مقالات بلال فضل فى القدس العربى

♪♫.. الادارة..♫♪
avatar
رسالة sms : سيرى ببطئ ياحياة
لكى أراك بكامل النقصان حولى
كم نسيتك فى خضمك
باحثا عنى وعنك
وكلما أدركت سرا منك
قلت بقسوة
مأجهلك!!!!
ذكر
عدد المساهمات : 10405
الاٍقامة : وراء الأفق حيث لاشئ سواى وحبيبتى
العمل : مهندس
نوسا البحر :
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
2018-06-12, 5:27 am
#بلال_فضل

مقالات بلال فضل بجريدة القدس العربى



بعض ما أمكن إنقاذه
بلال فضل
Mar 06, 2018

لو ظهرت هذه الواقعة في فيلم سينمائي لظننتها مبالغة ممجوجة، لكنها حدثت في واقع (جمهورية فَشَلو العربية المتحدة)، ولذلك ستصدقها لأنها تندرج تحت بند (العادي بتاعنا).
في يوم 20 إبريل/نيسان 2011، وبتأثير قوة الدفع التي أحدثتها ثورة يناير/كانون الثاني، التي شجعت بعض المسؤولين على فتح بعض الملفات المغلقة منذ عقود لأسباب غامضة، قرر مسؤولو وزارة الثقافة إعادة افتتاح متحف الحضارة المصرية بعد 57 عاماً على إغلاقه، كان المتحف قد افتُتح عام 1949 بعد عدة سنين من عرض محمد طاهر رئيس الجمعية الزراعية الملكية فكرته على الملك فاروق، ليكون متحفاً يوثق مراحل الحضارة المصرية، منذ فجر التاريخ حتى عصر فاروق الأول، الذي أصبح فاروق الأخير، ومع ذلك استمر عمل المتحف الذي كان يضم مئات اللوحات التي رسمها أشهر الرسامين لفاروق، وانضمت إليه في نهاية عام 53 لوحة لمحمد نجيب وهو مجتمع بالضباط الأحرار، وأخرى وهو يحيي الشعب من سيارة مكشوفة، وبعد أن أطاح عبد الناصر بنجيب في عام 54، أغلق المتحف أبوابه بشكل «مؤقت»، دام أكثر من نصف قرن، واختفت منه عبر السنين عدة لوحات ومقتنيات، وحين بدأ بعد إعادة الافتتاح ترميم محتوياته، التي أضرت بها المياه الجوفية، قام فريق الترميم بإخلاء بعض الجدران من البانورامات المجسمة المثبتة فيها، ليكتشفوا خلف بانوراما تجسِّم مجرى نهر النيل، باباً سرياً يفضي إلى سرداب بعمق ثمانية أمتار داخل الحائط، وجد المسؤولون فيه خبيئة تحوي أكثر من مئتي قطعة فنية بين لوحة زيتية من أعمال رواد الفن المهمين، واسكتشات فنية ورسومات هندسية ومعمارية وخرائط نادرة للقطر المصري، وتخطيط مدينة الإسكندرية القديمة، ليتم ترميم هذه الأعمال وتعرض للجمهور، وبعد أن استقال أشرف رضا رئيس قطاع الفنون التشكيلية بعد ذلك الاكتشاف، أعيدت الخبيئة إلى المخازن لتواجه مصيرها المجهول من جديد.
في كتابه المهم «سرقات مشروعة: حكايات عن سرقة آثار مصر وتهريبها ومحاولات استردادها»، يكشف القاضي والأديب أشرف العشماوي نقلاً عن أشرف رضا وصبحي الشاروني الناقد البارز، أن سر ذلك السرداب يرجع إلى تعرض حسين يوسف فوزي مدير المتحف وأستاذ الفنون الجميلة، لضغوط شديدة من ضباط يوليو/تموز، لكي يتخلص من لوحات فاروق ونجيب، فحفر الرجل السرداب في عام 54، ووضع الخبيئة الثمينة خلف مجسم مجرى النيل، ليخفيها عن أيدي الراغبين في تدمير التراث بدعوى تنقية التاريخ، وبعد أن قام بذلك صمت الرجل ومن عاونوه حتى توفاهم الله، ولولا قرار افتتاح المتحف وترميم مقتنياته، لظلت الخبيئة في مكانها ولأكملت المياه الجوفية القضاء عليها.
خلال توثيقه لتجربته القضائية في مجال استرداد الآثار المصرية التي تم نهبها، إما بالسرقة والتهريب أو بالاتفاق الحكومي والإهداء الرئاسي غير المشروعين، يروي المستشار العشماوي وقائع سرقات المجوهرات الملكية التي صادرتها ثورة يوليو، على أيدي المسؤولين عن عمليات الجرد والتخزين، التي عاشت رحلة مأساوية استمرت 56 عاماً، ظل أغلبها داخل صناديق سيئة التهوية بدائية الصنع، لتمتد إليها يد العبث والتبديل، ويخرج بعضها من الصناديق إلى صالات المزادات ثم إلى قاعات المتاحف وقصور أغنياء العالم، ويختفي بعضها في المجهول، ويتلف البعض الآخر، مع أنه كان يفترض أن يتم عرضها منذ البداية في متحف وطني، بدلاً من بقائها في بدروم أسفل البنك الأهلي وسط القاهرة، بعد أن تم جردها عام 55 في محضر من ورقة واحدة حمل عبارة وحيدة تقول: «العدد مطابق للحكم بالمصادرة، والعهدة سليمة»، وفي كل مرة كانت تظهر قطع من تلك العهدة في صالات المزادات الدولية، لم يكن يسأل أحد عن مصدرها ولا عن مصير باقي العهدة، ليتم تسليم صناديق العهدة في عام 62 إلى وزارة الثقافة لاستخدامها في الأغراض المتحفية، لتستمر أعمال الجرد ـ والتجريد على حد تعبير العشماوي ـ حتى عام 1971، لتثبت تحقيقات النيابة وقتها اختلاس 37 حجراً كريماً من الصينية المهداة من الإمبراطورة أوجيني للخديوي إسماعيل بمناسبة افتتاح قناة السويس، وتنتهي القضية إلى الحفظ لعدم معرفة الفاعل.
خلال السنين التالية استمرت مهازل لجان الجرد والتجريد، واستمر نزيف تلك العهدة المنكوبة، ليضبط عام 1975 سوار مرصع بالأحجار الكريمة من مجوهرات أسرة محمد علي أثناء عرضه للبيع في الولايات المتحدة، وتسفر التحقيقات عن عبث أحد رؤساء اللجان وبعض أعضائها بكشوف الجرد، حيث بدلوا فيها واختلسوا من المجوهرات ما قدرهم عليه الله، بعد أن أجرى رئيس اللجنة تعديلات بخط يده على أصل الكشف في أوصاف المجوهرات ليسهل تبديلها بأخرى مقلدة، وأثبتت التحقيقات أن هناك اختلاساً لعدد 71 مجموعة كبيرة من مجموعات المجوهرات الملكية، وخلال فترة التحقيقات الطويلة توفي المتهمون في القضية، الذين قالت تحريات الشرطة إن ثروتهم لم تتضخم ولم تظهر مظاهر الثراء على ورثتهم، لتصدر النيابة العامة قرارها في عام 2007 بحفظ القضايا والبلاغات المرتبطة بها نهائياً لوفاة جميع المتهمين.
بعدها لعب المستشار العشماوي وزملاؤه دوراً مشرفاً في حفظ ما تبقى في صناديق العهدة من الضياع، بالاستناد إلى نص قرار رئاسي خصص عقاراً في منطقة زيزينيا في الإسكندرية ليكون متحفاً قومياً لمجوهرات أسرة محمد علي، ليتم تشكيل لجنة من الجهات المختصة، روعي ألا يُكبّل عملها بالتعقيدات الإدارية، لتنهي عملها في أسرع وقت، لتتحرك في منتصف شهر يونيو/حزيران 2009 عشر سيارات مصفحة تحمل حوالي 45 صندوقا كبيرا وثمانية صناديق متوسطة، بها ما تبقى من مجوهرات أسرة محمد علي، بعد أن اكتشف العشماوي وزملاؤه خلال الجرد أن من سرقوا بعض محتويات الصناديق، توجهت أعينهم إلى ما يلمع من الذهب فقط، فتركوا محتويات شديدة الأهمية في قيمتها التاريخية وجمالها الفني.
إلى جوار ما رصده من «سرقات مشروعة» تمت بالتراضي بين بعثات كشف الآثار والحكومات المصرية، يوثق المستشار أشرف العشماوي أهم سرقات المتحف المصري خلال العقود الماضية، التي كان من أبرزها اكتشاف عالم آثار سوفييتي في عام 59 اختفاء عصا من مجموعة الملك توت عنخ آمون، كان محفوراً عليها بالمصرية القديمة عبارة «من يحمل هذه العصا تحل عليه بركة آمون»، وقد حلت بالفعل على «لاطش العصا» الذي لم يُضبط من حينها، وبعد أن تم جرد المتحف بالكامل وقتها، ظهر أن هناك أكثر من 300 قطعة أثرية فقدت للأبد، بل عثر على حلقة تضم مجموعة مفاتيح لعدد من الفاترينات والخزائن كانت ملقاة في ممر جانبي، بدون أن ينتبه إليها أحد لحسن الحظ. بعدها تمت سرقة المتحف المصري بالتتابع في أعوام 79 و87 و93 و97 بطريقة واحدة، هي مغافلة السارق للحراس والاختباء في تابوت بعد سرقة ما خف حمله، والخروج في اليوم التالي بعد فتح أبواب المتحف مصحوباً بسلامة الله وبركة الأجداد الذين كانوا يوقعون عقوبات قاسية على سارقي الآثار تصل إلى الإعدام والخوزقة وجدع الأنف، قبل أن يتبدل حال الدنيا ويصير حاميها حراميها، ويصبح الأمل الوحيد لكل عشاق وحماة الآثار هو إنقاذ ما يمكن إنقاذه من تراث الأجداد.



خرافاتنا القريبة إلى النفس
بلال فضل
Apr 17, 2018

مبدئيا وأنت تختار شريك حياتك، إنسَ حكاية أن الأضداد تتجاذب لتنتج علاقات رومانسية ناجحة، لأن الدراسات أثبتت أن التوافق مع الضد نادرا ما يفلح، وأن البحث عمن يتوافق معنا في الصفات قد يكون أفضل وأسعد، فضلا عن كونه أريح للدماغ، «وسيبك من» حكاية أن الأفضل للإنسان أن يعبر عن الغضب مباشرة، بدلا من كبته داخله، فقد ثبت أن كبت الغضب ليس مدمرا للأعصاب بالطريقة التي يتم تصويرها، ولا تردد من فضلك خرافات من عينة أن هناك علاقة بين حجم المخ ومستوى الذكاء، وأن معظم الأطفال الذين يتعرضون للاعتداء الجنسي يتحولون بدورهم إلى معتدين جنسيا حين يكبرون، وأن الإنسان يستخدم 10 في المئة فقط من قدراته العقلية، وأن ذاكرته تعمل كأنها جهاز تسجيل، فقد ثبت أن كثيرا من الناس يمكن أن يرسخوا ذكريات زائفة تماما عن أحداث معقدة حدثت لهم، وأن البعض يجترون أحيانا ذكريات عن أحداث طفولة مؤلمة مع أنها لم تحدث أبدا.
ليست هذه النتائج سوى نماذج لما يحفل به هذا الكتاب الممتع، الذي خصصه بعض أساتذة علم النفس المرموقين، لتفنيد الخرافات الشائعة التي يحفل بها علم النفس الشعبي، والتي يتسامح معها البعض بوصفها غير ضارة، مع أنها يمكن أن تدفع بالكثيرين إلى اتخاذ قرارات حمقاء، متصورين أنهم يستندون إلى معلومات دقيقة عن الطبيعة البشرية، مثل حكاية أننا إذا كنا منزعجين من شيء، فكل ما علينا فعله هو أن نحاول تجاهله وإخراجه من تفكيرنا، لأن الأبحاث تشير إلى أن محاولة إخراج شيء ما من تفكير الإنسان تزيد في الأغلب من احتمالات عودته إلى حيز التفكير مجددا، هناك أيضا التصور الشائع عن هشاشة نفسية وأعصاب الأطفال، وهو ما يجعل كثيرين يستمرون في زيجات سيئة، خوفا من تأثر نفسيات أطفالهم، في حين تثبت الدراسات أن الغالبية العظمى من الأطفال يتميزون بالقدرة على تجاوز الأزمات ومواجهة عوامل الضغط العصبي، ويتجاوزون ظروف الطلاق، إذا تم بهدوء وحكمة، بدون أن يصيبهم كثير من الأضرار النفسية طويلة المدى، وأحيانا بدون أضرار، بل إنه عندما تقوم خلافات عنيفة بين الوالدين قبل الطلاق تبدو الآثار العكسية الواضحة للطلاق على الأطفال في حدودها الدنيا، لأنهم يجدون في الطلاق وسيلة للهروب من الخلافات المريرة بين الوالدين.
ينبهنا الكتاب إلى خرافات خطيرة التأثير تشيع بيننا، مثل أن من يقبلون على الانتحار هم المصابون بالاكتئاب الشديد فقط، بينما يصل احتمال وقوع الانتحار في حياة شخص مصاب باكتئاب شديد إلى ما يقرب من 6 في المئة فقط، كما ينبهنا إلى أنه ليس صحيحا أن الأشخاص الذين يتحدثون كثيرا عن الانتحار من غير المحتمل أن يقبلوا عليه، بل على العكس يعتبر تكرار الحديث عن الانتحار أحد أهم العلامات التي تنبئ عن احتمال قتل المرء نفسه، وليس صحيحا أن الانتحار يحدث في العادة بدون سابق إنذار، فقد عبّر ثلثا الأفراد الذين انتحروا أو ثلاثة أرباعهم عن نوايا الانتحار لآخرين قبل أن يقبلوا على الانتحار، وفي حين تزيد محاولات الانتحار بين النساء عنها بين الرجال، ينجح أكبر عدد من الرجال في الانتحار فعليا، ولا يشيع الانتحار على نحو خاص في أيام الشتاء المظلمة كما يعتقد البعض، بل على العكس يكون الانتحار أكثر شيوعا في أنحاء العالم في أكثر الشهور دفئا، كما أن المراهقين ليسوا الفئة العمرية الأعلى من حيث احتمال وقوع الانتحار بين أفرادها، بل هي فئة الطاعنين في السن من الرجال.
ينفي الكتاب بقوة ما يروج له الكثيرون عن اتّسام معظم المرضى العقليين بالعنف، لأن أفضل التقديرات تشير إلى أن 90٪ أو يزيد من الأفراد المصابين بأمراض نفسية خطيرة، بما في ذلك الفصام لا يقبلون مطلقا على ارتكاب أفعال عنيفة، ويحتمل أن يكون المرض النفسي الحاد سببا في ما يقرب من 3 في المئة إلى 5 في المئة من جرائم العنف جميعها، بل إن الأفراد المصابين بالفصام وغيره من الاضطرابات النفسية الحادة هم ضحايا أكثر من كونهم مرتكبي أحداث عنيفة.
كما يخالف مؤلفو الكتاب ما يشيع بين غالبية الناس عن أن أفضل طرق التعامل مع المجرمين هو استعمال الغلظة والشدة معهم، لأن الدراسات المنهجية توضح أن أساليب التقويم بالتخويف غير فعالة وتضر أكثر ما تنفع. وفي ما يخص التصور الشائع عن أن معظم جرائم الاغتصاب يرتكبها أشخاص غرباء تماما عن الضحية، تنفي الدراسات ذلك، وتؤكد أن جرائم الاغتصاب التي يرتكبها غرباء تشكل ما يقرب من 4 في المئة فقط من إجمالي هذه الجرائم.
يؤكد الباحثون أنه ليس صحيحا أن مواقف الأفراد وآراءهم تنبئ إلى حد بعيد بسلوكياتهم، بل تكون في معظم الحالات مؤشرا ضعيفا على سلوكيات الأفراد، كما أنه ليس صحيحا أنه كلما زاد عدد الأشخاص الحاضرين في حالة طارئة زادت احتمالات تدخل شخص ما، وليس صحيحا أن المجموعات الكبيرة تتخذ قرارات أقل تطرفا من الأفراد، حيث تشير الأبحاث التي أجريت على ظاهرة التحول الخطير وظاهرة الاستقطاب، إلى أن مجموعة الأفراد تميل إلى اتخاذ قرارات أكثر تطرفا مما يفعله الفرد الواحد. وليس صحيحا أن الزحام دائما يؤدي إلى مزيد من العنف، فأحيانا يقلل الزحام من معدل العنف، لأن الأفراد في المناطق المزدحمة يحاولون غالبا الحد من احتكاكهم بالآخرين.
يتطرق الكتاب إلى بعض الخرافات التي ساهمت في توسيع أرزاق مروجيها، ومنها حكاية أن بعض الناس يستخدمون جانب المخ الأيسر، والبعض الآخر يستخدم الجانب الأيمن، حيث نشأت «سبوبة» دورات تنشيط استخدام الجانب الأيمن من المخ، بينما لا يحتاج الإنسان إلى كامل مخه لكي يؤدي وظائفه بفعالية، بل إن من خضعوا لجراحة استئصال أحد نصفي المخ أثناء الطفولة بسبب حالة مرضية، يمكن لهم أن يحيوا بصورة طبيعية إلى حد معقول عند البلوغ. في سياق مشابه ليس صحيحا أن التنويم المغناطيسي مفيد في استعادة ذكريات الأحداث المنسية، كما رسخت الأعمال الدرامية في أذهان الناس، حيث تشير الدراسات إلى أن الكثير من الأشخاص الذين خضعوا للتنويم المغناطيسي بإمكانهم أن يكذبوا.
بمناسبة التصورات الدرامية الشائعة التي يكذب الكتاب كثيرا منها، يشير مؤلفو الكتاب إلى أنه لا توجد أسانيد علمية على وجود منطقة معينة داخل المهبل عند النساء تسمى «جي سبوت» تضاعف من إثارتهن الجنسية، ويؤكدون أنه ليس صحيحا أنه يجب ألا يمارس الرياضيون العلاقات الجنسية قبل المباريات الكبيرة، لأن ممارسة العلاقة الجنسية تحرق فقط 50 سعرا حراريا في المتوسط ولا تسبب وهن العضلات، ما يعني ضرورة البحث عن أسباب مختلفة لتبرير الهزيمة.

ـ «أشهر 50 خرافة في علم النفس: هدم الأفكار الخاطئة حول سلوك الإنسان» ـ تأليف: سكوت ليلينفيلد وستيفن جاي لين وجون روشيو وباري إل بايرستون ـ ترجمة إيمان أحمد عزب ومحمد رمضان داوود ـ دار كلمات عربية


حواش وهوامش
[1]
ـ ضمن أحداث روايته الجميلة «شرف كاترينا بلوم الضائع» يتساءل صاحب نوبل الألماني هاينريش بُل، عما يحدث في نفسية «خابور التليفون»، أو الشخص المكلف بالتنصت على مكالمات الآخرين كما يسميه الألمان، طبقاً لما يخبرنا به المترجم شحاتة ياسين، يقول بُل في تساؤلاته: «ماذا يظن موظف فاضل لا يؤدي سوى واجبه تحت ضغط الأوامر الصارمة، نزولا عند حاجته إلى الحصول على لقمة العيش، وربما يكون ذلك من الأمور البشعة أو الممقوتة، ماذا يظن عندما يتحتم عليه أن يتنصت على الكيفية التي يتحدث بها تليفونياً أحد السكان المجهولين، الذي نود أن نسميه هنا وباختصار: عارض الحنان، مع إنسانة لطيفة وأنيقة بصورة مميزة وعفيفة إلى حد ما مثل كاترينا بلوم؟ هل يقحم نفسه في شكل من أشكال الوجد الأخلاقي أو الجنسي أو كليهما معاً؟ هل يثور؟ هل يرق قلبه؟ ألا يقدم له ذلك لذة جديرة بالاعتبار».
يواصل هاينريش بُل تساؤلاته الساخرة، عما إذا كان المتنصت على مكالمة يدور فيها الحديث عن «تورتة البيض المحشية بالخشخاش»، سيلاحظ بدقة أن ما يتم الحديث عنه ليس إلا شيفرة فوضوية، وأن تورتة البيض المحشية يقصد بها القنابل اليدوية، والآيس كريم مع الفراولة ليس سوى متفجرات، لذلك وفي ظل ضرورة الخروج بشيء ملموس من المكالمات المسجلة على نفقة دافعي الضرائب، ما الذي يمكن أن تتسبب به المراقبة التليفونية من آثار نفسية للموظفين المسؤولين عن التنصت والتفريغ والتحليل؟ هل تدرك السلطة التي تقوم بتشغيلهم تلك الأضرار؟ وهل تكفل لهم الرعاية النفسية؟ ولماذا يتم الاهتمام فقط بمديري وسارقي ومستخدمي البنوك، ولا يتم الاهتمام بالقوات المجنّدة لشرائط التسجيل؟ وما رأي الكنيسة في ذلك؟ ولماذا يسكت البابا عن إبداء رأيه في الموضوع؟ مع أن هناك مجالاً يمكن للكنيسة والنقابات أن تعملا فيه، لتخطيط شكل من برامج التثقيف لمراقبي المكالمات التليفونية، بحيث يتم إسماعهم شرائط مسجلا عليها دروس خصوصية ترفع من كفاءتهم، بدون أن يكلف ذلك الكثير.
تنتمي أسئلة هاينريش بُل الساخرة إلى فترة السبعينيات من القرن الماضي، التي صدرت فيها روايته، لكنها ما زالت أسئلة تقبل الطرح الآن بجدية، حتى بعد أن تطور الأمر في أغلب الدول وأصبح ملف المراقبة التليفونية موكلاً في جزء كبير منه لبرامج «فائقة الذكاء» صنعها البشر، تستخدم آلاف الكلمات المفتاحية لفلترة ملايين المكالمات التليفونية، وإحالة ما يثير الريبة منها إلى المحللين المتخصصين، وهي تقنيات أصبحت متاحة في أغلب الدول العربية التي ندرك جميعاً مستوى ذكاء حكامها وأعوانهم، ما يدفعنا للتفكير في أسئلة هاينريش عن كفاءة مسجلي ومفرغي ومحللي المكالمات التليفونية المسجلة في بلادنا، ومدى تطورهم وقدرتهم على فهم ما بين السطور، وما تتركه تلك المهنة على نفسيتهم من آثار ربما تدفعهم للانتقام من أبرياء يتحدثون عن وصفات للطبخ، فيتم القبض عليهم بتهمة تصنيع المتفجرات، ومن يدري ربما تم تطبيق اقتراح الروائي الألماني، لنرى دورة تثقيفية يتعاون فيها الأزهر مع الكنيسة مع أجهزة الأمن القومي، لرفع كفاءة خوابير التليفونات في بلادنا، والاهتمام بصحتهم النفسية من أجل بقاء أطول للخابور الأعظم في موقع القيادة.
ـ هل يمكن أن يتقبل الناس أي حديث عن الأدب أو الثقافة أو الفنون في الأيام التي تشغلهم فيها التطورات السياسية الملتهبة والدامية؟ هذا أيضاً سؤال معاصر يرتبط بأيامنا هذه، ويواجه كل من يكتب عما لا يرتبط بالشأن السياسي، لكنه في الحقيقة سؤال قديم طرحه قبل عقود الأديب إبراهيم عبد القادر المازني في كتابه الجميل «حصاد الهشيم» الذي يقول في أحد فصوله: «وإنها لمن أعجب القِسَم أن يضطر أحدنا إلى الدفاع عن نفسه وتسويغ عمله في مستهل كلام له يهُمّ به على الأدب حتى في وقدة المعمعة السياسية»، لكن اللافت أن المازني لم يكتب تساؤله هذا إلا في فترة كانت مصر فيها «تشهد ركدة قصيرة الأجل في حومة السياسة، يرصد خلالها كل فريق أهبّته، ويحشد لما بعدها قوته»، وهو ما جعله يطلب من قارئه العذر إن وجده يتحدث في الأدب والفنون، مضيفاً: «غداً سنشبع من الطبل والصيال، ومن أبواق الدعوة إلى أقدس النضال، فما علينا لو اهتبلنا هذه الفرصة وأركضنا الفكر في حلبة الأدب؟ في ميدان خالص لوجه الإنسانية قاطبة، لا تعتلج فيه إلا القوى النزّاعة إلى الكمال، ولا تشرئب فيه العيون إلا إلى مثل الجمال والجلال، نعم ماذا علينا وأي يأس من ذلك؟ أليست حياة الأدب خاصة والفنون عامة هي طليعة كل نهضة سياسية واجتماعية؟ أين في التاريخ أمة وثبت إلى الحياة القوية بدون أن يهيئ لها الأدب أسبابها؟ أليس الواضح الذي لا يحتاج إلى إبانة أو تدليل أنه لا بد أن يفطن المرء إلى وجوده ويعرف نفسه، ويدرك صلتها بما حولها، ويطّلع على جوانب حياته، قبل أن يسع مجموع الأمة أن يقدر وجوده وحقوقه بين أمثاله وأنداده؟».
لا تعني أسئلة المازني المهمة هذه أنه كان من الذين يتهربون من إعلان مواقفهم السياسية، ويفضلون العيش في برج عاجي يفصلهم عما يدور حولهم من أحداث، فقد كانت له صولات وجولات في الكتابة السياسية، وجدت لحسن الحظ من يجمعها في كتب، ويقوم بدراسة وتحليل مواقفه، التي أياً كان خلافك أو اتفاقك معها، تخرجه من زمرة الكتاب الذين يتهربون من الاشتباك مع الواقع بدعوى الترفع عنه، ومنهم هؤلاء الذين نراهم في زماننا يرفضون الجمع بين الكتابة في الأدب والفنون والتاريخ، والكتابة المشتبكة مع الواقع، التي تقف ضد الظلم والفساد، ولو أعلنوا أنهم يفعلون ذلك لعدم قدرتهم على دفع أثمان المواقف المعارضة لاحترمهم متابعوهم، فلا يكلف الله نفساً إلا وسعها، لكنهم يزعمون أنهم يفعلون ذلك تأففاً وترفعاً من الخوض في السياسة، مع أنهم لم يكونوا يأنفون من الخوض فيها بمقالات «نارية»، حين كان الكلام فيها رخيصاً ومتاحاً، ولا أظنهم سيتذكرون موقفهم ذلك، حين يتطلب الأمر أن يلبسوا مجدداً ثياب المعارضين، بعد أن يعود كلام السياسة ليصبح رخيصاً ومتاحاً.
ما يثير إعجابي الدائم بالمازني أنه رغم براعته وغزارته في الكتابة، لم يكن يمتلك أوهاماً عن دور الكتابة وتأثيرها، وهو ما يجعله يقول في موضــــع آخر: «محاولة فرد إصلاح ما في الدنيا من خلل لا يمكن أن تكون إلا فكاهة يضحك من جرأتها القدر، ولكنها على هذا فكاهــة جليلة تبعث الرجاء وتنشئ الأمل في تحقيق المستحيل، ونظام حياة الأمم ليس من صنع صانع ولا وضع واضع، ولكنما يتكون على الأدهار والأحقاب، كجزائر المرجان، وهو يتحول ويتعدل لأن الحياة قائمة على التطور، مبنية على التغير، لا لأن إنساناً هنا أو هناك أراد هذا أو أشار به»، مشيراً إلى نموذج من المثقفين يشعر بتيار الزمن حين يتدفــــق في مجــرى الحياة فيحاول أن ينطق بلسان الحوادث، ويكون لديه من فرط الاعتداد بالنفس، ما يجعله يحسب دائماً أن نطقه هو الصحيح وفهمه هو الصواب، عافانا الله وإياكم من أن نكون كهؤلاء، أو أن نُبتلى بالقراءة لهم.

♪♫.. الادارة..♫♪
avatar
رسالة sms : سيرى ببطئ ياحياة
لكى أراك بكامل النقصان حولى
كم نسيتك فى خضمك
باحثا عنى وعنك
وكلما أدركت سرا منك
قلت بقسوة
مأجهلك!!!!
ذكر
عدد المساهمات : 10405
الاٍقامة : وراء الأفق حيث لاشئ سواى وحبيبتى
العمل : مهندس
نوسا البحر :
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
2018-06-12, 5:28 am

مأساة أن تقف وحدك
بلال فضل
May 10, 2018

2 ـ الطغاة لا يهبطون من السماء على شعوبهم، وجمال عبد الناصر لم ينجح في الانفراد بالسلطة بذلك الشكل المزري الذي دفعت مصر ثمنه غالياً، إلا لأنه وجد مساندة من جماهير كانت تكره الديمقراطية وتراها وبالاً على مصر. هذه هي الحقيقة المرة التي لم يتجاهلها خالد محيي الدين، حين قرر أن يتكلم ويروي شهادته عن ثورة يوليو/تموز التي كان أحد قادتها، على عكس الكثيرين من قراء مذكراته، الذين اختزلوا شهادته في ما رواه عن اعتراف عبد الناصر له بتمويل إضراب عمال النقل والسكك الحديدية ليشل حركة البلد ويربك خصومه في أزمة مارس/آذار 1954، وفي رواية عبد اللطيف البغدادي لخالد أن عبد الناصر أبلغهم بأنه دبر الانفجارات الستة التي وقعت دفعة واحدة في القاهرة في تلك الفترة، ولم تسبب خسائر مادية لكنها دفعت ملايين الخائفين لتأييد عودة القبضة الحازمة بل والباطشة.
يروي خالد محيي الدين أن عبد الناصر برر تمويل الإضرابات والمظاهرات المنددة بالديمقراطية قائلاً: «لما لقيت المسألة مش نافعة أتحرك وكلفني الأمر أربعة آلاف جنيه، انتم اتحركتم في الفرسان وأنا رديت عليكم، واحدة بواحدة ونبقى خالصين»، يقر خالد بأثر تلك التصرفات في تسريع انتصار عبد الناصر، لكنه يؤكد أن انتصاره لم يكن سيتحقق لو لم يكن مستنداً إلى دعم قطاع مهم من الطبقة الوسطى المسيطر على أجهزة الدولة تجاوب مع شعار (إما الثورة وإما الديمقراطية) خوفاً من الفوضى ورغبة في الاستقرار، وقطاعات كبيرة من الجماهير الشعبية التي خافت من عودة نفوذ كبار الملاك والتراجع عن قانون الإصلاح الزراعي ومكاسب العمال، فضلاً عن التفاف أغلب ضباط الجيش حول عبد الناصر بعد فزعهم من الحملة الضارية التي شنتها صحف «المصري» و«الجمهور المصري» و«روز اليوسف» للمطالبة بعودة الجيش إلى ثكناته ومحاكمة الضباط المرتكبين للأخطاء، فأشعرهم ذلك أن مصيرهم مهدد.
يضيف خالد إلى ذلك كله الدعم الذي تلقاه عبد الناصر من شخصيات مهمة مثل عبد الرازق السنهوري وسليمان حافظ وفتحي رضوان، وعدد من أساتذة الجامعات على رأسهم سيد صبري وراشد البراوي وتشجيعهم الضباط على تحدي الدستور والديمقراطية، بحجة أن الثورة لها قانونها الخاص، وتشجيع جماعة الإخوان لضرب كل القوى السياسية الأخرى، على أمل أن يتمكنوا لاحقاً من احتواء الثورة، «ناسين أن افتقاد الديمقراطية قد ينقلب وبالاً عليهم، وقد انقلب بالفعل وبالاً عليهم وعنفاً ضدهم»، ثم دعم كبار الصحافيين الذين روجوا للأفكار المعادية للديمقراطية، في حين لم تكن هناك تحركات شعبية داعمة للديمقراطية، سوى تحركات محدودة في الجامعة، في الوقت الذي استسلمت فيه الأحزاب السياسية «استسلاماً مثيراً للدهشة شجع الضباط على المضي في طريقهم»، وحين تغيرت مواقف محمد نجيب والإخوان وعادوا للعب بورقة الديمقراطية كان الوقت قد فات، ولم يعد لمواقفهم تلك أي مصداقية شعبية، ما سهل ضربهم رغم شعبيتهم السابقة.
تحت عنوان «مأساة أن تكون وحدك» يصف خالد محيي الدين مشاعره حين اكتشف خلال زيارة إلى قريته لحضور جنازة عمه، أن أغلب أقاربه وأقارب زوجته ينددون بمواقفه المطالبة بالديمقراطية وضرورة إشراك الجماهير، لتسأله زوجته القلقة عليه: ما هي مصلحتك في أن تقف ضد كل هؤلاء الناس؟ فتذكر عبد الناصر الذي كان يرد باسماً كلما تحدث خالد عن الجماهير: ألا ترى أن الجماهير تؤيدنا؟ ثم يتذكر حين سافر مع الرئيس محمد نجيب لأول مرة في القطار «الملكي» فذُهل من الأبهة الخرافية، وما يحيط الرئيس من سلطة وهيلمان وأبهة ونفاق من الجميع، فيدرك من ساعتها أن صراع جمال وزملائه مع نجيب، لم يكن فقط حول موقف، بل كان صراعاً على السلطة بكل ما تحمله من نفوذ، «كان صراعاً على الاستمتاع بكل هذا الذي رأيت، والذي يتجاوز في فخامته وسلطانه وأبهته كل خيالات ضابط مثلي في مثل سني وتجاربي»، وهو صراع حسمه عبد الناصر لأنه كان يتقن حسابات السلطة وربط طموحاته بقضية سلطات مجلس قيادة الثورة، فاستقطب إلى صفه جميع أعضاء المجلس الذين تصادم معهم نجيب واحداً تلو الآخر، في حين تركز اهتمام نجيب على هيلمان السلطة ومحاولة بناء علاقة مع الجماهير وربط صراعاته بشخصه، فضلاً عن نجاح عبد الناصر في إرسال إشارات مطمئنة للدول الغربية، جعلت الصحافي الفرنسي البارز روجيه استيفان يقول لخالد قبل فترة من حسم الصراع «إن الدوائر الحاكمة في الغرب قررت مساندة جمال ضد نجيب، لأنهم يفضلون جمال لأنه سيكون حاكماً قويا ومتفهماً للأوضاع، أما نجيب فهو حاكم ضعيف وأمثاله سرعان ما يخضعون لضغط الجماهير».
لم يجد خالد محيي الدين من يسانده بعد التنكيل بقيادات سلاح الفرسان، وحين وجد نفسه في مواجهة جهاز الدولة بأكمله تساءل: « كيف أتمسك بالديمقراطية بينما الرأي العام ضعيف وقطاع كبير منه مضلل بنظرية إما الثورة وإما الديمقراطية، وقطاع مهم أيضا كان يخشى على مكتسباته الاجتماعية التي حصل عليها بفضل الثورة»، ولذلك قرر التصالح مع الهزيمة ووافق على السفر خارج البلاد في منصب شرفي، لتعلمه تجربة المنفى ثم الإبعاد والتهميش المستمر بعد عودته إلى مصر، أنه لن يستطيع التحرك إلا في إطار المساحة التي يخصصها له نظام يوليو، وهو ما أوصله في نهاية المطاف إلى الحالة المؤسفة التي ظهر عليها أداؤه السياسي في عهد مبارك، فاستحق سخط أجيال لم يعنِ لها كثيراً موقفه المشرف في بدايات الثورة، حين رأته رغم رصيده السياسي الكبير يوافق على تكريس حالة المعارضة الكرتونية، ويساهم في تفريغ حزب التجمع من معناه، حين انحاز طول الوقت لقيادات كان بعضها يتلقى تعليماته السياسية بالتليفون من قيادات أمن الدولة.
في مذكراته التي لم يصدر جزؤها الثاني، بعد ما أثاره الجزء الأول من ضجة، يتحسر خالد محيي الدين على ضياع الفرصة التي حاول بإخلاص الوصول إليها، في أن تسلك ثورة يوليو نهجاً ثورياً وديمقراطياً في آن، فيحصنها ذلك ضد ما وقعت فيه من أخطاء، ويكتب فكرة شديدة الأهمية حين يقر بأن عبد الناصر انتصر على خصومه في أزمة مارس/آذار 54، «لكنه حكم على مسيرته كلها أن تظل أسيرة لهذا الانتصار»، لأنه لم يدرك أن كسب جولة إسقاط الديمقراطية شيء، وكسب المسار التاريخي شيء آخر، لأن النجاح في السيطرة على السلطة وقتي بالضرورة، ولذلك لم يكتشف عبد الناصر متى تتعين عليه العودة للديمقراطية والتعددية الحزبية، وانساق وراء وهم نجاح التجربة السلطوية، حتى كانت هزيمة 1967 التي يؤكد خالد محيي الدين أنها لم تكن هزيمة عسكرية، بل هزيمة سياسية لنظام فشلت آلياته في اكتشاف ما إذا كانت البلاد جاهزة للحرب أم لا، وحتى حين جاءته فرصة تاريخية بعد الهزيمة لتحقيق الديمقراطية، أضاعها ورفض تقديم أي تنازلات سياسية حقيقية، لأنه لم يدرك حتى اللحظة الأخيرة أن هناك فارقاً كبيراً بين رضاء الشعب عن الحاكم وتأييده له، والمشاركة الفاعلة للشعب في اتخاذ القرار، وهو ما يتكرر الآن في عهد عبد الفتاح السيسي بوتيرة أسرع وبغباوة أشد، وينتج هزائم يومية لا يقاومها الناس، لأن أغلبهم ما زالوا يرفضون تصديق ما فعلوه بأنفسهم، حين صدقوا أنهم ما زالوا يحتاجون إلى من «يشكُمهم».

ـ «والآن أتكلم» ـ خالد محيي الدين ـ مركز الأهرام للدراسات والنشر


«فإنه ملاقيكم»
بلال فضل
Apr 07, 2018

حين يموت أحبابي أتذكر الموت، ولست في ذلك بِدعاً من البشر الذين يهدم الموت لذة إحساسهم باتساع الحياة وطولها، ولذلك أسموه (هادم اللذات)، وهل من لذة أعظم من اعتقادك الدائم أن لديك المتسع من الوقت لتسعد بحياتك أو تحاول تغيير شقائها أو تصلح ما أفسدته منها؟ المشكلة أنني بحكم الظروف تورطت في أن يكون أغلب أصدقائي أكبر سناً، ولذلك أصبحت أتذكر الموت كثيراً في السنوات الأخيرة، مع أنه لم يوفر أسباباً لتذكيري بنفسه في الماضي، ولم يربط نفسه فقط بأعمار متقدمة أو بحالات صحية متأخرة أو بحوادث فاجعة، بل أراني من أسبابه ومفاجآته تشكيلة متنوعة. ومع ذلك فأنا كباقي الخلق أنساه حتى يعاود تذكيري بنفسه، ويدفعني للتفكير في ملابسات المرة التي سيزورني فيها شخصياً، فأبدأ في التفكير في ما ينبغي أن أعده لتلك الزيارة الحتمية، ثم تلهيني الحياة فأنسى، وحين يموت أحبابي أتذكر.
في مرحلة ما من الحياة، تكون عفيّاً أو «تستعفي نفسك»، فيحلو لك أن تعبث مع فكرة الموت، وتسخر ممن يحضرهم التفكير فيه كثيراً. كان الكوميديان الجميل علاء ولي الدين من هؤلاء، كان يحدث كل أصدقائه عن إحساسه بدنو الأجل، ربما بسبب الأمراض التي كانت تضنيه، أو لما كان يثقل قلبه من أحزان، ومع ذلك لم يصدق أحد منا أنه مات، حتى حين وقفنا على قبره. ما زلت أذكر المكان العالي الذي وقفت فيه، وأنا أراهم يدخلون بجثمانه إلى القبر، تعثر أحدهم على سلم المقبرة، فتذكرت مرة كان علاء قد بدأ فيها «ريجيما» قاسياً تحت إشراف طبيب، ووسط سخرية البعض من «هيافة» ما كان يأكله من عبوة أعدها مركز غذائي ملحق بعيادة الطبيب. قال علاء إنه حريص على إنقاص وزنه هذه المرة، ليسهل مهمة من سيحملون جثمانه حين يتوفى، لكي لا يجربوا معاناة من حملوه في مشهد المظاهرة الشهير في فيلم «الناظر»، ومن يومها كلما شاركت في جنازة أو رأيت صوراً لها أو بدأت في «ريجيم»، أتذكر علاء وأقرأ له الفاتحة، وأقول لنفسي إن على الإنسان أن لا يثقل على من يحب في موته كما أثقل عليهم في حياته، مع أن الحزن الذي فجعنا بعد رحيل علاء، جعلنا نذهل عن كل شيء ونحن نحمل جثمانه. ومع أنهم يقولون إن الموت يثقل الأجساد ويفرغها من خفّتها، إلا أنني لا أذكر أن كتفي شعر بفرق بين التابوت الذي حمل جثمان عم أحمد فؤاد نجم أنحف من عرفت، وبين جثمان علاء ولي الدين، لأن الحزن في الحالتين كان مذهلاً لكل من كان حولي عن أنفسهم وأكتافهم. ولذلك أصبحت أرى أن على الإنسان إن فشل في إنقاص وزنه، أن يترك خلفه محبين صادقين يذهلهم حزنهم عن ثقل جثمانه، أو يترك خلفه «قرشين زيادة» تكفي للاتفاق مع غِلاظٍ شدادٍ، يكفون أحباءه عناء حمله، ويسهلون لهم التفرغ الكامل للحزن.
في مرحلة تالية من الحياة تكون أكثر تصدعاً، فتكتشف أن الموت مرتبط بتفاصيل «لوجستية» يجب أن تحسب حسابها جيداً، على مدى سنوات طويلة. وعلى كثرة ما شهدته من وفيات فاجعة لأصدقاء دراسة وعمل «من دوري وسني»، لا أذكر أنني شغلت نفسي بالتساؤل عن المكان الذي سأدفن فيه، ربما لأنني حين حضرت دفن جدتي في مدافن راس العمود بالإسكندرية، فهمت أن كل من يموت من عائلتنا، يمكن أن يدفن هناك «إن أحب». وحين عبرت سن الخامسة والثلاثين، وفي إطار خطة شاملة لتغيير حياتي، قررت أن أكتب وصيتي، وقلت لزوجتي أنني سأوصي بدفني إلى جوار جدتي، قريباً من المنطقة التي عشت فيها أجمل أيام حياتي، وأنها ستكون فرصة لكي تقضي الأسرة «يومين في اسكندرية» كلما فكرت في زيارتي. ولأن زوجتي خاضت معي مراراً، بكسر الميم وفتحها، حوارات من نوعية «ربنا يجعل يومي قبل يومِك» وما يرتبط بها من ميلودراما، فقد اكتفت بالصمت. المشكلة أنني حين غيرت رأيي، وأصبحت أعتقد أن الإنسان يجب أن يدفن في المكان الذي توافيه فيه المنية، دون أي تعقيدات يحملها للآخرين، تذكرت أن وصيتي مودعة في خزانة عصام سلطان صديقي ومحاميّ، وأن عصام شفاه الله مدفون بالحياة في سجون السيسي، ولا أحد يهتم بالدفاع عن حقه في الحرية والمعاملة الكريمة، مثله مثل آلاف سجناء الرأي الذين لم تثبت علاقتهم بالإرهاب ولم يخضعوا لمحاكمات عادلة، والذين يعتقد الملايين في بلادنا أن بقاءهم مرميين في السجون سيجلب لهم الأمن والتقدم، وهم على أي حال ألطف وأرق من ملايين أكثر عدداً يعتقدون أن قتلهم الفوري هو الذي سيجلب الأمن والتقدم.
كانت فكرتي عن المكان الذي يجب أن يدفن فيه الإنسان قد بدأت في التغير، حين خضت في عام 2011 رحلة البحث عن قبر عبد الله النديم في مقابر اسطنبول، مجدداً دعوات قديمة متكررة بإعادة جثمانه إلى مصر، وحين فشلت المهمة التي كتبت تفاصيلها من قبل، وحان أوان مغادرتي اسطنبول، نظرت إلى مياه البوسفور من فوق تلة في مدافن يحيى أفندي تغص بالقبور والأشجار، وقلت لنفسي وأنا أستنشق الهواء العليل أن النديم الذي أحببته، لو رآني الآن لقال إن من الحماقة أن يغادر الإنسان «طربة ترد الروح» مثل هذه، ليدفن في مقابر ستة أكتوبر القبيحة التي تعجز عن التنفس فيها كلما هب الهواء، قلت لزوجتي التي شاركتني المهمة ونحن نهبط تلة المقابر، أنني سأكون ممتناً لأي مجدد فقهي يبيح إدخال نظام الحرق بعد الموت، تأسياً بإخوتنا البوذيين ومن لفّ لفهم، لأن ذلك كان سيحل مشكلة النديم بعد فشل وساطات دفنه في مصر، فقد كان سيجد بالتأكيد من يتحمس لتهريب رماده في جرة، ينثر ما بها في الأماكن التي يحب أن يبقى فيها جسده إلى يوم يُبعثون. ولأن زوجتي خاضت معي من قبل حوارات عبثية عن أفكاري البديلة للعزاء التقليدي، الذي تمنيته أن يكون برنامجاً منوعاً يبدأ وينتهي بالقرآن الكريم بصوتي مصطفى إسماعيل والمنشاوي، يتخلله إذاعة الأغاني التي أحبها الفقيد وعرض مقاطع من أفلامه المفضلة وقراءة صفحات من الكتب التي يحب إعادة قراءتها، لذلك لم تعلق وقالت مبتسمة إن أفكاري رائعة، وأنني يجب أن أعرضها فوراً على أسرة أول صديق توافيه المنية، لأنهم سيسعدون بها جداً.
حين كتبت قبل أيام أرثي العزيز الغالي د. أحمد خالد توفيق، والذي كان أيضاً من أصدقائي الذين تحضر لديهم سيرة الموت كثيراً، بسبب ظروفه الصحية، وبسبب فهمه لحقيقة الحياة وإدراكه لهشاشتها، تلقيت رسالة من مواطن سيساوي شريف، هاجم فيها الراحل الكريم لأنه أدان مذبحة رابعة وتطاول على الذات السيساوية العلية، ثم ختم رسالته الدافئة بأنه يتمنى أن أموت خارج مصر، وألا أنال شرف الدفن فيها. لم تكن الرسالة مفاجئة لي، لأنني تلقيت رسائل مماثلة في مناسبات مختلفة، أعتبرها إطراءً أتمنى أن أستحقه، لأنها تعني أنني أحدثت أثراً عميقاً في نفوس الراسلين وشخصياتهم، وأنهم باتوا يهتمون بمصيري أكثر مما أهتم به، ولذلك تنبهت أنني منذ أقمت في نيويورك، لم أفكر أبداً في أسعار مدافنها، مع أنني أمر في طريقي إلى العمل على واحدة من أجمل مقابرها، لعلك شاهدته في بعض الأفلام، أعني مقبرة كالفاري «الرائعة» التي تطل على مشهد ناطحات سحاب مانهاتن الشهير.
وحين سألت صديقاً أستشيره في بواطن الأمور، قال متبرماً لأنه لا يحب سيرة الموت، أنها مقبرة لا مكان فيها للمسلمين الذين تقع مدافنهم في نيوجرسي، فتذكرت صديقاً فلسطينياً ذهب لزيارة قبر رفيقه في النضال الذي ارتاح من كرم الأنظمة العربية وحفاوتها الدائمة بالفلسطينيين، فعاش في نيويورك ومات في نيوجرسي. كان صديقي متأثراً جداً بزيارة قبر رفيقه، وحين سألته عن وصف المدافن قال إن الخضرة حولها خلابة وأنه مر في طريقه إليها بأكثر من نهر وبحيرة، وأن صديقه ربما اختار ذلك المكان الجميل بالذات، ليستمتع بالرحلة كل من يزوره، ومع ذلك لم أقتنع بالفكرة، وقلت لزوجتي إنني سأبحث أكثر في ملابسات ترحيل المسلمين إلى مقابر نيوجرسي، واستبعادهم من مقابر نيويورك، التي تثير انبهاري كلما زرتها أو عبرت إلى جوارها، وأن هذا التمييز لا يجب أن يقبل بسهولة، لكي تتسع قائمة المدافن، التي يختار منها أهالي وأحباء من شغلهم الإفلات من فخاخ الحياة، أكثر من الانشغال بترتيبات الموت المباغت. ولأنني أرهقت زوجتي في السنوات الماضية بتذكر الذين فقدتهم فجأة، وبذكر ما أتمنى أن أكمله قبل أن أموت فجأة، لم تعلق واكتفت بالدعاء أن يلهمها الله الصبر وطولة البال، في الحياة قبل الممات.
«ما نجيلكوش في حاجة وحشة».
♪♫.. الادارة..♫♪
avatar
رسالة sms : سيرى ببطئ ياحياة
لكى أراك بكامل النقصان حولى
كم نسيتك فى خضمك
باحثا عنى وعنك
وكلما أدركت سرا منك
قلت بقسوة
مأجهلك!!!!
ذكر
عدد المساهمات : 10405
الاٍقامة : وراء الأفق حيث لاشئ سواى وحبيبتى
العمل : مهندس
نوسا البحر :
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
2018-06-12, 5:29 am
صفحة من تاريخ الوشاة
بلال فضل
Mar 16, 2018

حدث ذلك في يوم من أيام 1924، ذهبت فيه مجموعة من طلاب كلية الحقوق في الجامعة المصرية، لزيارة ليمان طرة، أشهر سجون مصر، ضمن فعاليات دورة تدريبية صحبهم فيها أستاذ القانون الجنائي، وخلال تجوالهم في أرجاء السجن، قال لهم مديره، إنه متردد في السماح لهم بزيارة قسم صناعة السِّلال، لأن هناك مسجوناً سياسياً يعمل فيه، كان من زملائهم في الكلية، هو السجين عبد الفتاح عنايت، الذي كان يقضي عقوبة الأشغال الشاقة المؤبدة، لاتهامه باغتيال السيردار لي ستاك القائد الإنكليزي للجيش المصري، رغم أن عبد الفتاح عنايت نفسه كان قد طلب من المأمور أن يسمح له برؤية زملائه السابقين، فقال الزائرون للمأمور إنهم يرغبون في رؤية زميلهم الذي يفتخرون به وبنضاله، لكن عبد الفتاح عنايت حين رأى زملاءه لم يتمالك مشاعره، وانهار في البكاء، فطلب مدير السجن المتعاطف معه من زملائه أن يغادروا قسم صناعة السلال مسرعين، تاركين عنايت لدموعه ولسلة كان قد بدأ في صناعتها.
لم تغادر تلك الذكرى ذهن محمود كامل المحامي والصحافي والكاتب المسرحي أيضاً، وحين أصدر في عام 1935 عدداً خاصاً عن البوليس المصري من مجلة «الجامعة» التي أنشأها وكانت تلاقي نجاحاً كبيراً في أوساط الشباب، قرر عمل حوار مع سليم زكي رئيس القسم السياسي في محافظة القاهرة، الذي تمخضت عنه بعد ذلك أشهر الأجهزة الأمنية المتخصصة في قمع السياسيين جيلاً بعد جيل، ليسأله عن طبيعة عمل ذلك القسم الذي بدأ نشاطه بشكل منظم في مطلع عام 1924، وتسبب في القبض على عدد من زملاء محمود وأساتذته بتهم سياسية، فقال سليم زكي إن القسم مشغول الآن بمراقبة الأرمن المقيمين في مصر، خاصة المنتمين منهم لأحزاب سياسية، ومراقبة الشيوعيين، سواء الأجانب الذين يتم نفيهم من مصر قبل محاكمتهم، أو المصريين الذين يتم إحالتهم إلى المحاكمة بعد «ثبوت إدانتهم ببث الدعوة الشيوعية»، ومراقبة الفوضويين الذين يدعون لعدم الاعتراف بالحكومات والسعي لقلبها وعدم الاعتراف بالملكية، واعتبارها سرقة «وهم قليلو العدد جداً».
حين سأله محمود كامل عن أبرز الطرق التي يتوصل بها رجال القسم لكشف المؤامرات السياسية، أجابه سليم زكي، إن ذلك يتم بواسطة المرشدين، وضرب مثلاً بأشهر القضايا التي أنجزها ذلك القسم، وهي قضية القبض على المشاركين في اغتيال السيردار لي ستاك، التي اعتمد فيها القسم على المرشد نجيب الهلباوي، الذي كان سليم يعلم صداقته بالأخوين عبد الرزاق وعبد الفتاح عنايت، حيث اتفق معه على استئجار غرفة في أحد بنسيونات القاهرة، ثم تم تكليف الصاغ حمدي مساعد سليم باستئجار الغرفة المجاورة، والاستماع من خلال الباب الفاصل بينهما إلى الحديث الذي يديره الهلباوي مع الأخوين عنايت، وتم استحضار قنابل من الجيش الإنكليزي، تم إخراج البارود منها وإعطاؤها لنجيب، لكي يستخدمها في إقناع الأخوين عنايت بخطورته، قبل أن يحدثهما عن سخطه على الذين قاموا بقتل السردار لما تسببوا فيه من أضرار لمصر، فيضطرهما إلى الدفاع عما جرى، ليقوما بعد ذلك بحكم صداقتهم القديمة، بمصارحته باشتراكهما في القتل، فيظهر لهما رغبته في زيارة قبر مصطفى حمدي أحد الذين شاركوا في الاغتيالات السياسية، ومات متأثراً بجراحه أثناء تدريبه على إلقاء القنابل في جبل المقطم، وتم دفنه في قبر ظل يبحث عنه رجال البوليس عبثاً، وبالفعل أرشداه إلى مقر ذلك القبر، ليتوصل إليه البوليس أخيراً.
في اليوم التالي، تم القبض على محمود إسماعيل أحد المشاركين في القضية، الذين تم الحكم عليهم بالإعدام في ما بعد، وتم استدعاء الصحافيين لتصويره وهو يدخل إلى مقر وزارة الداخلية التي كان إسماعيل صدقي وزيرها آنذاك، وتم تصويره بعد خروجه من مكتب الوزير وإلى جانبه راسل باشا الحكمدار الإنكليزي للقاهرة، الذي وقف أمام الصحافيين مبتسماً، وحين سأل الصحافيون سليم زكي عن سر ابتسامة راسل باشا، قال لهم إن محمود اعترف بأسماء كل شركائه في قتل السردار، ولم يكن ذلك صحيحاً، لكن الصحف نشرت الخبر، وقام سليم بتكليف أحد رجاله بالتنكر في زي بائع صحف وطلب منه التوجه إلى مدرسة الحقوق التي كان عبد الرزاق عنايت طالبا بها، لينادي أمامها «اكتشاف قتلة السردار، اعتراف محمود اسماعيل، تفتيش بيوت المتهمين»، فاشترى عبد الرزاق نسخة، واتجه إلى منزل محمود راشد أحد شركائه، فوجد البوليس محيطاً بالمنزل، فتأكد من صحة ما نشر عن اعتراف محمود، الذي كان في الحقيقة لا يزال صامداً ورافضاً التعاون. في الوقت نفسه اقترح المخبر نجيب الهلباوي على الأخوين عنايت فكرة الهروب بالأسلحة التي استعملاها في قتل السردار، إلى طرابلس عن طريق سكة حديد مريوط، وحين اقتنعا بالفكرة وبدآ في تنفيذها، أبلغ الهلباوي القسم السياسي بذلك، فسافر سليم وإنجرام بك مساعد الحكمدار إلى الإسكندرية بطائرة حربية إنكليزية، وكلف سليم مساعده بتتبع الهلباوي مع المتهمين الهاربين، ليتم ضبطهما متلبسين بالأسلحة بعد أن أخرجاها من مخبئها، ويحكم بالإعدام على أحدهما، وبالأشغال الشاقة على الآخر.
فجّر سليم زكي مفاجأة في حواره مع محمود كامل، حين قال له إن قيام القسم السياسي بالقبض على المتهمين في عام 1924، كان يمكن أن يحدث في عام 1921، بعد اغتيال السردار مباشرة، لولا أن البوليس تعرض لخداع استراتيجي من عبد العزيز راشد، أخو محمود راشد الذي أعدم في حادثة السردار، حيث ذهب إلى سليم بنفسه، وأخبره أنه علم بأن شخصاً يُدعى مصطفى الخيال، يقوم بصنع القنابل التي يُقتل بها الإنكليز، ففتش البوليس السياسي منزله بدقة، فلم يعثروا على شيء، لكنهم عند خروجهم من المنزل، وجدوا قنبلة ملقاة خلف باب المنزل الخارجي، ففهم سليم أن تلك القنبلة دُسّت بواسطة عبد العزيز، الذي اتضح أنه كان مرشداً كاذباً، لكن سليم لم يقم بإطالة مدة القبض على عبد العزيز، بل قام بتسهيل الإفراج عنه، ثم طلب من صديق لعبد العزيز أن يراقبه هو ومحمود، ويبلغه بمدى اتصالهما بحركة صنع القنابل، واتفق معه على أن يحتفظ دائما بعلبة سجاير، ليس فيها سوى سيجارة واحدة، فإذا وجد أن هناك قنابل أو مواد لتصنيع القنابل داخل منزل الأخوين راشد، يقوم برمي العلبة من النافذة، ووقتها لن يشك فيه أحدهما، لأنه يرمي علبة فارغة من السجائر، بعد أن أخذ منها السيجارة الأخيرة، وبالفعل قام المرشد بذلك، ليداهم البوليس السياسي المنزل، ويعثر فيه على قنابل وأسلحة، وتم تقديم عبد العزيز الذي كان موجوداً لوحده إلى محكمة الجنايات، وتمت إدانته، لكن البوليس لم يتمكن من القبض على محمود وباقي أصدقائه، ليتضح أن قتل السردار الإنكليزي تم بأسلحة مشابهة لتلك التي وجدت في منزل الشقيقين عبد العزيز ومحمود راشد، ولتتسبب خيانة المرشد نجيب الهلباوي بعد ذلك في إسقاط من بقي هارباً منهم، فيتعرض بعضهم للإعدام، وبعضهم للسجن، ويتعرض الجميع للنسيان في مصر التي لا تكف عن إنجاب الأبطال والجلادين والوشاة.

ـ «يوميات محام: صور من حياة مصر القضائية والاجتماعية والأدبية» محمود كامل المحامي ـ سلسلة كتاب اليوم عدد يوليو/تموز 1984


«لازم نعيش»
بلال فضل
Jan 06, 2018

يا عم محمد: والله العظيم لم أتجاهل رسالتك ولم أتعال عليها، وكل ما في الأمر أنني كنت وقت تلقيها مرهقا ومكسور النِفس، بعد أن فُجعت بوفاة أقرب وأحبّ أساتذتي، ليمضي عام وعشرة أشهر دون كتابة، لذلك لم يكن ممكناً حين أعاود الكتابة، ألا أبدأها بالرد على رسالتك التي اتهمتني بالتعالي عليها وعليك، ليس لتصحيح صورتي لديك، فلعلك تدرك أن رضا الناس كان في الأزمنة الهادئة غاية لا تُدرك، فكيف يطلبه عاقل في هذه الأزمنة الخماسينية التي يستسهل الناس فيها فش غلهم فيمن استطاعوا إليه سبيلاً، بل لأن رسالتك الهادئة على قصرها ظلت تشغلني طويلاً، كلما فكرت في مشاعر ومصائر ملايين المصريين الذين أيدوا الوضع القائم في مصر، منذ أن ركب عبد الفتاح السيسي السلطة، ليس لأنهم بالضرورة عشقوا طلعته البهية، أو أيقنوا بعبقريته الجليّة، بل لأنهم رغبوا في أن تنتهي حالة الخوف والغموض والقلق التي عاشوا فيها منذ لحظات يناير الأولى.
كنت أرى هؤلاء الكتلة الأهم من المصريين، والأكثر تأثيراً من كُتَل الأفاّقين وأصحاب المصالح وهواة التعريص المدفوع أو المجاني، وفي اعتقادي لم يكن لهؤلاء مشكلة حقيقية مع خلع ثورة يناير لمبارك، طالما استقرت البلد سريعاً واستعادت أموالها المنهوبة لتوزع على الجميع بالعدل، لم يكن لديهم رهان على الأصوات الثورية ليس لكراهيتهم الفطرية لها، بل لعدم امتلاكها قوة ملموسة حاسمة، لم يكن لديهم مشكلة في تصدر الإخوان والسلفيين والمجلس العسكري للمشهد، طالما سينجح هؤلاء معاً أو منفردين في تحقيق الاستقرار وإخراس أصوات المظاهرات المزعجة والموتّرة، ولما بدا لهم أن حكم الإخوان لن يكون جالباً للاستقرار، بل سيتسبب في مزيد من الأزمات، وساعدهم الإخوان بعدد من الحماقات والخطايا على تأكيد ذلك الانطباع، انفضوا عنهم حالمين بعودة حاكم شاكم مخلص مسيطر، وحين توسّموا ذلك في السيسي أيدوه وفوّضوه وحاربوا من أجله في الشوارع والمقاهي والميكروباصات ومواقع التواصل الاجتماعي.
يصعب أن ألخص بمنتهى الدقة وقائع سنوات حافلة في سطور قليلة، لكن رسالتك كانت أقدر على تلخيص موقف هذه الكتلة العريضة التي تنتمي إليها، حين قلت فيها: «باختصار إزاحة الجيش عن السياسة يلزمه وجود بديل فاعل وقادر على إدارة مصر، خاب أملنا في الإخوان، وخاب أملنا في تيارات الثورة ولازم نعيش». لا أظنك غيّرت رأيك بالكامل بعد كل ما جرى من كوارث وإخفاقات خلال العامين الماضيين. عندي من حسن الظن فيك ما يجعلني أفصلك عن زمرة المهاويس الذين يرفضون الاعتراف بوجود أي كوارث وإخفاقات، وإن اعترفوا ببعض ما يستحيل إنكاره، رأوا فيه نعمة مخفية الحكمة، كأمر سيدنا إبراهيم بذبح ابنه اسماعيل. بل أظنك قد ذقت الأمرّين بفعل السياسات الخرقاء، التي خسفت بمدخراتك الأرض، وزادت أيامك ولياليك أزمات وديوناً وهموماً، إلا أني لا أظنك تبادر إلى إعلان معارضتك للسيسي، أو تؤيد الإطاحة به، فأنت في ظني لم تذكر اسم السيسي في ما كتبته، لأنك أصبحت تدرك أنه لا يمثل شخصه فقط، بل يمثل تحالفاً من جنرالات المؤسسة العسكرية ولواءات المخابرات والشرطة ومستشاري القضاء والأذرع الإقتصادية والدلاديل الإعلامية، وهذا التحالف المدعوم من قوى إقليمية ودولية، يمكن أن يفتك بشخص السيسي نفسه لو وقف ضد مصالح هذا التحالف، وربما استبدله بغيره على الفور، ولعلك تدرك أن محاولة التخلص الكامل من هذا التحالف ستكلف أثمانا باهظة لن تقوى البلد المهترئة على دفعها ولن يساعدك على أن تعيش، وهو ما يدفع رموز هذا التحالف الحاكم وأبواقه للحديث الدائم عما جرى في سوريا وليبيا واليمن بوصفه عبرة وعظة، فضلا عن الاستغلال المستمر للجرائم الإرهابية كوقود يجدد إشعال نيران الخوف من المجهول، كلما قاربت رياح السخط على إطفائها.
نعم، قد يجادلك إخواني ساخط في صحة شعورك بالخيبة من الإخوان، لأنهم لم ينالوا فرصة لائقة للحكم، وقد أحاججك في شعورك بالخيبة من تيارات الثورة، التي تعرضت لحملات قمعية وتشويهية شارك فيها الإخوان أنفسهم خلال أيام نفوذهم، لكن كل هذا ستتضاءل قيمته أمام آخر كلمتين ختمت بهما رسالتك: «لازم نعيش»، وهو ما تدركه سلطة السيسي جيدا، ولذلك لا تمل من تكرار الرسائل الواضحة «القارحة» للمصريين بأن مجرد بقاءهم على قيد الحياة، نعمة يجب أن يشكروا السيسي عليها، ولذلك يجري الضرب بأرجلٍ من حديد في محاشم وعلى أدمغة من يحاول أن يثبت للناس أن هناك بدائل عملية، غير مجرد بقاءهم على قيد الحياة، يستوي في ذلك أن يكون من رموز نظام مبارك، أو من رموز الثورة على مبارك، ولذلك تُستحكم قبضة التكويش على وسائل الإعلام لكي لا يتسرب منها بصيص وعي أو نقد، ولذلك تتم «تربية» الكتاب والإعلاميين والسياسيين الذين سبق أن باركوا قمع السيسي، وتتم مساومتهم على حياتهم ومصالحهم، ليصبح أمامهم إما التواري عن المشهد، أو أداء ما يطلب منهم بكل رُخص وفجاجة، ولذلك تستمر وطأة القمع الممنهج الذي يحسبه البعض عشوائياً من فرط غباوته وعناده، ولذلك يعود النظام ـ بعد غشومية دونالد ترامب ـ إلى لعبة التذاكي في استخدام ثنائية الحنجورية العلنية والانبطاح السري التي ابتدعها نظام مبارك من قبله، وأظنك وسط كل هذه المعجنة، تقرر أحيانا متابعة ما يجري على أمل أن تجد ما يبل ريقك، وتُفضِّل في أحيان أخرى الهروب نحو ما يفصلك عن الواقع، وأنت تردد لنفسك في الحالتين: «لازم نعيش».
يا عم محمد: لست من هواة الاستعلاء الأحمق، لأحاضرك عن فضائل الحرية التي لا يطيب بدونها العيش أياً كان الثمن، ولست من محترفي التنجيم السياسي، لأجزم باقتراب سقوط نظام يتصور دوام بقائه بفعل البطش، لتشرق من بعده شمس الحرية والعدالة، ولم أفقد ضميري بعد لأطالبك بدفع أثمانٍ لا طاقة لك بها، ولا أشعر أبدا بأفضلية متوهمة عليك، وعلى عكس ما تظن، سأسعد لو كان اختيارك صائباً وتمكنت من العيش فعلاً. وللأسف إن سألتني عن المستقبل القريب، لن أكذب عليك، ليست لدي إجابات نموذجية قاطعة، وأحسد الممتلئين باليقين في قدرتهم على صُنع عالم أفضل، وتشغلني أسئلة مربكة عن جدوى الديمقراطية الإنتخابية إذا لم تضمن عدم استبداد الواصلين إلى الحكم بمعارضيهم، وعن قدرة المواطن العادي ـ في عالم تتحكم فيه الماكينات الإعلامية الممولة ـ على القيام باختيارات سياسية لا تتحكم فيها غرائزه ومخاوفه.
لكنني برغم كل ما أعيشه من حيرة وأسى، أفكر أن هذه الفترة العصيبة التي يعيشها العالم، ربما كانت فرصة أخيرة، لكي نستعيد تعرفنا على حقائق جرّبتها شعوب كثيرة قبلنا، لكنها غابت عنّا، تحت وطأة السعي المتوهّم للحسم، تحت رغبتنا الملحة في أن نكون جزءاً من كُلٍ أكبر ننتمي إليه. فرصة لكي ندرك أنه ربما لا تكون الاختيارات الأخلاقية في السياسة مثالية بلهاء، بل هي الطريقة الواقعية لاستمرار الحياة بأقل خسائر ممكنة، فإذا لم نكن قادرين على دفع ثمنها كمواطنين، فلسنا مجبرين على التواطؤ العلني مع القتلة والجلادين، وإذا لم نستطع إيقاف الظلم والإعدامات والتصفيات والإخفاءات القسرية والتلاعب بالعدالة، فلسنا مجبرين على تبرير ذلك والاحتفاء العلني به، حتى وأن وقع على من نكرهه.
ربما ندرك يا عم محمد تحت وطأة الواقع الأليم، أن استسهال مباركة الوضع القائم لعلّنا نعيش، ليس سوى مساهمة خرقاء في صناعة أسباب جديدة لموتٍ أكيد، سيجد فينا هدفاً أسهل من جلادينا. ربما سنبقى طويلاً عائمين ومهددين بالغرق في الوقت نفسه. ربما تنجينا جينات التعايش الأزلي مع الفشل التي ورثناها عن أجدادنا. ربما كان علينا قبل كل شيء التوقف عن تصورنا أن تغيير الواقع سهل، لأن ذلك التصور دفعنا دائما نحو مسارات متسرعة خاطئة. ربما كان التغيير يتطلب أولاً أن نواجه أنفسنا بحقائق الأشياء، مهما بدت كئيبة ومريرة. ربما كانت المشكلة في إيماننا الدائم بنون الجماعة مع أنها تخفي خلفها انحيازات فردية ضيقة الأفق. ربما كانت بداية الطريق اللازم لكي نعيش، ألا نتصالح مع العيش على جثث ودموع ومظالم غيرنا، حتى ولو لم يوافقنا الجميع على ذلك الاختيار الصعب.
يا عم محمد: سلام الله عليك وعلى مصر البعيدة.

من يوميات أب تحت التمرين: الأصدقاء
بلال فضل
Mar 17, 2018

أصعب ما في الأبوة عندي، أنك مطالب بالجمع بين سلوكين نقيضين، الأول أن تروي لأبنائك ما تعلمته في الحياة، لكي يستفيدوا منه ويتجنبوا تكرار ما وقعت فيه من خطايا وأخطاء، والثاني أن لا تقوم التجارب التي تحكيها والدروس التي استفدتها بحرق فيلم الحياة لهم، فتفسد ولو قليلاً فرصتهم في مواجهة الحياة والتعلم منها بأنفسهم، دون توقعات مرئية ولا مصادر عليمة.
إذا كنت تظن أن توصيف الأمر كما فعلتُ الآن سهل التطبيق، فأنت بالتأكيد لم تصبح أباً بعد، ولذلك لا تدرك كم هي مريرة ومؤلمة مجاهدتك لكتمان الضحك العالي المصحوب بشخرات حادة متقطعة، حين تسمع صوتك وهو يحدث أبناءك عن أهمية المذاكرة والاجتهاد فيها، لأن أحداً ـ بمن في ذلك أبناؤك ـ لن يفهمك بشكل سليم إذا حدثتهم عن رأيك الحقيقي في التعليم والامتحانات والمدارس والجامعات، وهو مأزق سيتضاعف وسيجر إلى عواقب أوخم، لو فكرت مثلاً أن تقول لأبنائك أن أكثر شيء مبالغ في تقييمه في هذه الحياة الدنيا، هو الصداقة والأصدقاء.
بمناسبة الأصدقاء، نسيت أن أخبرك أن أحد أصدقائي القدامى اللئام أرسل إليّ مستغرباً أنني ما زلت أعتبر نفسي أباً تحت التمرين، بينما بدأت علاقتي بالأبوة منذ 15 سنة، فأدركت من مجرد طرحه للسؤال، جهله العميق بجوهر الأبوة التي سبقني إليها بثلاث سنوات، لأنه لو كان يدرك المعنى الحقيقي للأبوة، لأدرك أنها النشاط الإنساني الوحيد الذي يفترض أن تبقى فيه تحت التمرين طيلة حياتك، لأنك أصبحت مرتبطا بكائن بشري يتغير ويتشكل كل لحظة، ولست مطالباً فقط بأن تدرك هذه التغيرات والتشكلات، بل وأن تتعامل معها إيجابياً دون رفض أو وصاية أو إهمال، ويا سعدك ويا هناك لو قررت أن تكون هذه فرصة لتتغير أنت وتتشكل، أو على الأقل لكي تتعلم من ما تشاهده من تغيرات وتشكلات، وذلك في رأيي ثاني أصعب ما في الأبوة، وهو أجمل ما فيها أيضاً.
دعني أحدثك عن طريقتي كأب في التعامل مع مسألة الصداقة التي ظلت تؤرقني كثيراً، منذ بدأت علاقة بناتي بالمدارس، وأصبح لهن صداقات أكثر جدية وانتظاماً من صداقات النادي والحضانة، صداقات بدأت تتمتع بعنصر جديد على الطفل هو عنصر الاختيار، الذي لم يكن متاحاً في علاقاته بأطفال العائلة والأقارب والجيران، الذين تفتح عينيك على الدنيا فتجدهم حولك، فلا يكون لك في أمرهم حل ولا عقد، على عكس أصدقاء المدرسة الذين تكتشف معهم خصائص في الحياة، لم تكن متاحة لك من قبل، مثل خاصية الاستلطاف والإعجاب، وخاصية الاستغلاس أو الاستثقال، وهي خصائص تكتشف مع ممارستها الفطرية، أنك لست مطالباً بتقديم مبررات مقنعة لاختيارك صداقة هذا ومجافاة ذاك، وأن هذه المساحة ستكون أول مساحة تمتلك فيها حرية اتخاذ قرارك دون أن يكون للكبار دور كبير في ذلك، سيحاولون أحياناً سؤالك عن أسباب عدم استلطافك لابن صديقهم الحميم أو ابنة رئيسهم في العمل، وحين تردد أسبابك في كلمات قصيرة ومكثفة وغامضة من نوعية «ما حبيتوش..غلسة..مش باطيقه.. ريحتها وحشة..مش عايز»، سيكتفي الأهل إن كانوا عقلاء بإبداء الأسف وتمني أن يتغير قرارك، وأحيانا سيغضبون ويشخطون فيك بشكل غريب، لكن الأمر لن يتطور غالباً لإجبارك على مصادقة من يستلطفونه بالعافية والإجبار، لأنهم مهما كانت درجة اتزانهم النفسي والعصبي، إن لم يدركوا استحالة ذلك فسيخشون من عواقبه. كآباء، لا نملك بحكم الظروف القدرة على مراقبة الطريقة التي تنمو بها صداقات أطفالنا مع زملاء دراستهم، حتى حين نكون مدرسين لهم أو عاملين في مدارسهم نفسها، يكون لدينا قدر متزايد من الهموم يشغلنا عن ذلك، ولذلك نفاجأ بأن صداقات أطفالنا أصبحت فجأة وفي زمن قياسي صداقات وثيقة وعميقة، وأن أطفالنا قرروا إعلانها صداقات تاريخية ستستمر حتى نهاية العمر، كم مرة رأيت ابنتك تخبرك بأن فلانة «أفضل صديقة في حياتي»؟ أو وجدت ابنك يحيطك علماً بأن صداقته بفلان هي أهم شيء حصل له في المدرسة الحقيرة التي اخترتها له؟ في العادة، إذا كنا متزنين نفسياً أو نظن أنفسنا كذلك، نبارك ذلك الاختيار ونثني عليه، ونحرص على إبداء ملاحظات تؤكد صحة اختيار طفلنا لصداقته التاريخية، حتى لو كنا نرى عكس ذلك. يعني لن يكون من الحكمة أن تذكر طفلك بأن صديق عمره فلان يمتلك ملامح قاتل تسلسلي، ولا أن تلفت نظر ابنتك إلى أن فلانة صديقتها «مدى الحياة» لا تقوم بتنظيف مناخيرها بانتظام، وأن طيبة ابنتك هي التي تمنعها من رؤية الآثار والحفائر التي تكتظ بها دائماً فتحتا مناخير صديقتها، لذلك ستترك اختبار جدية تلك الصداقات للزمن، وتسأل الله لأطفالك السلامة من انكسار القلوب.
أما إذا كنت تحظى بقدر يسير من عدم الاتزان النفسي، فلا بأس أن تلجأ للسخرية اللطيفة المنضبطة من تعبيرات مثل «في حياتي ـ في عمري»، ولكن دون أن تصل إلى مرحلة «حياتك مين يا أبو شخة ـ عمرك مين يا أهبل»، تلك المرحلة التي كان يفضلها أهلنا وأهاليهم من قبلهم، ولعلك تتذكر كيف كنت تراهم في منتهى السعادة وهم يرددون عبارات كهذه، كأنهم يذكرونك بأنك لا يمكن أن تحظى بالميزة الرائعة التي يستمتعون بها، وهي ميزة أنهم أصبحوا نظرياً أقرب منك إلى القبر.
أعرف أنه من المهم ألا تترك طفلك غارقاً في الأوهام، أو متعلقاً بحبال الزمن المهترئة، لكن يمكن أن توصل المعنى نفسه الذي أوصله لك أهلك، ولكن في إطار وعظي لطيف، يذكر بنسبية الزمن وامتلائه بالمفاجآت المخبوءة التي يستحسن أن نقوم بتحضير أنفسنا لها، لكي لا تأخذنا على أقفيتنا على حين غرة، ويمكن أن تربط ذلك بالمستقبل بطريقة ماكرة، فتقول كلاماً من نوعية: «ربنا يخليكم لبعض وبعدين لسه بكره هتكبر ويبقى ليك صحاب كتير في ثانوي والجامعة والشغل»، ويمكن أن تلتف على ما قد يسببه كلامك من إرباك لحظي، بالعودة مباشرة للثناء على الصديق الذي اختاره طفلك، أو تقوم باحتضانه بدون مناسبة، أو تعطيه مبلغاً نقدياً يتناسب حجمه مع درجة «التلبيخ» التي أحدثتها، وهذه هي الطريقة الأنجع والأكثر تأثيراً في كل المناسبات والتلبيخات.
مع الوقت اكتشفت أنني آخذ مسألة الصداقة بجدية أكثر من بناتي أنفسهن، وأنني كنت سأكون أسعد حالاً، لو كنت احتفظت بتلك الميزة المدهشة التي يتميز بها الأطفال، أعني قدرتهم على خسارة الأصدقاء بسهولة ودون خسائر، واكتساب أصدقاء جدد تشعر أنهم سيدومون للأبد، لعلك تذكر اليوم الذي جاءت فيه طفلتك من المدرسة وهي منهارة وغارقة في الدموع والبرابير، لأن صديقتها «الأنتيم البيستي اللي ما فيش أحلى منها في الدنيا»، اتضح أنها من أوسخ عشرة كائنات في الحياة، أو أنها سافرت بشكل مفاجئ إلى مدينة أخرى، أو أن والدها وأمها تطلقا، فأصبح لزاماً عليها أن تترك المدرسة وتلتحق بمدرسة مجاورة لبيت جدتها، أو لأنهم فصلوها فصلاً نهائياً بعد أن ضبطوها تسرق حقيبة الأبلة، أو تقوم بتقبيل فتى أحلام طفلتك، أو تقوم بتخريب منهجي لكمبيوترات المدرسة، سيكون ذلك اليوم أسود من قرن الخروب وروث وحيد القرن، وسيكون أسوأ ما فيه عجزك عن قول أي كلام منطقي أو عاقل، لأنه لن يجد أذناً صاغية من ابنتك، فضلاً عن أنه سيجلب لك غضب زوجتك التي ستطلب منك أن توفر كلام الحكم والمواعظ لوقت آخر، وتتصرف في هذه المصيبة، وكعادة الزوجات فهي لن تحدد لك ما الذي يجب أن تفعله، هل تقوم بمصالحة والدَي صديقة ابنتك، أو تذهب لتغيير قرار والدها في الانتقال من المدينة، أو تكلم وزير التعليم لإلغاء قرار الفصل، أو تفعل شيئاً سحرياً يعيد لصديقة ابنتك بهاءها المفقود، وستكتشف حينها أن أحضان الأمهات أكثر إقناعاً من أحضان الآباء في لحظات الحزن العميقة، وستدعو الله أن يلهمك باستدعاء مفاجئ من الشغل أو كاذب من الأصدقاء، لتبرر به خروجك السريع من أجواء البيت المكهربة.
إذا كنت صاحب ضمير يقظ، ستفكر طويلاً في ما يمكن فعله لتحسين مهاراتك في التواصل مع ابنتك حين تكون حزينة أو عميقة، بعيداً عن الوعظ الفارغ أو كلام التنمية البشرية الخائب أو ضرب اللخمة الذي يزيدها حزناً ويزيدك توتراً، وفي الغالب الأعم لن يطول تفكيرك، لأن ابنتك ستعود من المدرسة بعدها بيوم أو يومين بالكثير، لتريك بمنتهى السعادة صورة صديقة عمرها الجديدة، التي لن تسمح لأحد بأن يفرق بينهما، ولن يكون من الذكاء أبداً أن تفخر بقوة ذاكرتك، فتسألها «مش دي اللي اتوقفتي يومين من المدرسة قبل أسبوعين عشان شديتيها من شعرها؟»، فلن يكون بمقدورك سوى أن تبارك الاختيار الجديد وأنت ساكت، ثم تسأل الله لك ولها السلامة من انكسار القلب.

تناتيش ونغابيش
بلال فضل
Mar 10, 2018

ـ حين يصبح ميزان القوة مائلاً نحو كفة المحصّنين من العقاب بفضل نفوذهم أو ثروتهم أو عِرقهم أو دينهم أو جنسهم، يكون الحفاظ على الذاكرة الوسيلة الوحيدة المتاحة للمظلومين. سيبقى هذا المعنى معك طويلاً، بعد أن تشاهد فيلم «سترونغ آيلاند» الذي تم ترشيحه لجائزة أوسكار أحسن فيلم وثائقي، وأخرجته وأنتجته الأمريكية يانسي فورد، لتحكي فيه قصة قتل شقيقها ويليام عام 1992، قبل أيام من حصوله على الوظيفة التي كان يحلم بها، وصام من أجلها 32 يوماً، لينقص وزنه ويصبح لائقاً لمعايير الوظيفة. قُتل ويليام برصاصة في قلبه، لأنه رد على الإهانة التي وجهها لأمه ميكانيكي سيارات أبيض، ولأن ويليام كان أسود البشرة وضخم الجثة، فقد مالت هيئة المحلفين الكبرى المكونة من 23 مواطنا أبيض اللون، إلى اعتبار الواقعة دفاعاً مشروعاً عن النفس، وخرج القاتل من القضية بكل بساطة، في أعقاب محاكمة هزلية سريعة، كان أكثر ما أوجع قلب والدة القتيل فيها أن المحلفين كانوا طيلة الوقت يستمعون إلى الوقائع دون اهتمام، كان بعضهم يقرأ مجلة وآخر يحل الكلمات المتقاطعة وثالث ينظر إلى السقف دون تركيز، وظل ذلك الشعور بالاستهانة بدم ابنها، يرافقها ويوجعها حتى لحظات إصابتها بالغيبوبة بعد أكثر من عقدين ونصف على رحيل ابنها، ذلك الرحيل الذي أصاب الأب بالشلل بعدها مباشرة، وكان موتاً فعلياً للأسرة بأكملها.
قررت يانسي أن تخلد حياة شقيقها التي أنهاها الغدر وتواطأت عليها العنصرية، فصنعت ذلك الفيلم الشخصي المهم، لتعيد التذكير ببطولة أخيها الذي ساهم قبل سنوات من قتله في إنقاذ حياة أحد المدعين العامين بنيويورك بعد أن تعرض للطعن من أحد اللصوص، في نفس الوقت الذي قدمت أخيها كإنسان له عيوبه، وخلدت أحلامه العريضة التي كان يكتبها في دفتر يومياته ببساطة آسرة. على الشاشة نرى يانسي وهي تحاول الاتصال بالذين ساهموا في ظلم أخيها وإفلات قاتله من العقوبة، لكنها تصطدم بقلوب منعدمة الضمير، فتمنح لوالدتها الثكلى مساحة لم تجدها في مكان آخر، لتحكي رحلتها مع الحياة في مجتمع يخفي عنصريته خلف ستار الإجراءات القضائية المزينة بالنصوص القانونية المصقولة.
بعد فترة وجيزة من رواية شهادتها دخلت الأم في غيبوبة، لينتهي الفيلم دون مفاجآت سعيدة يظل المشاهد يتوقعها حتى آخر لحظة، مقدماً للمشاهد صوراً للدنيا وهي مقلوبة رأساً على عقب، تعقبها سطور توجهها يانسي إلى أخيها في رقدته الأخيرة على أسفلت بارد، وقد استقرت رصاصة في قلبه المفعم بالحب لأمه وأبيه وشقيقتيه، ولعله كان يتساءل كيف ستتحمل عائلته ما جرى له، دون أن يعرف أن قاتله مارك رايلي سيظهره بمظهر الوحش، وأنه لن تكون هناك محاكمة عادلة، لأن القاتل قد نجا بفعلته، بعد أن أصبح خوفه كرجل أبيض مبرراً للقتل دون تحقيق ولا محاكمة، لتنضم قصته إلى آلاف القصص التي نجا فيها القتلة من العقاب، لكن أهالي الضحايا لم يستسلموا للصمت، ولم يجعلوا مهمة النسيان سهلة، دون أن يكترثوا ما إذا كان ذلك بداية لتحقيق العدالة، أو مجرد صرخة في وجه الظلم، المهم أنهم حاربوا بالسلاح الوحيد الذي يملكونه، سلاح الذاكرة.
ـ على صعيد آخر يخص الذاكرة، قرأت في مجلة «هاربر» الأمريكية العريقة إشارة إلى متحف فريد من نوعه تحتضنه العاصمة الكرواتية زغرب، يحمل عنوان «متحف القلوب المحطمة»، أو هكذا أحببت أن أترجم اسمه الذي يشير إلى اختصاص المتحف في توثيق العلاقات التي حطمها الانفصال بكافة أشكاله، وقد تم مؤخراً نشر كتالوج لمجموعة من أهم مقتنياته، التي أودعها أصحابها فيه مرفقة بذكريات ترتبط بها وبأصحاب العلاقة التي انفصمت عراها، أحدهم أودع في المتحف ساعة أثرية وكتب: «كانت تحب الأنتيكات، تحب أي شيء قديم خصوصاً لو كان معطلاً، وهذا بالتحديد السر في أننا لسنا معاً الآن». أودع آخر نظارة مكبرة وكتب: «أعطتها لي كتذكار قبل أن أرحل، لم أفهم أبداً لماذا أعطتني نظارة مكبرة بالذات كهدية، وهي لم تشرح لي السر، لكنها قالت لي من قبل أنها تشعر بالضآلة حين تكون بصحبتي». أودعت أخرى قطعة من حبل باراشوت وكتبت «قابلته في أول قفزة لي بالباراشوت، كنت خائفة، لكن هذا الرجل الوسيم الذي كان مدربي على القفز المتزامن بالباراشوت أنقذني، ولاحقاً علمني القفز المفرد بالباراشوت، وأحببنا بعضنا، لكنه لاحقاً مات في حادث قفز بالباراشوت». شخص آخر أودع جهازاً لتحميص الخبز وكتب أو كتبت «حين خرجت من الشقة، أخذت معي التوستر، لأتذكر كيف يمكن لكل شيء أن يحترق».
أطرف ذكرى على الإطلاق في كتالوج المتحف كانت زجاجة من الماء المقدس تم صنعها على شكل السيدة مريم العذراء، وقد كتبت من أودعتها هذه السطور: «في صيف 1981 قابلت حبيباً عابراً في مدينتي أمستردام. كان قد توقف فيها خلال رحلته لاستكشاف أوروبا بالقطار، كان من بيرو، تقابلنا في ديسكو بوذا وافترقنا، لم يطل الوقت حتى التقينا ببعض بالصدفة في الشارع، ذهب معي إلى البيت وظل مقيماً معي لمدة شهرين، ثم اختفى فجأة، وجدت رسالة وداع وهذه الزجاجة الصغيرة، التي كتب أنه أحضرها خصيصاً من بيرو لكي يهديها لحبه الجديد، وما لم يكن يعرفه أنني كنت قد فتحت حقيبته قبل ذلك، ووجدت كيساً مملوءاً بالكامل بتلك الزجاجات، على أية حال لم أره بعد ذلك».
ـ أخيراً وفي إطار تنشيط الذاكرة بمهازل الديكتاتورية، قامت مدونة صينية بالتزامن مع انعقاد المؤتمر التسعين للحزب الشيوعي الصيني، بإعادة نشر توصيف للتعليمات التي كان يتلقاها الجمهور الذي يحضر خطب الديكتاتور الروماني نيكولاي تشاوشيسكو، والتي كانت تقسم أنواع التصفيق التي يتم تدريب الجمهور عليها سلفاً إلى الأنواع الآتية: «تصفيق عادي ـ تصفيق طويل ـ تصفيق حاد ـ تصفيق مبتهج ـ تصفيق دافئ ـ تصفيق دافئ ممتد ـ تصفيق دافئ مبتهج ـ تصفيق دافئ مع وقوف الجمهور في حالة ابتهاج ـ تصفيق دافئ مع وقوف الجمهور الذي يصحبه هتاف متحمس ـ تصفيق دافئ ممتد مع وقوف الجمهور الذي يصحبه هتاف متحمس ـ تصفيق دافئ ممتد مع وقوف الجمهور الذي يصحبه هتاف متحمس بابتهاج ـ كل فرد من الحضور يقف ويظهر عليه الحيوية والبهجة لوقت طويل ـ تصفيق حاد وقوي ومتحمس لوقت طويل مع الوقوف والهتاف لعدة دقائق في جو دافئ وغير موحد ـ تصفيق دافئ وهتافات يقف فيها كل فرد من الحضور ويبتهج لفترة طويلة من الوقت في مناخ مليء بالدفء».
إذا كنت من جيل الآيباد، فلعلك لن تصدق أنه كانت توجد بالفعل فروق واضحة وشاسعة بين كل تعليمة تصفيق والثانية، ربما يساعدك اليوتيوب على رؤية كيف كانت تعليمات كهذه تنفذ بشكل دقيق في المؤتمرات الحاشدة التي يخطب فيها زعماء مولعون بالخطابة من عينة هتلر وتشاوشيسكو وصدام حسين، حيث كان الالتزام الصارم بتلك التعليمات يضفي على الأجواء كآبة مقبضة، لم تكن لتراها في الطبعة المصرية من الخطابات الرئاسية الحاشدة منذ ما بعد يوليو 52، حيث كان يُسمح دائماً بقدر من الإرتجال في النفاق للرئيس أثناء خطابه، وكان يُترك التجاوب مع تلك اللمسات النفاقية المرتجلة لمزاج الرئيس لحظة إلقاء الخطاب. فإذا كان رائقاً قام بتشجيع المرتجل بالكلام أو الضحك، وإذا كان متعكر المزاج أشار إليه بغضب أن يسكت ليكمل خطابه، وإذا كان غير مكترث بما يقوله المرتجل، قام بالإشارة القولية أو الحركية التي تفيد بأنه يعرف أن المرتجل منافق تافه، فيضحك الجميع من إشارة الرئيس، بمن فيهم المنافق المرتجل نفسه، ويسود المكان بأسره جو تلقائي حميم من الانحطاط، يصيب من يشاهده ومن يشارك فيه بالخدر اللذيذ.
كان ذلك قبل أن يصل إلى سدّة الحكم ويسدّها، قاتل محترف مثل عبد الفتاح السيسي، اعتاد أن يتحدث وهو يعطي أنصاره وشركاءه ومنافقيه قفاه، تعبيراً عن عدم اكتراثه باستطلاع رأيهم فيما يقوله، لأنه إذا أراد أن يتأكد من أكثر ما يهمه، فسيلتفت مباشرة إلى يساره حيث يستقر وزير الدفاع الذي سيضحي بحياته وحياة الجيش من أجله، وإذا أراد أن يرى استحساناً لما يقوله، ربما التفت نصف التفاتة إلى اليمين أو الشمال، لكن ذلك الاحتقار لن يؤثر في همة محاسيبه و«ألاضيشه»، ولن يقلل من تصفيقهم الدافئ الممتد أو الدافئ المبتهج، الذي يكفيهم أن تسجله الكاميرات، ليفتخروا أنهم أسهموا بكل ما أسعفتهم أيديهم، في تشجيع ومساندة القائد الهمام، في إنقاذه لمصر من الابتلاء بالحرية والعدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية.

مقالات بلال فضل فى القدس العربى

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة

صفحة 1 من اصل 1
نوسا البحر :: منتديات عامة :: المنتدى العام

حفظ البيانات | نسيت كلمة السر؟

هوانم نوسا | عفاريت نوسا البحر google+ | عفاريت نوسا | مجلة الصور | مجلة عفاريت