العام، وزيادة حجم الدعاية للشركات الخاصة، وإني أكاد أري بعيني صورة معرض الكتاب بعد أربع أو خمس سنوات حينما يصبح مكاناً لترويج السلع وليس للتشجيع علي القراءة.

حدث شيء مماثل أيضاً في مدينة الإسكندرية في العشرين سنة الماضية، فقد جاء محافظ قوي كان يبدو في البداية وكأنه استثناء خارج عن المألوف من انحسار دور الدولة، ولكن الحصيلة النهائية لتطوير مدينة الإسكندرية في عهده كانت هي الحلول التدريجية للقطاع الخاص محل الدولة.

لقد رحبنا في البداية بإزالة الكبائن والشاليهات التي كانت مقامة علي شاطئ البحر، وكانت الحكومة تؤجرها بإيجار زهيد للشرائح القديمة من الطبقة الوسطي، فأصبح منظر البحر متاحاً لمتعة السائرين علي الكورنيش، ولكننا سرعان ما رأينا الشواطئ التي كانت مفتوحة للجميع تسلم لشركات خاصة تتقاضي رسوماً مرتفعة مقابل مجرد الجلوس علي الرمل والنظر إلي البحر، إذ تشترط هذه الشركات أن يتناول الجالسون مشروبات عديمة القيمة بأسعار باهظة،

ومن أجل ذلك غرست مظلات علي طول شاطئ الإسكندرية تحمل إعلانات لشركات البيبسي كولا وأخواتها، بحيث لم يعد من الممكن التمييز بين شاطئ كليوباترا وشاطئ سيدي بشر، فكلها قد جرت عليها بلدوزرات الخصخصة فأتت عليها كلها، وأخيراً سمعنا أن الأراضي المحيطة بمكتبة الإسكندرية، والتي تحتلها بعض كليات جامعة الإسكندرية ومستشفي الشاطبي، مطروحة أيضاً للبيع، وأن شركة مقاولات إماراتية (اسمها إعمار) تضع تصميمات لما سوف تكون عليه المنطقة بعد إزالة هذه الكليات والمستشفي، تتضمن إنشاء فندق علي البحر من ١٢٠ دوراً، وأن المشروع قد حصل علي مباركة محافظة الإسكندرية وجامعتها ومكتبتها، فضلاً عن مباركة وزير التعليم العالي.

حدث شيء مماثل أيضاً في الإعلام، ففي الصحافة احتفظت الدولة بملكية الصحف والمجلات التي جري تأميمها في الستينيات، وظل المسؤولون عن هذه الصحف والمجلات ورؤساء تحريرها طوال السبعينيات، من الكتاب المرموقين أو من الصحفيين الذين يتمتعون باحترام زملائهم ومرؤوسيهم، ولكن شيئاً فشيئاً، تحولت هذه الصحف والمجلات ابتداء من الثمانينيات إلي ما يشبه الملكيات الخاصة لرؤساء مجالس إدارتها ورؤساء تحريرها، يضاعفون ثرواتهم من دخل الإعلانات ومما تجلبه لهم المقالات والأخبار والصور المنشورة في مديح المسؤولين من تقرب إلي أصحاب النفوذ.

كان لابد أن يكون سحب يد الدولة بالتدريج من ميادين التعليم والثقافة والإسكان والإعلام…إلخ علي حساب الشرائح الفقيرة الذين تثقلهم أعباء الدروس الخصوصية، في محاولة يائسة للتعويض عن تدهور مستوي التعليم، والذين يجدون أن حق الاستمتاع بالإنتاج الثقافي والفني الرفيع مشروط أكثر منه في أي وقت مضي، بالقدرة علي الدفع، وكذلك حق الاستمتاع بهواء ومنظر البحر في الإسكندرية وسائر شواطئ الساحل الشمالي والبحر الأحمر، كما يجدون أنفسهم في حالة اغتراب مدهشة إزاء ما يشاهدونه علي شاشة التليفزيون وما ينشر في الصحف والمجلات.

***

لا يمكن لأحد أن يراقب ما حدث خلال العشرين سنة الماضية في هذه الميادين كلها، دون أن يتذكر نظام «الالتزام» الذي ساد مصر في ظل المماليك في القرن الثامن عشر، حيث كانت الدولة العثمانية والوالي العثماني في مصر، من الضعف، بحيث فقدت الدولة القدرة علي إدارة المرافق العامة لصالح الناس، وعلي تحصيل الضرائب التي تمكنهم إيراداتها من الإنفاق علي ما يحتاجه المجتمع من خدمات، فإذا بالدولة تبيع سلطاتها للأفراد المسمين «بالملتزمين»، يديرون المرافق علي هواهم، ويحصلون ما يستطيعون تحصيله من الشعب البائس من إيرادات (ولو بالضرب)، مقابل ثمن يدفعونه للوالي، بالإضافة إلي ما يرسلونه إليه من هدايا من حين لآخر.

لتحميل الكتاب أضف ردّا وأعد تحميل الصفحة

_________________


حسن بلم

₪ عفريت لسة جديد ₪
رسالة sms : منك الجمال ومنى الحب يانوسافعللى القلب اٍن القلب قد يئسا(ضع كلمتك هنافقط احذف بيت الشعروضع كلمتك
ذكر
عدد المساهمات : 16
نوسا البحر :
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
2013-12-09, 9:10 am
اين رابط التحميل من فضلكم
₪ عفريت لسة جديد ₪
رسالة sms : منك الجمال ومنى الحب يانوسافعللى القلب اٍن القلب قد يئسا(ضع كلمتك هنافقط احذف بيت الشعروضع كلمتك
ذكر
عدد المساهمات : 16
نوسا البحر :
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
2013-12-09, 9:13 am
[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط] كتب:
الدولة الرخوة … لجلال امين

الجميع يتكلمون منذ فترة عن «الدولة الرخوة» في مصر. البعض يتكلم عن رخاوتها إزاء الأجنبي، وعلي الأخص إزاء الولايات المتحدة، فيصفونها بالدولة التابعة.

وآخرون يتكلمون عن رخاوتها إزاء أصحاب الأموال فيتكلمون عن الفساد، أو عن رخاوتها في الضبط والربط، سواء تعلق الأمر بالمحافظة علي مستوي التعليم، أو تطبيق قواعد المرور أو تنفيذ أحكام القضاء…إلخ، كل شيء في الواقع غير الأمن، الذي يبدو أبعد ما يكون عن الضعف، فيتكلم البعض عن «النظام القوي والدولة الضعيفة».

ولكن كثيرين منا مازالوا يذكرون أن الأمر لم يكن دائمًا كذلك. ففي الستينيات كانت الشكوي من إفراط الدولة في الشدة لا في الرخاوة.

من الواضح إذن أن شيئًا ما قد حدث في أواخر الستينيات أو أوائل السبعينيات أدي إلي إصابة الدولة المصرية برخاوة العظام، فما الذي حدث بالضبط؟ وكيف تطور ضعف الدولة إلي أن وصلت إلي ما هي عليه الآن؟

منذ نحو ثلاثين عامًا، هبّت علي العالم رياح شديدة يمكن أن نسميها، تمشيا مع الاصطلاح الشائع «رياح العولمة» لم تكن هذه بالطبع أول هبّة لرياح العولمة. فالحملات الاستعمارية، قديمها وحديثها، صورة من صور العولمة.

فالاستعمار يجعل البلاد البعيدة قريبة، ويوسَّع الأسواق، ويأتي بالمواد الأولية من أقصي أركان الأرض، أي أنه يقصّر المسافات التي تقطعها السلع ورؤوس الأموال والأشخاص، بل والأفكار والعادات، وهذا هو بالضبط معني العولمة.

ولكن تلك الموجات القديمة من موجات العولمة كانت تتخذ في الغالب الأعم صورة احتلال جيوش دولة لأراضي دولة أو أمة أخري، أما الموجة الحالية، التي بدأت في الثلث الأخير من القرن العشرين، فتتسم بما يمكن أن نسميه «تفكيك الدولة».

إن موجات العولمة، القديم منها والحديث، تكمن وراءها دائمًا عوامل اقتصادية، ولكن هذه العوامل الاقتصادية التي كان يناسبها في الماضي أن تتم العولمة عن طريق الاحتلال العسكري، أصبح الذي يناسبها الآن هو العولمة عن طريق تفكيك الدولة.

تفسير ذلك أن العولمة في المرحلة الحالية تأتي في أعقاب ما يقرب من ثلاثين عامًا «هي العقود الثلاثة التي أعقبت نهاية الحرب العالمية الثانية: ١٩٤٥- ١٩٧٥» اتسمت بالتدخل الشديد من جانب الدولة في الاقتصاد والمجتمع. وأنا لا أقصد مصر وحدها بل العالم الثالث كله، بل «في بعض صورها» العالم المتقدم اقتصاديا أيضًا.

كان هذا التدخل الشديد من جانب الدولة يتخذ صورة التأميم، أو إقامة أسوار الحماية ضد الواردات والاستثمارات الأجنبية، أو فرض حد أدني للأجور وحماية العمال بشتي أنواع الحماية الاقتصادية والاجتماعية، أو التدخل في تحديد الأسعار وفرض الضرائب العالية، أو إعادة توزيع الدخل لصالح فئات الدخل المنخفض، أو لتحقيق ما يسمي بدولة الرفه في الدول الأكثر تقدمًا ((Welfare State أي قيام الدولة بخدمات أساسية لكل المواطنين دون تمييز، وبأسعار في متناول الجميع.

إن موجة العولمة الحالية تهدف إلي عكس هذا بالضبط، إنها ليست إلا فيضانًا من رؤوس الأموال والسلع التي تبحث لها عن أسواق جديدة للاستثمار والتصريف، في ظل تشبع البلاد التي تنتجها وانخفاض ربحية الاستثمار فيها، بسبب تشبع الطلب من ناحية وارتفاع الأجور من ناحية أخري.

هذا الفائض من السلع ورؤوس الأموال يبحث عن أسواق جديدة واسعة لا تحيط بها أسوار الحماية، وعن فرص جديدة للاستثمار لا تتدخل الدولة فترهقها بالضرائب العالية، وعن عمالة رخيصة لا تتدخل الدولة بحمايتها بفرض حد أدني لأجورها، أو بوضع الشروط القاسية لفصل العمال…إلخ.

ويا حبذا لو تحققت هذه الفرص الجديدة للاستثمار بشراء مشروعات جاهزة «أي بالخصخصة»، فيوفر أصحاب هذه الاستثمارات علي أنفسهم أعباء المجازفة بالدخول في مجالات جديدة، وأمامهم مشروعات تامة الصنع ورابحة وجاهزة للبيع. هذا هو ما يسميه بعض الكتاب بتراكم رأس المال عن طريق «الاستحواذ ووضع اليد» Accumulation by Acquisiton)) أو ما يمكن أن نسميه «بنزع الملكية للمنفعة الخاصة» وهو عكس «نزع الملكية للمنفعة العامة».

ولكن كل هذا يتطلب دولاً ضعيفة. فكلما كانت الدولة ضعيفة سهل الحصول علي أسواق جديدة، وفرص جديدة للاستثمار بأيسر الشروط، وعمالة بأقل الأجور، وخصخصة بأقل الأسعار. فإذا كانت الدولة قوية وجب تفكيكها.

هذه بلا شك سمة من أهم سمات التطور الاقتصادي والسياسي في الثلاثين عامًا الماضية، ليس في مصر وحدها بل وفي العالم ككل. حدث في الاتحاد السوفيتي فأدي إلي سقوط الدولة السوفيتية «علي عكس ما يقال من أن هذا السقوط كان بسبب شوق الناس للديمقراطية»، وحدث في بقية أوروبا الشرقية، فأدي إلي سقوط نظام شيوعي بعد آخر، بل وحدث في أوروبا الغربية نفسها بانتشار الخصخصة وتفكيك دولة الرفه، كما حدث في بلد بعد آخر من بلاد العالم الثالث. وقد تحمل الإنسان الروسي والأوروبي وفي كثير من بلاد العالم الثالث أعباء ثقيلة نتيجة لذلك، في التعليم والصحة وفرص العمالة المتاحة، كما تحمل الإنسان المصري أعباء ثقيلة لنفس السبب.

***

كان الإنسان المصري دائمًا في أحسن حالاته في ظل الدولة القوية، عندما تكون الدولة المصرية قوية يزدهر الاقتصاد، وتُحصّل الضرائب، فتنفق الدولة علي مختلف المشروعات والخدمات العامة، وينضبط نظام التعليم، وتخلق فرص العمالة، وقد تقدم الدولة الدعم للفقراء. وعندما تكون الدولة ضعيفة لا تحصّل الضرائب، ويخرق الناس القانون، ويفقد الناس احترامهم لرجل البوليس، ويختل الأمن، ولا تحترم قواعد المرور.

وفي العصر الحديث، تنتشر الدروس الخصوصية، وتختلط مياه الشرب بمياه المجاري، ويتحرش الشباب بالنساء في الطريق العام، وتكثر حوادث تصادم سيارات الميكروباص، وتغرق العبّارات، كما يغرق الشباب المصري الذي يريد أن يصل إلي شواطئ إيطاليا واليونان في قوارب مطاطية…إلخ.

قد يقال إن هذه القاعدة تنطبق علي أي دولة، وليس علي مصر وحدها. ولكن هذا ليس صحيحًا. أو ليس صحيحًا بنفس الدرجة. فلبنان مثلاً، ما أكثر فترات ازدهاره في ظل دولة ضعيفة. ودول المغرب العربي تبدو أقل احتياجًا بكثير لدولة قوية بالمقارنة بمصر. والأمريكيون ينفرون بطبعهم من الدولة القوية، ويفتخرون بالدولة التي تتركهم وشأنهم.

أما في مصر فسواء نظرنا إلي التاريخ الحديث أو المتوسط أو القديم، سنجد أن ازدهار الحضارة المصرية وتقدم أحوال الإنسان المصري يكونان دائمًا في عصور الدولة القوية.

كثير من الكتاب يفسرون هذه الظاهرة المصرية، باعتماد مصر هذا الاعتماد الكلي علي النيل، فالنيل يحتاج إلي تدخل مستمر من جانب الدولة، أي إلي دولة مركزية قوية، لمجرد استمرار الحياة نفسها، سواء عندما يكون النيل شحيحًا بمياهه، فتتدخل الدولة بتوزيعها توزيعًا عادلاً، أو عندما يكون النيل كريمًا أكثر من اللازم، فتتدخل الدولة بحماية الأرض والسكان من اكتساح الفيضان لها.

ولكن النيل قد يكون هو تفسير الحاجة إلي دولة قوية في مصر، ليس فقط كمصدر للمياه، بل وأيضًا كسبب للكثافة السكانية العالية المتركزة حول مجري النيل. إذ كلما زادت الكثافة السكانية اشتدت الحاجة إلي دولة مركزية قوية.

من ناحية أخري، قد يكون السبب سمات في الشخصية المصرية تجعلها تميل إلي تسليم قيادها إلي حاكم قوي ولا تستطيع تنظيم مشروع بنجاح اعتمادًا علي مجرد التعاون بين مجموعة من الأفراد، بل يحتاج هذا دائمًا إلي وجود رئيس قوي. ولكني أعود فأقول إن هذه السمات في الشخصية المصرية «بفرض وجودها بالفعل» قد تكون نتيجة لاعتياد المصريين وجود دولة مركزية لعدة آلاف من السنين، نتيجة لهذا الاعتماد الكبير علي مياه النيل.

أيا كان السبب، فإن من الصعب إنكار حاجة المصريين، أكثر من غيرهم من الشعوب، إلي دولة مركزية قوية. ومن الشيق أن نابليون بونابرت كتب في مذكراته وهو منفي في سانت هيلانا، أنه لا يعرف بلداً في العالم يحتاج إلي دولة قوية بالدرجة التي تحتاجها مصر (اقتطفها جمال حمدان في الجزء الثاني من «شخصية مصر»).

كان لابد إذن أن تدفع مصر ثمنًا أعلي مما دفعه غيرها نتيجة هبوب رياح العولمة ابتداء من السبعينيات، فزلزلت قوائم الدولة المصرية حتي أفقدتها توازنها، وأصبحت آيلة للسقوط. وقد ضاعف من أثر العولمة في إضعاف الدولة المصرية ثلاثة عوامل مهمة:

الأول: هزيمة الدولة المصرية في ١٩٦٧، حيث نتج عن الاعتداء الإسرائيلي احتلال سيناء وما ترتب عليه من آثار اقتصادية، وضعف سياسي، وفقدان الدولة الناصرية ما كانت تتمتع به من ولاء غالبية المصريين.

والثاني: شخصية الرئيس الجديد الذي حلّ محل عبد الناصر في ١٩٧٠، إذ اجتمعت فيه عدة صفات ساعدت علي تفكيك الدولة المصرية. ومن ناحية لم يكن أنور السادات يشيع الرهبة في الناس مثلما كان يشيعها سلفه، وهو محب للترف والتمتع بالحياة مما جعله بطبعه يضيق بالقيود التي يفرضها القانون علي هذا التمتع، وأكثر تسامحًا مع ما قد يميل له المحيطون به والمقربون إليه منه إلي الخروج عن القانون. وهو بطبعه مفتون بكل ما هو غربي،

ومن ثم لديه استعداد طبيعي لقبول فتح الأبواب أمام الأجانب، وإزالة أي عقبة قائمة في وجوههم، ولو علي حساب القواعد المستقرة. وهو من ناحية أخري يأتي في أعقاب رئيس قوي أفرط في تقييد حريات الناس فكان من السهل علي الرئيس الجديد أن يخلط بين إتاحة مزيد من الحريات للناس «وهو أمر مطلوب» وبين تفكيك الدولة وإحلال دولة رخوة محل الدولة القوية «وهو أمر غير مطلوب».

والثالث: أن موجة العولمة الجديدة اقترنت بحدوث تضخم جامح «كانت العولمة نفسها أحد أسبابه» ساعد التضخم من أكثر من وجه علي الإسراع بتفكيك الدولة. فقد أدي التضخم إلي أن تفقد الوظيفة الحكومية الكثير من هيبتها واحترامها «لعدم مسايرة المرتبات الحكومية لمعدل التضخم»، وجعل من الأسهل لصاحب المال، مادام يملك القدر الكافي منه، أن يشتري ذمة المسؤول الحكومي أو المسؤولين عن القطاع العام، كما أدي ارتفاع معدل التضخم إلي تضاؤل قدرة الحكومة والقطاع العام علي منافسة الشركات الأجنبية، بقدر انخفاض قيمة الجنيه المصري بالنسبة للدولار.

اجتمعت هذه العوامل كلها، مع رياح العولمة، لتحدث تأثيرها في إضعاف الدولة الذي بدأ المصريون يشعرون به ويستغربونه، منذ أوائل السبعينيات، وهم الذين تعودوا علي تعليق الآمال علي الدولة القوية للسهر علي مصالحهم وحمايتهم، ولم تكن نتائج هذا الضعف نتائج طيبة علي الإطلاق،
في عهد الرئيس مبارك تضافرت قوي العولمة مع الميول الشخصية للممسكين بدفة الحكم وأصحاب المناصب الكبيرة، لخلخلة أسس الدولة في مصر، حتي أصبح منظر الدولة بعد ثلث قرن من وفاة جمال عبدالناصر يدعو إلي الرثاء تارة، وإلي السخرية تارة أخري.

فها هم رجال يحتلون أعلي مناصب الدولة، ويتولون مسؤولية الاقتصاد والأمن والقضاء والسياسة الخارجية والتعليم والإسكان والثقافة والإعلام…إلخ، ولكنهم، في الغالب الأعم، لا يحملون أي ولاء لمشروع نهضوي أو قومي، بل لا يعرف لهم تاريخ نضالي أو سياسي من أي نوع قبل توليهم هذه المسؤوليات، ولا حتي اهتمام يزيد علي اهتمام الرجل العادي بالأمور السياسية والعامة، فوجدوا أنفسهم يشتركون في اتخاذ قرارات مهمة في حياة البلد بسبب صفات شخصية فيهم، تجعل جلوسهم في هذه المناصب لا يسبب أي متاعب لراسمي السياسة الحقيقيين في الداخل والخارج.

هؤلاء يأتون إلي مواقع المسؤولية في عصر تهب فيه رياح العولمة التي تدفع بعنف أبواب الاقتصاد، وتجلب إلي مصر (كما تجلب إلي غيرها) شركات دولية تغزو السوق بمنتجاتها، وتريد تنفيذ استثمارات جديدة للإفادة من العمل الرخيص (بشرط أن يبقي رخيصاً)، وتتوق إلي شراء شركات القطاع العام وأراض مملوكة للدولة (بشرط أن تكون أسعارها زهيدة وسعر العملة المصرية مواتياً)، وتريد تطويع نفسية المستهلكين لشراء ما تريد بيعه (سواء كانوا يحتاجونه أو لا يحتاجونه، يتفق مع عادات المصريين أو لا يتفق).

في ظل هذا وذاك، أي في ظل هذا النوع من المسؤولين الكبار وهذه الأهداف للعولمة، ما الذي يمكن أن نتوقعه إلا ازدياد الدولة المصرية رخاوة؟ (إلا فيما يتعلق بحفظ الأمن طبعاً)، فقوي العولمة لابد أن ترضي المسؤولين الكبار حتي يحققوا لها طموحاتها، والمسؤولون الكبار لديهم الاستعداد النفسي للتعاون مع هذه القوي، التي تجمع في يديها المال والقوة معاً، فلابد أن تكون النتيجة تغليب المصالح الخاصة للطرفين علي المصالح العامة، وتطويع سلطة الدولة لخدمة تلك المصالح الخاصة، وهذه هي «الدولة الرخوة» بعينها.

وقد زاد الطين بلة في العشرين سنة الأخيرة شدة التدخل الذي مارسه صندوق النقد الدولي في السياسة الاقتصادية المصرية منذ ١٩٨٧، عندما ظهر عجز الدولة عن سداد أقساط ديونها الخارجية وفوائدها، وعلي الأخص ابتداء من ١٩٩١، عندما وقعت مصر اتفاقية مع الصندوق عرفت باسم اتفاقية «التثبيت والتكيف الهيكلي» وانطوت علي انسحاب الدولة من كثير من المهام التي اعتاد الناس أن تمارسها الدولة منذ الستينيات، وعلي الإسراع ببيع شركات القطاع العام، ترتب علي هذا كله أن ما كان متواضعاً من مظاهر رخاوة الدولة في السبعينيات وأوائل الثمانينيات انتشر واستفحل في العشرين سنة الأخيرة.

ففي ميدان التعليم مثلاً.. شهدت السبعينيات بداية انتشار الدروس الخصوصية في المدارس والجامعات، ولكن هذه الظاهرة لم تلعب مثل هذا الدور الذي تلعبه الآن في الحياة الاجتماعية المصرية، ولم تصبح الشغل الشاغل لأهالي التلاميذ مثلما أصبحت في العشرين سنة الأخيرة، ولانتشار ظاهرة الدروس الخصوصية عدة معان، من بينها تخلي الدولة عن جزء مهم من مسؤولية تعليم المصريين ليصبح التعليم محل صفقات خاصة، تعقد مباشرة بين أهالي التلاميذ والمدرسين، بل أصبح الأهالي في بعض مراحل التعليم «يشترون» نجاح أولادهم في الامتحانات بالقيام بالتصرف الواجب مع المدرسين.

شهدت السبعينيات أيضاً بداية نمو المدارس الخاصة وعادت المدارس الأجنبية إلي الظهور، ولكن الجامعات الأجنبية لم تظهر إلا في الثمانينيات، وانتشرت هذه الجامعات والمدارس الأجنبية والخاصة وتعددت أنواعها في العشرين سنة الأخيرة، بل غزا التعليم الأجنبي الجامعات الحكومية بفتح أقسام للتعليم بلغات أجنبية إلي جانب التعليم بالعربية، فدعم كل هذا انقسام المجتمع المصري إلي أمتين: أمة قادرة علي دفع مصروفات التعليم الخاص والأجنبي، وأمة غير قادرة، وتظاهرت الدولة بأنها تراقب ما يجري تدريسه للتلاميذ في هذه الجامعات والمدارس، وهي في الحقيقة ضعيفة القدرة (بل الرغبة أيضاً) علي الزج بنفسها في هذه الأمور.

في ميدان الإنتاج الثقافي والفني يلاحظ أيضاً مثل هذا التغير في نصيب الدولة ونصيب القطاع الخاص، ففي المسرح والسينما وإصدار الكتب والصحف والمجلات شهدنا في العشرين سنة الأخيرة زحفاً منتظماً من جانب القطاع الخاص وانسحاباً منتظماً من جانب الدولة، وبينما انخفض ما تقدمه الدولة من دعم لهذه الأنشطة الثقافية زاد ما تتلقاه الدولة من دعم من القطاع الخاص، ولم تكن نتيجة هذا الانسحاب من جانب والغزو من الجانب الآخر مرضية دائماً.

فعلي سبيل المثال، ليس هناك أي سبب للاعتراض علي أن تبني دار الأوبرا الجديدة بمعونة يابانية، ولكن من المزعج جداً، للعين والقلب علي السواء، أن تري شركات لبيع السيارات تحتل مدخل دار الأوبرا لتعرض فيه سياراتها، أو انظر إلي ما طرأ من تغير علي معرض القاهرة الدولي للكتاب في يناير الماضي، حيث تم المعرض تحت لواء شركة من شركات التليفون المحمول، فملئت شوارع المعرض بإعلانات الشركة، وظهر الميل الواضح لدي المسؤولين الجدد عن المعرض إلي تخفيض عدد الندوات، التي جرت العادة علي عقدها لمناقشة موضوعات تهم الرأي العام، وزيادة حجم الدعاية للشركات الخاصة، وإني أكاد أري بعيني صورة معرض الكتاب بعد أربع أو خمس سنوات حينما يصبح مكاناً لترويج السلع وليس للتشجيع علي القراءة.

حدث شيء مماثل أيضاً في مدينة الإسكندرية في العشرين سنة الماضية، فقد جاء محافظ قوي كان يبدو في البداية وكأنه استثناء خارج عن المألوف من انحسار دور الدولة، ولكن الحصيلة النهائية لتطوير مدينة الإسكندرية في عهده كانت هي الحلول التدريجية للقطاع الخاص محل الدولة.

لقد رحبنا في البداية بإزالة الكبائن والشاليهات التي كانت مقامة علي شاطئ البحر، وكانت الحكومة تؤجرها بإيجار زهيد للشرائح القديمة من الطبقة الوسطي، فأصبح منظر البحر متاحاً لمتعة السائرين علي الكورنيش، ولكننا سرعان ما رأينا الشواطئ التي كانت مفتوحة للجميع تسلم لشركات خاصة تتقاضي رسوماً مرتفعة مقابل مجرد الجلوس علي الرمل والنظر إلي البحر، إذ تشترط هذه الشركات أن يتناول الجالسون مشروبات عديمة القيمة بأسعار باهظة،

ومن أجل ذلك غرست مظلات علي طول شاطئ الإسكندرية تحمل إعلانات لشركات البيبسي كولا وأخواتها، بحيث لم يعد من الممكن التمييز بين شاطئ كليوباترا وشاطئ سيدي بشر، فكلها قد جرت عليها بلدوزرات الخصخصة فأتت عليها كلها، وأخيراً سمعنا أن الأراضي المحيطة بمكتبة الإسكندرية، والتي تحتلها بعض كليات جامعة الإسكندرية ومستشفي الشاطبي، مطروحة أيضاً للبيع، وأن شركة مقاولات إماراتية (اسمها إعمار) تضع تصميمات لما سوف تكون عليه المنطقة بعد إزالة هذه الكليات والمستشفي، تتضمن إنشاء فندق علي البحر من ١٢٠ دوراً، وأن المشروع قد حصل علي مباركة محافظة الإسكندرية وجامعتها ومكتبتها، فضلاً عن مباركة وزير التعليم العالي.

حدث شيء مماثل أيضاً في الإعلام، ففي الصحافة احتفظت الدولة بملكية الصحف والمجلات التي جري تأميمها في الستينيات، وظل المسؤولون عن هذه الصحف والمجلات ورؤساء تحريرها طوال السبعينيات، من الكتاب المرموقين أو من الصحفيين الذين يتمتعون باحترام زملائهم ومرؤوسيهم، ولكن شيئاً فشيئاً، تحولت هذه الصحف والمجلات ابتداء من الثمانينيات إلي ما يشبه الملكيات الخاصة لرؤساء مجالس إدارتها ورؤساء تحريرها، يضاعفون ثرواتهم من دخل الإعلانات ومما تجلبه لهم المقالات والأخبار والصور المنشورة في مديح المسؤولين من تقرب إلي أصحاب النفوذ.

كان لابد أن يكون سحب يد الدولة بالتدريج من ميادين التعليم والثقافة والإسكان والإعلام…إلخ علي حساب الشرائح الفقيرة الذين تثقلهم أعباء الدروس الخصوصية، في محاولة يائسة للتعويض عن تدهور مستوي التعليم، والذين يجدون أن حق الاستمتاع بالإنتاج الثقافي والفني الرفيع مشروط أكثر منه في أي وقت مضي، بالقدرة علي الدفع، وكذلك حق الاستمتاع بهواء ومنظر البحر في الإسكندرية وسائر شواطئ الساحل الشمالي والبحر الأحمر، كما يجدون أنفسهم في حالة اغتراب مدهشة إزاء ما يشاهدونه علي شاشة التليفزيون وما ينشر في الصحف والمجلات.

***

لا يمكن لأحد أن يراقب ما حدث خلال العشرين سنة الماضية في هذه الميادين كلها، دون أن يتذكر نظام «الالتزام» الذي ساد مصر في ظل المماليك في القرن الثامن عشر، حيث كانت الدولة العثمانية والوالي العثماني في مصر، من الضعف، بحيث فقدت الدولة القدرة علي إدارة المرافق العامة لصالح الناس، وعلي تحصيل الضرائب التي تمكنهم إيراداتها من الإنفاق علي ما يحتاجه المجتمع من خدمات، فإذا بالدولة تبيع سلطاتها للأفراد المسمين «بالملتزمين»، يديرون المرافق علي هواهم، ويحصلون ما يستطيعون تحصيله من الشعب البائس من إيرادات (ولو بالضرب)، مقابل ثمن يدفعونه للوالي، بالإضافة إلي ما يرسلونه إليه من هدايا من حين لآخر.

لتحميل الكتاب أضف ردّا وأعد تحميل الصفحة
₪ عفريت لسة جديد ₪
رسالة sms : منك الجمال ومنى الحب يانوسافعللى القلب اٍن القلب قد يئسا(ضع كلمتك هنافقط احذف بيت الشعروضع كلمتك
ذكر
عدد المساهمات : 3
نوسا البحر :
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
2013-12-29, 12:53 pm
بارك الله فيكم
₪ عفريت لسة جديد ₪
رسالة sms : منك الجمال ومنى الحب يانوسافعللى القلب اٍن القلب قد يئسا(ضع كلمتك هنافقط احذف بيت الشعروضع كلمتك
ذكر
عدد المساهمات : 7
نوسا البحر :
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
2014-01-23, 2:37 pm
شكرا جزيلا على الكتاب
₪ عفريت لسة جديد ₪
رسالة sms : منك الجمال ومنى الحب يانوسافعللى القلب اٍن القلب قد يئسا(ضع كلمتك هنافقط احذف بيت الشعروضع كلمتك
انثى
عدد المساهمات : 3
نوسا البحر :
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
2014-03-08, 4:44 am
ميرسى
₪ عفريت لسة جديد ₪
رسالة sms : منك الجمال ومنى الحب يانوسافعللى القلب اٍن القلب قد يئسا(ضع كلمتك هنافقط احذف بيت الشعروضع كلمتك
ذكر
عدد المساهمات : 1
نوسا البحر :
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
2014-04-24, 12:04 pm
جميل
₪ عفريت لسة جديد ₪
رسالة sms : منك الجمال ومنى الحب يانوسافعللى القلب اٍن القلب قد يئسا(ضع كلمتك هنافقط احذف بيت الشعروضع كلمتك
ذكر
عدد المساهمات : 1
نوسا البحر :
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
2014-06-07, 11:35 am
البروفيسور جلال امين إقتصادي و مفكر مصري كبير.هو إبن أحمد أمين.شكرا جزيلا.المزيد من اعماله الأخيرة.
₪ عفريت لسة جديد ₪
رسالة sms : منك الجمال ومنى الحب يانوسافعللى القلب اٍن القلب قد يئسا(ضع كلمتك هنافقط احذف بيت الشعروضع كلمتك
انثى
عدد المساهمات : 2
نوسا البحر :
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
2014-12-12, 8:07 pm
thanks
₪ عفريت لسة جديد ₪
رسالة sms : منك الجمال ومنى الحب يانوسافعللى القلب اٍن القلب قد يئسا(ضع كلمتك هنافقط احذف بيت الشعروضع كلمتك
انثى
عدد المساهمات : 2
نوسا البحر :
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
2014-12-12, 8:11 pm
[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط] كتب:
الدولة الرخوة … لجلال امين

الجميع يتكلمون منذ فترة عن «الدولة الرخوة» في مصر. البعض يتكلم عن رخاوتها إزاء الأجنبي، وعلي الأخص إزاء الولايات المتحدة، فيصفونها بالدولة التابعة.

وآخرون يتكلمون عن رخاوتها إزاء أصحاب الأموال فيتكلمون عن الفساد، أو عن رخاوتها في الضبط والربط، سواء تعلق الأمر بالمحافظة علي مستوي التعليم، أو تطبيق قواعد المرور أو تنفيذ أحكام القضاء…إلخ، كل شيء في الواقع غير الأمن، الذي يبدو أبعد ما يكون عن الضعف، فيتكلم البعض عن «النظام القوي والدولة الضعيفة».

ولكن كثيرين منا مازالوا يذكرون أن الأمر لم يكن دائمًا كذلك. ففي الستينيات كانت الشكوي من إفراط الدولة في الشدة لا في الرخاوة.

من الواضح إذن أن شيئًا ما قد حدث في أواخر الستينيات أو أوائل السبعينيات أدي إلي إصابة الدولة المصرية برخاوة العظام، فما الذي حدث بالضبط؟ وكيف تطور ضعف الدولة إلي أن وصلت إلي ما هي عليه الآن؟

منذ نحو ثلاثين عامًا، هبّت علي العالم رياح شديدة يمكن أن نسميها، تمشيا مع الاصطلاح الشائع «رياح العولمة» لم تكن هذه بالطبع أول هبّة لرياح العولمة. فالحملات الاستعمارية، قديمها وحديثها، صورة من صور العولمة.

فالاستعمار يجعل البلاد البعيدة قريبة، ويوسَّع الأسواق، ويأتي بالمواد الأولية من أقصي أركان الأرض، أي أنه يقصّر المسافات التي تقطعها السلع ورؤوس الأموال والأشخاص، بل والأفكار والعادات، وهذا هو بالضبط معني العولمة.

ولكن تلك الموجات القديمة من موجات العولمة كانت تتخذ في الغالب الأعم صورة احتلال جيوش دولة لأراضي دولة أو أمة أخري، أما الموجة الحالية، التي بدأت في الثلث الأخير من القرن العشرين، فتتسم بما يمكن أن نسميه «تفكيك الدولة».

إن موجات العولمة، القديم منها والحديث، تكمن وراءها دائمًا عوامل اقتصادية، ولكن هذه العوامل الاقتصادية التي كان يناسبها في الماضي أن تتم العولمة عن طريق الاحتلال العسكري، أصبح الذي يناسبها الآن هو العولمة عن طريق تفكيك الدولة.

تفسير ذلك أن العولمة في المرحلة الحالية تأتي في أعقاب ما يقرب من ثلاثين عامًا «هي العقود الثلاثة التي أعقبت نهاية الحرب العالمية الثانية: ١٩٤٥- ١٩٧٥» اتسمت بالتدخل الشديد من جانب الدولة في الاقتصاد والمجتمع. وأنا لا أقصد مصر وحدها بل العالم الثالث كله، بل «في بعض صورها» العالم المتقدم اقتصاديا أيضًا.

كان هذا التدخل الشديد من جانب الدولة يتخذ صورة التأميم، أو إقامة أسوار الحماية ضد الواردات والاستثمارات الأجنبية، أو فرض حد أدني للأجور وحماية العمال بشتي أنواع الحماية الاقتصادية والاجتماعية، أو التدخل في تحديد الأسعار وفرض الضرائب العالية، أو إعادة توزيع الدخل لصالح فئات الدخل المنخفض، أو لتحقيق ما يسمي بدولة الرفه في الدول الأكثر تقدمًا ((Welfare State أي قيام الدولة بخدمات أساسية لكل المواطنين دون تمييز، وبأسعار في متناول الجميع.

إن موجة العولمة الحالية تهدف إلي عكس هذا بالضبط، إنها ليست إلا فيضانًا من رؤوس الأموال والسلع التي تبحث لها عن أسواق جديدة للاستثمار والتصريف، في ظل تشبع البلاد التي تنتجها وانخفاض ربحية الاستثمار فيها، بسبب تشبع الطلب من ناحية وارتفاع الأجور من ناحية أخري.

هذا الفائض من السلع ورؤوس الأموال يبحث عن أسواق جديدة واسعة لا تحيط بها أسوار الحماية، وعن فرص جديدة للاستثمار لا تتدخل الدولة فترهقها بالضرائب العالية، وعن عمالة رخيصة لا تتدخل الدولة بحمايتها بفرض حد أدني لأجورها، أو بوضع الشروط القاسية لفصل العمال…إلخ.

ويا حبذا لو تحققت هذه الفرص الجديدة للاستثمار بشراء مشروعات جاهزة «أي بالخصخصة»، فيوفر أصحاب هذه الاستثمارات علي أنفسهم أعباء المجازفة بالدخول في مجالات جديدة، وأمامهم مشروعات تامة الصنع ورابحة وجاهزة للبيع. هذا هو ما يسميه بعض الكتاب بتراكم رأس المال عن طريق «الاستحواذ ووضع اليد» Accumulation by Acquisiton)) أو ما يمكن أن نسميه «بنزع الملكية للمنفعة الخاصة» وهو عكس «نزع الملكية للمنفعة العامة».

ولكن كل هذا يتطلب دولاً ضعيفة. فكلما كانت الدولة ضعيفة سهل الحصول علي أسواق جديدة، وفرص جديدة للاستثمار بأيسر الشروط، وعمالة بأقل الأجور، وخصخصة بأقل الأسعار. فإذا كانت الدولة قوية وجب تفكيكها.

هذه بلا شك سمة من أهم سمات التطور الاقتصادي والسياسي في الثلاثين عامًا الماضية، ليس في مصر وحدها بل وفي العالم ككل. حدث في الاتحاد السوفيتي فأدي إلي سقوط الدولة السوفيتية «علي عكس ما يقال من أن هذا السقوط كان بسبب شوق الناس للديمقراطية»، وحدث في بقية أوروبا الشرقية، فأدي إلي سقوط نظام شيوعي بعد آخر، بل وحدث في أوروبا الغربية نفسها بانتشار الخصخصة وتفكيك دولة الرفه، كما حدث في بلد بعد آخر من بلاد العالم الثالث. وقد تحمل الإنسان الروسي والأوروبي وفي كثير من بلاد العالم الثالث أعباء ثقيلة نتيجة لذلك، في التعليم والصحة وفرص العمالة المتاحة، كما تحمل الإنسان المصري أعباء ثقيلة لنفس السبب.

***

كان الإنسان المصري دائمًا في أحسن حالاته في ظل الدولة القوية، عندما تكون الدولة المصرية قوية يزدهر الاقتصاد، وتُحصّل الضرائب، فتنفق الدولة علي مختلف المشروعات والخدمات العامة، وينضبط نظام التعليم، وتخلق فرص العمالة، وقد تقدم الدولة الدعم للفقراء. وعندما تكون الدولة ضعيفة لا تحصّل الضرائب، ويخرق الناس القانون، ويفقد الناس احترامهم لرجل البوليس، ويختل الأمن، ولا تحترم قواعد المرور.

وفي العصر الحديث، تنتشر الدروس الخصوصية، وتختلط مياه الشرب بمياه المجاري، ويتحرش الشباب بالنساء في الطريق العام، وتكثر حوادث تصادم سيارات الميكروباص، وتغرق العبّارات، كما يغرق الشباب المصري الذي يريد أن يصل إلي شواطئ إيطاليا واليونان في قوارب مطاطية…إلخ.

قد يقال إن هذه القاعدة تنطبق علي أي دولة، وليس علي مصر وحدها. ولكن هذا ليس صحيحًا. أو ليس صحيحًا بنفس الدرجة. فلبنان مثلاً، ما أكثر فترات ازدهاره في ظل دولة ضعيفة. ودول المغرب العربي تبدو أقل احتياجًا بكثير لدولة قوية بالمقارنة بمصر. والأمريكيون ينفرون بطبعهم من الدولة القوية، ويفتخرون بالدولة التي تتركهم وشأنهم.

أما في مصر فسواء نظرنا إلي التاريخ الحديث أو المتوسط أو القديم، سنجد أن ازدهار الحضارة المصرية وتقدم أحوال الإنسان المصري يكونان دائمًا في عصور الدولة القوية.

كثير من الكتاب يفسرون هذه الظاهرة المصرية، باعتماد مصر هذا الاعتماد الكلي علي النيل، فالنيل يحتاج إلي تدخل مستمر من جانب الدولة، أي إلي دولة مركزية قوية، لمجرد استمرار الحياة نفسها، سواء عندما يكون النيل شحيحًا بمياهه، فتتدخل الدولة بتوزيعها توزيعًا عادلاً، أو عندما يكون النيل كريمًا أكثر من اللازم، فتتدخل الدولة بحماية الأرض والسكان من اكتساح الفيضان لها.

ولكن النيل قد يكون هو تفسير الحاجة إلي دولة قوية في مصر، ليس فقط كمصدر للمياه، بل وأيضًا كسبب للكثافة السكانية العالية المتركزة حول مجري النيل. إذ كلما زادت الكثافة السكانية اشتدت الحاجة إلي دولة مركزية قوية.

من ناحية أخري، قد يكون السبب سمات في الشخصية المصرية تجعلها تميل إلي تسليم قيادها إلي حاكم قوي ولا تستطيع تنظيم مشروع بنجاح اعتمادًا علي مجرد التعاون بين مجموعة من الأفراد، بل يحتاج هذا دائمًا إلي وجود رئيس قوي. ولكني أعود فأقول إن هذه السمات في الشخصية المصرية «بفرض وجودها بالفعل» قد تكون نتيجة لاعتياد المصريين وجود دولة مركزية لعدة آلاف من السنين، نتيجة لهذا الاعتماد الكبير علي مياه النيل.

أيا كان السبب، فإن من الصعب إنكار حاجة المصريين، أكثر من غيرهم من الشعوب، إلي دولة مركزية قوية. ومن الشيق أن نابليون بونابرت كتب في مذكراته وهو منفي في سانت هيلانا، أنه لا يعرف بلداً في العالم يحتاج إلي دولة قوية بالدرجة التي تحتاجها مصر (اقتطفها جمال حمدان في الجزء الثاني من «شخصية مصر»).

كان لابد إذن أن تدفع مصر ثمنًا أعلي مما دفعه غيرها نتيجة هبوب رياح العولمة ابتداء من السبعينيات، فزلزلت قوائم الدولة المصرية حتي أفقدتها توازنها، وأصبحت آيلة للسقوط. وقد ضاعف من أثر العولمة في إضعاف الدولة المصرية ثلاثة عوامل مهمة:

الأول: هزيمة الدولة المصرية في ١٩٦٧، حيث نتج عن الاعتداء الإسرائيلي احتلال سيناء وما ترتب عليه من آثار اقتصادية، وضعف سياسي، وفقدان الدولة الناصرية ما كانت تتمتع به من ولاء غالبية المصريين.

والثاني: شخصية الرئيس الجديد الذي حلّ محل عبد الناصر في ١٩٧٠، إذ اجتمعت فيه عدة صفات ساعدت علي تفكيك الدولة المصرية. ومن ناحية لم يكن أنور السادات يشيع الرهبة في الناس مثلما كان يشيعها سلفه، وهو محب للترف والتمتع بالحياة مما جعله بطبعه يضيق بالقيود التي يفرضها القانون علي هذا التمتع، وأكثر تسامحًا مع ما قد يميل له المحيطون به والمقربون إليه منه إلي الخروج عن القانون. وهو بطبعه مفتون بكل ما هو غربي،

ومن ثم لديه استعداد طبيعي لقبول فتح الأبواب أمام الأجانب، وإزالة أي عقبة قائمة في وجوههم، ولو علي حساب القواعد المستقرة. وهو من ناحية أخري يأتي في أعقاب رئيس قوي أفرط في تقييد حريات الناس فكان من السهل علي الرئيس الجديد أن يخلط بين إتاحة مزيد من الحريات للناس «وهو أمر مطلوب» وبين تفكيك الدولة وإحلال دولة رخوة محل الدولة القوية «وهو أمر غير مطلوب».

والثالث: أن موجة العولمة الجديدة اقترنت بحدوث تضخم جامح «كانت العولمة نفسها أحد أسبابه» ساعد التضخم من أكثر من وجه علي الإسراع بتفكيك الدولة. فقد أدي التضخم إلي أن تفقد الوظيفة الحكومية الكثير من هيبتها واحترامها «لعدم مسايرة المرتبات الحكومية لمعدل التضخم»، وجعل من الأسهل لصاحب المال، مادام يملك القدر الكافي منه، أن يشتري ذمة المسؤول الحكومي أو المسؤولين عن القطاع العام، كما أدي ارتفاع معدل التضخم إلي تضاؤل قدرة الحكومة والقطاع العام علي منافسة الشركات الأجنبية، بقدر انخفاض قيمة الجنيه المصري بالنسبة للدولار.

اجتمعت هذه العوامل كلها، مع رياح العولمة، لتحدث تأثيرها في إضعاف الدولة الذي بدأ المصريون يشعرون به ويستغربونه، منذ أوائل السبعينيات، وهم الذين تعودوا علي تعليق الآمال علي الدولة القوية للسهر علي مصالحهم وحمايتهم، ولم تكن نتائج هذا الضعف نتائج طيبة علي الإطلاق،
في عهد الرئيس مبارك تضافرت قوي العولمة مع الميول الشخصية للممسكين بدفة الحكم وأصحاب المناصب الكبيرة، لخلخلة أسس الدولة في مصر، حتي أصبح منظر الدولة بعد ثلث قرن من وفاة جمال عبدالناصر يدعو إلي الرثاء تارة، وإلي السخرية تارة أخري.

فها هم رجال يحتلون أعلي مناصب الدولة، ويتولون مسؤولية الاقتصاد والأمن والقضاء والسياسة الخارجية والتعليم والإسكان والثقافة والإعلام…إلخ، ولكنهم، في الغالب الأعم، لا يحملون أي ولاء لمشروع نهضوي أو قومي، بل لا يعرف لهم تاريخ نضالي أو سياسي من أي نوع قبل توليهم هذه المسؤوليات، ولا حتي اهتمام يزيد علي اهتمام الرجل العادي بالأمور السياسية والعامة، فوجدوا أنفسهم يشتركون في اتخاذ قرارات مهمة في حياة البلد بسبب صفات شخصية فيهم، تجعل جلوسهم في هذه المناصب لا يسبب أي متاعب لراسمي السياسة الحقيقيين في الداخل والخارج.

هؤلاء يأتون إلي مواقع المسؤولية في عصر تهب فيه رياح العولمة التي تدفع بعنف أبواب الاقتصاد، وتجلب إلي مصر (كما تجلب إلي غيرها) شركات دولية تغزو السوق بمنتجاتها، وتريد تنفيذ استثمارات جديدة للإفادة من العمل الرخيص (بشرط أن يبقي رخيصاً)، وتتوق إلي شراء شركات القطاع العام وأراض مملوكة للدولة (بشرط أن تكون أسعارها زهيدة وسعر العملة المصرية مواتياً)، وتريد تطويع نفسية المستهلكين لشراء ما تريد بيعه (سواء كانوا يحتاجونه أو لا يحتاجونه، يتفق مع عادات المصريين أو لا يتفق).

في ظل هذا وذاك، أي في ظل هذا النوع من المسؤولين الكبار وهذه الأهداف للعولمة، ما الذي يمكن أن نتوقعه إلا ازدياد الدولة المصرية رخاوة؟ (إلا فيما يتعلق بحفظ الأمن طبعاً)، فقوي العولمة لابد أن ترضي المسؤولين الكبار حتي يحققوا لها طموحاتها، والمسؤولون الكبار لديهم الاستعداد النفسي للتعاون مع هذه القوي، التي تجمع في يديها المال والقوة معاً، فلابد أن تكون النتيجة تغليب المصالح الخاصة للطرفين علي المصالح العامة، وتطويع سلطة الدولة لخدمة تلك المصالح الخاصة، وهذه هي «الدولة الرخوة» بعينها.

وقد زاد الطين بلة في العشرين سنة الأخيرة شدة التدخل الذي مارسه صندوق النقد الدولي في السياسة الاقتصادية المصرية منذ ١٩٨٧، عندما ظهر عجز الدولة عن سداد أقساط ديونها الخارجية وفوائدها، وعلي الأخص ابتداء من ١٩٩١، عندما وقعت مصر اتفاقية مع الصندوق عرفت باسم اتفاقية «التثبيت والتكيف الهيكلي» وانطوت علي انسحاب الدولة من كثير من المهام التي اعتاد الناس أن تمارسها الدولة منذ الستينيات، وعلي الإسراع ببيع شركات القطاع العام، ترتب علي هذا كله أن ما كان متواضعاً من مظاهر رخاوة الدولة في السبعينيات وأوائل الثمانينيات انتشر واستفحل في العشرين سنة الأخيرة.

ففي ميدان التعليم مثلاً.. شهدت السبعينيات بداية انتشار الدروس الخصوصية في المدارس والجامعات، ولكن هذه الظاهرة لم تلعب مثل هذا الدور الذي تلعبه الآن في الحياة الاجتماعية المصرية، ولم تصبح الشغل الشاغل لأهالي التلاميذ مثلما أصبحت في العشرين سنة الأخيرة، ولانتشار ظاهرة الدروس الخصوصية عدة معان، من بينها تخلي الدولة عن جزء مهم من مسؤولية تعليم المصريين ليصبح التعليم محل صفقات خاصة، تعقد مباشرة بين أهالي التلاميذ والمدرسين، بل أصبح الأهالي في بعض مراحل التعليم «يشترون» نجاح أولادهم في الامتحانات بالقيام بالتصرف الواجب مع المدرسين.

شهدت السبعينيات أيضاً بداية نمو المدارس الخاصة وعادت المدارس الأجنبية إلي الظهور، ولكن الجامعات الأجنبية لم تظهر إلا في الثمانينيات، وانتشرت هذه الجامعات والمدارس الأجنبية والخاصة وتعددت أنواعها في العشرين سنة الأخيرة، بل غزا التعليم الأجنبي الجامعات الحكومية بفتح أقسام للتعليم بلغات أجنبية إلي جانب التعليم بالعربية، فدعم كل هذا انقسام المجتمع المصري إلي أمتين: أمة قادرة علي دفع مصروفات التعليم الخاص والأجنبي، وأمة غير قادرة، وتظاهرت الدولة بأنها تراقب ما يجري تدريسه للتلاميذ في هذه الجامعات والمدارس، وهي في الحقيقة ضعيفة القدرة (بل الرغبة أيضاً) علي الزج بنفسها في هذه الأمور.

في ميدان الإنتاج الثقافي والفني يلاحظ أيضاً مثل هذا التغير في نصيب الدولة ونصيب القطاع الخاص، ففي المسرح والسينما وإصدار الكتب والصحف والمجلات شهدنا في العشرين سنة الأخيرة زحفاً منتظماً من جانب القطاع الخاص وانسحاباً منتظماً من جانب الدولة، وبينما انخفض ما تقدمه الدولة من دعم لهذه الأنشطة الثقافية زاد ما تتلقاه الدولة من دعم من القطاع الخاص، ولم تكن نتيجة هذا الانسحاب من جانب والغزو من الجانب الآخر مرضية دائماً.

فعلي سبيل المثال، ليس هناك أي سبب للاعتراض علي أن تبني دار الأوبرا الجديدة بمعونة يابانية، ولكن من المزعج جداً، للعين والقلب علي السواء، أن تري شركات لبيع السيارات تحتل مدخل دار الأوبرا لتعرض فيه سياراتها، أو انظر إلي ما طرأ من تغير علي معرض القاهرة الدولي للكتاب في يناير الماضي، حيث تم المعرض تحت لواء شركة من شركات التليفون المحمول، فملئت شوارع المعرض بإعلانات الشركة، وظهر الميل الواضح لدي المسؤولين الجدد عن المعرض إلي تخفيض عدد الندوات، التي جرت العادة علي عقدها لمناقشة موضوعات تهم الرأي العام، وزيادة حجم الدعاية للشركات الخاصة، وإني أكاد أري بعيني صورة معرض الكتاب بعد أربع أو خمس سنوات حينما يصبح مكاناً لترويج السلع وليس للتشجيع علي القراءة.

حدث شيء مماثل أيضاً في مدينة الإسكندرية في العشرين سنة الماضية، فقد جاء محافظ قوي كان يبدو في البداية وكأنه استثناء خارج عن المألوف من انحسار دور الدولة، ولكن الحصيلة النهائية لتطوير مدينة الإسكندرية في عهده كانت هي الحلول التدريجية للقطاع الخاص محل الدولة.

لقد رحبنا في البداية بإزالة الكبائن والشاليهات التي كانت مقامة علي شاطئ البحر، وكانت الحكومة تؤجرها بإيجار زهيد للشرائح القديمة من الطبقة الوسطي، فأصبح منظر البحر متاحاً لمتعة السائرين علي الكورنيش، ولكننا سرعان ما رأينا الشواطئ التي كانت مفتوحة للجميع تسلم لشركات خاصة تتقاضي رسوماً مرتفعة مقابل مجرد الجلوس علي الرمل والنظر إلي البحر، إذ تشترط هذه الشركات أن يتناول الجالسون مشروبات عديمة القيمة بأسعار باهظة،

ومن أجل ذلك غرست مظلات علي طول شاطئ الإسكندرية تحمل إعلانات لشركات البيبسي كولا وأخواتها، بحيث لم يعد من الممكن التمييز بين شاطئ كليوباترا وشاطئ سيدي بشر، فكلها قد جرت عليها بلدوزرات الخصخصة فأتت عليها كلها، وأخيراً سمعنا أن الأراضي المحيطة بمكتبة الإسكندرية، والتي تحتلها بعض كليات جامعة الإسكندرية ومستشفي الشاطبي، مطروحة أيضاً للبيع، وأن شركة مقاولات إماراتية (اسمها إعمار) تضع تصميمات لما سوف تكون عليه المنطقة بعد إزالة هذه الكليات والمستشفي، تتضمن إنشاء فندق علي البحر من ١٢٠ دوراً، وأن المشروع قد حصل علي مباركة محافظة الإسكندرية وجامعتها ومكتبتها، فضلاً عن مباركة وزير التعليم العالي.

حدث شيء مماثل أيضاً في الإعلام، ففي الصحافة احتفظت الدولة بملكية الصحف والمجلات التي جري تأميمها في الستينيات، وظل المسؤولون عن هذه الصحف والمجلات ورؤساء تحريرها طوال السبعينيات، من الكتاب المرموقين أو من الصحفيين الذين يتمتعون باحترام زملائهم ومرؤوسيهم، ولكن شيئاً فشيئاً، تحولت هذه الصحف والمجلات ابتداء من الثمانينيات إلي ما يشبه الملكيات الخاصة لرؤساء مجالس إدارتها ورؤساء تحريرها، يضاعفون ثرواتهم من دخل الإعلانات ومما تجلبه لهم المقالات والأخبار والصور المنشورة في مديح المسؤولين من تقرب إلي أصحاب النفوذ.

كان لابد أن يكون سحب يد الدولة بالتدريج من ميادين التعليم والثقافة والإسكان والإعلام…إلخ علي حساب الشرائح الفقيرة الذين تثقلهم أعباء الدروس الخصوصية، في محاولة يائسة للتعويض عن تدهور مستوي التعليم، والذين يجدون أن حق الاستمتاع بالإنتاج الثقافي والفني الرفيع مشروط أكثر منه في أي وقت مضي، بالقدرة علي الدفع، وكذلك حق الاستمتاع بهواء ومنظر البحر في الإسكندرية وسائر شواطئ الساحل الشمالي والبحر الأحمر، كما يجدون أنفسهم في حالة اغتراب مدهشة إزاء ما يشاهدونه علي شاشة التليفزيون وما ينشر في الصحف والمجلات.

***

لا يمكن لأحد أن يراقب ما حدث خلال العشرين سنة الماضية في هذه الميادين كلها، دون أن يتذكر نظام «الالتزام» الذي ساد مصر في ظل المماليك في القرن الثامن عشر، حيث كانت الدولة العثمانية والوالي العثماني في مصر، من الضعف، بحيث فقدت الدولة القدرة علي إدارة المرافق العامة لصالح الناس، وعلي تحصيل الضرائب التي تمكنهم إيراداتها من الإنفاق علي ما يحتاجه المجتمع من خدمات، فإذا بالدولة تبيع سلطاتها للأفراد المسمين «بالملتزمين»، يديرون المرافق علي هواهم، ويحصلون ما يستطيعون تحصيله من الشعب البائس من إيرادات (ولو بالضرب)، مقابل ثمن يدفعونه للوالي، بالإضافة إلي ما يرسلونه إليه من هدايا من حين لآخر.

لتحميل الكتاب أضف ردّا وأعد تحميل الصفحة
₪ عفريت لسة جديد ₪
رسالة sms : منك الجمال ومنى الحب يانوسافعللى القلب اٍن القلب قد يئسا(ضع كلمتك هنافقط احذف بيت الشعروضع كلمتك
ذكر
عدد المساهمات : 1
نوسا البحر :
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
2014-12-12, 9:02 pm
عرض رائع
₪ عفريت لسة جديد ₪
رسالة sms : منك الجمال ومنى الحب يانوسافعللى القلب اٍن القلب قد يئسا(ضع كلمتك هنافقط احذف بيت الشعروضع كلمتك
ذكر
عدد المساهمات : 2
نوسا البحر :
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
2015-01-31, 1:05 am
مجهود رائع
₪ عفريت لسة جديد ₪
رسالة sms : منك الجمال ومنى الحب يانوسافعللى القلب اٍن القلب قد يئسا(ضع كلمتك هنافقط احذف بيت الشعروضع كلمتك
ذكر
عدد المساهمات : 2
نوسا البحر :
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
2015-01-31, 1:12 am
مجهود متميز

تحميل كتاب الدولة الرخوة فى مصر pdf لجلال أمين

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة

صفحة 2 من اصل 2انتقل الى الصفحة : الصفحة السابقة  1, 2
نوسا البحر :: فوضى الحواس(منتديات ثقافيه) :: المكتبة الشاملة

حفظ البيانات | نسيت كلمة السر؟

عفاريت نوسا البحر google+ | عفاريت نوسا | مجلة الصور | مجلة عفاريت