قصائد ونصوص جديدة للشاعر أمجد ناصر

♪♫.. الادارة..♫♪
hassanbalam
رسالة sms : سيرى ببطئ ياحياة
لكى أراك بكامل النقصان حولى
كم نسيتك فى خضمك
باحثا عنى وعنك
وكلما أدركت سرا منك
قلت بقسوة
مأجهلك!!!!
ذكر
عدد المساهمات : 10441
الاٍقامة : وراء الأفق حيث لاشئ سواى وحبيبتى
العمل : مهندس
نوسا البحر :
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
2018-07-22, 5:56 am
#أمجد_ناصر
#قصائد_جديدة

عدوٌ شخصي

ليس لي أعداء شخصيون

لدي أصدقاء أسوأ من الأعداء

ولكنهم ليسوا أعدائي الشخصيين.

هناك نجمٌ لا يزفُّ لي خبراً جيداً،

وليلٌ مسكون بنوايا لا أعرفها.

أمرُّ بشارعٍ مريبٍ وأرى عيناً تلمعُ

وأيدٍ تتحسّس معدناً بارداً،

لكن هؤلاء ليسوا أعداء شخصيين،

فكيف لجبلٍ

أو دربٍ مهجورٍ أن يناصباني العداء،

أو يتسللا إلى بيت العائلة فيما تعلن جلبةُ الأخوةُ ولادة نهارٍ بلا مساومات.



أيها الشيءُ القاتمُ الذي أخذ أمي

والأنفاس التي رفعت عليها مداميك حياتي إلى الجانب الآخر من التراب

ما أنت؟

ما مشكلتك معي

أهذه الريشة السوداء على صفحات كتابي المفضل إشارتك المعهودة.

لا تخيفني رسائلك الغادرة ولكن لا تتركها في ليل لا أستطيع فيه تلمس موضع يدي وراء سدوله.

إن كنت رجلاً اخرج إليَّ من مكمنك حيث تُغذّي مخالبك البنفسجية بسُكَّرٍ مسروقٍ من مؤونة الضيوف..

تعال نلتقي وجهاً لوجهٍ على أيِّ حافّةٍ، أو في أيِّ جبَّانة تريد

لسوف ألقنك مواثيق الرجال كما لقنتنيها الصحراء والغدران الجافَّة

أرني وجهك قبل أن تنتضي قناعك الذي تسمّيه عقاباً إلهياً

فأنا لي آلهةٌ غضوبة أيضاً لكني لن أدعوها إلى نزال الوجوه السافرة

إن كان لك دينٌ عندي

أو مشكلةٌ شخصية كأن أكون خطفت هيلين من بين أحضانك

ومرّغتُ شرفك في الوحل

مع إني لا أذكر شيئاً كهذا

لا تستدّ دَينك من الذين يمرون بهذه الدنيا

كما تمرُّ أنفاسُ الرعاة في قصب الناي..

يسمّونك السرطان

وباسمٍ مخيفٍ كهذا لا تحتاج سيفاً أو قناعَ نمرٍ.

أمي وأصدقائي الذين غدرت بهم يسمّونني يحيى

وهذا إن كنت لا تعلم اسم نبيٍّ صحراويٍّ عمَّد بالماء مَنْ يُشفي الأعمى والأبرص وقام من تحت تراب الموت في اليوم الثالث.

تعال إذن إلى حلبة الآلهة المطوَّقة بالملاحم والأنساب.



المتاهة المائية

(إلى علي)

أقولُ، أنا زائرُها، إنني أعرفُ المدينة.

رأيتها في النهار ورأيتها في الليل.

صحيحٌ، ليلها يختلف عن نهارها،

ليس بألوان التوليب المتغيرة

وإنما بأولئك الذين يفعلون في الليل

ما لا يفعلون في النهار،

ولكن،

في ذاكرتي بضع نقط عَلامٍ،

ولا أحتاج دليلاً.

فكيف لا تُعْرَفُ راحة كفٍّ من نظرة أو اثنتين؟

إنه إحساس خادع،

سرعان ما أتبينه بعد شارع أوصلني الى قناةٍ

وقناةٍ أفضت بي الى جسرٍ

وجسرٍ أعادني إلى الشارع نفسه

ثم اختفى .

أعلّل نفسي، أنا الزائر الذي لا يعوَّل عليه

بالقول: حتى البصّارة لا تعرف راحة يد مارقٍ أو قديسٍ

من نظرة أو اثنتين..

سأبدأ، إذن بتصنيف العلامات،

وأفرد عدَّتي على الأرض وأقيس الأبعادَ

كما يفعل مخططو المدن المتوحدون.

منظاري عاطل عن الجهات

وملاحي الآليّ يرتدي زعانف غواص.

إذ هذا ما ألهتمه به بصيرته الميكانيكة أمام مياهٍ ارتفعت.

قناةٌ وجسرٌ وبيتٌ مائلٌ..

هذه العلامات التي اعتبرتها نقط ارتكازي

وصنفتها في خانات.

ولكن هنا، بالضبط يكمن خطئي

وتبدأ المتاهة.

فلا شيء أكثر من القنوات والجسور على مياه ترتفع ثم تنخفض.

أبدأ بالساحة التي تؤدي إليها كل الطرق، أو هكذا يقال.

أحدّد مربعاً صغيراً وأقول لنفسي:

إن ذلك المقهى أو المطعم،

أو تلك الدخنة التي تُسْطِلُ الهواءَ،

تطلُّ على قناةٍ في مربعٍ يشبه هذا المربع.

أمسح المربَّع شارعاً شارعاً ولا أصل.

حتى لو سألت لن يفهمني، بلساني هذا، أحد.

فأي قناةٍ أقصد؟

أستعيد صورة جسر

وأقول بالقرب من الجسر

وأشحنُ منظاري ببقايا الفراسة التي هجرتني.

ولكن بلا فائدة.

فأيُّ جسرٍ هو الذي أتحدث عنه بين الستمئة أو الألف؟ فالقنوات والجسور ها هنا مثل الخطوط والشعيرات الدموية في راحة اليد. أنسى القناة والجسر كنقطتي علام وأقول: آه.. بالقرب من بيتٍ ذي شنكلٍ حديديٍّ يتدلى من السقف!

أنظر جيداً. البيوتُ كلها تقريبا،

تتدلّى منها شناكل حديدية كخطاطيف القراصنة.

الماء وأشباحه يتكرران ويتداخلان في مرافق المدينة.

الماء، هنا مثل الصحراء، متاهة.

فإن استطعت أن تعلِّم الصحراء تستطيعُ أن تترك أثراً على الماء.

أتذكر أني رأيت بيتاً مائلاً الى الأمام،

بيتاً يكاد يقعُ على وجهه.

أرفعه أمامي كنجمة هادية.

فأيٌّ من بيوتها يكاد لا يقعُ على وجهه؟

أيٌّ لا يستدرجه الماء الماكر
إلى شِباكه المنتظرة؟

أتذكر أني سمعت مهاجراً دخل هذه المتاهة المائية ولم يخرج منها، يسمي قنطرة عبرتها في ليل مترنح. سمعت كلمة "أزرق". لا أعرف إن كان يسمي الجسر أو يتحدَّث عن لون الكوابيس التي تراود الأهلين في رابعة النهار. التسمية قد تكون مفيدة. قد تقرِّب الصورة من ذهن رجلٍ تتدافع الخاءات على لسانه كما تتدفق الآهات من حنجرة عربيٍّ.

لكني لم أسمع خاءات كثيرة.

فللمدينة أكثر من لسان، وأكثر من حرف واحد تولد منه الكلمات. للمدينة ألسنة متشعبة كألسنة بابل. هناك، أيضاً، من يفكر ببابل عندما يقف على ضفة نهر. المهاجر البابلي، مثلا، الذي شيبته حروب بابل يظن أنه في بابل رغم الغيوم الرازحة في القبّة القاتمة كقطعان من الأبقار الطائرة.

***

ليس هكذا يصل الزائر الى ما كشفته له المدينة،

ذات يومٍ أو ليلةٍ، وحجبته.

قلت لنفسي: ربما أحتاج خريطة.

رأيت كثيرين يفردون الخرائط أمام وجوههم ويمشون. لكن الخريطة متاهة أخرى.
ثم هذا الماء،
هذه الشرايين الزرقاء التي تخترق الخريطة من كل جهاتها، هذه الأحزمة التي تطوِّق نوم المهدَّدين بالغرق، كيف لي أن أقرأها؟ يمكنني أن أقرأ الكلمات، رغم تراقصها والتباس معانيها ولكن كيف لي أن أقرأ الماء؟
أفرد الخريطة أمامي. أرى سبعة أحزمة زرقاء. أرى ألف عقدة اتصال وانفصال. هناك مفاتيح للخريطة. ولكنها رموز. عليَّ أن أحلَّ الرموز أولاً.

أبدأ برمز يشبه القنطرة، فأقول هذا جسر. ورمز يشبه القارب، فأقول هذه قناة. ثم أرى سريراً فأقول فندق، ثم عيناً محدّقة فأقول: تعويذة لدرء العين الشريرة. هناك نصيحة مكتوبة بخط صغير مائل تقول: إذهب حيث يذهب الأهلون!

ولكن أين يذهب هؤلاء؟

أين هم الأهلون في بابل المياه والألسن هذه؟

أتذكر صديقاً لي يدعى "علي"، يصل سريعا الى الساحة التي تؤدي إليها، كما يشاع خطأ، كل الطرق. القنوات والجسور لا تحير "علي" الذي لا يكفُّ عن فتل شاربيه التركيين. أحدثه عن متاهة المياه والجسور، يفتل شاربيه، ويحدثني عن الأرشيف. أقول له لا أعرف المدينة. ظننت أني أعرفها. في رأسي ثلاث أو أربع علامات ولكني أضعتها في الطريق الى الساحة، فيقول لي: ابعث رسالة الى مواطن ستجدها في أرشيفه بعد مئة عام. قال، إن العلب الزجاجية تزحف على المدينة وتطوق الكاتدرائية بثياب النوم. ثم قال: دعنا نذهب الى رجال الحرس الليلي قبل أن ينطلقوا بأردية برونزية في جولة على بوابات المدينة السبع.

من دون أن يدري حلَّ "علي" لغز أحزمة المياه السبعة على الخريطة. إنها بوابات المدينة إذن. قلت لـ "علي" كيف تمشي هنا؟ فقال: على قدميَّ! رأسي مشتَّت ولكن قدميَّ لا تخطئان الطريق. يحاول أن يسمّي ما نعبرُ. يستعير من الأرشيف تاريخاً وأشخاصاً. فأقول له: دعنا نمشي. فلن تزيدني التسمية إلاَّ تبلبلاً وأنا لم أعرف كيف خرجت من بابل لكي أجد نفسي في بابل أخرى.

بابل تطاردنا مثل مدينة كفافي.

أنظر، ها هي وراءنا

ثمة دخان ولهب وأيدٍ تلوّح بيأس

من أبراجها المهدَّمة.


اربع قصائد نثر


إن كنت عابرا في روما


بما أنك لن ترمي جذراً في الأرض ولن تميل كصفصافةٍ على ساقيةٍ فما جدوى النظرات التي ترسلُها شرسةً مرةً، ساهمةً مرةً أخرى، متضرعةً في نهاية المطاف، فلن تصطاد سوى ما بدرَ سهواً من يدٍ تحرَّكت على الطاولة أو وجهٍ تلفَّتَ، بلا قصدٍ، إلى الوراء، فليس بالنظرة وحدها مهما كانت طويلةً، مركزةً، أو حتى ميدوزيِّةً تغيرُ أيها العابرُ في روما سُننِ أهل روما. هذا ليس ديكوراً من الورق المقوَّى سيتداعى تحت نظرتك الكاسحة، إلمسه بيدك لتصدِّق أنَّ الأسباب تستجمع نفسها أحياناً، في ضحكة بلهاء أو قميصٍ مشجَّرٍ. أنت لا تعرف على أيِّ أساس تتعلَّق هذه المارّة كشهقةٍ طويلةٍ بذراع ذلك الذي يبدو لك قميئاً، ولا كيف يميلُ ذو الجِرم العظيم على تلك التي بنسمةٍ تطير، فليس بالنظرة وحدها، مهما كانت مدربةً، ثاقبةً، مركزةً، تستطيع تحريك ملعقة السكَّر في كوب قهوتها، إذ وحدك، على الأغلب، من يظن أنَّ تسبيلةَ رمشٍ أو انحناءة فارس يمكنهما مقايضة حياةٍ من لحمٍ ودم، فلا تقل إن ارتدَّت نظراتك كسيفةً إنه المال أو الشهرة أو حتى الحظ، فالعابرُ لا يتركُ وشماً على ذراع أو ندبةً على ترقوة ولكن تذكَّر، إن نفعت الذكرى، أنَّ الأسباب استجّمعت لك نفسها في روما أخرى بكلمةٍ واحدةٍ لا تعرف كيف هبطت عليك ولا كيف نطقْتها، لأن النظرات التي صُوِّبَتْ إلى التي ارتمت على ذراعك بكامل حِمْلِها من الخزامى طاشت سهامُها.

.. لا تفعل ما يفعل أهل روما



وإذ لا تنتظرك عائلةٌ على العشاء ولا حملةٌ لتأديب البرابرة وراء الحدود فماذا يفيدك أن تفعل في روما ما يفعل أهل روما. إجلس في مهبِّ السهام التي تتطاير حولك وانظر كيف ستخرجُ بلا خدشٍ تقريباً وخفيفاً حتى لو أودع الماضي أثقاله في قدميك، ففي هذا الوقت المتأخر لن تغير أيها العابر في روما ما آل إليه أهل روما، فلا تستغرب، إذاً، الهرج المائج في المقاهي ولا الأغاني التي تمجدُ الحبَّ لا الحرب فهذا زمنٌ آخرُ لا تخطو فيه الأشجارُ أبعد من ظلالها ولا تموتُ كسابق عهدها في القصائد، وابتسم، إن استطعت، في وجه اولئك الذين يظنون أنَّ الحياةَ خادمة العائلة المطيعة فعندما رأيت رجال البلاط يمشون بخطوٍ وئيدٍ أمام الجنازة المهيبة كان هناك من يشربُ كأساً مع سيدة في بيروت ومن ينيخُ جَمَلاً محمَّلاً بالملح في تومبكتو.



في الطريق إليك


تأتي تلك التي بأرفعِ إبر الصبر حِكْتَ انتظار طلَّتها يوماً بعد يوم، كلُّ ما ترجوه من سيّد العاصفة، هذا الذي كان إلهاً عنيداً ذات يومٍ وطاردَ ملوكاً بالأنواء والمطر أن لا تأتي متأخرةً. صحيحٌ أنك ولدت في عائلةٍ معمّرةٍ، صحتُك تبدو، حتى الآن، جيدةً، أعضاؤك التي تعوّل عليها حين تستدعى إلى العمل تغسلُها، كلَّ صباحٍ، بماء النذور، لكن الحياة يا ابن أمي طُنبرٌ نَزِقٌ لا يتردَّدُ في رمي أيّ حملٍ زائدٍ على الطريق، ألم ترَ كيف انتهى اولئك الذين تشبثوا بأيّ شيء كي يكونوا آخر الواصلين؟

متأخرة بعض الشىء، أقصر مما اعتقدت، بشعرٍ أقلّ تموجاً وتجعيدتين اثنتين أو ثلاثٍ حول الشفتين، لا بأسَ، لا بأسَ، فهذه أمورٌ عليك توقعها في طريقها الطويل إليك.

بالصدفة أيضاً



حتى لو قلت إنَّها الصدفةُ بطلة حياتك وهي التي أوصلتك بكامل أعضائك تقريباً الى مدينةٍ سبقك إليها كثيرون، فقد اصطدتها باسمك المستعار الذي لم يثر خلوّه من فصيلة الدم انتباه أحدٍ، أو بالحِيَلِ التي تعلمتها باكراً في دساكر القيظ والغبار مذ أدركت أمكَ أنَّ كتفاً مائلةً لن تلوح لنجمة السعد وهي توزعُ الألقابَ والحظوظ، لذلك شببّتَ مائلاً لا لعوجٍ طبيعيٍّ في عمودك الفقريّ وإنما لأنك سمعت ضريراً يقولُ ذاتَ يومٍ لصبيٍّ أرعنَ أَّن معتدلي القامة لا يرون أبعد من أنوفهم، فالأغصان والنيازك والدموع تسقط دائماً الى الأسفل، ومما التقطت على طرق الاغاثة والبريد صنعت درعاً واقيةً كلما أخذتك سِنَةٌ من النوم صدَّت عنك سهاماً وجدت نفسك في مرماها بالصدفة.


رائحة الحلقوم

نهض الحناوي باكراً وأعدَّ قهوته بأقلّ قدر من الضجّة كي لا يوقظ يونس الذي كان مرهقاً ومرتبكاً كما لم يره من قبل، لكنَّ يونس شمَّ رائحة القهوة، في غرفته القديمة، فصحا. لطالما سحبته هذه الرائحة من سابع نومة من دون تذمّر أو اعتراض، هذه الرائحة المشبعة بحبِّ الهال، المرتبطة، أينما شمَّها، بوجه أمه. غسل وجهه ونظف أسنانه (تنظيف الأسنان عمل مقدّس عنده، بل يشبه الإدمان، فهو يفعل ذلك مراراً في اليوم الواحد، خصوصاً، عندما يكون منزعجاً، كأنه يتخلّص بذلك مما يزعجه، مما يترك طعماً مزعجاً في فمه وليس بالضرورة طعاماً أو شراباً). كان هناك بعض الوقت قبل أن ينطلق الحناوي إلى عمله. سكب فنجاناً من القهوة ليونس الذي تراخى بجانبه على طرف الصوفا في الصالون المستطيل استطالة الشقة نفسها، ثم أخبره أنه قلّب كتاب "نجمة لمساء آخر" ووجده استمراراً، في معظمه، لكتاب شاعرهما المفضل السابق. قال أيضاً إن شاعرهما المفضَّل يستثمر الأجواء نفسها التي طبعت كتابه السابق، فوافقه يونس، الذي أنعشته رائحة القهوة وفتحت مسامّ الكلام لديه، على تواصل بعض أجواء الكتاب السابق لكنه أبدى فهماً للأمر فاجأ الحناوي (المعتدّ بمعرفته بالشعر في وجوهه المتملّصة) عندما قال إن كتاباً واحداً قد لا يكون كافياً لاستثمار جوّ محدد، ما يجعل الشاعر يعود إلى توسيع مناطق لم يولها أهمية من قبل، لكن الأمر لا يندرج، في كل الأحوال، في خانة التكرار، لأن التكرار مستحيل في الفنّ مثل استحالته في الحياة، وضرب مثل النهر الواحد الذي لا نسبح فيه مرتين. قال الحناوي، الذي سدَّد يونس إلى مرماه كرةً لم يتوقعها، إنه سيعود لقراءة الكتاب، في تمهّل، ثم يتناقشان فيه بجدية أكثر. طبطب على حقيبته الجلدية السوداء، وهو ينهض، متثاقلاً ، للذهاب إلى عمله تاركاً صديقه يغادر على مهل.
لم يكن يونس أقل توجّساً، عندما خرج من البناية، عمَّا كانه في الليلة الماضية. صحيح أنه نجح في المهمة التي كُلِّفَ بها. أوصل الرسالة إلى القيادة في الخارج وعاد برسالة منها إلى الداخل في إحدى فردتي حذائه، اجتاز الحدود ونقط المراقبة وتملَّص من مطاردة أحد رجال "مؤسسة الأمن الوطني"، قام بمهمة خطرة لم يعلم بها أحد سوى مسؤوله الحزبي وكتم خبرها عن أقرب الناس إليه، رأى عاصمة البلاد التي تحدَّرت منها عائلته قبل نحو قرن. لقد جرت الأمور، تقريباً، كما خُطِّط لها حتى الآن ولكن ذلك النجاح لن يكون تاماً ما لم يصل إلى "البيت الآمن" ويسلّم الرسالة. عليه أن يعرف القلق والتوجس واحتمال اعتراضه من قبل رجال "مؤسسة الأمن الوطني" المبثوثين في زوايا المدينة وأركانها، وليس لهؤلاء، كما هو معروف، هيئة محددة. قد يكونون رجالاً في منتصف العمر، موظفين مبكرين إلى عملهم، طلاباً، باعة خضر أو حليب، موزعي جرائد.. أو متسولين.
مرَّ في طريقه إلى "البيت الآمن" ببعض شوارع ليلة الطراد المتشعبة. كان الوقت ضحى. أصوات الباعة والمتسوقين في المنطقة التجارية، كعادتها، عالية ومتداخلة، خصوصاً في الشارع الرئيسي المؤدي الى ساحة الحافلات الدولية. روائح المقالي تختلط بروائح خبز و بهارات وماء زهر وشاي وعفونة طالعة من المجاري. الحرارة التي راحت تشتدّ وتصْلي الأشياء تضاعف من قوّة روائح متناقضة تستوطن، إلى الأبد، هذه المنطقة من قلب العاصمة. إنها الروائح نفسها التي تعيد إليه صوراً من طفولة متمردة، ومراهقة مطبوعةٍ ببحثٍ عن شيء غامض لم يعرف له كُنهاً.
كانت الأغاني المؤلفة، خصيصاً، في مناسبة اليوبيل الفضيّ لتنصيب الحفيد الصادحة من سيارات الأجرة والبسطات والمقاهي وشرفات البيوت المطلّة على المنطقة التجارية، تنافس أغاني طرب ودروس دينية لبعض الدعاة الذين يحظون برعاية الدولة ودعمها. مزيج مشوَّش من الديني والدنيوي. حمَّى الاحتفال القادم بخمس وعشرين سنة من تربُّع زعيم البلاد على عرشه الذي لا ينازعه عليه أحد تسري في أوصال المدينة كدورة دموية مرتجلة. اليافطات الكبيرة التي تحمل صوره، في أزياء وهيئات مختلفة، مرفوعة فوق المباني والمؤسسات والمحال التجارية، بعضها يحتل جدراناً بأكملها: القائد. الأب. الزعيم المفدّى. الابن البار للوطن يرفع يده. يلوّح. يقف بين جنوده. يصلي. يقطف عنقوداً من العنب. يمتطي فرساً. يمسّد شعر طفل. لقطات عرف يونس بعض مصوريها، وخطوط رأى قسماً منها يخطُّ في مكتب والده، الأجود والأرصن في كلماتها المدائحية خطّته يد أبيه، مثل بيت الشعر الشهير، الذي قال يونس لوالده، ساخراً، عندما رآه يعكف على كتابته بالثلث الجلي: هل سيفهمه صاحبك؟
تمرُّ بكَ الأبطال كَلْمى هزيمةً...
من بين الأغاني، التي تصدح في هذه المناسبة، ميَّز أغنية من كلمات شاعر الحامية خالد رستم كانت قد نشرتها صحف البلاد ومجلاتها قبل أن تعهد بها دائرة المصنَّفات الفنية إلى مغنٍّ صاعدٍ يثير شَعرُه السَّبْطُ الأسود، وصدره المكشوف، وتمايله في الغناء، شبق الراشدات قبل المراهقات. اعترف يونس، الذي تسللت إليه الأغنية، بقوّتها كلمات ولحناً وغناء. لو لم تكن الأغنية عن "الحفيد" لأمكن لها، كما فكَّر، أن تدخل السجل الذهبي للغناء الجميل. اللعنة، إنها أغنية قوية، قال في نفسه، ثم فكَّر أن "الحفيد" لن يصمَّ أذنيه وهو يسمعها كما يفعل مع تلك الأغاني الريفية المصطنعة التي حسبما سمع من أبيه أنه يمقتها، بل يقرف منها. فارتباط اسمه بهذا الغناء الركيك المبتذل جعله يفكر، أكثر من مرة، أنها مؤامرة لتفادي رؤية أشخاص يعرفونه، أو مفاجأة غير محسوبة، وهذه محتملة جداً في وسط المدينة. قرَّر أن يستقل سيارة أجرة إلى "البيت الآمن".
كان مزاجه قد بدأ بالتحسّن رغم توجّسه. فلن يطول الوقت حتى يلتحق برولى في "ناكوجا آباد". إنها هناك بشَعرها الرابض كماعز على جبل جلعاد، بأعطافها التي تتفوح برائحة مسك (فكَّر براحة الحلقوم) حتّى وهي تنهض من النوم. إنها هناك وهو ذاهب إليها، بعد إنهاء آخر شوط في مهمته. دقَّ قلبه بقوة، وذاكرته تستعيد رائحة عبيرها المتصاعد من جسدها ذاته، لا العطور ولا مزيلات روائح العرق وما شابه، بل عبق جسدها الذي يتسلل الى أنفه، عندما يضمّها، من قبّة ثوبها. تلك هي رائحة أعشاب الظل النديّة.

*مقطع من فصل رواية جديدة بعنوان "المطاردة"

قصائد ونصوص جديدة للشاعر أمجد ناصر

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة

صفحة 1 من اصل 1
نوسا البحر :: فوضى الحواس(منتديات ثقافيه) :: مرتفعات أو سوناتا الكلام

حفظ البيانات | نسيت كلمة السر؟

هوانم نوسا | عفاريت نوسا البحر google+ | عفاريت نوسا | مجلة الصور | مجلة عفاريت