غيوم سماء عيسى,دم العاشق,شعر وقصائد سماء عيسى,ديوان سماء عيسى pdf

♪♫.. الادارة..♫♪
رسالة sms : سيرى ببطئ ياحياة
لكى أراك بكامل النقصان حولى
كم نسيتك فى خضمك
باحثا عنى وعنك
وكلما أدركت سرا منك
قلت بقسوة
مأجهلك!!!!
ذكر
عدد المساهمات : 10335
الاٍقامة : وراء الأفق حيث لاشئ سواى وحبيبتى
العمل : مهندس
نوسا البحر :
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
2012-12-19, 8:20 am
سماء عيسى

(جاءت أقدام تهرول بعيداً، داست علينا و نحن نيام، أقدام تهرول حاملة رماحاً مسمومة إلى الداخل، كلما اتجهت إلى داخل الوطن اتجهت السموم إلى أعماقنا. لكن أعماقنا خاوية إلا من البرسيم، فمن إذن يحمل إليك المشعل، أيها النهر الدموي، أيتها الجثة، أيتها الحياة)

( 1 )

من هناك يأتي سماء عيسى منذراً بفجيعة ما.
معه نمشي في خراب طاغٍ يسود الكون و العناصر. إنه قادم من حروب خاسرة ذاهب إلى منفى الأعماق و الدواخل. و كان سماء عيسى قد جاء قبل كل هذه الفجيعة التي نتمرغ فيها الآن. يكتب الشعر منذ سنوات دون أن يعبأ بما لا يحدث أو بمن لا يكترث بما يحدث. يكتب حيناً و يكبت أكثر الأحيان. في عُـمان، ظل في الجزء الخفي الهادئ من المشهد، عادة العمانيين الذين يمارسون جديتهم في الضوء الرزين. سماء عيسى ظل في الظل الذي تكون درجة الحرارة فيه أكبر من الشمس. لم تسعفهم الظروف مبكراً أن يحضروا في هيلمان الإعلام الأدبي المعاصر،. و كان هذا حسناً بالنسبة لقسم مهم من الكتابة الشعرية الجديدة. و لم يزل قسم كبير من الصوت الأدبي الجديد، هناك يتحرك بتردد النار الهادئة. و لعله القسم الذي سيغني الكتابة في مستقبل الأيام . و الذي يجري التعرف عليه تدريجياً.

ذات صيف، عندما كان العام 1987 يغري الكثيرين بوهدةٍ ما، أصدر سماء عيسى كتاباً شعرياً انتخب له عنواناً ينقض وهم الوهدة : [نذير بفجيعة ما ]. و ربما لم ير الشاعر في العام سوى الدواخل التي لا تخطئ كثيراً. جاء الكتاب في نسخ محدودة طبعت في أبعد منطقة عن الأرض العربية يمكن أن يتخيلها المرء، في نيويورك. للوهلة الأولى، لن تجد مبرراً (موضوعياً) يجعل شاعراً يعيش في عمان يطبع شعراً في أمريكا، سوى رغبة الاختراق المكبوتة (أعني شهوة العزلة الضارية) في طبيعة الشاعر. فهو ليس شاعراً مغترباً، وليس في كتابته ما ينم عن ذلك (جغرافياً)، و إن كانت لا تخلو من مشاعر الوحشة. فهذه طبيعة الانسان في هذا الكوكب.

( 2 )

سماء عيسى، قادم من الفجيعة بامتياز، و مبشرٌ بها في آن واحد. ومن يعرف الشاعر، و جيله، و تجربته، يدرك أن الأمر لا ينطوي على مبالغة ما. ففي العمق، تجسد كتابة الشباب العماني الجديدة الخلاصة الصافية لقطاع كبير من تجربة شباب هذه المنطقة، متميزة بطاقة الرؤية الفجائعية. و لعل طبيعة الهدوء الظاهري في تأمل أشياء العالم، ستجعل الصورة الشعرية أكثر نفاذاً لمعطيات هذه التجربة.

(الخراب يسكن العمق البشري الآفل)
(الريح عندما تهب من الشرق حاملة غبار أسود
كمعاطف النهار كانت تحمل أيضاً رائحة الموت)
(لم يكن في البهجة إلا نذير ما، كان ينذر بفاجعة دماء تتراكم متفجرة كشلال)

ليس في الصور إلا الواقع. فالشاعر لا يفتعل. الخراب الروحي الذي يتعرض له هذا الجيل ليس إلا تركة شاملة عليه أن يتجرعها ببسالة القتلى.
الجملة الشعرية عند سماء عيسى تصدر عن حس مأساوي تكفلت به التجربة المعيوشة (جسدياً ونفسياً)، والتي كما يبدو لن تنته بقرار، مثلما لم تبدأ بقرار. المرء لا يحدد درجة اتصاله بالعذاب و الخلق ، إلا بناء على درجة حضوره في الوجود أو العدم. الجملة في نص سماء عيسى تتبادل الهجوم تلو الهجوم مع احتمال واقع سوف يقع مثل يقين الرزنامة. لا تعلن حرباً إلا بكونها رؤية اختراق لماضي التجربة الذي لا يكف عن الحضور :

(كنت مستغرقاً في وجدٍ قلّـما يأتي
في ضـوءٍ قلْما ينير عتمات الروح)

ورؤية مفعمة باليأس من مستقبل ٍ، ما دام :

(يصنع لنهاره نهاية ً.. )
الجملة الصغيرة، المكتنزة، المترفة بصريخ الروح، تعتمد صناعة المشهد، إنها صور تنهض من بلاغة المشهد الشعري، فالشاعر لا يعبأ بالتفاصيل إلا نادراً. لغته ليست جزئية، إنها في كلية المشهد ، من (اربط دموعك بنار بعيدة ) حتى نهاية المقطع : (مراث ٍ كأجراس خبت في دمار الغروب) إلى خاتمة التدفق، حيث :

قناديل لعصافير الموت)

يتسنى لك أن ترى (أعني أن تعرف ) مشهداً مكتملاً ، أو أنه يكتمل باكتشافك - كقارئ - حتى (النار) البعيدة التي يذهب إليها في بداية المشهد. متصلة " بقناديل " لعصافير الموت في نهاية المشهد، و فيما بين هذين الضوئين يتكشف لنا جانب من تجربة تتعرى في الأم المغتسلة بالكآبة و جمجمة العشيق الميت. و المراثي، و وصايا الجد، و رسائل العناصر، و الأفول و الذهاب النهاري إلى الحتف، حتى العودة الخائبة، و ولع الخروج لمنح الماء زرقته. كل ذلك يقدر سماء عيسى على اجتراحه من عصب الواقع و تحويله إلى سياق أسطوري، فيما هو نسغ الواقع و لحمته.

( 3 )

ستصاب بالخيبة - أيها القارئ النبيل - إذا حاولت أن تبحث عن شعار الأمل لتصد به هجوم الفجيعة الماثلة. لا يعبأ الشاعر بذلك . ربما لم يكن هذا من شأن الشاعر. فالأمل ليس في أن تهبنا إياه القصيدة، الأمل في درجة اليأس الذي تدفعنا إليه.
كأن كل شيء ينذر بفجيعة ما. خراب الواقع، إندثار الوقت، خيانة الأحبة، أم تفترس الإسفلت. اندثار الروح، لم يعد ثمة ندامى، النار انطفأت،كآبة طفل بقر بطن أمه، عربة تجر قافلة من القتلى، شجر يسلم ما لديه للنار، ورقة تحمل صورة صديق مات و أخرى لصديق يموت بعدي، انحلال الجسد.
إنه اختزال خارق لتجربة لم تزل ماثلة للحواس كلها. ماثلة في أشلاء لا خلاص لها من شهوة الذاكرة. كل صورة عند الشاعر مكتنزة برائحة التاريخ و مراوغة الفيزياء، وضراوة الفعل السياسي. و لكل من يرغب في المزيد من انفجارات الرؤية مع هذا النص أن يتميز بموهبة اجتياز تخوم الذات و الموضوع في كتابة سماء عيسى. فبغير هذه الطريقة لا يتسنى لنا أن نقرأ النص مطلقاً في هواء اللغة، أو نتعامل معه كفعل فـنٍ عارٍ من الحياة. و الشاعر هنا لا ينذر بما سيحدث ، لكنه ينذر بما حدث، لأن ما حدث هو الذي يمنح الواقع و المستقبل طبيعتهما.
ها هو يطلق الأسئلة :

(إلى أين أوصلتك الدروب دونما مأوى، دونما عشاق)
(تحمل الريح من وطن إلى وطن
من زمن إلى زمن )

و يجوز له أن يتبادل مع رفقته الشعرية في عُمان (و بلاد أخرى) احتمالات الفاجعة :

(علّ وطناً يستيقظ من أنقاض تراكمنا)
ليست صدفة أن نلمس عند سماء عيسى كل هذا الخراب، ليس في هذا النص فقط، بل في مجمل كتابته (ما سبقت و ما لحقت). تلك التي تصدر عن هذا البعد المكنون.، عند معظم الأصوات الأدبية من جيله، في عُمان خاصة، يصدرون عن الفجيعة ذاتها، ليحققوا فعل الصدفة الموضوعية التي تليق بجيل عربي لا بد له أن يتصل بكتابة جديدة يمارسها الشباب في عُمان. فالفجيعة عند هؤلاء ليست مزحة، و لا هي فعل مبالغة شعرية. جديد كتابتهم متصل بجوهر تجربة قلما عرفتها التجارب الشعرية العربية المعاصرة. و ما علينا إلا أن نصغي لهذا الصوت، نصغي إليه قادماً من " نار انطفأت " و من (رماد يخبئ أسرار الخليفة في أرحام الأمهات).

( 4 )

بعد ذلك بحوالي خمس سنوات سوف يصدر لسماء عيسى كتاب جديد بعنوان (مناحة على أرواح عابدات الفرفارة) ، ليقول فيه أن :
(الرماد يغسل الخطيئة في صمت بعد أن تنطفئ النار)
و يلـذّ لنا أن نلتفت إلى تلك النار التي تنطفئ دوماً عند سماء عيسى. يلذّ لنا أن نثير أجوبة لا تقنع الأسئلة.

( 5 )

قبل ذلك بسنوات، كان سماء عيسى قد أصدر كتيبه الأول بعنوان ( ماء لجسد الخرافة ). افتتحه باستهلالة صغيرة من سان جون بيرس، يقول فيها :

(أنذركم بأزمنة حرارة كبيرة
و بالأرامل الصارخات
على تشتت الموتى )

و لذلك فان انحيازنا لتتبع شهوة الاختراق التي تتلبس سماء عيسى لا تتصل بالشكل الفني الذي يستحوذ على غيره فحسب، و لكن ذلك الاختراق المتصل بخراب مهيمن على الروح و الجسد معاً. فمنذ لحظته الأولى رأينا كيف يتأثث مشهد سماء عيسى الشعري بخرائب تبدأ و لا تنتهي . فهو لا يصدر عن تجربة الروح و الجسد إلا بالقدر نفسه الذي يصدر فيها من تجربة الواقع الضارب في لحمنا حتى العظم . ففي كتيبه الأول نصادف نصاً بعنوان (خرائب) ، يبدأ :

( وهدة كدثار الفجيعة
تضرم في شفتي جحافل)

وعندما يتوقف المتأمل في نص سماء عيسى عليه أن يلتفت ملياً إلى هذه المسافة الزمنية التي تفصل بين كتابه الأول (ماء لجسد الرغبة) وبين كتابه الأخير (نذير بفجيعة ما)، لكي لا يتوهم في لحظة أن حس الفجيعة والخراب عند سماء عيسى محض نزوة شعرية طارئة. و ربما بهذا الملمح نستطيع أن نقترح تميزاً يسم تجربة هذا الشاعر. هذا الشاعر الذي طاب له أن يتقنع بالسماء، كمن يريد أن يقول لنا أنه يرى إلينا.. إلى واقعنا من هناك.. من الأعالي، دون أن يزعم ذلك أو يدعيه.
يا الهي، لماذا نذرت الشعراء برسالة طيور الغابة المحترقة.؟ *


عفاريت نوسا البحر

غيوم

سماء عيسى
(عُمان)

وكان قد التفتَ قَبلَ رحيله
عن الأرض إلى السماء،
فرأى أن سحباً سوداء كثيفةً
غطتها،
وعندها ذهب إلى ربوة عالية
ووقف يراقب من هناك الأرضَ
وهي تندثرُ وبنيها وهم
يغرقون.

***

وعندما تسيل سيولُ السماء، وتنزح على الأودية مياهُ
الجبال، جارفةً العشب والحجر والشجر وعظام حيواناتٍ
وطيور موتى،
يستيقظ إذ ذاكَ فرح عميق في الأرض، يهرع الرعاةُ
والحطابون والفلاحون إلى منابع الحياة الأولى، كمن هرع إلى
طفولة مفقودة وبحث عن أم أخذها الموت إلى غياب
أبدي.

***

وأنتِ
يا غمامة مطرنا الأولى
أيتها الرسولة
إلى جفاف الضرع
ومنفى الشعر
أيتها العذراءُ
المرسلةُ لأرض عذراء
أيتها المفتقدةُ
كروح الطفل
وقمر الرعاةِ
أيتها الخضراء
كشجر الحطابين.

***

ولكن
فقط حين تعود
أيام الصيف
ويخرج القمر من عزلتهِ
أعود أنا إلى ذكراكِ

متى عدتُ
وكان كل شيء في غياب
وماء الغيم هو ما سنعجنه
بالتربة ثم نشعل بالفرح
النهد الصامت الحزين

***

ولكنك تصغين إلينا
أيتها الغيوم
إلى نداء الطفلةِ العذب
وإلى صراخ الشجرة
الصراخ الذي تحمله ريحُ
القيظ الهادئة وهي
تتهيأ أخيراً
لذاتها لذات الحب
والحياة.

***

وعندما تولدين وتتشكلين أيتها الغيوم
ثم تلتحمين غيمة وأخرى في سماءٍ
لا متناهية، ندرك إذ ذاك طعم الماءِ
الذي سترسلينه إلينا
ونقف لكِ خاشعين كعباد أمام الله
وكعشاق أمام جمالكِ المطلقْ.

***

وحتى الجبال تحاول ضمكِ إليها
كي تسكني قممها
الجبالُ في أبديتها
الجبالُ العاشقةُ
سحبا تضيء ظلام أرض من العراء والخفاءْ.

***

ولقد عرفت أيتها الغيوم
ولادة الطفل بعد الألم
كما هو هطول الودق
بعد جفاف طويل
كما هو الجمال
في رحيله إلى الموت
والورد
في رحيله إلى الرماد

***

ترحلين
كزورق الشمس
في رحيله المجهول
وتذوبين
كنار هادئة
في السماء.

***

ان الماءُ
ونحن نغسل به
جسد الميتِ
يسيلُ
كرماد غيم راحل
عدا غموض الروح
وغموضكِ
أيتها العمياءُ في الحبَّ
وفي الهجير.

***

الأمُ وهي تغسل بالماء جسد الطفل الميت
وهي تغمس ساقيه ويديه وتغمض عينيهِ
بماء النبع، ثم تقطف من أقرب سماء
غيمةً بحجم جسده الغض، وتحفر لها بيتاً
بجوار لحده الصغير.

***

الغيومُ
وهي تسير هادئةً من سماء لأخرى
كالعشاق وهم يبحثون في سيرهم عن
ضوءٍ بعيد كسراب لا يصلون
إليه. ولربما دفنتهم في الطريق
الرمالُ وتناثرت أبدانهم العليلة في
الصحراء، والغيومُ ربما هطلت عليهم
وروتهم بالمياهِ ومضت تغمرهم بها
حتى فاض بهم الوجد وانتشر العشق.

***

متى عاد العاشق إلى منزله
ووجد البابَ مغلقاً
فتحت له الغيوم
أبوابَ منازلنا
وقلوبنا

***

... وصغيرة المنزل التي حلمت أن تكون غيمةً
تهطل ذات مساءٍ على عريش القرية، وستبكى
أمهاتنا لأن الغيوم هطلت ورحلت، وستبكى
الصبايا لأن العشاق كانوا غيوماً وهطلوا...

***

متى اشتعلت النار في الزمنِ
متى اشتعلت النار في الجسدِ
وأضاءت الأرضُ ضياءها الأخير
قبل الموت.

***

وأنتِ ماذا ستعطين دمى أيتها الغيوم
أيتها المرأة ذات الفم الشبق إلى الحب
ماذا ستعطين دمى؟
فرحٌ لا انتظره حتى والأرضُ تحتفل
بطفولتها، فرح كمثل النار وهي تغنى
لعشاق الأرض وكمثل البحر عندما تسكنه
وردةٌ في الفجر....

***

ليلٌ سيأتي مع الغيم
ونار ستضيء الكون
وهو يظلم، أيها الضوء
يا ضوء الشبق ويا جماله الحميم...
أعني أمام هذا الجمال الرحل
إلى المجهول.

***

ولقد سمعنا منكِ أيتها الغيوم سمعنا خبر عالم مخلص
أو عالم يبنى على أنقاض عالم قديم، ولقد سمعنا
منك الملاك وهو يوقظ الموتى إلى الحياة
والودق ليوقظ العشب ويشعل النار.
ثم متى نضج الثمر ومتى قطف الطفل الحلم
ومتى بكت امرأةٌ في العتمةِ، تذكرت الغيمَ
وتذكرت قبلة امرأة والغيم يمطر ذات
شتاءٍ بعيد.

***

هاهي الغيوم تحملُ إلى الأطفال الفرح بالمكانِ والزهو بالزمن
هاهي الغيوم تحملُ المعنى إلى العدم وتحملُ الرياح إلى ضياعها الأزلي
ليتحد البحر بالمطر ويقف الغريب أمام الأفق والشراع أمام
المجهول والغياب.

***

وسنفتح نوافذنا المغلقة وأبوابنا المهجورةَ
للصغار الفارين المختبئين من ودقك الثقيل،
أيتها الغيوم وأنتِ ترحلين بعيداً، أنظري
إلينا وارحمينا.....

***

وحتى أولئك المرضى في غرفهم المغلقةِ ينتظرونكِ
أيتها الغيوم، الغيوم وهى تحمل إليهم زهور
الموتِ وفراشاته الخضراء على القبور.

***

ولكنكِ أيتها الغيوم تهبين العشب للحياةِ
والأرض كأنها أنثاك لترتعش، كأنها
الجنون وهي تستقبل عشاقاً من الريح
ورجالاً يحملون معهم البذور إلى نساءٍ
موتى...

أفيقي معنا إذن
وارحمينا
ونحن نسير إلى الموتِ
نود لو شربنا منكِ
بعضاً من الروحِ
وبكينا....

***

والطير الناريَُ
طير الغابةِ
وابن الصحراء
أخذنا بعيداً إلى كهف جبلي عندما رآكِ
وأنت مثقلةٌ بالرغبة والحبِ
تحملين إلى الأرض خلودها
وإلى الزمن وردة الملاكِ
ورماده الجميل.

***

ونحن نرسلُ نشيد مجد لكِ أيتها الغيوم،
نرفع سارية المجد لكِ من العابرين
الذين رحلوا دون أن يروك،
من الذين ناموا في التراب وهم يحلمون
بظلالكِ ومياهك، من سر الحياةِ
المختبئ في بذرة الموت، وهو يتجه
إليكِ كنبع طفولةٍ خالد.

***

هل تنهين ترحالكِ إلينا، إلى ألمنا، أوراق عشبنا الجافة،
أمهاتنا الراحلات، أطلال حياتنا المنهارةِ بحثا عنك وشغفاً
بجمالكِ أيتها الغيوم؟

ونحن نسير في الأرض متجهينَ إلى شاطئ آخر ثم إلى جبل آخر
ثم إلى صحراء أخرى، بحثاً عن ألوانكِ الدافئة وما تعطيه
للقلب من ثمار غضة كنهود الصبايا عن قطرات نداكِ
الصغيرة كدموع الصبايا عن فرح غامر سيغمر التربة
حين تنهل من عشقكِ اللانهائي...

***

وإلى الأبد سيمضى الكائن بين الأحجار وتحت الرمالِ
لكنه سيظل ينتظر دوماً أن تبعثه الغيوم
بالمطر وترويه فتخضر من حوله الأرض بالعشبِ
وعلى قبره تحلق الطيور ويبتسم العشاق

***

العاشق وهو يحلم ببناء بيت من الغيم، الميت وهو يحلم بأن
يروى الغيم عظامه في التراب. هكذا نحلم جميعاً بجمال تشكله
الغيوم وبماء نشربه من التصاق ثدييها بجفاف القلب.

***

ولكن غضبكِ دائماً يأتي
بعد جفاف طويل
وبعد غياب
إذ هو ذا
نبي
أتت به الغيوم
وسكبته الأمطار.

***

.... وكان ما تبقى هو الحب
بعد أن غمرتنا السماء
بمياهِ ندم بعيد.

***

إشارات:

1. شكسبير/ حكاية الشتاء (بدوا أنهم سمعوا خبر عالم مخلص أو عالم مهدم).
2. ايف بونفوا (ننام في الغرف العليا، لكن نمضي أيضاً وإلى الأبد بين الأحجار).

_________________


حسن بلم
♪♫.. الادارة..♫♪
رسالة sms : سيرى ببطئ ياحياة
لكى أراك بكامل النقصان حولى
كم نسيتك فى خضمك
باحثا عنى وعنك
وكلما أدركت سرا منك
قلت بقسوة
مأجهلك!!!!
ذكر
عدد المساهمات : 10335
الاٍقامة : وراء الأفق حيث لاشئ سواى وحبيبتى
العمل : مهندس
نوسا البحر :
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
2012-12-19, 8:25 am
دم العاشق

ونصوص أخرى

سماء عيسى
(عمان)

- منفى سلالات الليل

رمال

عندما في الرمال
يواجهنا اللاشيء
اللاشيء : وردة المنفى .

صحراء

هذه صحراءٌ حرقَ أشجارَها بدويٌّ قبل الموت
وبعيداً تنحدرُ دماءُ النساءِ كيما تلاقي
جثثَ بحّارةٍ غرقى .
الموج الذي نأى بأرامل البحر
ما عاد يداعبُ دمَ أنامِلنا الجرحى .
أيتها الدافئة انتظرتكِ المياهُ
طويلا قبل جريانها
وطويلا انتظرتنا معا أرواح أطفالِنا الموتى !

أمهات

الهوايا
جُثثُ الأمهاتِ
وحدها الشموس الآفلةُ
ترنو إلينا .

أحجار

تسقطُ أحجارُ المنزلِ القديمِ من البكاء .

جُنّاز

كُنّا نطوي الأرضَ
ولكنها تعودُ ثانيةً
سوداء
كجُنّاز .

فِنس*

كُل فَجرٍ يُلقي مالكُ الحزين نظرتَهُ الأولى
على قبورِ المجهولين الغرقى
النسور تنهشُ في الصحراء جُثثَ القتلى
أسمعُ الموجة تَبكي كأراملِ الليّل
أسمعُهنَّ ..
ومن طُفولتي يتسللُ
كفنُ أمي إليَّ مِزقا
مثلما يمزّقُ الخريف قلبي ويمضي ...

* قرية ساحلية تتكاثر بها طيور مالك الحزين

تعويبة*

البوحُ ذهبَ بنا إلى الطُفولةِ
النساءُ دلفنَ في الظلمات
كأنهُن أقمار المنفى .

حطّابات الليل
أسمعُ نواحهنَّ
بقربي تنام فجائعُ الحنين
ويغتسِلُ بدمي رمادُ الموتى

مثلما تبعث المياهُ الحنينَ
كنواح العذراء
كنا نسمع نداءَ الحطّابات
وأجراسَ الموتى .

* التعويبة : غناء الحطابات العمانيات

ندم ( 1 )

أدعو الندمَ تُفاحةَ الليل ، ثمرةَ البحر ،
ورقةَ مجدٍ تَفتحُ أبوابَ الله .
أدعو الندمَ دمعةَ طفلٍ ، حديقة ماءٍ
غابةَ بومٍ تتوهجُ بالدم .
الليلةَ كُل أيّها الندم جثّةَ طفلي لتخضرّ البلادُ بك ،
كُل أيها الندم جُثة أمّي ،
كُلْنا جميعا فنحن يتاماكَ عندما تموت ،
أوراقُ ذبولكَ عندما يأتي الخريفُ ،
صاريتك عندما يرحلُ الشراع .
ولأنك دائما الوحيد كأفراح الصحراء ،
كالقبور المهجورةِ ،
كُن عشيقي هذه الليلة أيها الندم يا حُبي ،
كُن عَشيق الموتى ،
كُن عشيقَ الأراملِ وفجيعتهنَّ .

أنت لنا بشارةُ القيظِ ونوارسُ البحار ،
أنت لنا العتمةُ ، الهجرُ ،
الدمُ حين ينزفُ سخيّاً ساخِناً من أنبياءٍ قتلى .
لنا أنتَ يا مجاهلَ الروح ، محراب الليل ،
رماد قوافلنا ، وهي تشق المجهول إلى المجهول .
دونك لن تعرفَ الأرض مياها أخرى .
نحنُ صُراخكَ في الصحراء ،
هجيركَ ويباسك ، صراخكَ
حين يشقُّ اللهُ بعصاهُ الأرضَ ويفلقها كالرمانة ،
نحن بلادكَ حين يعزُّ عليك المأوى
ويطردك الأهل من البيت ،
كلقيطٍ ينجرف وحيدا في العتماتِ الأولى .

ظلال

ظلّـلي
يا نجوم المنفى
رفات أنبيائِنا
ظللينا .

آلامنا
أكثر إنشادا
وسلالات الليل
تركت عتمة جذورها
إلى المنفى .

شجرة

أمدّ إليكِ يديّ ، يا شجرة العدمِ الخلاق ،
أن ارضعيني دمكِ ، دعي الموت يداهمني
بين ذراعي طفل ، إذ تنضج ثمرة الحب
ويسقط الغياب من شفاهنا ليلاً أخرس .

روح ( 1 )

لا قمر هذه الليلة
يضيء التربة
لا أشجار
تظلل الريح الموتى .
روحٌ هائمة تبكي على الباب
يا شموس الكفن الصديقة
أين رحلتِ ؟
ولم على الأرض بقايا دمها المتناثرِ
لا شيء سوى الموتى يتحدثون عن الموتى .

روح ( 2 )

كألم السماء
وفجيعتها
كمجهول عابر يحمل نعشه الملاك .
هل سترنو إليَّ من الأرض
عذوبة المياه
وتناديني ...
القمر أكثر صفاءً كحزن الأنبياء
وروحي التي حملها الله
على طيف من النار
هل تعيدها إليَّ
عصافير البحر
أسمعها تناديني
كأرملة ذوى الدهر بها في الهجير .

غياب

وكما يندلق العمرُ من الكأس
يندلق القلب من البين
وتكبر أشجار المنفى .
هل كنّا حين نزفنا كأسَ الأيام
ما أعطته لنا فيضانات الماء
بكينا ...
حملتنا الريح إلى صحراء الموتى
ذرفنا من أعيننا دم الأطفالِ
بكينا كأرامل في العشرين
غابت مَنْ ولدتْنا ، أكلتها
نارُ الموتى وأجراس المنسيين .

ندم ( 2 )

ربما تكون المياه قد جفَّت
فلا نسطيع العودة ثانية
إلى أكواخنا
هل كانت الأرض لنا أماً
حتى تتسع الرياح
لإيواءِ أراملنا ؟
حتى ينحدر من الأعالي
صوتُ الله العذب
فيغرقنا جميعا .

الليل يُطلُّ علينا
من نافذة هاربة
حزينا كمنفى .
ليت للندم الذي يمضغنا
وردة حب
أو وردة موت
أو دمعة أم
تهلُّ كالمطر علينا .

البيلسان (1)

على ذراعيك تهوي أشباحٌ سوداء
هي أشباح المنفى ...
هوت كقناديل البحر المنطفئة
ليس معك سوى أم تلهث
باحثة عن بنيها
أيتها العصافير الصغيرة السوداء
تسلّلي إلى هذه اللحظات الأخيرة من عمري
خذيني إلى ظلال أشجاركِ الصغيرة الموتى
ولطفلتي الصغيرة التي لم أرها
حين استيقظتُ فجرا
ضعي وردة على فراشها الخاوي
فقد تعود ثانية مع الليل
بيدها قمرٌ صغيرٌ
وتابوت تلملم به رفاتي .

البيلسان (2)

هيّا انسجي أيتها الليالي قبرها الصغير
ما زال بعتمة الروح متسع كي نبكِ
الغراب يذرف دموعه السوداء عليك يا صغيرتي
تستيقظين كل عام لزيارة قبري
فهل بقي لنا بعض من الوقت كي تصطك
شفاهنا قليلا
وننادي معا قبلة الموت أن تلتحم بنا
فتغلق البشرية علينا آبار المنفى .
لن يمسسنا طائر العذاب ، ولن تقترب إلينا الضواري
ونحن يا حبيبتي أحياء ، ضمتنا قبلة الموت إليها .

شهيد

وطنُ دموعنا
وليلُ صعودنا إلى الله .

شهداء (1 )

أبدا تضيء جماجمهم
صحراء المنفى .

شهداء ( 2 )

جنائز كورود عمياء
الدم جلال البحر
الكفن وردة النبوّة .
سحَلَ الحبُّ عظامهم
المجللون بالكارثة
الندماء
أشقاء الموت .

الحشاة *

لم يبق إلا الحشاةُ
ودمي
الحنين أخذ اللبَّ
والوريد
للندم : خطوات البحر الأولى
المياهُ غمرت سلالاتنا
النساء مكفنات
موتى .

* منازل بوادي بني هنيّ

تنويمة ( 1 )

كأن أكتب شعرا
بعظامك الموتى
الشجرة صفراء كالعدم
دمُكِ نار تنطفيءُ .
اعطني كأسَ رمادك يا حبي .

تنويمة ( 2 )

عندما يهطل علينا دمُ الليالي
أتذكرك يا حبيبي
أتذكر دم السماء
الذي
ينزف على قبرك الصغير .

حطّابون

ذهب الحطابون
وما عادوا
تركوا في الروح
سنابل موتى
وشموس .

روح ( 3 )

1-

كنهرِ الروح
يحمل الموتَ إلى قصائدي

أرواح تركت منازلها
إلى غيوم الماء
ظلّلت صمت قُبورِها
سماءُ الموت
شربت من رمادِها
أشجار المنفى .

2-

الروح قطفَتها النارُ
غطّى رمادُها
نوافذَ البيت

كسحابة موتٍ عرجاء
تطرقُ البابَ
وتبكي .

رحَلَ أحبّةُ النوى .
على الأرضِ
بعض عظامهم
ليس إلا الماء
عشيق الموتى .

بلاد بعيدة

خلف الباب
تهوي أجراس الغيم
بلاد بعيدة تراقبنا
وشجيرات
استظل بها الرعاة
تلفظ أغصانها
ندماً
كأن سماءً رحلت
وهوت
ألما على قبورنا ومنازلنا .

2- دم العاشق

دم العاشق

كأن كلّ شيءِ قد مضى
قبلَ أنْ تصغي إليّ
الأرضُ
وتعيدني
لدهشةِ الطفل الأولى

الذي
رحل إلى التراب
وسكنَ
مأوى الشمس

وراءهُ
تركَ قلبي
قطرةَ دمٍ
سكبها
طائرٌ في بئر

بحثت عنه مثلما يبحث الرضيعُ
عن ثدي أمه
مثلما تبحث النار عن حطب ذكريات
موتى

يهيم وحده في الأرض
تتبعه امرأةٌ حُبلىَ
بدم الآلهة

في دمه أنثى
تدفعه إلى الموت

قلوبهم معكَ
وسيوفهم
عليكْ *

* الفرزدق للحسين بن علي رضي الله عنه

ندى دمه الأبيض
وهو يبللُ فجرا
قبور أحبتي
الموتى ....

وكخرابٍ
في فيضان الأشياء
تحوي ذكراه جسدي

وبدا
كأنّ وهجا
من دم الروح
يتقاطرُ
من سقوف المنازل
على مضاجعنا

وكأن
بلاءَ ليل طويل
جثم على
صحراء قلوبنا

كانَ إذا أنصتَ
إلى الماضي
رنا إلى الوراء
وصرخ صراخ الثكلى

ثُمَّ
صرخ بصوت عظيمٍ
قبل أنْ يُسلم الروح
إلهي
إلهي
لماذا تركتني .... ؟ *

* المسيح عليه السلام

وحنينٌ جفّ كالعشبِ
ذكرى امرأة غابت
عظامها الموتى تناديني
ولكن !
أين ماء الفجر
يا أمي ؟

وأقول
للوردة العذراء
وهي تذبلُ ندما
وداعا
يا شقيقة روحي
وألمي

متى لروحي أن تشرب روحكِ
وتسكب الآلهة
كأس الحب الصافي
على جسدينا

لن يخرج من الماء
جسد الأنثى
كلا
ولن تجد الأنثى
عشيق رغبتها
الأولى

وتذكرتُ
وأنا أقف أمام الصخرةِ
" لم يبق أمامي
سوى الطريقُ
إلى البحر " *

* الإمام عزان بن قيس البوسعيدي

أنا الساكنُ
بين الحب والموتِ
كموجة يتيمة دحرجها
الملاكُ إلى
المنفى

ماذا أقولُ للصخرة السوداء
وهي تنزفُ ندماً
على شجرة الحب الموتى

وحينَ افترقنا
حاملين على ظهورنا
نعوش آبائنا وأمهاتنا
مدركينَ
أنّ موتاً ما ينتظرنا
ليرشفَ
آخر قطرة دمٍ
بأرواحنا

وبحثنا عن خيطٍ
يصل بينَ
لحظةَ الحبِّ
ولحظة الموت
فلم نجد غير هاوية سحيقة
تنام بها جثث العشاق
القتلى

ولا تعود إلينا
أمهات العشاق
ولا أرامل الأمراء
المحمولة رؤوسهم المقطوعةُ
إلى مدائن اغتراب بعيد *

* الإمام عزان بن تميم الخروصي

كما لو أنهم شربوا
مياه ينابيعٍ
تترقرقُ
بدم عشاقٍ
أبيضَ
كالمنفى .

وتذكرتُ
الرصاصَ
وهو يخترقُ
جسد شهيد في الصحراء
وامرأةٌ
عند جبل بعيد
تبكي

أغلق الهجيرُ
أبوابنا
بكتنا
حقولٌ
وينابيعُ
تركتنا في العطشِ

ضمتنا إليها
شجرةٌ جرداء
وروتنا
امرأةٌ
بمياهِ الذكرى .

جناز طائر غريب

نفتحُ البابَ
لأطفال دون رؤوس
ولأمهات مقطوعات
الأثداءِ
ينزفنَ دما
على الأرصفة

قبلَ أن تجف من الطفل
دمعة البارحة
ينبتُ للرماد أخوة وندامى
قبل أن تأتِ الأفاعي
حارسات القبور

قبلَ أن ينبت للعزلة وطنٌ
في قلبكَ الصغير .

قبلَ أن تسقط منكِ دمعة الفجر
وتهوينَ كجنازٍ من الورد
رمته العاصفة

قبلَ أن يجف ندى العمر
وتصحو امرأةٌ من القبر
تناديكَ إليها

ثُمَّ
تتسعُ الخطواتُ
ويسقطُ طائرٌ غريبٌ
أمام القلبْ .

مغاصيب

وارينا الترابَ
صغارنا
بكينا في العتمة
حتى لا تبصرنا
القناديلُ
ولا تسمعنا الرياحُ
فتحملُ نواحنا
إلى الجبالْ

من الجبَّانة حملنا
قليلا من ترابهم
حتى لا نعود
إلى الصحراء
ونهيمُ في العطشِ

وحتى
لا يستيقظ الصغار
من طلل الذاكرة
احتفظنا منهم
بقليل من الرماد

رأيتُ السحرةَ
يهبطون من الجبالِ
وهم يجرون الجثثَ
إلى الصحراء

الطيرُ
سكب قطرات الماء
على الجثثِ
حتى دخلتْ
فيض الله
وسكينة الأشياء

أم

وحيدةٌ
كالدمعة
وهي تنزف دماً
على صغيرتها الموتى

أمهات

بعثري يا نداءات الموتى
أنين طفولتنا
واذكرينا
أيتها الأمهات
أمهات الرضعة الأولى
حين يشيخ الأسى
تشرقُ وردة الذبول
يتهشم الحنين
كرماد البحر
الحنينُ
الدمعةُ الأخيرةُ
بصحراء الروح

وردة

كان قد تبقى من الطفولة وردة
زرعتها على قبر أمي

رثاء

كالمراثي
تموتُ
ولا يموتُ جمالها
بيضاءُ كالحب
في آخر غفوته

شجرة

تسكبين
ندى الفجر
على العشب
كدمع امرأةٍ
تبكي طفلها الميتْ

رواحل

الأيام رواحلُ سوداء
الفرس عشيق الغيم
الكفن امرأةٌ
تنتظر عشاق الليل

ظمأ الفجر
شجيراتٌ موتى
وليس من يجيب
الصراخ في البراري

الشموع
أشعلتها نوارسُ خضراءُ

البحرُ
وردة خجولةٌ
قطفتها الريح

الحديقة

وماذا لو أن مطر الليل
استيقظ ولم يركِ
الحديقة سكنتها
أرواح من غابوا
دحرجت الأمواج الجُثثَ
وهجرت الأشجارُ مواطن الماء
إلى الصحراء

بول غيراغوسيان

أقمارٌ صغيرةٌ وهادئة
برقعة صغيرة من الظلام
تختبئُ بها أشباحنا
نشيخ على أبوابها
وتشيخ معنا
وردةُ حب بيضاء
أرضعناها
دم طفولتنا

أمجد ناصر

ماذا أبقينا لنستر عظام الريح
ونبلل بالدم رعاة الصحراء القدماء

أغنية

حيث لا وطنا
إلا ومضى
باكياً وحزيناً
في هذا الليل
عندما يرحل الله عنا
ويتركنا
دون راعٍ وماءْ

حنين

جفَّ
ذاكَ الحنينُ
الذي قادنا
ذات يوم إلى البحر
وأبقى
رماد الليالي لنا
وطناً ميتاً
في القلوب

العُلَّيق

تركتُ أبي يموت في صمت
عند نبع بعيد
هناك تحت شجرة العليق
حيث يختبئ
رماد إلهنا القديم

كانت الزهرة
تنمو بين خرائب صغيرة
تبتسم
للبيت ! وهو يُسقط
ذكرياته في هدوء

هجير

لا شيءّ
في هذه الأرض
يُسدلُ بالمغيب
ثانيةً
كل شيءٍ غابَ
منذ أمد بعيد

3- درب التبانة

الحوية / رمال

أرض سجد علي ترابها آباؤنا
أرض المنفيين ، المهاجرين
أبناء سلالات الحنين
إلى التراب

الأرض
التي كانت يوما ما
أما لنا جميعا

قبل ألف عام
حين نزحنا
من الجبال ، من البحار
إلى الرمال ...

أخذتنا الرمال إلى هجيرها
حضنتنا كأم ترتعش
ضمتنا عن الغزاة
الذين جاؤوا من وراء البحر .

تركنا أبواب منازلنا مفتوحة على الرمال
أطفالنا اختفوا بها وهم يلهون
أخذتهم كائنات الصحراء
وما عادوا إلينا ...

المهاجر وهو يغني للريح
وهي تشيخ وتغترب :
أنا حمالة أسرار الموتى .

المهاجر وهو يغني ، يبصر
قوافل ترحل في الرمل :
لا وطن لكم يا أمراء المنفى ،
يا من رضعتكم نواحات الليل
دمها ، جرفكم الحنين من
المجهول إلى المجهول ...

( أبواب مفتوحة على الرمال
أبواب مفتوحة على المنفى ) .

حوية العلامة الحباسي

قنديل وحيد مهجور بعتمه ، لا يبصر من العالم إلا ظلامه ، عيونٌ تحدق في يتم مرير إلى جدران متداعية من الطين ، تسكنها عناكب وعقارب وبرودة عظام ميتة .

تقترب إليه نواحة المساء لتذكره بهجرة أسلافه البعيدة من أرض لأخرى ، بغية مجهول جديد يبزغ ثانية على الأرض .

باحثا عن حنين آبائه
في هجعة صغيرة ...
الهجعة وهو يستيقظ منها
كمن خرج إلى عالم أكثر شعاعا
من ضيق جسده الصغير .

كل من رأوك أحبوك ثم تركوك للموت
وهو يرشف من روحك قطرات الحب
الذي يسيل من عينيك وشفتيك
لتلتقطه كائنات الليل وهي تغيب
في رمال البحر الحدريّ بعيدا بعيدا
في صحراء المنفى ...

ولما مرض أصبح وحده هناك في ذلك المنزل القديم ، بقريته تلك المحاطة بسياج من الرمال ، كالذي ينتظر روحا قبل موته ...
قال : بينما كنت نائما إذ به أمامي ، أتى إلي ماشيا على البحر ، محاطا بأطفال لهم عيون من الجمر ، قال : تعال معي ، لم يعد لك بيت هنا ولا نخل ، انظر أمامك ، نظرت إذ أرض الموتى خضراء أكثر من الحياة ، ابتسم وقادني في الظلام كطفل ...
قال : رفقا بكتبي وأوراقي بعد موتي ، هي لي كما الرقوء على جرح الدهر ، كما القمر المفقود بليل الركبان .

وبعدما ودعني دخل إلى مسجد ليصلي ، هناك سبقه ملاك إلى المحراب ، قال له أنا الماء وأنت الروح ، أسري بك حتى يجف النبع ، وتمحل روحك ، فأخرج من جسدك وتذوي أنت وتموت ...

ثم ذهب بي إلى آخر أطراف البحر الذي جاء منه ، كان اليمّ يقذف جثث البشر ، لينقرها الطير وينتفها السمك .
قال أريتك خاتمة الأشياء وبدايتها .

قبل أن أمضِ إلى مرقدي الأخير ، أدركت أنه قد بقي لي على الأرض نخلة وطفلة ، ستبكيان على تربتي المبللة بماء من حنين الصّبا وبألم خطته على الأرض سلالات الغياب البعيد .

ستذكرني عواصف ورمال
وستسحق ذكراي حروب
وهجرات ستأتي
من وراء البحر
لتبني مدنا وممالك
على عظامنا
التي استوت
والتراب .

تركت وطنا
لم يعد وطنك
إلا في القلب .

أنت الراحل دوما في الصحراء
الصحراء التي لا تعيد
من رحل إليها ...

خرج من الجسد
إلى فضاء الروح

نظر إلى خالقه
لم يره
إذ ذاك
تذكر رحم أمه
وبكى ...

دون أن يبصر الأطفال
جلال روحك
مرة أخرى ...
أي ألم هذا
الذي قادك
إلينا .

متى أقذف إلى الصحراء
ولا أعود منها ..
ولا تسمع صراخي السماء
ولا تدل عليّ نار .

نشرنا لك في الحقل
ريش الطير المسحور
أبقينا للربيع
نساء هرمات
وأفاع تزحف
في الأرض .

مسحاتك القديمة
معلقة على الأشجار
من الآبار يطلع صوتك
كقناديل الرغبة
مظلما وحزينا
دون أن يصل إلى الأرض .

أمامك
غبار رواحلنا
وهي تشق
غبار الأيام
إلى المنفى
ويتبع خطاك
جنّاز الأطفال الغرباء .

عائدون والدمعة لم تجف بعد
نغلق علينا الأبواب ،
ونوصدها على رفاتنا وندمنا .

روحي تحلق في فضاء الأشياء
متجهة من الأرض إلى السماء
حتى أقترب من الشمس
يجرفني شعاعها
ثم يتبعثر رمادي
في الأرض .

أموت أنا
وتشيخ أنت
يا بنيّ
يبقى الوطن
شجرة عذراء
تتجدد فصولها
عاما بعد عام .

هكذا يغرب دمي
إلى الجهة الأخرى
من الأرض
ينطفئ في العتمة الجَمالُ
الهديةُ من الرب ، بداية
ألم موحش ومرير .

إلى أمهات الواصل

أيتها الأم
سليلة أمهات الليل والندم والهجعة الأولى
أيقظينا ، أيقظي فينا رغبة أن نموت
بين ذراعيك ونبكي ...

يوما ما
كنت أجمل أمهاتنا
حين كنا
نرضع منك
الحب والموت .

لاقني يا أم
حتى آخر الأرض
بيدي طفلتك الموتى
نبي يبتسم كلما رآك
ورآها ...
طفلتين من ريح ودمع .

وكسحابة دم تعود بها الريح إلينا كل عام ،
كنا نرنو إلى السماء ، ومعنا النسوة الباكيات
الحاضنات رعشة الحب إلى الصحراء .

كانت ليلة محاق تلك ، عندما زحف إلينا الوشق،ونحن ننام تحت عراء السماء، ضمتنا أمي في صمت ، عدا رضيعها الصغير الذي فر به الوشق إلى الجبل ، وأمي التي حمت جملة أطفالها دون رضيعها تبكي ، أيها الوشق عد بطفلي من الجبل ، أيها الوشق عد بي ...

وأذكر أما ماتت على رَبى ، ما زلت أذكر نشيجها المتقطع وهي تلفظ نفسها الأخير ، ثم البكاء النسائي المتصاعد من حولها ، تحت سريرها في تلك الغرفة المظلمة ، كان مندوسها القديم الذي تُخمِّل به عسق الموز ، بين يوم وآخر كنا نتحلق حولها وهي تفتح المندوس لتختار لنا ما عقد من الموز ونضج .
كانت أما عوراء ، الرمد أكل عينها اليمنى ، تضم إلى صدرها صورة ابنها الميت ، وكانت حين تفتح المندوس تلتفت إلينا ، تتأملنا واحدا واحدا ، ربما لتبصر من بيننا ابنها المقتول لتضمه إلى صدرها العطش إلى الحب ، كنا نأخذ منها قرون الموز الناضج ونجري .. إلا أنني كنت أختبئ خلف الباب لأسمع نواحها وهو يتسلل إلى قلبي في هدوء : شرب موته القمر ودفن في تربة لن نراها .

موت غض

خطى صامتة
موجعة
وحزينة
فقط
ليكون الموت
كجَمال
فجر ريفي قديم .

العيون ، عيون الرجال المدركة موتها القريب ، العيون التي تنظر إليك في رأفة وغموض ، ربما لتقول لك الوداع ، أو ربما تتمنى لو كانت مكانك ، وأنت بعد مازلت في مولد الصبا ، تترقرق عيناك كلما تذكرت رفيقا لك ، رحل أمام عينيك إلى موت غض .

ماذا لو أن كلا منا رحل إلى موته الخاص ، ترك للريح وسادة من الألم ، زمنا من الثلج ، يغطي الأرض بغياب أبيض ، كوجه شهيد ينتظر من أمه آخر القبلات .

كانت ريح أبي في البيت حينما عدت ، ووجدتها تبكي تحت شجرة في فناء الدار ، أدركت عندئذ أنه لن يعود ثانية ، وأن قبره هناك بأطراف القرية تبلله ريح الشمال .

ذهبت بها إلى البرية ، لنشرب من كرم الحب ...
لكنها كانت تقول لي وهي تصعد إلى السماء : إنني امرأة حزينة الروح .

عندما يصبح القمر بدرا في اكتماله
يطرق أبوابنا عاشق مهجور
ويسأل : هل عاد القمر بحبيبتي من الموت ؟

شهداء

وردة الفجر
وهي تبتسم
لعابرين
لن يعودوا
ولن تعود معهم
أكفان المساء

شهداء

تركوا ملاكا
لحراستي
في الليل
ونعجة
تنام تحت ظلالي
في النهار .

شهداء

رصاصة واحدة تكفي لاختراق القلب
الآلاف من الرصاص
تعجز عن اختراق الروح

لأنه دائما
ما يسبق الفجيعة : فرح كبير

الأبدية
زهرة دم
في السماء
يضيء ظلامها
عاشق مهجور

الدهر
وقد رشف منك
الدم
اللب
والحنين .
تسلل إليك
كطير هرم
في صحراء .

الليل
ليل الهامة
وهي تأخذني
إلى الشجرة
الشجرة
التي تحت ظلالها
ترقد أمي ...

العصافير
وهي تلتقط الحُب
من الأرض
لكأنها
تلتقط قلبي

الطفلة
وهي تبتسم
على مدخل البيت :
لا وطنا لك
يا أبي
إلاي
والتراب .

دم الطفلة
وهي تسير
حاملة عظام التاريخ
إلى المجهول .

في النار
تسكن أرواح أطفالنا الموتى
الطفولة أعماقنا وهي تحترق
دون أن نراها .

إشارات

1. ( أبواب مفتوحة على الرمال
أبواب مفتوحة على المنفى ) مقطع مضمن من قصيدة منفى لـ سان جون بيرس .
2. حوية العلامة الحبّاسي : عودة إلى العلامة الشيخ علي بن سالم بن ناصر الحبّاسي الحجري ، المتوفي في أغسطس 1999 ميلادي ، كيميائي ، فقيه ، متصوف ، شكلت تجربته الحياتية الخصبة تفردا وتميزا من حيث ارتباطه بالفلاحة والتدريس في آن مع عزوفه الكلي عن المناصب وإغراءاتها ، أرّخ لنزوح الحجريين إلى شرق عمان ابتداء من القرن الثالث الهجري ، ارتبط ذكر الحوية باسمه حيث قضى فيها طوال عمره حتى مماته بها .
3. أمهات الواصل : حركة صوفية نسائية هامة بـ عمان ، سادت ابتداء من منتصف القرن التاسع عشر وحتى أوائل القرن العشرين ، وهي بذلك تكون مسايرة للتجارب الصوفية في ذلك الوقت كتجربة عابدات الفرفارة وتجربة عابدات الدّن بسمائل ، فضلا عن تجارب الإبداع الأدبي الصوفي العماني في تلك الفترة ، كالتجربة الهامة للشيخ جاعد بن خميس الخروصي وابنه ناصر ، ثم الشيخ سعيد بن خلفان الخليلي ، ثم الشيخ أبو مسلم البهلاني رحمهم الله جميعا ، وثّق الشيخ الحبّاسي هذه التجربة في مخطوطة تحمل عنوان كريمات الواصل مخطوطة بيده بمكتبة شاعر الشرق المرحوم الشيخ أحمد بن عبدالله الحارثي .
4. كتبت هذه النصوص ما بين نوفمر 1999 حتى مارس 2001 ميلادي .

_________________


حسن بلم

غيوم سماء عيسى,دم العاشق,شعر وقصائد سماء عيسى,ديوان سماء عيسى pdf

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة

صفحة 1 من اصل 1
نوسا البحر :: فوضى الحواس(منتديات ثقافيه) :: مرتفعات أو سوناتا الكلام

حفظ البيانات | نسيت كلمة السر؟

عفاريت نوسا البحر google+ | عفاريت نوسا | مجلة الصور | مجلة عفاريت