نوسا البحر



 
الرئيسيةالبوابةس .و .جبحـثقائمة الاعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول
Google
شاطر | 
 

 أثر الفراشة محمود درويش,ديوان أثر الفراشة كامل قراءة مباشرة

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
hassanbalam
♪♫.. الادارة..♫♪
♪♫.. الادارة..♫♪


رسالة sms: سيرى ببطئ ياحياة
لكى أراك بكامل النقصان حولى
كم نسيتك فى خضمك
باحثا عنى وعنك
وكلما أدركت سرا منك
قلت بقسوة
مأجهلك!!!!

ذكر

عدد المساهمات: 9659
الاٍقامة: وراء الأفق حيث لاشئ سواى وحبيبتى
العمل: مهندس
نوسا البحر:


15092012
مُساهمةأثر الفراشة محمود درويش,ديوان أثر الفراشة كامل قراءة مباشرة

أثر الفراشة لمحمود درويش

يوميات محمود درويش مجموعة نصوص تخلّلتها قصائد شعرية أسهمت جميعها في إغناء أعماله وفي إعطائها لوناً من ألوان التعبير المشرع القوافي، والمغرق في المعاني. تجربة تموج بمشاعر وبأحاسيس شاعر أبى أن تكون مرتهنة فأطلقها على سجيتها. يأخذنا محمود درويش في يومياته وعلى جناحي فراشة إلى حدود تجاوزت النفس إلى ما بعد النفس، في ذاك العمق من الكيان الإنساني هناك استشفافات إنسانية، لمحات فكرية، تأملات ووقفات، التقطتها الشاعر صاغها بلغة سلسة وبعبارات تلقائية ولونها بألوان المشاعر والأحاسيس التي لم يتجاوز أدق تفاصيلها. مبرهناً بأنه لا زال هناك متسع ومساحات للتعبير لدى شاعر لا تنتهي إبداعاته.



أَثر الفراشة
أَثر الفراشة لا يُرَى
أَثر الفراشة لا يزولُ
هو جاذبيّةُ غامضٍ
يستدرج المعنى، ويرحلُ
حين يتَّضحُ السبيلُ
هو خفَّةُ الأبديِّ في اليوميّ
أشواقٌ إلى أَعلى
وإشراقٌ جميلُ
هو شامَةٌ في الضوء تومئ
حين يرشدنا الى الكلماتِ
باطننا الدليلُ
هو مثل أُغنية تحاولُ
أن تقول، وتكتفي
بالاقتباس من الظلالِ
ولا تقولُ...
أَثرُ الفراشة لا يُرَى
أُثرُ الفراشة لا يزولُ!

"ظلام، فأحسست به يبحث عني. وبحثت عن مفتاح النور لأرى ما يحدث لي، فلم أجده. تعثرت بكرسيّ فأسقطتُهُ وأسقطني على ما لا أعرف. وكأعمى يرى بأصابعه الأشياء فتشت عن جدار أستند إليه، فارتطمت بخزانة، فتحتها... فلامست يدي ثياباً شممتها فعثرت على رائحتي. أدركت أني في حيّز من العالم يخصني، وانفصل عني أو انفصلت عنه. تابعت البحث عن مفتاح النور لأرى إن كان ذلك صحيحاً، فوجدته. تعرّفت إلى أشيائي: هذا سريري، وهذا كتابي، وهذه حقيبتي، وهذا الذي في البيجامة هو أنا تقريباً. فتحت النافذة، وسمعت نباح كلاب في الوادي. ولكن، لم أتذكر متى عدت، ولا أتذكر أني وقفت على الجسر. ظننت أني أحلم بأني هنا ولست هنا. غسلت وجهي بماء بارد، وتأكدت من يقظتي. سرت إلى المطبخ فرأيت فواكه طازجة، وصحوناً غير مغسولة تَدُلُّ على أنني تناولت العشاء هنا. لكن، متى حدث ذلك؟ تصفحت جواز السفر فأدركت أني وصلت اليوم، دون أن أتذكر أني سافرت. هل حصل فصام ما في ذاكرتي؟ هل انفصل وجودي النفسي عن وجودي الفيزيائي. خفت.. واتصلت بصديق في ساعة متأخرة من الليل: أعاني من وعكة في الذاكرة.. أين أنا؟ قال: أنت في رام الله. سألته: متى أتيت؟ قال: اليوم، وكنا معاً بد الظهر في حديقة كاتشي. سأله: لماذا لم أتذكر هل تظن أني مريض؟ قال: يحدث ذلك مع مرض من نوع آخر: مرض الحنين إلى النسيان!".



مديحُ النبيذ

أَتأمَّل النبيذ في الكأس قبل أَن أتذوقه
أتْركُهُ يتنفَّس الهواء الذي حُرم منه سنين. إِخْتَنَقَ ليحمي الخصائص. و تخمَّر في سُبَاته، و ادَّخَر الصيفَ لي و ذاكرةَ العنب.
أتركُهُ ينتقي لونه المُسَمَّى، خطأً، أحمر. فهو مزيج من قُرْمُزيّ تشرَّب غيمة خفيفة السواد. لون لا لون له إلا اسمه: نبيذيّ، لنرتاح من مراوغة الوصف.
و أترُكُهُ يحترم رائحته، الرائحةَ المتكبرة المتعالية كالمُحْصَنَات من النساء. إن شئتَ أن تَشُمَّها فلا تأتي هي إليك. عليك أنت أن تتأكَّد من طهارة يدك و خلوِّها من العطر، ثم تمدَّها بلينٍ عاطفيّ إلى الكأس كأنها تقترب من نَهْد. تقرِّبُ الكأس من أَنفك بأناة نحلة، فتبعثرك رائحةٌ عميقة سريّة: رائحةُ اللون التي تُدْخِلُكَ إلى أَدْيِرَةٍ قديمة.
و أَتركه يستجمع خواطر مذاقه إلى أن نكون، أنا و هو، جاهِزَيْن عطشاً لاستقبالِ وَحْيٍ بالفم. لا أَتعجَّل و لا أَتمهل، فكلاهما كسر في إيقاع المتعة. أُقرِّبُ الكأس من شفتيّ بخفر المتسوِّل قبلةً أولى من امرأةٍ غامضة العواطف. أرتشف جرعة خفيفة. و أَنظر إلى أَعلى بعينين نصف مغمضتين إلى أن يسري سُلافُ نشوةٍ في شراييني. و تنفتح شهيَّتي على ما يليق بالنبيذ من حاشِيةٍ ملكية. هو النبيذ يرفعني إلى مرتبة أعلى، لا هي سماوية، و لا هي أرضية. و يقنعني بأنَّ في وسعي أن أكون شاعراً، و لو لمرة واحدة!


إن أَردنا


سنصيرُ شعباً، إن أَردنا، حين نعلم أَننا لسنا ملائكةً، و أَنَّ الشرَّ ليس من اختصاص الآخرينْ



سنصير شعباً حين لا نتلو صلاة الشكر للوطن المقدَّس، كلما وجد الفقيرُ عشاءَهُ ...



سنصير شعباً حين نشتم حاجبَ السلطان و السلطان، دون محاكمةْ



سنصير شعباً حين يكتب شاعرٌ وصفاً إباحياً لبطن الراقصةْ



سنصير شعباً حين ننسى ما تقولُ لنا القبيلة ...، حين يُعلي الفرد من شأن، التفاصيل الصغيرةْ



سنصير شعباً يحن ينظر كاتبٌ نحو النجوم، و لا يقول: بلادنا أَعلى ... و أجملْ!



سنصير شعباً يحن تحمي شرطةُ الآداب غانية و زانيةً من الضرب المبرِّح في الشوارعْ!



سنصير شعباً حين لا يتذكَّرُ الفردُ الفلسطينيُّ رايته سوى في ملعب الكرة الفسيح، و في مسابقة الجمال، و يوم نكبته فقطْ



سنصير شعباً، إن أَردنا، حين يؤذن للمغنِّي أَن يرتِّل آية من "سورة الرحمن" في حفل الزواج المُخْتَلطْ



سنصير شعباً حين نحترم الصواب، و حين نحترم الغَلَطْ!



حياة مبتدئة

في حانوت خبز على ناصية شارع باريسي ضيِّق.. أَحتسي قهوتي الأولى. صباحاً تختلط رائحة الخبز برائحة القهوة، و توقظان فيَّ شهية على حياة طازجة .. حياة مبتدئة، و على سلام طوعي مع الأشياء الصغيرة، و مع حمامات تُؤْثِرُ المشي بين المارة و السيارات على الطيران. لا أَجد غيري يجلس وحيداً إلا من دفتر يوميات. لكني أحس بأني أشارك السيدات المتقدمات في العمر حماستهنّ تجاه تفاصيل يروينها عن حياةِ غيرهنّ. و أُشارك بائعات الخبز و النادلات الجميلات حيادهنَّ اللبق تجاه مغازلات الزبائن المتقدمين، أكثر مني، في السن. أَتباطأ في احتساء قهوتي لأحافظ على صحبة مفترضة مع ما حولي، فليس للغريب إلا اختراع أُلفة ما مع مكان ما. و أَنا اخترت هذا الركن من حانوت الخبز لتأليف عادة يومية، كأني على موعد مع ذكريات مجتهدة تعتمد على نفسها في النمو. و أَسترسل في التفكير بتاريخ الخبز: كيف اكتُشِفَتْ حَبَّةُ القمح الأولى في سنبلةٍ خضراء مجدولةٍ كضفيرة. و كيف راقبها شخص ما إلى أن نضجت و اصفَرَّتْ؟ و كيف خطر على باله أن يطحنها و يعجنها و يخبزها حتى وصل إلى هذه المعجزة؟ أَرى حقولاً بعيدة في زمن بعيد، و أتساءل: كم استغرق هذا الإبداع من الوقت؟ تعلو رائحة الخبز الطازج، و أنظر في ساعتي .. ثم أَعود من آلاف السنين إلى حياة مبتدئة!



في الرباط

في مدينة الرباط، المرفوعةِ على أمواج الأطلسي العالية، يمشي الشاعرُ على الشارع بحثاً عن مُصَادَفَة المعنى و عن معنى المصادفة. يعرف النخيل جيّداً، و يسأل المارة عن أسماء الأشجار الأخرى، حاملةِ الجَمْر، دون أن يحصل على جواب واحد، كما لو أَن الشجر وجهةُ نظر أو استعارة. لكن المارة يسألونه عن وجهة الاستعارة في قصيدةٍ ما نسي أنه كاتبها، فلا يقدّم جواباً واحداً، كما لو أن الاستعارة شجرةٌ مجهولة الاسم. من تحية إلى تحية، يمشي الشاعر على الشارع كأنه يمشي في قصيدة غير مرئية، يفتتحها شيخ مغربي ينحني على كسرة خبز ... ينفض عنها التراب، و يقبِّلها و يَدَّخرها رزقاً للطيور في ثغرة جدار. و لي ... في مدينة الرباط مكان شخصي هو مسرح محمد الخامس. هناك تمتلئ نفسي بما ينقصها من ضفاف. ما أَعرفه عن نفسي- و هو قليلٌ- يكفي لأن أتوحَّد مع هذا المعبد المفتوح لمفاجآت الإلهام. كأني هناك لا أَقرأ و لا أُنشد، بل أَرتجل ما يملي عليَّ الصمتُ و الضوء الخافت و العيونُ التي ترسل الإشارات، فأصوغها في عبارات و أعيدها إلى أَيدٍ تمسك بها كما لو كانت مادة شفَّافة، مصنوعةً من هواء. كأني أقرأ شعر غيري، فأطرب لأنه شعر غيري. و أنا لا أنا إلا بقدر ما يكون الشعر هو الشاعر. لكني أسترق النظر إلى فتاة تضحك و تبكي في ركن القصيدة القصيّ، فأبكي و أَضحك لها متواطأ معها على فتح أبواب المسرح للتأويل. و للمغاربة أن يقولوا: نحن مَنْ أوحى إليه!





البنتُ/ الصرخة
على شاطئ البحر بنتٌ. وللبنت أَهلٌ
وللأهل بيتٌ. وللبيت نافذتان وبابْ...
وفي البحر بارجةٌ تتسلَّى
بصيدِ المُشاة على شاطئ البحر:
أربعةٌ، خمسةٌ، سبعةٌ
يسقطون على الرمل، والبنتُ تنجو قليلاً
لأن يداً من ضباب
يداً ما إلهيةً أسعفتها، فنادت: أَبي
يا أَبي! قُم لنرجع، فالبحر ليس لأمثالنا!
لم يُجِبْها أبوها المُسجَّى على ظلهِ
في مهب الغياب

دمٌ في النخيل، دمٌ في السحاب
يطير بها الصوتُ أعلى وأَبعد من
شاطئ البحر. تصرخ في ليل برّية،
لا صدى للصدى.
فتصير هي الصرخةَ الأبديةَ في خبرٍ
عاجلٍ، لم يعد خبراً عاجلاً
عندما
عادت الطائرات لتقصف بيتاً بنافذتين وباب!


ليتني حجر
لا أَحنُّ الى أيِّ شيءٍ
فلا أَمسِ يمضي، ولا الغَدُ يأتي
ولا حاضري يتقدمُ أو يتراجعُ
لا شيء يحدث لي!
ليتني حجرٌ – قلتُ – يا ليتني
حجرٌ ما ليصقُلَني الماءُ
أخضرُّ، أصفرُّ... أُوضَعُ في حُجْرةٍ
مثل منحوتةٍ، أو تمارينَ في النحت...
أو مادةً لانبثاق الضروريِّ
من عبث اللاضروريِّ...
يا ليتني حجرٌ
كي أَحنَّ الى أيِّ شيء!


مَكرُ المجاز
مجازاً أقول: انتصرتُ
مجازاً أقول: خسرتُ...
ويمتدُّ وادٍ سحيقٌ أمامي
وأَمتدُّ في ما تبقى من السنديانْ...
وثمَّة زيتونتان
تَلُمّانني من جهاتٍ ثلاثٍ
ويحملني طائرانْ
الى الجهة الخاليةْ
من الأوج والهاويةْ
لئلاَّ أقول: انتصرتُ
لئلاَّ أقول: خسرتُ الرهانْ!


لون أصفر
أزهارٌ صفراء توسِّع ضوء الغرفة. تنظر
إليّ أكثر مما أنظر اليها. هي أولى رسائل
الربيع. أهْدَتنِيها سيِّدةٌ لا تشغلها الحرب
عن قراءة ما تبقَّى لنا من طبيعة
متقشفة. أغبطها على التركيز الذي يحملها
الى ما هو أبعد من حياتنا المهلهلة...
أغبطها على تطريز الوقت بإبرة وخيط
أَصفر مقطوع من الشمس غير المحتلة.
أُحدِّق الى الأزهار الصفراء، وأُحسّ
بأنها تضيئني وتذيب عتمتي، فأخفّ
وأشفّ وأجاريها في تبادل الشفافية.
ويُغويني مجاز التأويل: الأصفر هو
لونُ الصوت المبحوح الذي تسمعه الحاسة
السادسة. صوت مُحايدُ النَّبرِ، صوت
عبّاد الشمس الذي لا يغيِّرُ دِينَه.
وإذا كان للغيرة – لونِهِ من فائدة،
فهي أن ننظر الى ما حولنا بفروسية
الخاسر، وأن نتعلم التركيز على تصحيح
أخطائنا في مسابقاتٍ شريفة!


ليت الفتى شجرة
ألشجرة أخت الشجرة، أو جارتها الطيّبة.
الكبيرة تحنو على الصغيرة، وتُمدُّها بما ينقصها
من ظلّ. والطويلة تحنو على القصيرة،
وترسل اليها طائراً يؤنسها في الليل. لا
شجرة تسطو على ثمرة شجرة أخرى، وإن
كانت عاقراً لا تسخر منها. ولم تقتل
شجرةٌ شجرةً ولم تقلِّد حَطّاباً. حين صارت
زورقاً تعلَّمت السباحة. وحين صارت
باباً واصلت المحافظة على الأسرار. وحين صارت
مقعداً لم تنسَ سماءها السابقة.
وحين صارت طاولة عَلَّمت الشاعر أن لا
يكون حطاباً. الشجرة مَغْفَرةٌ وسهَرٌ.
لا تنام ولا تحلم. لكنها تُؤتمنُ على أسرار
الحالمين، تقف على ساقها في الليل والنهار.
تقف احتراماً للعابرين وللسماء. الشجرة
صلاة واقفة. تبتهل الى فوق. وحين
تنحني قليلاً للعاصفة، تنحني بجلال راهبة
وتتطلع الى فوق... الى فوق. وقديماً قال
الشاعر: «ليت الفتى حجر». وليته قال:
ليت الفتى شجرة!


غريبان
يرنو الى أَعلى
فيبصر نجمةً
ترنو إليهْ!
يرنو الى الوادي
فيبصر قبرَهُ
يرنو إليهْ
يرنو الى امرأةٍ،
تعذِّبُهُ وتعجبُهُ
ولا ترنو اليه
يرنو الى مرآتِهِ
فيرى غريباً مثله
يرنو إليهْ!


ماذا... لماذا كلُّ هذا؟
يُسَلِّي نفسه، وهو يمشي وحيداً، بحديث
قصير مع نفسه. كلمات لا تعني شيئاً،
ولا تريد أن تعني شيئاً: «ماذا؟ لماذا
كل هذا؟» لم يقصد أن يتذمر أو
يسأل، أو يحكَّ اللفظة باللفظة لتقدح
إيقاعاً يساعده على المشي بخفَّةِ شاب.
لكن ذلك ما حدث. كلما كرَّر: ماذا...
لماذا كل هذا؟ أحسَّ بأنه في صحبة
صديق يعاونه على حمل الطريق. نظر
إليه المارة بلا مبالاة. لم يظن أحد أنه
مجنون. ظنّوه شاعراً حالماً هائماً يتلقّى
وحياً مفاجئاً من شيطان. أما هو، فلم
يَتَّهم نفسه بما يسيء اليها. ولا يدري
لماذا فكَّر بجنكيزخان. ربما لأنه رأى
حصاناً بلا سرج يسبح في الهواء، فوق
بناية مُهَدَّمة في بطن الوادي. واصل
المشي على إيقاع واحد: «ماذا... لماذا
كل هذا؟» وقبل أن يصل الى نهاية
الطريق الذي يسير عليه كل مساء، رأى
عجوزاً ينتحي شجرة أكاليبتوس، يسند
على جذعها عصاه، يفك أزرار سرواله
بيد مرتجفة، ويبوّل وهو يقول: ماذا...
لماذا كل هذا؟. لم تكتف الفتيات
الطالعات من الوادي بالضحك على العجوز،
بل رمينه بحبَّات فستق أخضر!


ما أنا إلاّ هو
بعيداً، وراء خطاه
ذئابٌ تعضُّ شعاع القمرْ
بعيداً، أمام خطاه
نجوم تضيء أَعالي الشجرْ
وفي القرب منه
دمٌ نازفٌ من عروق الحجرْ
لذلك، يمشي ويمشي ويمشي
الى أن يذوب تماماً
ويشربه الظلّ عند نهاية هذا السفرْ
وما أنا إلاّ هُوَ
وما هو إلاّ أنا
في اختلاف الصّوَرْ!


يرى نفسه غائباً
أنا هنا منذ عشر سنوات. وفي هذا المساء،
أجلس في الحديقة الصغيرة على كرسيّ من
البلاستيك، وأنظر الى المكان منتشياً بالحجر
الأحمر. أَعُدُّ الدرجات المؤدية الى غرفتي
على الطابق الثاني. إحدى عشرة درجة. الى
اليمين شجرةُ تين كبيرة تُظَلِّل شجيرات خوخ.
والى اليسار كنيسةٌ لوثريَّة. وعلى جانب
الدرج الحجري بئر مهجورة ودلو صدئ وأزهار
غير مرويَّة تمتصّ حبيبات من حليب أوَّل الليل.
أنا هنا، مع أربعين شخصاً، لمشاهدة مسرحية قليلة
الكلام عن منع التجوُّل، ينتشر أبطالها
المنسيّون في الحديقة وعلى الدرج والشرفة
الواسعة. مسرحية مرتجلة، أو قيد التأليف،
كحياتنا. أسترق النظر الى نافذة غرفتي
المفتوحة وأتساءل: هل أنا هناك؟
ويعجبني أن أدحرج السؤال على الدرج،
وأدرجه في سليقة المسرحية: في الفصل
الأخير، سيبقى كل شيء على حاله...
شجرةُ التين في الحديقة. الكنيسةُ اللوثرية
في الجهة المقابلة. يوم الأحد في مكانه
من الرُزنامة. والبئر المهجورة والدلو الصدئ.
أما أنا، فلن أكون في غرفتي ولا في
الحديقة. هكذا يقتضي النص: لا بد من
غائب للتخفيف من حمولة المكان!


قال: أَنا خائف
خافَ. وقال بصوت عالٍ: أنا خائف.
كانت النوافذ مُحْكَمَةَ الإغلاق، فارتفع
الصدى واتّسع: أنا خائف. صمتَ،
لكن الجدران ردَّدت: أنا خائف.
الباب والمقاعد والمناضد والستائر
والبُسُط والكتب والشموع والأقلام واللوحات
قالت كُلُّها: أنا خائف. خاف صوت
الخوف فصرخ: كفى! لكن الصدى لم
يردِّد: كفى! خاف المكوث في البيت
فخرج الى الشارع. رأى شجرة حَوْرٍ،
مكسورة فخاف النظر اليها لسبب لا
يعرفه. مرت سيارة عسكرية مسرعة،
فخاف المشي على الشارع. وخاف
العودة الى البيت لكنه عاد مضطراً.
خاف أن يكون قد نسي المفتاح في
الداخل، وحين وجده في جيبه اطمأنّ.
خاف أن يكون تيار الكهرباء قد انقطع.
ضغط على زر الكهرباء في ممر الدرج،
فأضاء، فاطمأنّ. خاف أن يتزحلق على
الدرج فينكسر حوضه، ولم يحدث ذلك
فاطمأنّ. وضع المفتاح في قفل
الباب وخاف ألا ينفتح، لكنه انفتح
فاطمأن. دخل الى البيت، وخاف أن
يكون قد نسي نفسه على المقعد خائفاً.
وحين تأكد أنه هو من دخل لا سواه،
وقف أمام المرآة، وحين تعرَّف الى
وجهه في المرآة اطمأنّ. أِصغى الى
الصمت، فلم يسمع شيئاً يقول: أنا
خائف، فاطمأنّ. ولسببٍ ما غامض...
لم يعد خائفاً!


شخص يطارد نفسه
كما لو كنتَ غيرك سادراً،
لم تنتظر أحداً
مشيتَ على الرصيف
مشيتُ خلفك حائراً
لو كنتَ أنت أنا لقلتُ لكَ:
انتظرني عند قارعة الغروب
ولم تقل: لو كنتَ أنتَ أنا
لما احتاج الغريب الى الغريب.
ألشمس تضحك للتلال. ونحن نضحك
للنساء العابرات. ولم تقل إحدى النساء:
هناك شخص ما يُكَلِّم نفسه...
لم تنتظر أحداً
مشيتَ على رصيفك سادراً
ومشيتُ خلفك حائراً.
والشمسُ غابت خلفنا...
ودَنوْتَ مني خطوةً أو خطوتين
فلم تجدني واقفاً أو ماشياً
ودَنوتُ منك فلم أجدك...
أكنتُ وحدي دون أن أدري
بأني كنت وحدي؟ لم تقل
إحدى النساء: هناك شخصٌ ما
يطارد نفسَهُ!


لم أحلم
متنبّهاً الى ما يتساقط من أَحلامي، أَمنع
عطشي من الإسراف في طلب الماء من
السراب. أَعترفُ بأني تعبت من طول
الحلم الذي يعيدني إلى أوَّله وإلى آخري،
دون أن نلتقي في أيِّ صباح. «سأصنع
أحلامي من كفاف يومي لأتجنَّب الخيبة».
فليس الحلم أن ترى ما لا يُرى، على
وتيرة المُشتَهى، بل هو أن لا تعلم أنك
تحلم. لكن، عليك أن تعرف كيف تصحو.
فاليقظة هي نهوض الواقعي من الخياليّ مُنَقَّحاً،
وعودةُ الشِعر سالماً من سماءِ لُغةٍ متعالية
الى أرض لا تشبه صورتها. هل في
وسعي أن أختار أحلامي، لئلا أحلم
بما لا يتحقّق، كأن أكون شخصاً آخر...
يحلم بأنه يرى الفرق بين حيّ يرى
نفسه ميتاً، وبين ميت يرى نفسه حيّاً؟
ها أَنذا حيّ، وحين لا أحلم أَقول:
«لم أحلم، فلم أَخسر شيئاً؟!


خيالي... كلب صيد وفيّ
على الطريق إلى لا هدف، يُبَلِّلني رذاذ
ناعم، سقطتْ عليَّ من الغيم تُفَّاحةٌ لا
تشبه تفاحة نيوتن. مددتُ يدي لألتقطها
فلم تجدها يدي ولم تَرَها عيناي. حدَّقتُ
إلى الغيوم، فرأيتُ نُتَفاً من القطن تسوقها
الريح شمالاً، بعيداً عن خزانات الماء
الرابضة على سطوح البنايات. وتدفَّق الضوءُ
الصافي على إسفلت يَتَّسع ويضحك من قلَّة
المشاة والسيارات... وربما من خطواتي
الزائغة. تساءلتُ: أَين التفاحة التي
سقطت عليَّ؟ لعلَّ خيالي الذي استقلَّ
عني هو الذي اختطفها وهرب. قلت:
أَتبعه الى البيت الذي نسكنه معاً في
غرفتين متجاورتين. هناك، وجدت على
الطاولة ورقة كُتِبَ عليها، بحبر أَخضر،
سطر واحد: «تفاحة سقطت عليَّ من
الغيوم»، فعلمت أَن خيالي كلب صيد
وفيّ!


على قلبي مشيت
على قلبي مشيتُ، كأنَّ قلبي
طريقٌ، أو رصيفٌ، أو هواءُ
فقال القلبُ: أتعبَنِي التماهي
مع الأشياء، وانكسر الفضاءُ
وأَتعبني سؤالُكَ: أين نمضي
ولا أرضٌ هنا... ولا سماءُ
وأنتَ تطيعني... مُرني بشيء
وصوِّبني لأفعل ما تشاءُ
فقلتُ له: نسيتُكَ مذ مشينا
وأَنت تَعِلَّتي، وأنا النداءُ
تمرَّدْ ما استطعت عليَّ، واركُضْ
فليس وراءنا إلاَّ الوراءُ!


اغتيال


يغتالني النُقَّاد أَحياناً:
يريدون القصيدةَ ذاتَها
والاستعارة ذاتها...
فإذا مَشَيتُ على طريقٍ جانبيّ شارداً
قالوا: لقد خان الطريقَ
وإن عثرتُ على بلاغة عُشبَةٍ
قالوا: تخلَّى عن عناد السنديان
وإن رأيتُ الورد أصفرَ في الربيع
تساءلوا: أَين الدمُ الوطنيُّ في أوراقهِ؟
وإذا كتبتُ: هي الفراشةُ أُختيَ الصغرى
على باب الحديقةِ
حرَّكوا المعنى بملعقة الحساء
وإن هَمَستُ: الأمُّ أمٌّ، حين تثكل طفلها
تذوي وتيبس كالعصا
قالوا: تزغرد في جنازته وترقُصُ
فالجنازة عُرْسُهُ...
وإذا نظرتُ الى السماء لكي أَرى
ما لا يُرَى
قالوا: تَعَالى الشعرُ عن أَغراضه...
يغتالني النُقّادُ أَحياناً
وأَنجو من قراءتهم،
وأشكرهم على سوء التفاهم
ثم أَبحثُ عن قصيدتيَ الجديدةْ!


شال حرير
شال على غصن شجرة. مرَّت فتاةٌ من هنا،
أو مرّت ريح بدلاً منها، وعلَّقت شالها على
الشجرة. ليس هذا خبراً. بل هو مطلع
قصيدة لشاعر متمهِّل أَعفاه الحُبُّ من الأَلم،
فصار ينظر اليه – عن بعد – كمشهد
طبيعةٍ جميل. وضع نفسه في المشهد:
الصفصافة عالية، والشال من حرير. وهذا
يعني أن الفتاة كانت تلتقي فتاها في
الصيف، ويجلسان على عشب ناشف. وهذا
يعني أيضاً أنهما كانا يستدرجان العصافير
إلى عرس سري، فالأفق الواسع أمامهما،
على هذه التلة، يغري بالطيران، ربما قال
لها: أَحنُّ اليك، وأَنتِ معي، كما لو
كنتِ بعيدة. وربما قالت له: أَحضنكَ،
وأَنت بعيد، كما لو كنتَ نهديَّ. وربما
قال لها: نظرتك إليَّ تذوِّبني، فأصير
موسيقى. وربما قالت له: ويدك على
ركبتي تجعل الوقت يَعرَق، فافْرُكْني لأذوب...
واسترسل الشاعر في تفسير شال الحرير،
دون أن ينتبه الى أن الشال كان غيمة
تعبر، مصادفة، بين أغصان الشجر عند
الغروب.


الحياة... حتى آخر قطرة
وإن قيل لي ثانيةً: ستموت اليوم،
فماذا تفعل؟ لن أَحتاج الى مهلة للرد:
إذا غلبني الوَسَنُ نمتُ. وإذا كنتُ
ظمآنَ شربتُ. وإذا كنتُ أكتب، فقد
يعجبني ما أكتب وأتجاهل السؤال. وإذا
كنت أتناول طعام الغداء، أضفتُ إلى
شريحة اللحم المشويّة قليلاً من الخردل
والفلفل. وإذا كنتُ أُحلق، فقد أجرح
شحمة أذني. وإذا كنتُ أقبِّل صديقتي،
التهمتُ شفتيها كحبة تين. وإذا كنت
أقرأ قفزت عن بعض الصفحات. وإذا
كنتُ أقشِّر البصل ذرفتُ بعض الدموع.
وإذا كنتُ أمشي واصلتُ المشي بإيقاع
أبطأ. وإذا كنتُ موجوداً، كما أنا الآن،
فلن أفكِّر بالعدم. وإذا لم أكن موجوداً،
فلن يعنيني الأمر. وإذا كنتُ أستمع الى
موسيقى موزارت، اقتربتُ من حيِّز
الملائكة. وإذا كنتُ نائماً بقيتُ نائماً
وحالماً وهائماً بالغاردينيا. وإذا كنتُ
أضحك اختصرتُ ضحكتي الى النصف احتراماً
للخبر. فماذا بوسعي أن أفعل؟ ماذا
بوسعي أن أفعل غير ذلك، حتى لو
كنتُ أشجع من أحمق، وأقوى من
هرقل؟


أَثر الفراشة
أَثر الفراشة لا يُرَى
أَثر الفراشة لا يزولُ
هو جاذبيّةُ غامضٍ
يستدرج المعنى، ويرحلُ
حين يتَّضحُ السبيلُ
هو خفَّةُ الأبديِّ في اليوميّ
أشواقٌ إلى أَعلى
وإشراقٌ جميلُ
هو شامَةٌ في الضوء تومئ
حين يرشدنا الى الكلماتِ
باطننا الدليلُ
هو مثل أُغنية تحاولُ
أن تقول، وتكتفي
بالاقتباس من الظلالِ
ولا تقولُ...
أَثرُ الفراشة لا يُرَى
أُثرُ الفراشة لا يزولُ!
أَنت، منذ الآن، أَنت
الكرملُ في مكانه السيِّد... ينظر من علٍ إلى
البحر. والبحر يتنهَّد، موجةً موجةً، كامرأةٍ
عاشقةٍ تغسل قَدَميْ حبيبها المتكبِّر!
*
كأني لم أذهب بعيداً. كأني عُدتُ من
زيارة قصيرة لوداع صديقٍ مسافر، لأجد
نفسي جالسة في انتظاري على مقعد حجري
تحت شجرة تُفَّاح.
*
كل ما كان منفى يعتذر، نيابةً عني،
لكُلّ ما لم يكن منفى!
*
ألآن، الآن... وراء كواليس المسرح،
يأتي المخاض الى عذراء في الثلاثين،
وتلدني على مرأى من مهندسي الديكور،
والمصوِّرين!
*
جرت مياه كثيرة في الوديان والأنهار.
ونبتت أعشاب كثيرة على الجدران. أَمَّا
النسيان فقد هاجر مع الطيور المهاجرة...
شمالاً شمالاً.
*
ألزمن والتاريخ يتحالفان حيناً، ويتخاصمان
حيناً على الحدود بينهما. الصفصافةُ العاليةُ
لا تأبه ولا تكترث. فهي واقفة على
قارعة الطريق.
*
أَمشي خفيفاً لئلاَّ أكسر هشاشتي. وأَمشي
ثقيلاً لئلاَّ أَطير. وفي الحالين تحميني
الأرض من التلاشي في ما ليس من صفاتها!
*
في أَعماقي موسيقى خفيَّة، أَخشى عليها
من العزف المنفرد.
*
ارتكبتُ من الأخطاء ما يدفعني، لإصلاحها،
إلى العمل الإضافيّ في مُسَوَّدة الإيمان
بالمستقبل. من لم يخطئ في الماضي لا
يحتاج الى هذا الإيمان.
*
جبل وبحر وفضاء. أطير وأسبح، كأني
طائرٌ جوّ – مائي. كأني شاعر!
*
كُلُّ نثر هنا شعر أوليّ محروم من صَنعَة الماهر.
وكُلُّ شعر، هنا، نثر في متناول المارة.
بكُلِّ ما أُوتيتُ من فرح، أُخفي دمعتي
عن أوتار العود المتربِّص بحشرجتي، والمُتَلصِّص
على شهوات الفتيات.
*
ألخاص عام. والعام خاص... حتى إشعار
آخر، بعيد عن الحاضر وعن قصد القصيدة!
*
حيفا! يحقّ للغرباء أن يحبُّوكِ، وأن ينافسوني
على ما فيك، وأن ينسوا بلادهم في
نواحيك، من فرط ما أنت حمامة تبني عُشَّها
على أنف غزال!
*
أنا هنا. وما عدا ذلك شائعة ونميمة!
*
يا للزمن! طبيب العاطفيين... كيف يُحوِّل
الجرح ندبة، ويحوِّل الندبة حبَّة سمسم.
أنظر الى الوراء، فأراني أركض تحت المطر. هنا،
وهنا، وهنا. هل كنتُ سعيداً دون أن أدري؟
*
هي المسافة: تمرين البصر على أعمال البصيرة،
وصقلُ الحديد بنايٍ بعيد.
*
جمال الطبيعة يهذِّب الطبائع، ما عدا طبائع مَنْ
لم يكن جزءاً منها. الكرمل سلام. والبندقية نشاز.
*
على غير هُدىً أمشي. لا أبحث عن شيء. لا
أبحث حتى عن نفسي في كل هذا الضوء.
*
حيفا في الليل... انصراف الحواس الى أشغالها
السرية، بمنأى عن أصحابها الساهرين على الشرفات.
*
يا للبداهة! قاهرة المعدن والبرهان!
*
أُداري نُقَّادي، وأُداوي جراح حُسَّادي على
حبِّ بلادي... بزِحافٍ خفيف، وباستعارة
حمَّالةِ أِوجُه!
*
لم أَرَ جنرالاً لأسأله: في أيّ عامٍ قَتَلتَنِي؟
لكني رأيتُ جنوداً يكرعون البيرة على الأرصفة.
وينتظرون انتهاء الحرب القادمة، ليذهبوا الى
الجامعة لدراسة الشعر العربي الذي كتبه موتى
لم يموتوا. وأَنا واحد منهم!
*
خُيِّل لي أن خُطَايَ السابقة على الكرمل هي
التي تقودني الى «حديقة الأم»، وأَن
التكرار رجع الصدى في أُغنية عاطفية لم تكتمل،
من فرط ما هي عطشى الى نقصان متجدِّد!
*
لا ضباب. صنوبرة على الكرمل تناجي أَرزة
على جبل لبنان: مساء الخير يا أُختي!
*
أعبُرُ من شارع واسع إلى جدار سجني
القديم، وأقول: سلاماً يا مُعلِّمي الأول في
فقه الحرية. كُنتَ على حق: فلم يكن الشعر
بريئاً!



_________________

هذه أنوثة
..............
لكَ سطرت أحرفي ...
بعثتها مع رياح عشقي المجنونة ...
حملتها طيور شوقي المهاجرة ...
أودعتها في ثنايا الليل !!
علها تصل اليك ..
تدق على أبوابك ..
ترسو بقربك ..
تعلمك بحالة استغاثة !
!


أحبك!!!!!!!!!


حسن بلم
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
مُشاطرة هذه المقالة على: Excite BookmarksDiggRedditDel.icio.usGoogleLiveSlashdotNetscapeTechnoratiStumbleUponNewsvineFurlYahooSmarking

أثر الفراشة محمود درويش,ديوان أثر الفراشة كامل قراءة مباشرة :: تعاليق

مختارات من محمود درويش

قطار الساعة الواحدة



رجل و امرأة يفترقان

ينفضان الورد عن قلبيهما ،

ينكسران .

يخرج الظلّ من الظلّ

يصيران ثلاثة :

رجلا

وامرأة

والوقت ...

لا يأتي القطار

فيعودان إلى المقهى

يقولان كلاما آخرا ،

ينسجمان

ويحبّان بزوغ الفجر من أوتار جيتار

ولا يفترقان ...

.. وتلفت أجيل الطرف في ساحات هذا القلب .

ناداني زقاق ورفاق يدخلون القبو والنسيان في مدريد .

لا أنسى من المرأة إلّا وجهها أو فرحي ...

أنساك أنساك وأنساك كثيرا

لو تأخّرنا قليلا

عن قطار الواحدة .

لو جلسنا ساعة في المطعم الصيني ،

لو مرّت طيور عائدة .

لو قرأنا صحف الليل

لكنّا

رجلا و امرأة يلتقيان ...





يوم أحد أزرق





تجلس المرأة في أغنيتي

تغزل الصوف ،

تصبّ الشاي ،

والشبّاك مفتوح على الأيّام

والبحر بعيد ...

ترتدي الأزرق في يوم الأحد ،

تتسلّى بالمجلات وعادات الشعوب ،

تقرأ الشعر الرومنتيكي ،

تستلقي على الكرسي ،

والشبّاك مفتوح على الأيّام ،

والبحر بعيد .

تسمع الصوت الذي لا تنتظر .

تفتح الباب ،

ترى خطوة إنسان يسافر .

تغلق الباب ،

ترى صورته . تسألها : هل أنتحر ؟

تنتقي موزات ،

ترتاح مع الأرض السماويّة ،

والشبّاك مفتوح على الأيّام

والبحر بعيد .

...والتقينا ،

ووضعت البحر في صحن خزف ،

واختفت أغنيتي

أنت ، لا أغنيتي

والقلب مفتوح على الأيّام ،

والبحر سعيد ....





الصهيل الأخير



وأصبّ الأغنية

مثلما ينتحر النهر على ركبتها .

هذه كل خلاياي

وهذا عسلي ،

وتنام الأمنية .

في دروبي الضيقة

ساحة خالية ،

نسر مريض ،

وردة محترفة

حلمي كان بسيطا

واضحا كالمشنقه :

أن أقول الأغنية .

أين أنت الآن ؟

من أي جبل

تأخذين القمر الفضي ّ

من أيّ انتظار ؟

سيّدي الحبّ ! خطانا ابتعدت

عن بدايات الجبل

وجمال الانتحار

وعرفنا الأوديه

أسبق الموت إلى قلبي

قليلا

فتكونين السفر

وتكونين الهواء

أين أنت الآن

من أيّ مطر

تستردين السماء ؟

وأنا أذهب نحو الساحة المنزويه

هذه كل خلاياي ،

حروبي ،

سبلي .

هذه شهوتي الكبرى

وهذا عسلي ،

هذه أغنيتي الأولى

أغنّي دائما

أغنية أولى ،

ولكن

لن أقول الأغنية .





عن إنسان





وضعوا على فمه السلاسل

ربطوا يديه بصخرة الموتى ،

وقالوا : أنت قاتل !

***

أخذوا طعامه والملابس والبيارق

ورموه في زنزانة الموتى ،

وقالوا : أنت سارق !

طردوه من كل المرافيء

أخذوا حبيبته الصغيرة ،

ثم قالوا : أنت لاجيء !

***

يا دامي العينين والكفين !

إن الليل زائل

لا غرفة التوقيف باقية

ولا زرد السلاسل !

نيرون مات ، ولم تمت روما ...

بعينيها تقاتل !

وحبوب سنبلة تموت

ستملأ الوادي سنابل ..!





وعاد في كفن



-1-



يحكون في بلادنا

يحكون في شجن

عن صاحبي الذي مضى

وعاد في كفن

*

كان اسمه...

لا تذكروا اسمه!

خلوه في قلوبنا...

لا تدعوا الكلمة

تضيع في الهواء، كالرماد...

خلوه جرحا راعفا... لا يعرف الضماد

طريقه إليه...

أخاف يا أحبتي... أخاف يا أيتام ...

أخاف أن ننساه بين زحمة الأسماء

أخاف أن يذوب في زوابع الشتاء!

أخاف أن تنام في قلوبنا

جراحنا ...

أخاف أن تنام !!

كان الفتى صغيرا ...

فغاب عن طريقها

ولم يفكر بالهوى كثيرا ...!

-3-

يحكون في بلادنا

يحكون في شجن

عن صاحبي الذي مضى

وعاد في كفن

ما قال حين زغردت خطاه خلف الباب

لأمه : الوداع !

ما قال للأحباب... للأصحاب :

موعدنا غدا !

ولم يضع رسالة ...كعادة المسافرين

تقول إني عائد... وتسكت الظنون

ولم يخط كلمة...

تخاطب السماء والأشياء ،

تقول : يا وسادة السرير!

يا حقيبة الثياب!

يا ليل ! يا نجوم ! يا إله! يا سحاب ! :

أما رأيتم شاردا... عيناه نجمتان ؟

يداه سلتان من ريحان

وصدره و سادة النجوم والقمر

وشعره أرجوحة للريح و الزهر !

أما رأيتم شاردا

مسافرا لا يحسن السفر!

راح بلا زوادة ، من يطعم الفتى

إن جاع في طريقه ؟

من يرحم الغريب ؟

قلبي عليه من غوائل الدروب !

قلبي عليك يا فتى... يا ولداه!

قولوا لها ، يا ليل ! يا نجوم !

يا دروب ! يا سحاب !

قولوا لها : لن تحملي الجواب

فالجرح فوق الدمع ...فوق الحزن والعذاب !لن تحملي... لن تصبري كثيرا

لأنه ...

لأنه مات ، ولم يزل صغيرا !

-4-

يا أمه!

لا تقلعي الدموع من جذورها !

للدمع يا والدتي جذور ،

تخاطب المساء كل يوم...

تقول : يا قافلة المساء !

من أين تعبرين ؟

غضت دروب الموت... حين سدها المسافرون

سدت دروب الحزن... لو وقفت لحظتين

لحظتين !

لتمسحي الجبين والعينين

وتحملي من دمعنا تذكار

لمن قضوا من قبلنا ... أحبابنا المهاجرين

لا تشرحوا الأمور!

أنا رأيتا جرحه

حدقّت في أبعاده كثيرا...

" قلبي على أطفالنا "

وكل أم تحضن السريرا !

يا أصدقاء الراحل البعيد

لا تسألوا : متى يعود

لا تسألوا كثيرا

بل اسألوا : متى

يستيقظ الرجال !

لتمسحي الجبين والعينين

وتحملي من دمعنا تذكار

لمن قضوا من قبلنا ... أحبابنا المهاجرين

يا أمه !

لا تقلعي الدموع من جذورها

خلي ببئر القلب دمعتين !

فقد يموت في غد أبوه... أو أخوه

أو صديقه أنا

خلي لنا ...

للميتين في غد لو دمعتين... دمعتين !

-5-

يحكون في بلادنا عن صاحبي الكثيرا

حرائق الرصاص في وجناته

وصدره... ووجهه...

لا تشرحوا الأمور!

أنا رأيتا جرحه

حدقّت في أبعاده كثيرا...

" قلبي على أطفالنا "

وكل أم تحضن السريرا !

يا أصدقاء الراحل البعيد

لا تسألوا : متى يعود

لا تسألوا كثيرا

بل اسألوا : متى

يستيقظ الرجال !







رسالة من المنفى





-1-

تحيّة ... وقبلة

وليس عندي ما أقول بعد

من أين أبتدي ؟ .. وأين أنتهي ؟

ودورة الزمان دون حد

وكل ما في غربتي

زوادة ، فيها رغيف يابس ، ووجد

ودفتر يحمل عني بعض ما حملت

بصقت في صفحاته ما ضاق بي من حقد

من أين أبتدي ؟

وكل ما قيل وما يقال بعد غد

لا ينتهي بضمة.. أو لمسة من يد

لا يرجع الغريب للديار

لا ينزل الأمطار

لا ينبت الريش على

جناح طير ضائع .. منهد

من أين أبتدي

تحيّة .. وقبلة.. وبعد ..

أقول للمذياع ... قل لها أنا بخير

أقول للعصفور

إن صادفتها يا طير

لا تنسني ، وقل : بخير

أنا بخير

أنا بخير

ما زال في عيني بصر !

ما زال في السما قمر !

وثوبي العتيق ، حتى الآن ، ما اندثر

تمزقت أطرافه

لكنني رتقته... ولم يزل بخير

وصرت شابا جاور العشرين

تصوّريني ... صرت في العشرين

وصرت كالشباب يا أماه

أواجه الحياه

وأحمل العبء كما الرجال يحملون

وأشتغل

في مطعم ... وأغسل الصحون

وأصنع القهوة للزبون

وألصق البسمات فوق وجهي الحزين

ليفرح الزبون

-3-

قد صرت في العشرين

وصرت كالشباب يا أماه

أدخن التبغ ، وأتكي على الجدار

أقول للحلوة : آه

كما يقول الآخرون

" يا أخوتي ؛ ما أطيب البنات ،

بدونهن ... مرة هي الحياة " .

وقال صاحبي : "هل عندكم رغيف ؟

يا إخوتي ؛ ما قيمة الإنسان

إن نام كل ليلة ... جوعان ؟ "

أنا بخير

أنا بخير

عندي رغيف أسمر

وسلة صغيرة من الخضار

-4-

سمعت في المذياع

قال الجميع : كلنا بخير

لا أحد حزين ؛

فكيف حال والدي

ألم يزل كعهده ، يحب ذكر الله

والأبناء .. والتراب .. والزيتون ؟

وكيف حال إخوتي

هل أصبحوا موظفين ؟

سمعت يوما والدي يقول :

سيصبحون كلهم معلمين ...

سمعته يقول

( أجوع حتى أشتري لهم كتاب )

لا أحد في قريتي يفك حرفا في خطاب

وكيف حال أختنا

هل كبرت .. وجاءها خطّاب ؟

وكيف حال جدّتي

ألم تزل كعهدها تقعد عند الباب ؟

تدعو لنا

بالخير ... والشباب ... والثواب !

وكيف حال بيتنا

والعتبة الملساء ... والوجاق ... والأبواب !

سمعت في المذياع

رسائل المشردين ... للمشردين

جميعهم بخير !

لكنني حزين ...

تكاد أن تأكلني الظنون

لم يحمل المذياع عنكم خبرا ...

ولو حزين

ولو حزين

-5-

الليل - يا أمّاه - ذئب جائع سفاح

يطارد الغريب أينما مضى ..

ماذا جنينا نحن يا أماه ؟

حتى نموت مرتين

فمرة نموت في الحياة

ومرة نموت عند الموت!

هل تعلمين ما الذي يملأني بكاء ؟

هبي مرضت ليلة ... وهد جسمي الداء !

هل يذكر المساء

مهاجرا أتى هنا... ولم يعد إلى الوطن ؟

هل يذكر المساء

معاجرا مات بلا كفن ؟

يا غابة الصفصاف ! هل ستذكرين

أن الذي رموه تحت ظلك الحزين

- كأي شيء ميت - إنسان ؟

هل تذكرين أنني إنسان

وتحفظين جثتني من سطوه الغربان ؟

أماه يا أماه

لمن كتبت هذه الأوراق

أي بريد ذاهب يحملها ؟

سدّت طريق البر والبحار والآفاق ...

وأنت يا أماه

ووالدي ، وإخوتي ، والأهل ، والرفاق ...

لعلّكم أحياء

لعلّكم أموات

لعلّكم مثلي بلا عنوان

ما قيمة الإنسان

بلا وطن

بلا علم

ودونما عنوان

ما قيمة الإنسان

ما قيمة الإنسان

بلا وطن

بلا علم

ودونما عنوان

ما قيمة الإنسان





الحزن والغضب





الصوت في شفتيك لا يطرب

والنار في رئتيك لا تغلب

وأبو أبيك على حذاء مهاجر يصلب وشفاهها تعطي سواك ونهدها يحلب

فعلام لا تغضب

-1-

أمس التقينا في طريق الليل من حان لحان

شفتاك حاملتان

كل أنين غاب السنديان

ورويت لي للمرة الخمسين

حب فلانه وهوى فلان

وزجاجة الكونياك

والخيام والسيف اليماني

عبثا تخدر جرحك المفتوح

عربدة القناني

عبثا تطوع يا كنار الليل جامحة الأماني

الريح في شفتيك تهدم ما بنيت من الأغاني

فعلام لا تغضب

-2-

قالوا إبتسم لتعيش

فابتسمت عيونك للطريق

وتبرأت عيناك من قلب يرمده الحريق

وحلفت لي إني سعيد يا رفيق

وقرأت فلسفة ابتسامات الرقيق

الخمر و الخضراء والجسد الرشيق

فإذا رأيت دمي بخمرك

كيف تشرب يا رفيق

-3-

القرية الأطلال

والناطور والأرض واليباب

وجذوع زيتوناتكم

أعشاش بوم أو غراب

من هيأ المحراث هذا العام

من ربي التراب

يا أنت أين أخوك أين أبوك

إنهما سراب

من أين جئت أمن جدار

أم هبطت من السحاب

أترى تصون كرامة الموتى

وتطرق في ختام الليل باب

وعلام لا تغضب

-4-

أتحبها

أحببت قبلك

وارتجفت على جدائلها الظليلة

كانت جميله

لكنها رقصت على قبري وأيامي القليلة

وتحاصرت والآخرين بحلبة الرقص الطويلة

وأنا وأنت نعاتب التاريخ

والعلم الذي فقد الرجوله

من نحن

دع نزق الشوارع

يرتوي من ذل رايتنا القتيلة

فعلام لا تغضب

-5-

إنا حملنا الحزن أعواما وما طلع الصباح

والحزن نار تخمد الأيام شهوتنا

وتوقظها الرياح

والريح عندك كيف تلجمها

وما لك من سلاح

إلا لقاء الريح والنيران

في وطن مباح
من فضة الموت الذي لاموت فيه



نسيانُ أَمرٍ مّا صعودٌ نحو باب الهاويهْ

هذا أنا أنسى نهاياتي وأصعدُ ثم أهبطُ . أين يُمْتَحنُ الصوابْ؟

هل في الطريق ’ أم الوصولِ إلى نهايات الطريق المُفْرجَهْ؟

وإذا وصلتُ فيكَيفَ أمشي ؟ كيفَ أرفعُ فكرةً أو أغنيهْ

ضيَّقْتُ هاويتي لتكبر خطوتي فيها ’ وأجلستُ السماء على الحصى

وعليَّ أن أنسى لأنفضَ عن يديَّ سلاسل الطُرقِ الكثيرهْ

وعليَّ أن أنسى هزائميَ الأخيرة كي أرى أُفُقَ البدايهْ

وعليَّ أن أنسى البدايةَ كي أسيرَ إلى البدايةِ واثقاً منِّي ومِنها

ولأنني ما زلتُ أسألُ ’ لا أرى شكلاً لصوتي غيرَ قبوي

هل كان معيارُ الحقيقةِ دائماً سيفاً لأخفي فكرتي مُذْ طارَ سيفي؟

مَنْ يستطيعُ البحثَ عن سفحٍ لصوتٍ خرَّ في الوادي السحيقْ؟

مَنْ يستطيعُ البحث عن أممٍ أتانا صمتهُا عبر الخيول الفاتحهْ

وتزوَّجتْ لغةَ العدوِّ تعلمتْ أديانَهُ واستسلمتْ لغيابها

ماذا أرى مما جرى ؟ هل أستطيع البحثَ عن مترٍ مُرَبَّعْ

لأحيل أُغنيتي إليه ’ خلفَ هندسةِ الخرابِ الصارمهْ

ولخطوتي الأولى . ألم أعرف تماماً شكل موتي

وحجارة القمر المبعثرِ ’ عندما أهديتُ موتي

لسلام أطفالٍ سينجبهم عَدُوِّي من نسائي

هل هكذا التاريخ لا يروي سوى سِيرَ الملوك الناجحينْ؟

دافعتُ عما لا أراهُ ’ لن أراهُ ’ ولن أراهُ ’ وعن سرير العاشقهْ

دافعتُ عن شجرٍ سيشنقني إذا ما عُدْتُ من لغتي إليهْ

دافعت عمَّا كان لي ’ ويفرُّ مني حين توقظهُ يدايْ

دافعت عمّا ليس لي . وسأستطيع إذا استطعتُ سأستطيع

أن أُرجعَ الماضي إلى ماضيهِ ’ أن استلَّ موعظةَ الجبلْ

ممَّن رآني سائراً متسائلاً بين الضحايا والشهودْ

ضيَّقْتُ هاويتي لأوضحَ خطوتي . سأستطيعُ سأستطيعْ

أن أملأ الكلمات معناها وأن أحيا كما شاءت مشيئةُ رغبتي

هذا أنا أنسى نهاياتي وأصعدُ ثم أصعدُ نحو باب الهاويهْ

أهناك ما يكفي من الأفكار كي أختارَ خطوتي الأخيرهْ؟

أهناك مايكفي من البلدان كي أضعَ الكلامَ على الرصيف

وأنصرفْ

أهناك ما يكفي من الكلمات كي أبني نوافِذَ لا تطلُّ على المذابحْ؟

أهناك ما يكفي من التاريخ كي أجدَ ابتهالاتِ الشعوبِ السابقهْ؟

أهناك ما يكفي من النسيان كي أنسى .. وأنسى

أنسى لأبتكر البداية من نهاية ما انتهى فينا. كسرتُ الدائرهْ

وكسرتُ نفسي كي أرى نفسي تدلّ على انتباه الأجنحهْ

وعليّ أحياناً. أنطعمُ خيلَنا لغةً ، أنسرِجُها الكنايهْ؟

من ليس منّا صار منّا. افتحوا باب الحدائقِ في قيودي

يخرجْ إليكم ما أُريدُ من الكلام، وما أُريدُ من اليمامْ

لم يبقَ لي شيءٌ لأخسرَهُ هنا. لم يبقً لي شيءٌ كي أراهْ

لم يبقَ لي شيءٌ يناديني ولا شيءٌ يضافُ إلى كتابات الكهوفْ

في قوّتي ضعفُ الممرِّ، وفي انكساري قوّةُ المعنى. فماذا

لو هبَّ نعناعٌ على أقفاص نفسي، وارتفعتُ على حطامي العاليهْ

ماذا لو اكتمل النشيدُ الحرُّ ، وانهارتْ حدودُ الهاويهْ؟

ماذا لو انفضّ النّهارُ عليَّ من ثقب المدى؟ هي أغنيهْ

سيوّزعُ النسيانُ أعشاباً على جدرانها، وسنستعيدْ

أيامَ إخوتنا وتاريخ انبجاس الماء من حجر. فكم سنةً سنبقى

في قاع هاويةٍ نُعلم روحنا قدّاسَها وجناسَها

ونعيدُ للأسماء سكّاناً نسوا أسماءهم كي يتبعونا

ويُقايضوا دمهم برمّان البعيدْ؟

صدّقتُ أُغنيتي وكذّبتُ الخريفَ وليتني كذّبتُ أُغنيتي وصدّقتُ

الخريفْ

هل يستطيعُ الوردُ في أحلامِ منْ مات النزولَ عن السياجْ؟

هل نستطيعُ العيشَ أكثرَ ما استطعنا كي نرى ذهبَ الكلامْ

خبزاً وفاكهةً؟ "أسأتُ إليك يا شعبي" أسأتُ كما أساء الحبُّ لي

وأصبتُ طفلاً بالأغاني حين قدّستُ المعاني وحدها

وتركتُ سكانَ القصيدةِ في مخيّمهم يعدّونَ الهواءَ على الأصابعْ

كم من أخٍ لك لم تلدْهُ الأم يولدُ من شظاياك الصغيرهْ؟

كم من عدوٍّ غامضٍ ولدته أمُّك يفصلُ الآن الظهيرةَ عن دمك؟

"أأسأتُ يا شعبي إليكَ" كما أساءَ إليّ آدمْ؟

ما أضيقَ الأرضَ التي لا أرضَ فيها للحنين إلى أحدْ!

كم مرةً ستعيدُ للأممِ المسيحَ على طبقْ

من فضةِ الموت الذي لا موت فيهِ ولا درجْ..

كم مرةً ستعيدُ للأشياءِ أوّلها وللأسماءِ فكرتها البسيطهْ

كم مرةً ستمرُّ وحدك في "الطريق إلى دمشق"، ولا ترى

غير الفراغ المرِّ، يا صحراءُ كوني نعمةً، كوني صغيرهْ

لتمرَّ قافلةُ الدعاءِ وقبضةُ القمح الأخيرهْ

كم مرةً ستكونُ آخرَ من يكونُ ولا يكونْ؟

يستدرجونك، فانتظرهم خارج المعنى ولا تلقِ السلامَ على أحدْ

واخطفْ خطاكَ من الخناجر، وارتفعْ أعلى من الشجرِ السحابةِ واللغهْ

وادخلْ إلى أنفاقِ نفسك كي ترى ما ليس فيهم

يستدرجونك، فانتظرهم خارج الأشياء. كن شبحاً. وكنْ

شبحاً، ولا تخلعْ قناعَك عن دروعك. كنْ شبحْ

شبحَ البدايةِ والنهايةِ والمدى، أنت المدى. هي أغنيهْ

قطعوا يديّ وطالبوني أن أدافعَ عن حلبْ

واستأصلوا منّي خطاي وطالبوني أن أسير إلى صلاة الغائبين

أشعلتُ معجزتي وسرْتُ، فحاصروني ، حاصروني ، حاصروني

قالوا: انتظرْ، فنظرتُ. {لا تكسرْ موازينَ الرياحِ مع العدو}

ووقفتُ: قالوا: لا تقفْ . فمشيتُ ثانيةً، فقالوا: لا تسِرْ

{الحربُ فرٌّ. لا تحاربْ خارجَ الكلماتِ}. قلتُ: منِ العدوّ؟

{ارفعْ شعارك وانتظرهُ واعتذر عمّا فعلتْ}

ماذا فعلْتُ؟ {بحثْتَ وحدك عن خطاكَ ولم تبلّغْ سيِّدكْ}

من سيِّدي؟ قالوا: {الشعارُ على الجدار} فقلتُ: لا

لا سيّدٌ إلاّ دمي المحروقُ في جسدي يفتّش عن يديّْ

لتدقَّ بوابات هذا الليلِ . لا. لا سيّدٌ إلاّ دمي. هي أُغنيهْ

وعليَّ أن أجدَ الغناءَ لكيْ أسلّي من أُسلّي: قاتلي، حبيبتي

وأنا أُحبُّ لأرفعَ الأنقاضَ عن نفسي، وأحياناً أحبُّ لكي أحبّ

ماذا سأفعلُ بعد جسمك، والشتاءُ هو الشتاء

عسلٌ عنيفٌ يرشدُ الأنثى إلى ذكرٍ ، ويرشدني إلى عبثِ الكلامْ

دقّت حوافرُ هذه الأمطار خاصرتي ، أألجأُ للقصيدهْ

وهي التي فتحت على حريتي منفايَ فيكِ، وأين أنت وأين أنتِ؟

في القاعِ يتضحُ الغيابُ، أرى الغيابَ ، أجسّهُ وأراهُ جسماً للغيابْ

وأقيسُ هاويتي بما يبقى من النسيانِ ، لا أنسى فأهبطُ في الجحيمْ

وأقيسُ هاويتي بما يبقى من النسيانِ ، فاهبطْ أيها النسيانُ حبلاً للخروجْ

للخارجِ الهاوي. تعبتُ من الرجوع إلى مهبِّ الذاكرهْ

أنسى لأعرف أننا بشرٌ وأنسى كي أجدّدَ وردتي

لا شيء فيَّ ، ولا أماميَ ، كي أرى خُبَّيْزةً حمراءَ في هذا الخرابْ

لا شيء فيكِ لكي أضحّي بالمدائحِ والجسدْ

لا شيء فينا كي نعودَ إلى مُساءلةِ الطبيعةِ والطبائعْ

لا شيء فينا كي نعلّقَ شارعاً فوق الصدى. هي أغنيهْ

وعليَّ أن أجدَ السماءَ هنا لأُصبحَ طائراً

وعليَّ أن أنسى لكي أجدَ الذي أنساهُ . ماذا أنتظرْ؟

لم يبقَ في تاريخ بابي ما يدلُّ على حضوري أو غيابي

بابٌ ليدخل أو ليخرجَ مَنْ يتوبُ ومَنْ يؤوبُ إلى الرموزْ

بابٌ ليحملَ هدهدٌ بعض الرسائلِ للبعيدْ

لم يبقَ في تاريخ بابي غيرُ خطوة مَنْ أريدُ ومن أحبّ

كلَّ الذين كرهتهمْ مرُّوا ببابي حين نمتُ وحين قمتُ

من آدمَ المحكومِ بالصحراءِ حتى آخرَ الأعداءِ من أبناءِ أمِّي

أأنا الوحيد المستباحُ كشمسِ آبَ وتسميات الآلههْ؟

أأنا الوحيد الحرُّ في كلّ العصورِ وفي جميع الأمكنهْ

ليقيسَ كلَّ الناسِ’ حُرياتهم بطلاق أُمِّي من أبي

هل متُّ من زمنٍ بعيدٍ واختفيت ولم يصدِّقني أحدْ؟

ويواصلون البحثَ عن قبري ليتفق الحليفُ مع العدوِّ على فضاء مشانقي

ويواصلون البحثَ عن صوتي لأشهد أنني ... لا صوت لي

أو أنني نصفُ الطريق إلى التوابل والحرير

أأننا استراحةُ من يحاربُ أو يفاوضُ 00أو يخاطب ربَّهُ

أو واحةٌ للقافلهْ !

لا أستطيعُ تأمُّلَ الأشياءِ وهي تعيشُ فيَّ لكي أغيب

وقُدِدْتُ من حجرٍ ’ وفي حجرٍ سُجِنْتُ ومِنْ حجرْ

أطلعتُ نرجسةً لتُؤْنسَ صورتي أنا من هناكْ

وبكُلَّ ما أوتيتُ من حجرٍ سأجمعُ قوَّتي وخرافتي

لأكون صنواً لاسمي الحجريِّ,تخطيطاً لظلِّ لي ’ وظلِّ للمكانْ

ومسافةً قرب المسافةِ بين أسئلتي وأجوبِة السيوف الغادرهْ

سأُمزِّق الصحراء فيِّ وحول أجوبتي . سأسكنُ صرختي

((أنا من رأى))...

أنا من رأى في ساعةِ الميلادِ صحراءً فأمسك حفنة العشب الأخيرهْ

سأكون ما وسعَتْ يدايَ من الأفق

سأُعيدُ ترتيبَ الدروب على خُطاي

سأكون ما كانتْ رؤاي.

((أنا من رأى))...

أنا مَنْ رأى نومَ التتارِ على الخيولِ الراكضهْ

أنا مَنْ رأى أَمعاءَهُ فوق الدوالي ... فاقْتَرَبْ

أنا مَنْ رأى خمسينَ عَصراً جاثِماً فوق الدقيقةِ . فاقْتَرَبْ

أنا مَنْ رأى تسعينَ والدةً لبنتٍ واحدهْ

أنا مَنْ رأى سرباً من الحشراتِ يصطادُ القمرْ

أنا مَنْ رأى في جرحِهِ تاريخَ هجراتِ الشعوب من الكهوفِ إلى المسارحْ

أنا مَنْ رأى ما لا يَرَى . هي أُغنيهْ

لا شيء يعنيها سوى إيقاعِها ’ ريحٌ تهبُّ لكي تهبَّ لذاتها هي أُغنيهْ

حجرٌ يُشاهدُ عودةَ الأسرى إلى ما ليس فيهم ، أُغنيهْ

قمرٌ يرى أسرارَ كُلِّ الناس حين يخبئون جنونهم في ضوئِهِ ويصدقون

الأُغنيهْ

وهشاشةٌ تتفَقَّدُ الإنسان في آثارِهِ،

في قطعةِ الخزفِ القديمةِ , في أداة الصَّيْدِ ’ في لَوْحٍ يُؤوَّلُ أُغنيهْ

لتمجِّدَ العبثَ الشقيَّ وقوةَ الأشياءِ في ما ليس يُدْرَكُ ’ أُغنيهْ

تُرسي , لتعرفَ نفسها ’ قانونَ غبطتها وتَرْحَلْ

لقراءة أُخرى تراها عكسَ ما كانتْ تُشيرُ ولا تشير

هي أُغنيهْ

هي أُغنيهْ
فى حضرة الغياب محمود درويش
مُساهمة في السبت نوفمبر 23, 2013 1:00 pm من طرف غاردينيا
يوميات محمود درويش

على الطريق الساحليّ، يتوثب قلبك للقفز أمامك ككلبِ
صيد. لم تنم وإن كنت تحلم بالطيران كالحجل على
ارتفاع منخفض. وتعلم أن لا قمة تبقى على حالها عالية
عالية. فللوقت فعل النحت في الصخر، وقد تغير الأمكنة
مواقعها إذا أتيح للشغف أن يهب على هواه، ويحولك
زغبة كما أنت الآن على الطريق الساحلي المصوّب
كسهم إلى الشمال. الشمال، هل ما زال في مكانه
المصنوع من جبل وبحر توأمين؟


لم تنم جيداً منذ وصلت إلى رام الله من عمان قبل
يومين، حيث وقفتَ على جسر اللنبي كأسير محترم بين
جنود ينظرون إليك بفضول ثقيل، وينتظرون أوامر أخرى
من أجهزة أمنٍ أخرى للتأكد من أنك أنت أنت، لا آخر
يتقمصك وينتحل اسمك ليجرب هذا الذل، ليكتب شعرا
عن مراوغة الظل.


لم يكونوا مخطئين تماما، فعلى هذا الجسر لا يكون المرء
من كانه منذ قليل: متلهفا إلى موعده مع أرض الحكايات
الكبرى والصغرى، ملتفاً على ذاته كملفوفة أو بصلة لم
تقشر. هناك يقشرهُ الجنديّ أو الجندية بلا كياسة. فلهما
عليه حق الأمر والنهي: اخلع حذاءك. انزع ساعتك. فك
حزامك. وانزع نظارتك، وادخل في الجهاز. يرن الجهاز
وتعيد الكرة ويرن الجهاز. فتخضع للتفتيش اليدوي
ويعثرون على مصدر الرنين: إنه قلم الحبر الفاخر.
يفككونه ولا يجدون فيه غير الحبر الأسود: في المرة
القادمة أخرج قلم الحبر من جيبك. فتقول: في المرة
القادمة لن أحمل قلماً من هذا النوع.


هناك، على الجسر الذي لا نهر تحته منذ تعرضت مصادر
مياهه للنهب، يتقشف الحلم، وتشحب صورة البلاد، ولا
تكون أنت أنتَ. تقترب من أريحا، أريحا الواقعية لا
الأسطورية. أشجار النخيل على الجانبين، وتبحث عيناك
عن "وردة أريحا" الشهيرة فلا تجدها، ولا تجد آثار
الأسطورة التي صارت مملة من فرط ما سردت وشكك
بها المؤرخون. بيد أن أريحا هنا في أريحا. تصعد إلى
جبل التجربة، إلى دير صغير منحوت في الصخور. هنا،
جاء الشيطان إلى المسيح، الذي صام أربعين يوما وأربعين
ليلة حتى جاع.


"ثم مضى به إبليس إلى جبل عالٍ جداً وعرض عليه
جميع ممالك الدنيا ومجدها، وقال له: أعطيك هذا كله
إن ارتميت ساجداً لي. فقال له يسوع: إليك عني يا
شيطان، فإنه مكتوب: لله ربك تسجد وإياه وحده وتعبد.
فتركه إبليس، وإذا بعض الملائكة قد دنوا منه وأخذوا
يقربون له الطعام".


تجلس في مقهى قريب، ولا تستطيع احتساء فنجان القهوة
الذي ينافسك عليه الذباب. ذباب بلا نهاية. ذباب سفيهٌ.
وتستعير سؤالا قديما: لماذا خلق الله الذباب؟


حفنة من أرض عشوائية التكوين خلفتها هزة هي غضبة
إله. تلال رملية نبتت كالفطر على عجل وفوضى. يخيل
لك أن الأبدية قامت بزيارة خاطفة لتفقد آثار الخوف على
الراهن المحدق إلى هاوية فرّت منها مدرجات لولبية. هل
وصلت الحياة إلى هنا هاربة من البحر الميت؟ ها هي تطل
بتويجاتها الصغيرة من الصخور الرمادية والسوداء، شقائق
نعمان طالعة من وحشة المكان... قليلٌ من رذاذ وضوء
يكفي لتتغلب الحياة على العدم. وقليلٌ من الأمل والزمن
يكفي لتعبر شعاب الأسطورة سالما من مصائر أسلافك.
فاقتبس من شقائق النعمان جمال الدلالة وقل: لا شأن لي
- وإن حاصرني الموت- بالعدم./


وإن سألوك عن قوة الشعر قل: ليس العشبُ هشّاً كما
نرى. ولا ينكسر منذ أخفى ظله المتواضع في سر الأرض.
وفي العشب على الصخر إعجاز الكلام النازل من غيب،
بلا ضجيج وأجراس. العشب نبوءة عفويةٌ لا نبي لها إلا
لونها المضاد لليباب. ألعشب نجاة المسافر من بشاعة المنظر
ومن جيش يطوق الطريق إلى الممكن. والعشب شعرُ
البديهة السلس، الممتنع السهل والسهل الممتنع. ودنو اللغة
من المعنى واقتران المعنى بضيافة الأمل.


وإن سألوك: هل تغرف من بحر أم تنحت في صخر؟ قل:
لا يقطع في الصخر سوى إزميل الماء. وإذا سألوك عن
المنازلة بين الشعر والموت، فانظر إلى العشب وقل ما لا
بجانب الحقيقة: لا شعر يهزم الموت في ساعة اللقاء، لكنه
يرجئه، يرجئه إلى وقت ضروري لاختبار جدوى الغناء في
حفلة طويلة إلى أن تكتمل الأغنية، ويقع المغني في قبضة
قنّاصه الواقف خلف الباب، وقد لا ينتبه أحد إلى موت
المغني، ما دامت الأغنية قد صارت جماعية، يغنيها
الساهرون. في هذا الإرجاء، يخيّل للمغنين الجدد أن
الموت نام، فيصحون في غفلة عنه على شقائق النعمان
المرحبة بهم، كمطالع قصائد كنعانية، لم يكمل كتابتها
رعاة الغزلان المشغولون بمطاردة الذئاب وبنات آوى.


وعلى الطريق الساحليّ الراكض نحو الشمال، تُفرغُ قلبك
من حمولته الزائدة، ليمتلئ بمواهب المكان من شجر
ورائحة وعندلة وتواشيح وتباريح. ولا تبقى في ذهنك من
أوصاف الجنة غير التفاتتك الأخيرة، على الدرج الحجري
إلى نافذة نصف مفتوحة كنت ترى منها البحر والغروب
وتغرب في العزلة: أنا والشمس صديقان حميمان/
ومحرومان في الليل من المشي على الشارع/ قد يعجبني
المعنى/ ولا يعجبني/ لكنني أدمنت إيقاع الأغاني./


يهبّ عليك هواء الحنين من ناحية البرتقال، على يمينك،
ومن اليود البحري على يسارك. ومن الشمال يهددك
الاقتراب من محتويات القلب بضبابٍ يصعب على
الذاكرة انتقاء الشخصي من العام. تخاف على الحاضر
من سطوة الماضي، وتخاف على الماضي من عبثية
الحاضر، فلا تعرف أين تقف من هذا المفترق. هل أنت ما
كنت أم أنت ما تكون الآن؟ وتخاف نسيان الغد في
حمأة السؤال: في أيّ زمن أنا؟


يَصُدّك عما أنت فيه التباسٌ بين فضول السائح وشجن
الزائر وفرح العائد. إن ثلاثة عقود من غياب الذات عن
مكانها تجعل المكان ذاتا يتيمة، وتجعل الذات قطعة من
أرض متنقلة.. قد توسع النشيد، ولكنها تثقب قلب
المنشد فتزداد أخطاؤه. ومن أخطائه أن يودع ما يرى، ولا
يرى إلى جمال السراب الواعد بالأمل. فماذا تفعل حين
تصل إلى الكرمل غير أن تسأل: لماذا نزلتَ عن الكرمل؟
وفي نفسك الأمّارة بالحيرة جواب مبهم: لكي أتعلم المشيّ
على طرق لا أعرفها.


وعلى الطريق الساحليّ الساحر ظلالٌ من ماضيك،
وجمالٌ متسامح يغفر للغائب ما ارتكب من أخطاء،
كلوحة لا تبالي بمن غاب عنها وحضر. الصباحُ نظيف
ربيعي مشمشي سلس التدفق. وفي قلبك استقبالٌ
لغزو المشهد المتدرج بين اللازورد والأخضر عبر زجاج
السيارة المسرعة إلى الموعد المنقلب إلى ضده. يا له من
موعد لا يتسع إلا لمقعد واحد: لك، أو لإميل حبيبي
الذي استعجلك ليصفيّ حسابه معك، ومع حياة لا تشبه
الحياة إلا في نجاتها من شرط الأساطير المنصوبة بإحكام
الصيّاد الماهر، فقاومه بالضحك وبالسخرية من دهاء
الصيّاد ومن مكر القطاة معا. نحت تعبير "المتشائل" ليعثر
على حريته الملتبسة بين المنزلتين. لا هو هوَ ولا هو آخرهُ.
فيه منهما حالة لا يشرحها إلا الضحك. لكنه يدافع عن
حيرته وشكه بيقين لا ينسجم مع الشك. بين نصه
الأدبي وضجيجه الإعلامي والسياسي تناقضٌ لا يعالج إلا
بانحياز القارئ إلى صدق الأدب، وأولوية المتن على
الهامش. قال ساخرا من نفسه: كانت لي دجاجة تبيض
ذهباً، فالتهمت الدجاجة. ومن فرط إدراكه قوة السخرية
كانت تجرحه حين يكون هو هدفها. فالساخر لا يحتمل
ارتدادها إليه. وكان يغمز من قناتك- كما يقولون-
كلما اختلفت معه وعنه. لكن، وهو يعد جنازته، ويشرف
على أرشيف حصته من الخلود، ألحّ عليك، كما لو كان
يكتب وصية، بأن تلتقيا في حوارٍ سينمائي حيث كنت
تسكن في شارع عباس.


حين قلت له: كيف أصل من رام الله، يا أبا سلام، إلى
حيفا، ودونها كل هذه الدولة المدججة بالممنوعات، قال:
سأبذل كل جهدي للحصول على تصريح يسمح لك
بزيارة الجليل يومين. لكن لا تتأخر، فإن الموت لم يترك
لي من الوقت إلا القليل القليل. في المساء بشروك بأن في
وسعك السفر إلى حيفا صباح الغد. وفي الليل رأيتَ
ديكيْن يتبارزان أمام الكاميرا، ورأيت ريشاً يتطاير في
الهواء. وفي الساعة الثالثة بعد منتصف الليل أيقظوك
ليخبروك أن إميل حبيبي لم يتمكن من الانتظار. لقد
فارق الحياة. وعليك السفر إلى الناصرة لتشارك في الجنازة
والتأبين. لقد أوصى إميل حبيبي بأن يُكتبَ على شاهدة
قبره "باقٍ في حيفا".


وعلى الطريق الساحليّ تساءلت: وماذا لو بقيتُ في حيفا؟
ماذا لو بقيت في أي مكان؟ ماذا لو كنت؟ ماذا لو لم
أكن. تتحاشى الوصول إلى الخلاصة: باطل الأباطيل،
والكل باطل. فجأة يسقط مطر خفيف يبلّل روحك،
ويبلّل الفراشات. رذاذ وضوء. وفراشات ترفرف على
ارتفاع منخفض على الطريق الساحليّ. الفراشات خواطرُ
مبعثرة، ومشاعرُ طائرة في الهواء...



-17-



يتصاعد الخيال مرئيا كالسحاب على تلال تحمل القرى
على خواصرها متشبثة ببداية التكوين. وأنت تعرف من
التفاصيل ما يملأ كتاباً مفتوحاً على قراءة ناقصة لا تهدد
القارئ ولا الكاتب بفصل النهاية. للجليل قصائد يكتبها
هذيان الصوفيّ، وموتى يتدربون على العودة إلى طفولة
أنقذتها الفراشات من غزو النسيان. القرى المدفونة تحت
الآرض ترسل ذكرياتها إلى القرى الناجية، التي يحجّ
أهلها في الربيع إلى أعشاب تنبت من ماضيهم: هنا ولدنا،
على حافة هذه البئر كما تولد الخبيزة والهندباء والفيجن.
وهنا ولدت كما يولد الخيال تدريجيا من كل شيء،
فكيف تعيد الخيال معافىً وتطير على حصان؟
لا أثر "للبروة" على يمين الشارع القادم من الناصرة، غير
صورتها في خيالك المطعون بقرون الثيران التي تمضغ
وتجترّ علف ذكرياتك. قلت: أمرّ بها عند الغروب لأدخر
لخيالي غموضاً يعينُ الغريب فيك على ابتكار الصور من
ثنايا الحجر. وقلت: أمرّ بها في الغروب لئلا يراني أحدٌ
غيري أبحث عنها في ما انقطع مني، فأعلي للعبث مدائح
ضرورية لرد الخيال إلى طيش جميل يرتّق ثوب المكان.
وقلت: أمر بها في الغروب ليتفق الشكل مع المعنى على
إيوائي، وأناجيها


هذا أنا، هذا هو

هذا هو الولد الشقيّ ابن الشقيّ/ ابن الشقيّة، وابن مائِك
وابن نازك/ جئت منك وجئت من عدم ومن إحدى
قصائدك القديمة جئت، جئت من الخيال/ لكي أعيد
لك الخيال وأحفر اسمك/ في الصخور كسائر الشعراء،
في هذا اليباب/ سألتُ بغلاً عن أبيه، فقال لي:

خالي حصانٌ، ثم غاب/

سألت بنتاً عن أبيها، فاستحت مني/ وقالت: ربما هو
أنت وارتدت الضباب/

سألتُ قبرةً تناجي أمها عن أمها فدنت، وقالت: ربما هي
أنت فاحملني/ ونامت في يديّ/

سألت نفسي: من أنا؟

ردّ الصدى الليلي حولي: من أنا؟

هذا أنا. هذا هو

هذا خيالي كلُه/

ومضيت إلى بيت أمك المحاذي لأرض الخيال الأولى. لم
تتعرف على معالم الطريق، فقد اكتظ المكان بالبيوت
المتلاصقة العشوائية وبأولاد تكاثروا وتصايحوا: هذا عمي.
هذا خالي. لم تنتبه إلا الآن إلى أنك عمّ وخال، كما لم
تعلم إلا الآن أن أمك تغني. تطلق الزغاريد والأناشيد التي
تخاطبك باسمك الكامل، وترى إليك فارساً عائداً من
رحلة الأسطورة. ترجوها أن تكف عن اختراع المجد على
وتيرة الحرمان والبُعد. فما أنت إلا ابنها وما هي إلا أمك.
تضمها وتضمك على مرأى من كاميرات الهواة المُصوبة
إلى قلبين.


تقول لك: أكان على صاحبك أن يموت لكي نراك؟ ألا
طريق إلى عرسنا هذا غير جنازة صاحبك؟ تسألها لتبعد
المفارقة الجارحة، لماذا كانت تضربك وأنت صغير، فيحمر
وجهها وتقول: كان الشقاء هو السبب. أمّك هي أمك
ببياضها وشعرها الطويل ولسانها الذي يجرح المبرد.
موسوعة التفاصيل، ورواية المقارنات الطويلة بين الماضي
والحاضر. كل ما كان أفضل مما هو الآن، فمياه الآبار
أفضل من ماء الحنفية. وقناديل الكاز أفضل من مصابيح
الكهرباء، والزمن البعيد هو الفردوس المفقود. طَعنتها
النكبة في القلب وحمّلتها تبعات الزلزال، فقاومت البؤس
بالكبرياء وبطاقةٍ روحية أمدت جسمها بقوة فرس. لا
تتعب، أو لا تأذن للتعب بأن ينطق بالشكوى، بل بهجاء
الزمن الذي نقل أسرتها من مزارعين إلى لاجئين.
وبالسخرية اللاذعة طوعت الشقاء على الامتناع عن
الإهانة. كما دربتكَ على تقديس الكرامة، والاعتماد على
النفس في اللعب وفي الدرس وفي كيّ ثيابك.


أمك هي أمك وأنت ابنها حين تكونان معاً. أما في
حضرة الآخرين فإنها تلعب دور الشاهد. تصون مسافة
تبقيكَ ضيفا خاصاً على أمومتها، وشخصا عاماً لا تدافع
عن حقها في امتلاكه. كأنها تهجس وتهمس لنفسها: أنا
ولدتُه في البداية. لكن هو من واصل الولادة. وهي هي،
المعتمدة على شيخوختها في كل شيء. لا تأذن لأحد من
أبنائها وبناتها وحفيداتها وأحفادها بأن يفرح بمساعدتها.
تصحو عند الفجر.. تصليَ، تعد قهوتها، تغسل بيتها.
تسقي ورودها في الباحة الصغيرة، تنظفُ الهواء من
الغبار، وتمسح الغبار عن مكتبتك القديمة، ثم تغسل ثيابها
وتطهو طعامها، وتنتظر ضيوفها، وإذا شكَتْ، فإنها تشكو
من قلة المستمعين إلى حكاياتها. أَلحّوا عليها لاقتناء جهاز
تلفزيون يُسليها، فأبتْ لأنها لا تحتمل ثرثرة المذيعات
والمذيعين، ولا ترضى بأن تكون مستمعة، تريد أن تكون
هي المذيعة.


في صباح اليوم التالي، تشرب معها قهوتها ذائعة الصيت،
بعدما انتشرت رائحتها في الأغنية التي كتبتها قبل أكثر
من ثلاثة عقود في سجنك الثاني. تسألها: هل تعجبك
الأغنية؟ فتبتسم بحياء وتكتفي بالقول: الله يرضى عليك.
وتذكرك بأن عليك أن تذهب الآن، قبل أن يأتي
الضيوف، لزيارة قبر أبيك. تنظر إلى صورته المعلقة أمامك
على الجدار. تخفي حسرتك وأساكَ على أيّوب الصبر
الذي نقلته النكبة من اليسر إلى العسر، وقضى العمر
يبحث لك ولأخوتك عن خبز وكتاب في الصراع المضني
مع الصخر. لم يطل التحديق، كأبيه، إلى ماضيه السعيد
المحدّق إليه من كروم الزيتون وحقول الحنطة كيلا يلتقي
المغلوب بالمنهوب. وحملَ عبء الحاضر، كما هو،
كملكٍ مخلوع لا يقوى على النظر إلى عرشه، ليأخذك
إلى الغد: الغد أمامك يا ابني، فلا تنظر إلى الوراء كثيرا
إلا عندما يشتد عودك وقصيدك. وعندما اشتد عودك صار
يبدو لك أنك أبو أبيك، ويبدو لك أن للشعر قدرة على
إجراء تعديل ما في المصائر، فرحتَ تبني بيوتا خيالية من
حطامك ومن أسماء النبات والجماد، ليقف المكان مكانه
وتعود الحياة إلى ما يشبه الحياة!


وأبوك هو أبوك. كلما جلست إليه تكلمتما على عجل،
فهو لا يكشف عن جرحه أمام ابنه. وأنت لا تعرف
كيف تخفي عنه قسوة الشفقة عليه، فورثت عنه الجرح.
وفي صيف بعيد، على سطح بيت طيني بعيد، تحشرج
صوت أبيك وهو يقول لكم: لم أعد قادراً على تعليمكم،
أنتم الثلاثة معا. لقد تعبت. على واحدٍ منكم أن يتطوع
بترك المدرسة ليعينني، لم يعد ظهري قادرا على حمل
الصخرة وحدي. فتباريتم في الشهامة. كل واحد قال:
أنا. فسالت دمعةُ أبيك على مرأى منكم، وبكيتم معه
وعليه. وفجأة قال: لا. لا أحد. دخل القمر في المحاق
تلك الليلة، واحتضن كل واحد منكم حلمه الصغير بتؤدة
ونام.


على قبر أبيك، النائم في حضن أبيه، قرأت الفاتحة.
وقلت: جاء الآن دوري. مات أبوك بضربة شمس أثناء
تأديته فريضة الحج. وأنت تهيئ الآن نفسك للموت بعد
الحج إلى قبر أبيك. لا بضربة شمس تموت، فالفصل
ربيع، بل بضربة قمر!


يقع الخيال من أعلى، يتدحرج كحبة كستناء على الشارع
المفضي إلى عكا، ويختفي في زحام السيارات. الخيال
انبثاق الصورة عموديا من لحظة حبلى بمعلوم يسيّره
اللاوعي إلى مجهول. الخيال قرينُ الكائن السريّ ومعينهُ
على تصحيح أخطاء طباعية في كتاب الكون. هو عين
البصيرة التي ترى ولا تُرى، فإذا رأيناه خارج أفعاله علمنا
أنه مريض. وإذا مرض الخيال مات الشعر. ألهذا أنتَ
خائف من عكا التي نعتها بأنها "أقدم المدن الجميلة/
أجمل المدن القديمة؟". عكا مغامرة ضياعك الأولى،
وبحرك الأول. هي هي، لكن الخيال يتساقط عن جدرانها
كما يتساقط الكلس. وأنت تمشي خالياً من عمل الخيال
في دهاليزها المعتمة، كما تمشي على نفسك: أما البحر
هنا باب يفضي إلى سجنك الأول. وعلى هذا الكورنيش
تأملت غروب الشمس، وأكواز الذرة الصفراء في أيدي
فتيات يتهادين ويروين حكايات صغيرة، تمنيتَ لو
اندسست فيها وكانت لك حكاية بينهن، أو لو كنت
أنت الحكاية!


وفي حيفا، تحاشيت اختبار الخيال في الغرفة التي دربّك
فيها الخيال على طريقة الخروج من ذاتك، واكتفيت بإلقاء
نظرة الطائر على ريشة علقت بشجرة النارنج.


سقط الخيال عن الشجرة! فهل لك أن ترفعه قليلا...
قليلاً إلى أعلى!


وقلت: "لو لم تكن الأرض كروية لواصلت السير"!



-18-

مسجيّ أمامي بلا ضجيج، هادئا هادئاً، ولا رأي لك في
ما حولك. فوقنا سماء محايدة. وحولنا جهات تعرّف
بأنواع أشجارها:

الشرق نخلةٌ عاقر،

الغرب أكاليبتوس لطرد البعوض،

الشمال صفصافة في ملتقى زمنين،

والجنوب زيتونة...

وأنا أتلو على مسامع المكان اللاهي عنك وعني مقاطع
من خطبتك عليك، خطبتك التي شئت أن تكون طويلة
الظلال، لا لشيء... بل لأن الفراغ المحيط بنا قد يحتاج
إلى ما يُسليه. ولا أحد معنا، لا أحد يهددنا بالمقاطعة من
فرط الضجر، لا أحد ينبهني إلى أن الرثاء مديح تأخر عن
موعده حياةً كاملة.


وأنت مسجيّ أمامي كفكرة تمتحن صبر صاحبها على
احتمالها، وكقصيدة تصغي إلى شاعرها وتختبر سلامة
البصر والبصيرة، فتقول: صدقت أو كذبت عليّ!


قلت لي: أوصيك بك، فقد خانني الكثيرون ممن أحببت
.."خانوني كالغدير". وحسدوني على جرحي البليغ،
لأنه عثر على ما يشبه الوصف البليغ لسطوة الغياب
الحاضر في كلامي. لذلك أعفيتهم من حرج النفاق، فلن
تبلغ القلوب الحناجر إن كانت ثقيلة، وأعفيتهم من دموع
تذرفها رائحة الفلفل.


وقلت لي: لا حاجة بي إلى الاعتراف، فلا سرّ لي.
وفضيحتي هي اللاسر، منذ سبق قلبي لساني. أحبُّ
الشيء وأنقلب عليه لئلا يستبعدني. ولا أكره إلا الكراهية
لأنها سُمّ في الطاقة المنذورة لحبّ أشياء بسيطة. لذا
أشفقت على الكارهين من إدمان السير على ظل ظنّوه
خطاهم، وسجنوا حياتهم في ابتكار وحيد: أخطائي!


وقلت لي: لم أختلف مع امرأة إلا على تعريف الحب.
وقلت لي: ما يُعَرّف يُعرَف، وما يُعْرَفُ يُمتلك، وما يُمتَلك
يُنتهك ويُستهلك ويَهلك.


وقلت لي: ليس الحبُّ سعادة ولا شقاء، بل هو عثور
الحواس على اختلاف الشبه وائتلافه في رغبةٍ تتجدد. ولو
عرفنا من يُحبنا أكثر من معرفتنا من نحب.. لظل الحب
ملتبساً كما هو دائماً، وظلت السعادة لعبة نرد، ولكان
على المتكلم أن يستعير عاطفة الغائب... لو عرفنا من
يحبّنا قبل أن نعرف من نحبّ!


وقلت لي: إذا متّ قبلك، فادرأ عني الكلمات المُعلبة
التي انقضت مدة صلاحيتها منذ وقف خطيب على منبر،
واذرأ الأرض التي أنام قربها لعل عشبة تدلّك على أن
الموت فلاحة من نوع آخر.


فماذا أقول لك، يا صاحبي، في حضرة هذا الغياب
الناصع، وقد أمليتَ عليّ خطبة وداعٍ متقطعة الزمن،
خالية من الشجن، محكمة الفوضى، ولا دمعة فيها خوفاً
على الكلام من البلل،


أجل... أجل، لا وصيّة لك إلا النهي عن إفراط في
التأويل. أعداؤك كثر، مرئيون وسرّيون. وقلت لي: لا
تخش إلا الذين لا يعرفون الملل. أما الأحبة، فهم هناك
منهمكون في التقاط ما تقدمه الحياة من هبات صغيرة
وتبرعات... كتحية من زهرة عشوائية الضحك، وانتباه
فتاة إلى كرز ينمو، رويداً رويداً، في أحد أقاليم الجسد،
سعداء لأن أحدا من أبنائهم لم يمت اليوم، ولأن زلزالاً لم
يضرب خيامهم المنصوبة على سفح هاوية. ويضجرون من
الأمل كما يضجر المرء من عشاء متكرر، لكنهم يعودون
إلى العشاء، وإلى الأمل.


فاحذر- قلت لي- مَن لا يعرفون الملل ويفرطون في
التأويل. ففي وسعهم أن يُشَرِّحوا الوردة بحثاً عن التفسُّخ
في مصدر الرائحة، وأن يَشرَحوا للعاشق أن القبلة هي
تبادل أوئبة. وفي وسعهم أن يحاكموك على استعارة
شعرية وعلى حرية خيال، لأن الجمال يُهينهم، ولأنّ
الشعر الوطني الصحيح هو القبيح، ولأن غيابك هذا قد
يحرمهم من أسباب الحياة!
وقلت لي: أعدائي كثر، فلا تحبّني كي لا يزدادوا!


ما عليك، ما عليك. هنا، حيث لا أعرف قبرك من
مسقط رأسي، لا يحاكم أحد أحداً، ولا يقودنا هودج
الكلمات إلى واقع أو خيال. هنا نصفي الحساب مع
القلب، ونقول للفكر: ابتعد، فقد كانت للموتى حياة ما
قبل هذا الموت. حياة أقل من حياةٍ، وأكثر من زيارة
عابرة. هنا ينظر القلب إلى أعلى، فيتجلى ندم تخلف عن
موعده، ندم على ما لم نفعل: لماذا لم نأخذ الحياة على
محمل الجد؟ لماذا أسرعنا إلى هذا الحد، ما دامت النهاية
هي الواضحة والبداية هي الغامضة.


وقلتَ لي: لم يعطنا صخب البحث عن الحياة، في الحياة،
فرصة الامتثال الكامل لهدي السليقة، وقلنا: إن الشعر هو
الشاعر. وكان علينا أن نصدّق الشعر ونكذّب الشاعر.
فهل لي أن أقرأك من جديد لأدرك كيف تسوس المهارة
ريح العبارة، لتجعل من كل شجرة أنثى،، ومن كل أنثى
شجرة، فنكذب على الأنثى وعلى الشجرة معاً؟ أبغير هذا
يصدق الشعر؟


وقلتَ لي: إن تطابق الصورة مع الواقع خبر يدفع الخيال
إلى الحياد. فلتكذب صورة الشيء لنرى ما
بعد الشيء لنرى في ضوء الرؤيا ما يجنبنا العدم.


فبأي قلبٍ من قلوبي الكثيرة أناديك: انتظرني مهما
تأخرتُ. أما عشتَ بدلاً مني، كما مات أحد الموتى بدلاً
مني دون أن أقول له: شكرا! فما أنا إلا هو دون أن أراه،
أنا المدين لمصادفة باذخة العبث، في شارع لو أسرعتُ
قليلا أو أبطأتُ قليلاً لمتُّ نيابة عن سواي، وعاش حياتي
نيابة عني؟ فما هو إلا أنا دون أن يراني... هو المدين
لمصادفة باذخة العبث. كما قلنا إن علينا أن نكمل حياة
الآخرين فينا، لا كما نريدها نحن فحسب، بل كما
أرادها أصحابها الذين نعيش بدلاً منهم.


وقلت لي: كُنِّي، ولا تَخُني إلا بقدر ما يقصيك الإيقاع
عني، وتُرجعك قافيةٌ ضرورية التكرار إليّ.


وقلتَ لي: لا تفكر بالخلود، فما هو إلا أحد الآثار السلبية
أو الإيجابية لحادثة الوجود، وخوف الروح، لحظة انعتاقها
من جسد عرفته وألفته على سكنى لا عهد لها بها، أو
عودتها إلى ما استعرتُ منه الحياة حين مات نيابةً عني.


وأنت مُسَجّى أمامي، لا أعرف من هو الميت فيك ومن
هو الحيّ، ظغلا بقدر ما تملي عليّ من خطبة أردتها طويلةً
لتدريب الروح على اختبار حريتها أو عبوديتها في ما يتاح
لها من كائنات ومن كلمات. فإن كنت أنت القائل ما
أقول لك الآن في صمتك هذا، فلن يكون الموت أكثر
من وسيلة لاهتداء الروح إلى ما أُعدّ لها من سفر. وإن
كنتُ أنا القائل ما أقول لك الآن، على هذا الحجر، فإني
ذريعة الموت القصوى لتعريف الحياة بضدها الغامض،
ضدها العاجز عن تعريفها بضدها في مكان، في لا مكان
آخر، أطلق الخائفون من العدم عليه لقب الخلود.


فنم هادئاً هادئا إذا ما استطعت إلى ذلك سبيلاً/

ونم هادئاً في كلامكَ
واحلم بأنك تحلمُ،
نم هادئاً ما استطعتَ
سأطرد عنك البعوضَ
ودمعَ التماسيح
والأصدقاءِ الذين أحبّوا جروحك
وانصرفوا عنك حين جعلتَ
صليبك طاولةً للكتابة
نم هادئاً قرب نفسك
نَم هادئاً،
سوف أحرسُ حُلمكَ،
وحدي ووحدك في هذه الساعة
الأرضُ عاليةٌ
كالخواطر عاليةٌ
والسماء مجازية كالقصيدةِ
زرقاءُ، خضراءُ، بيضاءُ،
بيضاءُ، بيضاءُ، بيضاءُ

-19-


سطراً سطراً، أنثرك أمامي بكفاءةٍ لم أوتها إلا في المطالع.
وأطيلُ خطبتي كشاعرٍ يحتفظ بالمقطع الأخير، ليطيل
التأمل في ما مضى من هواياته/


هواياته هي عدُّ الدرجات التي يراها أمامه، والمشيُ على
شارع جانبيّ وجمع الأصدافُ.. ومؤانسة الكسل/


ألكسلُ اجتهادٌ ومهارة. إفراغُ القلب مما يزيد عن حاجته
إلى الخفقان، وتمييزٌ بين الوقت والزمن. فمن يملك وقتاً
أكثر يتحرر من خشية الزمن/


ألزمنُ نهرٌ سلسٌ لمن لا ينتبه إليه، وحشيٌّ شرسٌ لمن
يحدِّق إليه، فتخطفه الهاوية/


ألهاويةُ هي إغواء الأعماق وجاذبية المجهول، إذ تصبح
السماء حفرة واسعة كثيفة الغيوم/


ألغيومُ تُغطيك، يا صاحبي، بقطنها وتغطيني... في هذا
المكان الهارب من صفاته إلى ما تُسبلُ عليه الغيومُ من
خفة الشكل ومادةِ المعنى/


ألمعنى أيضا يلوّح، من بعيد، بيد سماويةٍ مبتورة الأصابع،
من شدة الحراثة في أرض غير ذات زرع، ولا سعادة/


ألسعادة مادةٌ روحيةٌ يختلف على تعريفها من يتفقون على
أن الحظ موهبة، والموهبة حظٌ، ويختلف على مديحها مَن
يملكونها ويدخرونها في صندوق مقفل. وما هي إلا رشوة
من المستحيل/


ألمستحيل هو الممكن الطموح، يخرج إلى الشارع شاهراً
مقصّاً لتقليم الأغصان اليابسة والأفكار، وتعليم الحالم
إدارة النهار على وتيرة ما يرى/


يرى أن رفرفة أجنحة الفراشة، في مروحة اللون، هي
أفضل علاج للألم/


ألألم، إذ لا تفكر فيه، لا تحس به. كأنه يُبجِّل هدوءك
هذا أمام عدمٍ لا يبدي رأياً فيك ولا تبدي رأياً فيه. لا
يَرى ولا يُرى. هو اللاشيءُ وقد اكتمل/


واكتمل القمرُ على خلوتنا في هذا الفراغ. واكتملت
ذاكرتي/


ذاكرتي رُمانة. هل أفرطها عليك حبّة حبّة، وأنثرها عليك
لؤلؤاً أحمر يليق بوداع لا يطلب مني شيئا غير النسيان/


ألنسيانُ تدريبُ الخيال على احترام الواقع بتعالي اللغة،
واحتفاظُ الأمل العصاميّ بصورة ناقصةٍ عن الغد/


ألغدُ، وهو هنا أمامنا الآن يا صاحبي، عارٍ من الزمن،
مرميّ على حفرة، في انتظار ورقة توت ميتافيزيقية تغطي
سوءة العابر/


ألعابر من ليل الضوء إلى ضوء الليل/


ألليلُ يهبط علينا. وعلينا أن نأبه بشواغل الذين تركونا
وذهبوا إلى ليلهم الخاص، ينسون أو يتذكرون مقطعاً من
خطبة الوداع/


ألوداعُ هو الصمت الفاصل بين الصوت والصدى. أمّا
الصوت فقد انكسر. وأما الصدى فقد حفظَتهُ وديانٌ
وكهوفٌ مرهفةُ السمع كآذان كونيّة، وضخمته صدىً
للصدى/


ألصدى وصية الزائر للعابر، وقيافة الطائر للطائر، وإلحاح
النهاية على إطالة الحكاية... الصدى هو نقش الاسم في
الهواء/


ألهواء باردً، يا صاحبي، بارد ومُنعش. ولم يبق أحد
سواي يُسليك ويلهيك عما أنت فيه على مِتريْ هذا
العدم. ألعدمُ متران محاطان بنبات يستعد لاستنشاق
الأوكسجين. ألعدمُ محاصرٌ بهواء بارد ومنعش. سأبذر
بذورَ بنفسج على هذين المترين، وأسكب الماء لينهض
العدم مهرولاً ويمضي بعيداً/


بعيداً، لا شأن لأحلامنا بما نفعل. الريحُ تحمل الليل
وتمضي، ولا هدف/


ألهدفُ يختلف من درب إلى درب. لكن الدروب كثيرةٌ
ووعرة، والمؤونة من العمر قليلة/


وقليلةٌ هي الأغاني/


ألأغاني، حسبنا منها استراق السمع إلى اعتذار الموت من
بعض الموتى، واختلاس النظر إلى بحبوحة النثر/


ألنثر جارُ الشعر ونُزهة الشاعر/


ألشاعرُ هو الحائر بين النثر والشعر/


والشعرُ إخفاء الزوال عن الزائل، وجملةٌ اعتراضية بين
الفعل والفاعل والمفعول به، كأن تقول: تركتِ المرأةُ،
وهي تخفي دموعها، صاحبها. ففي الجملة الاعتراضية بين
"تركت" و"صاحبها" وقت يكفي كي يذوب ملح
الغضب، وتتلألأ النجوم/


النجومُ تُطِلّ، يا صاحبي، علينا كلمعانِ أزرارٍ ذهبية على
معطف الأبدية. تُطّلُ علينا من موت بعيد لم يصل إلينا
بعد. وأنا أتلو عليك خطبتي تندسّ نجمةٌ في كلامي
وتضيء عتمتي: لعلّ الموت مجازٌ يذكرنا بسرّ في الحياة
لم ننتبه إليه، فما هو؟/


ما هو؟ لو عرفناه لتغيّرت مشاريعنا، فما لا نعرف موجود،
وما نعرف محدود يتغيّر. وعلى قبرك هذا ينبت عشب
أقوى منك ومني، فلا أعرف هل أحزن أم لا أحزن لأن
الحياة أرملةٌ لا تكترث إلا بما ينقصها/


ينقُصُها مديحُ الموتى وعتابهم في آن واحد: لو قلتِ لنا
من أنتِ، وأن هنالك موتاً أقسى منك، لأحببناكِ
وقدّسناك، وخففنا من أمتعة الرحلة/


ألرحلة غاية/

والغاية إغواء المجهول/

والمجهول بعيد عنا وقريب منا... يستدرجنا إلى الامتلاء
بجهل لا حدّ له، فنجتهد لإتقان جهل آخر. لكننا قنعنا
بالبحث عن معلوم يرشدنا إلى حياة ما في الحياة، فصار
المعلوم عصيّاً/


وعصيّا كان كل شيء. في ظلك حشد ظلال، فلا تدري
من يمشي فيك. وفيك تقاطع طرق ملأى بخطى غزاة
هبطوا عليك كمظليين مُدربين على استخدام محاريثك.
وفي اسمك أخطاء سبَّبها حريق هائل في الخارطة. وعلى
بيتك تُبنى آثارٌ رومانية. أما أنت، فلا صورة لك إلا
الشبح/


شبحٌ يمرّن الحارس على السهر. شايٌ وبندقية. فإذا غلب
النعاسُ الساهر برد الشايُ، ووقعت من يده البندقية،
وتسلل الهنديّ الأحمر إلى الحكاية/


ألحكاية هي أنك هندي أحمر/

أحمر الريش، لا أحمر الدم، وأنك كابوسُ الساهر/


ألساهر على كَشِّ الغياب، وعلى تدليك عضلات الأبد/

ألأبد ملكية الحارس. عقار واستثمار. وإذا لزم الأمر فهو
جنديّ منضبط في حرب لا هدنة فيها. ولا يلوح بعدها
سلام/


سلام عليك يوم ولدت، ويوم تبعث حياً في أوراق
الشجرة/

الشجرةُ لفظةُ شكرٍ خضراءُ ترفعها الأرض كنجوى إلى
جارتها السماء/

والسماء تكافئها بقطرات مطر/

مطر عليك وعليّ. مطر خفيف ينعشنا في أول هذا الليل.
أحصيه قطرة قطرة كما أحصي دقات القلب الظامئ إلى
بلل، فأطيل وقوفي وأطيل خطبتي، لعلك تنهض وتعود
معي إلى أيّ أين، أو أمضي معك إلى لا أين، كما لو
نوديَ بي أن انتظرِ الوحي/

ألوحيُ برهان القلب على ما لا يعرف، على ما هو أعلى/

أعلى وأبعد. وأرى طائراً يحملني ويحملك، ونحن
جناحاه، إلى ما وراء الرؤيا، في رحلة لا نهاية لها ولا
بداية، لا قصد ولا غاية. لا أحدثك ولا تحدثني. ولا
نسمع إلا موسيقى الصمت/

ألصمت اطمئنانُ الصاحب للصاحب. وثقةُ الخيال بنفسه
بين مطرٍ وقوسِ قُزَح/

قوسُ قُزح هو تحرُّش الوحي بالشاعر، بلا استئذان...
وافتتان الشاعر بنثر القرآن/

فبأي آلاء ربكما تكذِّبان/

وغائبان أنا وأنت، وحاضران أنا وأنت،

وغائبان/

فبأيِّ آلاء ربكما تكذِّبان.
 

أثر الفراشة محمود درويش,ديوان أثر الفراشة كامل قراءة مباشرة

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 

صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
نوسا البحر ::  :: -