سلاسة السلاسل مجموعة قصص قصيرة جديدة ليوسف زيدان

♪♫.. الادارة..♫♪
avatar
رسالة sms : سيرى ببطئ ياحياة
لكى أراك بكامل النقصان حولى
كم نسيتك فى خضمك
باحثا عنى وعنك
وكلما أدركت سرا منك
قلت بقسوة
مأجهلك!!!!
ذكر
عدد المساهمات : 10414
الاٍقامة : وراء الأفق حيث لاشئ سواى وحبيبتى
العمل : مهندس
نوسا البحر :
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
2016-12-14, 4:39 pm
@hassanbalam
#يوسف_زيدان

#خلود_شيخ_الحارة

أهوال الأحوال التى تعصف بنا الآن فى الزقاق والحارتين ابتدأت هادئة حينما تسربت فى السر والعلن أنباء متضاربة وتهامسات متناقضة، عن الحالة الصحية والعقلية لشيخ الحارة «محمد حسنى طنطاوى»، الذى يناديه المسنون من الجيران بـ«أبى خلود»! ربما لتأبده فى منصبه حتى بلغ من العمر عتياً، وحتى اعتاد الناس وجوده، فصار فى وهمهم كالهواء. غير محسوس، ولا غنى عنه. قيل إن الرجل لم يزل فى عنفوانه فتياً، وقيل بل لحق به من الأدواء ما لا دواء له، وقيل إنه متماسك بدنياً، لكن خرف الشيخوخة خامره، فلم يعد يعلم من بعد علم شيئاً، وقيل إنها مبالغات، فكل ما فى الأمر أنه مر بوعكة عابرة، ثم تعافى منها، وقيل إن كل ما قيل هو هَرَف وبُهتان وأكاذيب.

وقبل سبعة أيام، ترددت شائعات ممزوجة بتكذيبات وتأكيدات، تفيد بأن شيخ الحارة مات إكلينيكياً، ولكن لم يتم إعلان وفاته، مراعاةً لما نحن فيه من ضبابية بالغة الإعتام، وهوس يجتاح جميع الجيران الميَّالين بطبعهم إلى السكينة والمسكنة والركون إلى ما يسمونه مناخ الاستقرار ومناخ الطمأنينة.. ومن المعروف أن وفاة شيخ الحارة سوف تبدد شعورنا بالأمان، وتؤجج الصراع بين الطامحين لاحتلال منصبه، الذى دام له قرابة ثلاثين سنة، الدوام لله. ومن المعروف أن «منجى النواح» و«شفيق أبودقيق» هما أقوى المرشحين لخلافة شيخ الحارة، ولكن كليهما ضعيف، ولن يقوى على القيام بمهام المنصب إذا شغر، وليس لديهما من الخبرة ما يؤهل للنجاح، مع أن شيخ الحارة كان يستعين بهما فى بعض الأمور، سراً وعلانية.

■ ■ ■

قبل ستة أيام، صدحت صرخات «ملتاعة» فى جوف الليل، فسمعها من الجيران المؤرقون، وقبيل الفجر انبلجت شمس الحقيقة مكسوفة، وأعلنت وفاة شيخ الحارة، فجأة، وأكد جماعة من الجيران أنه دُفن ليلاً على عجل بالجَبَّانة الكبرى، وتلقى جميع المشيعين عزاء جميع المشيعين فور الدفن، فوق القبر. وقرروا الاكتفاء بذلك وعدم إقامة أى مراسم أخرى للتعزية، تحاشياً لما يمكن أن يُحدثه ذلك من اضطراب عارم، أو تشجيع للأشرار وللمتربصين المتحفزين للعبث بمصائر وسواكن الساكنين بالزقاق والحارتين. استر يا ستار.

وبطبيعة الحال، ونظراً لهول الصدمة المتوقعة، فقد استغرق الجميع جميع ساعات النهار مذهولين، صامتين كأن على رؤوسهم الطير، التى قيل قديماً إنها كانت تحوم فوق رأس الميت قبل أن تنقض عليه وتنزع منه روحه. كلام عجيب. وفى المساء استفاق الناس جماعة تلو أخرى، وتباينت ردود أفعالهم على وفاة الفقيد، فبعضهم راح يبحث عن ابن المتوفى «زغلول» ليعزيه حسبما تقول أصول أولاد الأصول، لكن أحداً لم يجده ولم يعرف أحد أين اختفى. وبعضهم قدح فى صحة خبر الوفاة واعتبره من جملة الشائعات، واستدل هؤلاء على قولهم بأن شيخ الحارة لم يبلغ بعد من عمره التسعين سنة، ولا يُعقل أن يموت مثله ناقص عمر. وبعضهم أقعده الحزن، فاكتفى بالنحيب والنشيج والنهنهة التى تمزق نياط القلب أسفاً وحسرة.

وكان كل قوم بما لديهم مقتنعين.

■ ■ ■

قبل خمسة أيام كان اليوم جمعة، وكان خبر الوفاة قد صح بالتقادم، مثلما تصح عند الجيران معظم الأمور. وطيلة اليوم، انبعثت من الشرفات والشبابيك ومداخل البيوت ترانيم «العديد»، التى تداخلت وتعالت ناعية ومعددة مناقب الفقيد موصوفاً بالشهيد. وعند دخول ظلال المساء وبدء سطوع أضواء الكهرباء، الخافتة، توحدت الأصوات وانتظمت فى إنشاد العدودة المعروفة، التى تعود إلى زمن ما قبل حكم الأسرات، وراحت تنسب بدموع منسابة محاسن الفقيد الشهيد وفضائله التى لم يلمحها أحد، ومتجاهلة بطبيعة الحال ما عُرف عنه من اتساع الذمة ومد اليد والوقيعة بين الناس وفساد الطوية وطىّ الحق ونشر الباطل.. ولولا القاعدة الخالدة القائلة: «اذكروا محاسن موتاكم» لكانت الألسنة قد لهجت بما لا حصر له من ذميم خصاله وقبيح أفعاله.

وبعد صلاة العشاء، شاعت أنباء فتأكدت بعدما كانت قد كُذبت فى الظهيرة، مفادها أن جارنا الطيب «طلبة الطبال»، وهو أحد سكان السطوح المرموقين، اعتزل زوجته والإنس والجان جميعهم، واعتكف فى غرفته غير المسقوفة لتأليف لحن جنائزى لهذه المناسبة الجليلة، وقيل إنه سوف يستوحى اللحن من قصيدة شاعر الزقاق «ميدو ملاهى»، التى ألفها فى مدح شيخ الحارة المرحوم، حين أنهى له الأوراق المطلوبة لتأجيل التجنيد دون رُشى، وهى القصيدة المعروفة التى يقول مطلعها: يا حُسنى، يا حوستى. وظل كل قوم بما لديهم قانعين.

■ ■ ■

قبل أربعة أيام بدأ احتدام الأمور وظهرت الشرارات التى اندلعت لاحقاً، ثم تفاقمت فأمست صراعاً بين الأجيال.. جيراننا أربعة أجيال: الذين تخطوا السبعين من العمر، وهم الذين يسيطرون على مقادير الأمور ومجريات الأحداث. والذين تتراوح أعمارهم بين الأربعين والسبعين، وهؤلاء معروفون اصطلاحاً باسم الجيل الضايع. وجماعة الدليفرى، المتراوحة أعمارهم بين الخامسة عشرة وما تحت الأربعين، وهم المعروفون اصطلاحاً بالجيل الصايع لأنهم يقضون معظم وقتهم خارج بيوتهم، فإذا حضروا طلبوا طعامهم بالتليفونات. وهناك أخيراً جيل الصغار من الصبيان والجوارى من البنات، أى اللواتى مازلن يلهين فى الشارع ويجرين مع أقرانهن، وهم الذين سماهم شيخ الحارة الفقيد الشهيد ذات مرة «الحناكيش»، فغلب عليهم هذا الاسم.

أهل الحل والعقد، أعنى الذين تخطوا من العمر السبعين، حافظوا على هدوئهم وزعموا للجميع أنهم سوف يديرون الأمور بحكمة خلال الفترة الانتقالية، لحين انتخاب شيخ حارة جديد. وأكدوا أنهم لا يوالون أى مرشح ويقفون من جميع المرشحين على مسافة واحدة، وليس لهم غرض إلا الحفاظ على سلامة سكان الزقاق والحارتين.

الجيل المعروف بالضايع لم يهتم بالأمر كثيراً لانشغاله بهمومه الأبدية الأزلية، فالرجال منهم واصلوا مآسى الكدح اليومى سعياً لإطعام أبنائهم، ونساؤهم حافظن على الوتيرة ذاتها دون تعديل وبقين فى حالة الانهماك المنزلى المتنوع ما بين التنظيف والطبخ والشكوى من غلاء الأسعار. لكن ذلك لا يعنى أنهم، رجالاً ونساءً، معزولون تماماً عما يجرى. بل بالعكس، حرصوا جميعاً على المشاركة فى الشأن العام بالترحم على المرحوم والدعاء له بغفران الذنوب ودخول جنة الخلد.

جيل الدليفرى هو الذى تعالى صخبه رويداً، بينما بقى جيل الحناكيش مشغولاً باللعب وذاهلاً عما سوف يجرى على قدم وساق.. حسبما سيأتى بيانه.

■ ■ ■

قبل ثلاثة أيام، فى الصباح، امتدح أهل الحلّ والعقد جيل الدليفرى فى محاولة لاستيعابه وتهدئة خواطره المهتاجة، وانتشرت على بعض الشرفات لافتات تقول: الشباب هو المستقبل وليس الحاضر. الشباب هو شعلة الحضارة لكنها شعلة هوجاء، الشباب طاقة تحتاج للترشيد والتوجيه والإصلاح.. وغير ذلك من سواقط الأقوال الداعية إلى الحوار بين الأجيال.

المتحمسون من شباب الدليفرى رفضوا الدعوة إلى الحوار، ورفعوا شعارات مضادة وغير مهذبة، كان منها قولهم بزعيق: الخناشير مناشير.. شيخ الحارة خرب العمارة.. لا شيخ بعد اليوم.. كفاية، آه، كفاية! وسرعان ما نظم هؤلاء المندفعون مسيرات راحت تجوب الحارتين والزقاق، ولا تتوقف إلا فى وسط الميدان.

فى المساء كانت المساومات، ومحاولة الاستقطاب، إذ سارع المرشحون لشغل المنصب الشاغر فى استمالة مجموعات من شباب الدليفرى، فاستطاع «منجى النواح» الحصول على تأييد جماعة منهم، من أهمهم: ميمو المسطول، مودى الزنان، كيمو، محه الممصوص، أحمد النسناس.. وفى المقابل، حصل «شفيق أبودقيق» على تأييد جماعة أخرى لا يستهان بها، لأن منها: يُسرى السحاب، هبة جوينت، مفّه، داليا طحن، حمادة ألاعيب.

وانشق عن هذين الفريقين فريق ثالث دعا إلى عدم انتخاب شيخ حارة جديد، على اعتبار أن الزمن تجاوز هذا المنصب الهلامى مع الاعتماد على الكمبيوتر، ولا يصح العودة إلى الوراء. وفريق رابع رفع شعارا من كلمة واحدة غير مفهومة، هى: أناركيه، أناركيه. وفريق خامس اعتزل الأمر كلية، وانزوى عن المشهد مواصلاً سعيه السابق للحصول على عقد عمل فى بلاد الخليج.

وبقى كل فريق، على عقيدته، لا يلين.

■ ■ ■

قبل يومين ذاعت انتقادات قاسية لجيل الدليفرى، دون تمييز بين فريق منهم وآخر، وقد بدأت بخطبة منبرية فى غير الموعد ردد فيها إمام الزاوية الأقوال المأثورة عن عجائز الحى ومشايخه المنعوتين بالخناشير، فكان من هذه المأثورات، الدليفرى أصلاً حرام.. طالب الدليفرى كافر بالحق مناصر للبطلان، وبطران، وفى النهاية خسران.

واتبع إمام الزاوية المأثورات والثوابت، بشرح تفصيلى قال فيه إن هواة الدليفرى معاقون عقلياً وعاقون للأمهات اللواتى أرضعن فى الصغر ويطبخن فى الكبر، لكن الضلال المبين جعل الأبناء والبنات المنبوذين والمنبوذات يفضلون أكل الشوارع ولو كان الأكارع. ويكسرون خاطر الأمهات الطاهرات الطابخات، المتبتلات المتبلات الطعام بالمقدار الواجب من التوابل والأفاوية.. واختتم الخطبة بكلام عامى، بعد الكلام الفصيح، فقال: يا سايب أكل أمك ورايح للفود الجنك، بكره تندم وتنعدم صحتك وحياتك تبقى ضنك.

الخطبة ألهبت المشاعر وهيجت النفوس الشابة، فاشتبك بالعراك جماعة من أنصار الإمام، تناصرهم جماعة من سكان السطوح، مع حزب الدليفرى المعروف اختصاراً باسم «زيرو فات» مدعوماً ببعض شباب الحزب اليسارى المعروف باسم: دايت.. وقد وقعت فى العراك إصابات وصف بعضها بأنه خطير. وفى الليل تجددت الاشتباكات، وشاعت أنباء غير مؤكدة تقول بوقوع قتلى بين أفراد «زيرو فات» نظراً لضعفهم. وزاد الطين بلة، انقطاع التيار الكهربائى وانعدام الشموع.

■ ■ ■

أمس، كان يوماً دامياً من أيام المآسى، ففى الصباح احتدت البنت المتهورة «بسملة» ابنة الحاجة «حمدلة» على جارهم سلامة السباك، واتهمته بأنه حصل على مبلغ مالى من المرشح «النواح» وكتب اسمه فجراً على جدران البيوت متبوعاً بعبارة: منكم ولكم ولا غنى عنه، ثم حصل على مبلغ مالى آخر من «أبودقيق» وعلق فى الصباح الباكر على مدخل الزقاق لافتة مكتوبا عليها: السكر والدقيق مضمون بس مع أبودقيق.. ولم ينكر سلامة السباك ما فعله، معللاً إياه بأنه: أكل عيش. فصرخت فيه «بسملة» قائلة إنها خيانة للأمانة، واشتد الصخب حتى وقت الظهيرة وانقلب عصراً إلى تشابك بالأيدى، ما لبث قرب المغرب أن صار قتالاً بالأسلحة البيضاء والملونة.

بعد المغرب ساد السكون عند موعد المسلسل التليفزيونى، ثم اجتمعت الجماعات المتناحرة مجدداً وكادت تنهمك فى قتال جديد، لولا أن الكهرباء انقطعت، وتزامن ذلك مع وصول الشرطة واعتقالها لكثيرين.

■ ■ ■

اليوم، لم يذهب الآباء إلى عملهم ولم تطبخ الأمهات، وجميعهم متوجس وينتظر ما سوف يكون. الرجال فى الشرفات والنساء تطل من الشبابيك، ومن بينهم وبينهن ينظر «الحناكيش» بعيونهم وعيونهن المندهشة، وساعة ارتفع أذان الظهر دخل الزقاق مأمور القسم وقال بصوت عال: شيخ الحارة ليس بالانتخاب، أنا الذى أختاره من بين المخبرين، وقد اخترت «زغلول» شيخاً للحارة بدلاً من أبيه الذى لم يمت، وإنما ذهب ليرتاح فى دار الاستشفاء. والمعتقلون بالقسم سأُفرج عنهم تباعاً إذا تابوا وأنابوا وعادوا إلى سواء السبيل، ولن أتهاون مع مثيرى الشغب وهواة اللعب بعد اليوم، وليس أمامكم من الآن إلا طريقان: طاعة زغلول، أو المصير المجهول.

فى صوت واحد، أعلن الرجال والعجائز والنسوة والباقون من الشباب والشابات واليافعون واليافعات، أنهم سيقدمون فروض الطاعة عن يد وهم صاغرون.. الحناكيش لم يعلنوا شيئاً واكتفوا بالدهشة، إلى حين.

■ ■ ■

غداً.. قد يكون كما كان اليوم، وقد لا يكون.




#سلاسة_السلاسل

«أحب هذه الطيور، وأحسدها، لأنها تستطيع ما لن أقدر عليه أبداً: التحليق عالياً، وبعيداً.. آه لو صرت يوماً واحداً من هذه العصافير المحتشدة فى صخب العصارى، حول الشجرة الوحيدة الباقية قرب البيت بعد المذبحة التى كانت قبل سنوات، واجتثت فيها الأشجار الكبار المصطفة بانتظام على طول الرصيف، وكانت فروعها تضايق شرفات وشبابيك السكان. قالوا أيامها إنهم سيقطعون هذه الأشجار، لا لشكوى السكان وإنما خشية أن تضغط جذورها القوية على أساس البيوت المطلة على الميدان، فتسقطها. وقالوا إنهم سوف يزرعون مكانها أشجاراً أرق منظراً وألين جذورا، وقيل إنهم غرسوا صباحاً شجيرات تشكو اليرقان، وظهراً اقتلعها الصبيان الذين كانوا يلعبون فى الميدان. أنا لم أشاهد هذه الشجيرات ولم أشهد اقتلاعها، لكننى أصدق ما يقال بدلاً من إجهاد نفسى فى التكذيب والشك وطلب الدليل.. لو صرت عصفوراً لهجرت هذه الشرفة الضيقة، محدودة المطل، وهاجرت من دهاليزى الخانقة إلى غير رجعة. يا سلام. سأتخلص بذلك من كل ما يضايقنى، ومنى، وممن يحيطون بى ويرخون السلاسل اللامرئية حول عنقى وقدمىَّ وأنفاسى، ثم يتركونها تنكمش فتضيّق الخناق. لو صرت عصفوراً، سوف أسكن قبة الأفق ولن أحط إلا بالنواحى الرحبة البعيدة التى لم يجتمع فيها البشر، ويشوهون ما فيها. هه. ما يدرينى؟! فربما استجابت السماء بمكر لأمنيتى، فصيِّرتنى طائراً لا يطير فأكون - لا قدر الله - كالبط منتوف الريش. نعم، هذا وارد محتمل ولن يحتمل. لا، هذا هو بالفعل حالى الذى يتحدى احتمالى، فما أنا إلا كذكر بط منتوف الريش..».

اقتحمت رائحة البصل المقلى الشرفة، وعاصرت الزاوية القابع فيها «خالد خلاع» مستمتعاً بدوران شظايا الخواطر العصفورية، المحلقة به بعيداً، فقام متأففاً وأوصد عليه ضلفتى الشرفة ثم عاد ليتخندق فى موضعه الأول، ويوالى هيمانه مع خواطره المريحة لأنها مستحيلة، ولا تكلفه أى مجهود.. وبطبيعة الحال، لم ينتبه «خالد» إلى أن أمه العجوز «محفوظة الحضرى» جالسة هى الأخرى بالزاوية ذاتها، فى الشرفة الأخرى. الشرفتان متقاربتان، لكن الدولاب المعدنى الطويل الموضوع فى شرفة غرفة «خالد» وزوجته «ثناء»، يعوق النظر إذا أراد أن يمتد بين الشرفتين، ويمنع بينهما الرؤية.. الشرفة الأخرى فيها هى الأخرى كراكيب كثيرة وكراسى مهشمة لم ترض أمه عن التخلص منها.

عاد «خالد» إلى خواطره الخطيرة آملاً أن يستكين كى يستكمل جولان أمنياته الهوجاء، إلا أنه سقط فجأة فى بئر الذكريات، إذ سأل نفسه سؤالاً لا معنى له ولا داعى، عما إذا كان قد أخطأ حين هجر «نهال» التى كان يظن أنه يحبها، وتزوج هذه الثناء المنهمكة الآن فى الطبيخ لإعداد وجبة الغداء؟! قال فى نفسه: لا، ليس هناك أى خطأ، فأنا لم أتأكد قط من حبى لها، وهى لم تقل يوماً إنها تحبنى. كانت تغتاظ من ترددى، مع أنه طبيعى فى تلك الأمور المصيرية، ولما تحدثت معها بصراحة صدمتنى بأننا لن نصلح كأزواج، وكانت يومها منزعجة فأفزعتنى:

- ليه بتقولى كده يا نهال؟!

- لأنك أصلاً، لسه موش عارف إنت عاوز إيه..

- يعنى هاكون عايز إيه، متهيأ لى إننا بعد أربع سنين مع بعض، طبيعى بعد كده نتجوز.

- أيوه يعنى، على أساس إيه؟ وبعدين إنت متأكد إننا فعلاً مع بعض من أربع سنين.

- طبعاً، إحنا بنتقابل فى الكافيه ده كل فترة، وبنسأل على بعض بالتليفون، وبفكر فيكِ كتير. يعنى بحبك..

- يا خالد، قلت لك ميت مرة قبل كده، الحب حاجة والجواز حاجة تانية خالص.

- قصدك يعنى يا نهال علشان مرتبك أكبر من مرتبى بكتير! ما هو ده طبيعى، إنت بتشتغلى فى شركة خاصة، وأنا موظف متثبت فى الحكومة، يعنى وظيفتى مضمونة..

- المرتب مالوش دعوة، موش هو ده قصدى.

- أمَّال قصدِك إيه، قولى بصراحة يا نهال، إنت موافقة نتجوز ولا لأ؟

- لأ.

كان الكلام غير مُجدٍ، والسنوات الأربعة، فكانت تلك هى الجلسة الأخيرة والنهاية الرخيصة للقصة السخيفة التى شعر «خالد» بأنها لم تكن مفيدة فى أى شىء.. لكن إلحاح أمه الدائم لم ينقطع، ولم تفوِّت أى فرصة أو وسيلة إقناع: يا بنى نفسى أفرح بك! متى أرى أحفادى! لابد من الزواج! أنا رجلى والقبر! ربنا يهديك يا بنى وتسمع الكلام!

وهكذا صارت «ثناء» المرشحة الأولى، والوحيدة، زوجة.. ومضت أربعة أشهر من دون حَبَل، فعاودت الأم الطنين: خير يا «ثناء» لسَّـه مفيش حاجة! يا صبر أيوب! يا بنى خدها لدكتور يمكن فيه مشكلة!!

«المشكلة لن تفهمها أمى أبداً. ففى ليلة العُرس كانت زوجتى مطلية الجسم بالكريمات العطرية، ومفحمة الأنحاء بالرائحة البرفانية الفواحة، فأقبلت عليها مدفوعاً بحرمان لحوح، وثأرت بها من شُـحِّ السنوات الطوال. وتم المأمول ولكنها لم تحمل. فى اليوم التالى تحمِّمت «ثناء» وأسبغت، فشممت حين اقتربت منها رائحة جسمها، فانهارت عزائمى. هذه الرائحة لا اسم لها، ولم أشم مثلها من قبل، لكنها فى خاتمة المطاف، منفرة. احترت أياماً واحتارت معى فبدت غير شهية بالمرة، وفى ليلة رائقة النسمات تجاورنا فيها بالشرفة، طلبت منها بعد صمت طويل أن تتعطر عند اللقاء الفراشى، ففعلت، وليتها عصت. فقد امتزجت بالعطر الردىء رائحة جسمها، فصارت فى أنفى كالغاز الخانق، وانهارت مجدداً عزائمى.. وازداد الانهيار بعد أيام، عندما أخبرتنى «ثناء» بصوتها المتحشرج أن أمها أخبرتها بما أخبرها به الطبيب، فنفرتُ أكثر، واقترن بالنفور الغيظ من نظراتها الغبية، ومن ضحكاتها المفتعلة، ومن تزلفها المكشوف لأمى. صرت أعافها، ولا أحتمل رائحتها فى الفراش، فأولى وجهى إلى الجهة الأخرى، لأرحم نفسى بقدر المستطاع من الشم واللمس والسمع والنظر، ومن التذوق والحاسة السادسة.. وليت أمى، مع ذلك كله، ترحمنى من الترهات وسخائف العبارات والإصرار على إنجاب ولد لكى يخلد اسمى. كيف سيخلد اسمى إن كان إنساناً محكوماً عليه بالموت بعد حين، وسوف يحتاج بدوره إلى من يخلد اسمه! ولماذا أسمونى بهذا الاسم الكاذب «خالد» وهم يعلمون أننى فانٍ مثل بقية البشر، وليس هناك خالد إلا الله».

■■■

«ما آخرة هذا العذاب الذى لحق بى من حيث لا أدرى، وكيف سأصبر على زوجى المهزوم هذا، الجالس فى شرفته مثل كومة من الفخار المتكسر، ينتظر ما أطبخه للغداء. هو لم يكن زوجاً إلا ليلة واحدة، بعدها خرج من الخدمة إلى غير رجعة، ولم يعد قادراً على شىء إلا الشكوى من ضيق صدره وأنفاسه، ومن ضعف ساقه وركبتيه، ومن أن ملاءات السرير ليست نظيفة.. أمى - أكرمها الكريم - هى التى كشفت لى سِـرَّه بعدما أخبرها به الطبيب وصدمها بالحقيقة المفجعة:

- شوف بقى يا «سُـن سُـن» أنا سألت الدكتور «عنتر» عن الوضع بتاع جوزك..

- هو فيه دكتور اسمه عنتر!

- أيوه، ده جار «يسرية» بنت عمى، ومراته صاحبتها، أنا حكيت ليسرية وهى حكت لصاحبتها وهى حكت لجوزها وعرفت منه كل حاجة.

- عرفت إيه يا ماما؟

- جوزك عنده عجز، ولازم يتعالج، واحتمال كبير يكون مفيش رجا منه، بس إنتِ لازم تصبرى، لحد ما نشوف آخر الموضوع.

- بس يا ماما، هو يعنى أول ليلة كان كويس!

- أيوه، أنا قلت كده ليسيرية وقالت لمرات الدكتور وهو قال لها إن دى كانت صدفة.

- يعنى إيه صدفة؟ يعنى خلاص يا ماما مُش هاتتكرر تانى أبداً.

- الدكتور عنتر بيقول إنه أكيد ليلتها كان واخد أدوية كتير علشان يقدر، وبعدين هبط.

- طيب أعمل إيه دلوقت يا ماما؟

- انسى الموضوع ده خالص، وركزى مع أمه الحيزبونة علشان ماتتقلبش عليكِ، وبعد كام شهر كده نشوف هايحصل إيه، ونتصرف».

احتارت «ثناء» فيما يحيط بها، ولم يكن يخطر لها من قبل على بال، ودامت حيرتها شهراً أو خمسة أسابيع وبعد ذلك اعتادت على العبودية المقنعة، وتقبلت كونها خادمة مؤقتة، بغير أجر، تنتظر الفرج الذى قد لا يأتى.

وهى تقشر البصل وتقطعه، سالت مع دموعها مسارب الذكريات البعيدة والقريبة، وتدفقت. كان آخرها ما جرى ليلة أمس عندما كانوا جالسين، ثلاثتهم، بالصالة يشاهدون بعيون المشنوقين فيلماً مملاً مليئاً بالمواجهات الشرسة بين الأشرار والأخيار، وسوف ينتصر الخير بطبيعة الحال فى النهاية، مثلما هى العادة فى أفلامنا، لا ينتصر الخير إلا فى الأفلام. فجأة، ومن دون أى مناسبة، قالت «محفوظة» أثناء إلقاء بطل الفيلم وابلاً من الطلقات، إنها تود أن يأكلوا فى غداء الغد بازلاء! وفى الصباح، أثناء دوام «خالد» فى وظيفته الهلامية الحكومية، ذهبت ثناء إلى السوق فاشترت الخضروات ونصف كيلو لحم «موزة» لا يشبه أى موز، وجادلت البائع فى السعر، بقدر ما استطاعت مستعملة البراهين المعتادة: اللحم المستورد أرخص فى الجمعية التعاونية!

- روحى هاتى من هناك.

- أنا خدت منك نص كيلو من أسبوع، وكان أرخص من كده.

- ده كان من أسبوعين، وبعدين كل حاجة بتغلى، إلا البنى آدمين.

- بس اللى بتطلبه ده كتير.

- مافيش حاجة تكتر عليك يا قمر، خديه ببلاش خالص بس هاودينى وريَّحى بالى، وأنا أدلعك آخر دلع..

- يا راجل عيب على شيبتك.

- الدهن فى العتاقى.

وهى تقلى البصل مع بعض فصوص الثوم، هاج الوجد بقلب «ثناء» وصعب عليها حالها فاستكملت بكاءها، بلا بصل، حتى احمرت التقلية فألقت فوقها الطماطم المقطعة والصلصة المذابة فى كوب ماء.. تهرأت قطع الطماطم مع دوام التقليب، وكانت قطع اللحم المسلوق تدور فى حسائها بالإناء الآخر الموضوع فوق النار، مثل ثناء. حدقت بذهول وهى تسكب التسبيكة وحبَّات البازلاء وقطع الجزر الأصفر، فوق اللحم المسلوق، لأنها تمنت لوهلة أن تلقى فى الإناء ببعض سم الفئران. ثم ثابت لرشدها، واستغفرت ربها، وعادت لإيقاعات الاستسلام. خلال الدقائق القليلة التى كان الإناء الأول يهرك محتوياته تحت قوة الغليان، كانت «ثناء» قد غسلت كوبى الأرز، وأضافت إليها المقدار ذاته من الماء، وتركت الإناء الألومنيوم المسمى «حلة الرز» لدقائق فوق النار القوية. فبدا لها أن وجبة الغداء أوشكت على الاكتمال، فبدا لها أنها أيضاً أوشكت على الانتهاء والذبول وفقدان المعنى واكتمال الحسرات.

كان يمكن لثناء، بعدما هدأت النار تحت الإناءين، أن تخرج من المطبخ حتى تنقضى ساعة النضج على النار الهادئة، لكنها فضلت البقاء حيث هى، كيلا ترى زوجها وحماتها إن خرج أحدهما من شرفته التى ينتظر فيها الانتهاء من إعداد الغداء. الجو هنا حار، والبخار يملأ الأنحاء بالرائحة الشهية لمن يشم، الخانقة لمن فقد الشهية.

شعرت «ثناء» وهى تنظر نحو الموقد المتراقصة عيناه باللهب الخفيف أنها فقدت كل ما كانت تتمناه، أرادت «السعد» فوجدت التعاسة، وأرادت إرضاء حماتها، فوجدتها خرفة لا تعرف معنى الرضا، وأرادت زوجاً تتفاخر به بين القرينات ففضحها بين الأقارب، أرادت عموداً صُـلباً تستند بظهرها إليه أحياناً ،وأحياناً تحتضنه فوجدت حبلاً مرتخياً لا يصلح إلا لصنع مشنقة.. وكانت فى طفولتها تريد تغيير اسمها هذا الذى تكرهه، وتتمنى استبداله باسم رقيق مثل «ندى، مى، نورهان» لكنها عرفت أن كاتب السجل المدنى سمع من أبيها الألثغ الاسم المختار «سناء» ثناء، وصُـدمت حين عرفت أن معنى اسمها الرسمى: مدح! واستسلمت بعد الحسرات الأولى عندما أخبروها أن الأسماء لا يمكن تغييرها.

■■■

«هوسة. حياتى التى تتهيأ للانتهاء كانت كلها هوسات» لا معنى لها، ولم يعد عندى من ذكرياتها الكثير، لأنها أصلاً كانت خاوية وليس فيها ما يستحق التذكر. نعم، شعرت بالسعادة يوم خرجت من بيت أبى إلى هذا البيت، إذ ظننت أننى تحررت من سجنى الكريه. لكننى اكتشفت أنه كان مجرد انتقال من زنزانة لأخرى، فزوجى «صبحى الخلاع» غيور هائج لأوهى الأسباب، طويل اليد واللسان، وكان يلتزم حرفياً بوصايا أمه الخالدة التى اسمها خالدة: (ادبح لها القطة! خليك معاها راجل وملو هدومك! بلاش الهزار معاها علشان الدلع آخرته تخوف! اضرب المربوط يخاف السايب).. منها لله هى وابنها الذى ضيع عمرى هباءً منثوراً، فلم أخرج من صحبته إلا بولد لا يستطيع أن يعطينى حفيداً، وبعد معاناة استطالت عشرين عاماً، صرت «أرملة» وأماً لطفل وحيد وأنا لم أبلغ من عمرى الأربعين. واليوم، على مشارف السبعين، لم أعد أحلم إلا بالحفيد المستحيل.. آه يا ركبتى».

كانت أم خالد على وشك استعادة ما تهمس به لنفسها كل يوم، من ظلم أبيها لها ثم زوجها ثم الأقارب الذين نصحوها بعدم الزواج بعدما ترملت، لأنه عيب ولن تستطيع المحافظة على ابنها. وكانت كالمعتاد سوف تنتهى من تأملاتها اليومية إلى النتيجة ذاتها: مطلوب منها منذ يومها الأول أن تحافظ على سمعة أبيها، ثم سمعة زوجها المتهور، ثم مستقبل ابنها الضعيف.. هى دائماً وأبداً حافظة، مع أنها اسمها محفوظة.

لم تستكمل العجوز التأملات لأن «ثناء» قطعت حبل أفكارها المتهرئ، وهى تصطنع الابتسام أملاً فى الحصول على الرضا أو حتى الحياد، لحين بيان البيان.. قالت: البسلة خلصت والأكل جاهز على السفرة.

■■■

اجتمع الثلاثة على مائدة الغداء، وأكلوا وهم صامتون.


#خواطر_غروبيّة

لم أعرف أهمية شرفة شقتى، ولم أرتبط بها وأرابط فيها معظم الوقت، إلا فى السنوات الأخيرة، أعنى بعد إحالتى القسرية إلى الخمود المسمى رسمياً «المعاش»، ثم الوفاة المفاجئة لزوجتى التى نامت مساءً، ولم تستفق صباحاً. نعم، بهذه البساطة غير المتوقعة رحلت عنى «رئيفة» رفيقة العشرين سنة الممتدة من ترقيتى إلى درجة «أمين سجلات» وزيادة مرتبى جنيهات جرأتنى على الزواج فى سن الأربعين، إلى إزاحتى عن وظيفتى كرئيس لقسم الأرشيف فور بلوغى الستين. حزنت وحزنت «رئيفة» وبعد ثلاثة أشهر من مكوثى الدائم معها فى البيت، ماتت، مع أننى كنت آنذاك قد بدأت أراها بشكل مختلف وأعيد اكتشافها من جديد، أو كانت هى قد بدأت فى الظهور لى بشكل مغاير أملاً فى إبقاء شمعة الحياة مشتعلة، وباعثة على الدفء فى بيت لم ينعم ببهجة الأطفال ومتاعبهم.. بعد اجتهاد لاكتشاف السبب، وتحاليل سخيفة، أكد الطبيب أننى فى عافية لكنها غير كافية للإنجاب، وشرح لى ولها أن القدرة البدنية الجيدة لا تعنى بالضرورة القدرة الجيدة على الإخصاب. نظرت لى «رئيفة» يومها باستغراب، فسألت الطبيب مستغرباً كلامه، فقال: يعنى صحتك كويسة، بس الحيوانات المنوية عندك ضعيفة جداً وفى حكم الميتة.

فى طريق عودتنا للبيت سالت منى دموع الحسرة على الحى الذى يبث الموت فى الحياة، وحين أرحت على المخدة خدى أجهشت وتدفقت من عينى ليلتها دموع وفيرة. هى لم تَبْكِ، ولم تُشِرْ إلى مأساتنا من بعد ذلك، قط، وتهامست مع القريبات حتى اشتهر عند الأقارب والمعارف والجيران أنها عاقر.. احتملت نظرات الإشفاق وفلتات اللسان الجارحة والعواطف الباردة المعلبة، تسعة عشر عاماً، لكنها لم تحتمل لمدة شهرين ألم بقائى فى البيت طيلة الوقت بلا عمل إلا الرثاء للذات بمناسبة بلوغى من العمر السنة الستين، وماتت وهى فى الخمسين من عمرها. غمرنى وقتها ما يشبه اليقين فى أننى سألحق بها بعد أيام أو على الأقصى بعد أسابيع، ولكن مرت سبع سنوات علىَّ وحيداً وصامداً إلى حين أمام الموت. المآل الحتمى. كل ليلة أسلم نفسى إلى الفراش مستسلماً لهاجس الفناء، وراضياً، فأصحو فجراً مندهشاً من بعثى ومن ضرورة أن أبقى حياً لفسحة من الوقت، ليس لها عندى مقدار معلوم.

اعتدت الجلوس فى شرفتى فجراً، وصباحاً، وضحى. وبعد القيلولة، أعود للجلوس بموضعى لأرى العالم عصراً وغروباً ومساءً يطول إلى ما بعد منتصف الليل.. فى بداية اعتصامى بالشرفة اكتشفت أنها موقع متميز لاستكشاف كل ما يصطخب فى الزقاق والحارتين المتفرعتين منه، فى الوادى والدلتا، لأنها فى الطابق الأول من «بيت فرعون» الذى تتفرع بعده الحارتان، وهى قريبة من الشارع وأقل علواً لأنه رُصف بعد بناء البيت بزمن ارتفع فيه مستواه عن مدخل البيت بأربع درجات هى العتبات النازلة إلى مدخل البيت، والصاعدة منه إلى أرض الزقاق، ومع هذا القُرب، والقضبان الحديدية الكاشفة، الشرفة مرصد متصل بالدنو ومنفصل بالعزلة وبالتزام الصمت والسكون فى الجلسة مساءً وصباحاً. أنا المتصل المنفصل. واكتشفت من دوام جلوسى بشرفتى معنى الأنس بالناس مع عدم التماس، وفهمت ما كنت قديماً أسمعه من أبى حين يكرر قوله: الناس بالناس، والجنة من غير ناس ماتنداس.

فى الجنة أناس مشغولون بما هم فيه، عن الاختلاط والتداخل فيما بينهم، والبراح الممتد بينهم يحول دون نشوب الخلافات. معظم الجيران سيدخلون الجنة، فيما أظن، لأنه لا يُعقل أن يعانوا فى الدنيا وفى الآخرة. أو هم على أقل تقدير، لن يحترقوا بنار الجحيم الأخروى بعد هذا التعذيب الدنيوى اليومى. أظن ذلك لكننى غير متأكد منه. لست متأكداً من أى شىء، ابتداءً من بقائى حياً ليوم غد، مروراً بدلالة الوخزات التى أحس بها أحياناً فى صدرى وركبتى. قد تكون فواتح الذبحة التى سوف تنتزعنى فجأة من هذا الضجيج، وقد تكون نتاج لفحة هواء بارد مر عرضاً ببدن رجل وحيد، بلغ من العمر السابعة والستين. اللطفاء من الجيران يجاملوننى حين نلتقى فى المرتين اللتين أخرج فيهما كل أسبوع لشراء مستلزمات بقائى المؤقت، حياً، ويكذبون بعبارات من مثل: ما شاء الله عليك يا عم الحاج، ربنا يديك الصحة وطولة العمر يا عم عبدالمجيد.. والحذاق من كبارهم سناً، والمتحاذقون، يقولون مبالغين ما يدل على دوام المودة لأعوام طوال: اللهم لا حسد، شكلك رجعت شباب يا جودة، اللى يشوفك يديك خمسين سنة بالكتير، إحنا لازم نلاقى لك عروسة.. وبعضهم يقترح علىَّ من بين الجارات أسماء لنسوة داس عليهن الزمان، ومازلن صالحات للزواج برجل. آلت شمس حياته إلى خط الزوال الغروبى.

الجيران المتكدسون فى بيوت الزقاق والحارتين طيبون فى معظم الأحيان وفى بعضها خبثاء، وهم يبتهجون ظاهراً ويُظهرون علامات الرضا ماداموا متسالمين، فإذا تنازعوا انقلب اللطف عنفاً والتسامح بؤساً وبأساً شديداً. ولأنهم ضعفاء، فهم يكذبون دوماً، بل ويحبون أن يكذب عليهم الآخرون، وتلافياً لألم الصدق يكذبون فى تعريف الكذب ويسمونه بأسماء أرق: المجاملة، الواجب، جبر الخاطر، الخال الطيب.. وهذا مريح.

يقولون «الصدق ينجى» وأقول فى نفسى: والكذب يريح! المرحومة «رئيفة» كذبت منذ ستة وعشرين عاماً، وحافظت على كذبتها حتى ماتت، فأراحتنى بذلك من شفقة الآخرين ومصمصة الشفاه رثاءً لحال رجل لا ينجب، وأراحت نفسها من طنين أهلها إذا أدركوا حقيقة الحال، فسال لسانهم بالمقترحات المؤرقات مستحيلات التنفيذ: ياختى انتِ ظالمة نفسك معاه، اطلبى الطلاق وربنا يبعت لك راجل غيره يفرّحك بعيل، إنتِ لسه فى عزك وكل حبة ولها مكيال.

كانت «رئيفة» تعلم بأنها ليست من جملة الجميلات، وعاطلة عن العزوة والمال وبقية الأشياء التى تثمن النساء وترفع رأسهن أمام استعلاء الأزواج. تزوجتها بعد شهور قليلة من عبورها سن الثلاثين، وارتاحت معى، فأرادت بهذه الكذبة البيضاء أو بالأحرى الرمادية، أن يدوم ارتياحها ويندفع عنها قلق التقلق واضطراب البدء من جديد. لو كانت أيامها طالبتنى بالطلاق لوافقت آسفاً، لكنها كانت ستعانى مرارات المطلقات وحسرات المنتظرات لزيجة أخرى ربما لا تأتى أبداً. هى ارتاحت معى، وقد تكون قد أحبّتنى ولم تصرّح لى بذلك لأنها خجول، وصامتة دوماً. كانت تخبرنى باحتياجات البيت، ولا تلومنى إذا تأخرت فى إحضارها وإذا تأخرت فى جلسة المقهى وإذا ترفقت فى طلب حقوقى الفراشية. وعاشت مرتاحة عشرين سنة فى سلام، حتى رحلت عن شُح دنياها فى سلام، وصارت تراباً.

أتراها الآن فى الجنة، تنتظرنى؟ أعتقد ذلك، لكننى لست متأكداً منه، هى بالقطع لم تذهب إلى النار، فهى فيما أظن لم ترتكب ما يقودها إلى بؤس المصير. فهى فيما أعلم، لم تضحك يوماً بصوت عال، ولم ترقص، ولم تحلم بموبقات، ولم ترفع صوتها أمامى قط. وكانت مطيعة، والزوجة المطيعة تدخل الجنة غالباً. فمن المعروف أن الجنة تحت أقدام الأمهات، لكنها نشأت فى رعاية عمها يتيمة الأم تعيسة الأب، فليس لها إلا الطريق الآخر: إذا صامت المرأة وصلَّت وأطاعت زوجها، دخلت الجنة.. الجنة تحت أقدام الأمهات وتحت أيدى الأزواج، ومادام أمرها بيدى فسوف أوصى بدخولها الجنة لأنها كانت لا تعصى لى أى أمر. عموماً، الأمر بيد الله لا بيدى، وأنا سأمثل قريباً بين يدى الله وليس بيدى ما يدخلنى الجنة أو يلقينى فى النار.

لم أعص أمر الله علانية، وكل الهنَّات البسيطة التى مررتُ بها، أو مرّت بى، كانت فى الخيال. والله يعفو عن كثير. نعم كنت أشتهى «روح» زوجة جارى، لكننى لم أُظهر ذلك، وكنتُ أتمنى موت رئيس القسم لأتولى مكانه. لكنه استكمل مدته حتى بلوغ سن المعاش، فلم أتمتع برئاسة القسم إلا ثلاثة أعوام ولم أجد خلالها البهجة التى حلمت بها. وكنت أحلم أحياناً باليافعات الناهدات من الجارات وصغيرات الموظفات، وأنزوى، لكن الأحلام تأتى بلا اختيار ولا عقوبة إلا على المختار.. لست مستحقاً للنار، ولا مؤهلاً للجنة! فلم أرتكب ما يقودنى إلى هذه، ولم أكتسب ما ثوابه تلك. أين سأذهب بعد موتى؟

***

صحوت فجر اليوم متأخراً عن موعدى بساعة، مع أننى نمتُ قبل موعدى المعتاد بقليل. لا فرق بين الصحو والنوم، وما عادت تأتينى الأحلام التى أستحضرها حين يؤوينى السرير. برد الليلُ منعنى أمس من السهر، وبرد الفجر يعوقنى عن الجلوس فى الشرفة. راودنى خاطر العودة إلى السرير، فدفعه خاطر البقاء ساعة لأنعم برحيق الصباح. ببطء، أعددتُ كوب الشاى ومزجته بشىء من الحليب، وعدتُ بحرصٍ لأحتسيه على مهل فى ظلام الصالة. وببطء، فى السابعة إلا الربع فتحتُ باب الشقة. وجلستُ على الكرسى القريب منتظراً نزول البنت «يسرة» إلى مدرستها الثانوية، كالمعتاد. وكالمعتاد، دبّ فى بدنى الدفء حين سمعت دبيب حذائها المدرسى على الدرج الهابط، فتهيأتُ لأحد الحوارات اليومية الممتعة:

- صباح الخير يا عم جودة، شكلك لسه صاحى من النوم.

- لأ يا عروستنا الحلوة، صاحى من ساعة. بس الدنيا برد، وشكلى كده هارجع أنام تانى.

- يا بختك. أنا صاحية بالعافية النهارده، المدرسة دى حاجة مزعجة، مفروض تبقى متأخرة شوية علشان نعرف ننام كويس.

- ولا يهمك يا يسرة، أول ما تخرجى للشارع النوم هايروح وتلاقى نفسك نشيطة.

- طيب يا عمو، إنت موش عاوز حاجة.

- عاوز سلامتك.

البنت لم تكد تبلغ السابعة عشرة من عمرها، لكنها استكملت كل شروط الأنوثة. سبحان الله. لو كنت فى مثل عمرها لمشيت خلفها حتى بلوغها المدرسة، وانتظرتها قبيل انتهاء اليوم الدراسى لأنعم برؤيتها مرتين. وربما كنت قد تجرأت وخططت لها رسالة مطولة أبث فيها تباريح الهوى. ما عادوا اليوم يكتبون رسائل للحبيبات، وعندما كانوا يفعلون ذلك فى زمانى، خفت من الإقدام على خطوة كنتُ أراها خطيرة. ليتنى أيامها خاطرتُ. لو عاد بى الزمانُ فجأة، لعارضتُ أبى عندما أصرَّ على إلحاقى بالثانوية التجارية لأتخرج بسرعة وأساعده على صعوبات الحياة. ولكنتُ قد اجتهدتُ حتى ألتحق بالجامعة فأصير شاباً لامعاً يعجب الفتيات، ويخط رسائل الالتياع والاشتياق إلى كثيرات، فيكون لى حبيبات مبهجات الطلة مثل «يسرة».. آه.. وكنت قد غامرتُ بطلب يدها، واحْتَلتُ حتى احتويت قلبها ورضا والديها فتزوجتها وهى فى هذا العمر المشرق، وطلبت منها كل ليلة أن ترقص لى. لابد أن رقصها بديع. وكنتُ قد تعطَّرت لها وجلبت لها العطور، فيصير سريرنا فواحاً بعطورنا ودافئاً وشهياً.. هذه الأمنيات مرهقة، سأقوم لأغلق هذا الباب المفتوح بلا طائل، وأعود للنوم هرباً من وقت يمرُ بلا جدوى.

صحوتُ من النوم ساعة الضحى، فأعدتُ ما أعددتُ فجراً من شاى ممزوج بالحليب. هذا المشروبُ مائع ولا خصوصية لمذاقه، فلا هو شاى ولا هو حليب! أنا شاى بحليب ولا مذاق لى. لو سارت حياتى التى لن تعود، حسبما كنتُ أريد، لتخرَّجت فى جامعةٍ إلى وظيفةٍ مرموقة ذات راتبٍ وفيرٍ كافٍ لزواجى فى سن مبكرة، من بكر لعوب لا تخجل عند النوم من عريها فترتدى أخف الثياب مثلما تفعل الممثلات الشهيات فى أفلام السينما. وكنتُ طبعاً سأنجب أطفالاً، وأشترى فى منتصف عمرى سيارة وأدهن شقتى الباهتة هذه كل عام بألوان أنصع. لا، كنتُ سأنتقل للعيش فى شقةٍ أخرى، أرحب، ليمرح فيها أطفالى فى النهار وأتهنَّى فى غرفة النوم ليلاً مع زوجتى. لا، كنتُ سأتزوج مرة أخرى عند بلوغى الأربعين، وأترك لزوجتى الأولى مهمة تنشئة الأطفال، وأعوّضها عنى بمصروف شهرى مُرضٍ. لا، سأحتفظ بزوجتى الأولى فى هذه الشقة، وأستأجر أخرى للزوجة الأخرى لأنعم بالتقلب بين اثنتين وأستمتع بالجمع بين دفء حضنين. يوم هنا، ويوم هناك.. الحضن مهم، وما بعده أهم، وأنا لم أعرف مع «رئيفة» هذا القبل ولا ذاك البعد، فهى لم تقم يوماً باحتضانى والمرات الأولى التى احتضنتها فى بداية زواجنا، استسلمت كفريسة مرهقة وخنعت طائعة فزهدت فيها.. مسكينة، كان يقيد الخجل كل خطاها.

لو كانت لى زوجتان، لاستمتعت كل ليلة بما يكون بينهما من تنافس لإرضائى. ولكنت قد عملت بحسب الشرع الداعى إلى العدل بين الزوجات، فكنت أداعب هذه بطريقة وأداعب الأخرى بطريقة أخرى. وكنت سآخذ هذه إلى رحلة خلوية مرة، وفى المرة التالية أصحب الأخرى، وأهدى إليهما قبل الرحلات الأثواب المثيرة المناسبة لما قبل النوم، المُذهبة للنوم من عين الزوج. كنت سأسهر معهما كل ليلةٍ، أو فى معظم الليلات وأرتاح أحياناً حتى لا يصيبنى منهما الملل.. يا سلام..

***

ضوء الظهيرة ساطع من خلف نافذة الصالة، لا بأس الآن لو خرجتُ إلى جلستى المعتادة بالشرفة، فالطقسُ لم يعد بارداً مثلما كان. لن أطيل الجلوس، يكفينى البقاء ساعتين حتى تعود «يسرة» من مدرستها وترفع نحوى ابتسامة الظهيرة، وأبقى بعد ذلك ساعتين أو ثلاثا لأشهد احتشاد الزقاق والحارتين بالسكان ساعة العصر، وإن جاء المساء محتمل البرودة فسوف أبقى جالساً مستأنساً من بعيد بالعابرين، حتى يدق البرد أبواب عظامى، فأحتمى بجدران الصالة أو أتمترس تحت لحاف السرير.

غداً، سيكون يوماً مشهوداً. فسوف أخرج صباحاً لشراء ما سوف أحتاجه لأبقى حياً ثلاثة أيامٍ أخرى: عشرة أرغفة وكيس كبير فيه فول مدمس، وعلبة من عجين الفلافل، وقطعة من الجبن القريش وأخرى براميلى، وعشر بيضات، ولتر حليب. ولا بأس ببعض الخضروات خفيفة الوزن، والطماطم والخيار. هذه لوازم حياتى الخاوية، التى كانت من يومها خاوية، وستبقى كذلك ما بقيت حياً.

هل أنا حقاً حىّ!
♪♫.. الادارة..♫♪
avatar
رسالة sms : سيرى ببطئ ياحياة
لكى أراك بكامل النقصان حولى
كم نسيتك فى خضمك
باحثا عنى وعنك
وكلما أدركت سرا منك
قلت بقسوة
مأجهلك!!!!
ذكر
عدد المساهمات : 10414
الاٍقامة : وراء الأفق حيث لاشئ سواى وحبيبتى
العمل : مهندس
نوسا البحر :
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
2016-12-14, 4:43 pm
#يقين_المساكين

الهوس المحموم احتدّ حتى استباح أحلام الجيران، جميعهم، فانهمكوا فيما شاع فيهم وفشا بينهم من أخبار أثارت عواصف الطمع العاتية وأنواء الأمانى المائعات الخادعات، فجعلتهم يخرِّبون بيوتهم بأيديهم. مساكين. لم تثبت قواعد عقولهم أمام متناثر التهامس المؤكد أن الولد «فادى» المحظوظ عثر على كنز كان مخبوءاً بسرداب عتيق، يقع تحت أرضية شقته الأرضية، الكامنة بالطابق الأول من المنزل الرابع على يسار الداخل إلى الزقاق، وهو المسمى بين الجيران «بيت الننُّوس» لأن آخر مُلاكه علّق على بابه، يوم اشتراه، دمية تتدلى من سلسلة مُعلقة بكفٍّ خشبى خماسى الأصابع، فاقع الاحمرار لدفع الحسد عنه.. هذا هو المشهور بين الناس لتفسير تسمية البيت بهذا الاسم الطريف، مع أن بابه المتهالك فاقد اللون لم يعد معلقاً فيه أى شىء إلا غلالات العناكب.

ولا شك فى أن هذا البيت عتيق ومعمور منذ زمن بعيد، لكن الخلاف واقع بين الجيران فى أقدميته بالمقارنة مع المنزلين المجاورين له، إذ يلاصق من جهة بيت فرعون المعروف عند معظم الجيران بأنه أول بيت بناه هنا الناس الغابرون، وهو من الجهة الأخرى يلاصق «بيت الهوانم» الذى يعتقد بعض جيراننا أنه الأقدم، بدليل اتساعه وارتفاع أسقف طوابقه الثلاثة، مما يشير بوضوح إلى أنه بُنِىَ فى زمن العماليق المعروفين باسم: الطيطان.. لكن الشيخ «شحاتة البردقوشى» الواثق دوماً مما يقول، يقول إن المنازل الثلاثة بُنيت معاً فى زمن الجاهلية الأولى، وتم ترميمها مرتين: الأولى فى زمن الجاهلية الثانية، والثانية فى زمن الجاهلية الثالثة، وهو متيقن تماماً مما يقوله، وبعيداً عن ذلك كله يزعم جارنا المهندس «سامى خليل» أن منازل الزقاق كلها لا يعود تاريخ بنائها إلى أكثر من مائة عام! مؤكداً أن «بيت الننوس» أقدم من «بيت الهوانم» والأقدم من كليهما هو «بيت الفرعون». وأن البيوت الثلاثة مبنية بطريقة الحوائط الحاملة، التى كانت هى الطريقة الشائعة فى ذاك الوقت، وهو يسخر مما يسميه تخاريف البردقوشى ويقينه الوهمى، ويصفه بأنه مجرد رجل «مَرْزنجوشى»، وهى كلمة خطيرة لا يفهمها كثيرون.

«فادى» ولد مؤدب، محبوب من معظم الجيران أو هو بالأحرى كان محبوباً قبل وقوع الوقائع الأخيرة، المحيرة، التى جعلته فى الفترة الأخيرة حديث جميع الجيران. وهو «حيلة» أى وحيد أمه وأبيه، فقد تأخر أبوه فى الزواج حتى بلغ من العمر التاسعة والأربعين، فلما «كوّن نفسه» بحسب التعبير العامى الغامض، أو «استطاع الباءة» بحسب التعبير الفصيح الأكثر غموضاً، اقترن بفتاة عانس فى الخامسة والعشرين من عمرها فأنجبت له من فورها «فادى» فاكتفيا به، حسبا يقولان. ويقال إن عِنّة لحقت بالأب، فلم يستطع أن يؤاخى وحيده، ويقال بل هو قرار الأم بعدما نصحها الأطباء بألا تنجب ثانية، لأن قلبها ضعيف ولن يحتمل جريان دورتين دمويتين بجسمها، مجدداً.. وبصرف النظر عن هذه الأقوال وهذا التقوُّل، فإن أسرة «فادى» معروفة بأنها هادئة وديعة، ولا يعرف أحد أنهم اشتبكوا مع أحد يوماً فى عراك، ومن لطائف أمورهم أنهم مولودون فى شهر واحد، ولهذا فهم يحتفلون بعيد ميلادهم كل عام، فى ليلة النصف من هذا الشهر.

بدأت الأحداث هادئة فى الليلة التى كان فيها أبوفادى يحتفل بعيد ميلاده الماسى، وأمه بعيد ميلادها الذهبى، وهو بعيد ميلاده الفضى، إذ اقترح «فادى» فكرة، فوافق عليها أبوه وتحمست أمه، مفادها أنه سوف يستغل جانباً من غرفة شقتهم المطلة على الزقاق لإصلاح التليفونات المحمولة، ويجعل من الشباك المنخفض منفذاً للتعامل مع زبائنه.. كان فادى قد يئس تماماً من حصوله على وظيفة مناسبة أو غير مناسبة بشهادته الجامعية، فاستغل هوايته ومعرفته بأمور التليفونات وعمل مناوباً فى دكان لإصلاحها وبيع قطع غيارها غير الأصلية، وقد مهر فى عمله فجرى بين أصابعه بعض المال، فصار يصبو إلى الاستقلال وممارسة نشاطه من منزله، عبر الشباك المنخفض.

فى اليوم التالى، عزل «فادى» جانب الغرفة الذى فيه الشباك، بفاصل خشبى فيه أرفف وضع عليها قطع الغيار ولوازم الموبايلات المسماة «إكسسوارات» واخترع طاولة بوضع قرص خشبى ذى قوائم على قاعدة الشباك يضعه وقت اللزوم ويطويه عند انتهاء يوم العمل، وبالغ فى الأمر فكتب على لافتة علقها بأعلى الشباك (جنة الموبايل. بيع وشراء وتصليح).

وإن هى إلا أيام معدودات، وبعدها عرف الجيران وجيرة الجيران طريقهم إلى «دكانة فادى»، خصوصاً أنه كان يعامل زبائنه بلطف، ولا يُغالى فى أجرته أو مكسبه من قطع الغيار.. ومع مرور الوقت وازدهار هذه «الشغلانة» صار شباب الجيران يتحلقون حول شباك «فادى»، فرادى وجماعات، وهو جالس على الجانب الآخر يمارس عمله مثل أمير فقير يتربع على عرش الهوامش، وبطبيعة الحال، كان كثير ممن يتجمعون حول الشباك، من شباب «الدليفرى» الذين يتجافون عما تطبخه الأمهات فى البيوت، ويفضلون الوجبات الجاهزة المترعة بالتوابل والإضافات الحارة ولاذعات المذاق، وقد أهاج اجتماعهم هناك وتضاحكهم الدائم حفيظة «البردقوشى» فكان أول الأمر يرميهم بنظراته الحادة حين يعبر بهم، ثم صار يغمغم غاضباً بتلك الغمغمات المسماة «برطمة» فيبتسم الواقفون ولا يُعلِّقون، ثم بلغ به الغيظ مداه فكان يقف قبالتهم متوكئاً على عصاه وزاعقاً فيهم بما معناه أنهم شباب فاشل، لا شغل له ولا مذاكرة ولا همّ إلا ملاحقة أدبار العابرات بعيونهم الشبقة وهدد بأنه لن يسكت على شيوع هذه المعاصى العلنية، وهنا حاول «فادى» استرضاءه بالكلم الطيب ولكن هيهات، فانتهى الأمر بعد تدخل المهندس «سامى» الذى كان يمر بالصدفة بهم، إلى أن الوقوف أمام المحل ممنوع طيلة النهار وأول الليل، ومسموح به على هون فى أواخر الليلات.

وقد بدأت الأحداث تتسارع ويتفاقم الأمر، بعد الليلة التى أتى فيها صبى توصيل «الدليفرى» مع الطلبات بتليفون محمول مقفول برقم سرى، قال إنه عثر عليه عند حافة الضفة الراقية من الميدان، حيث حدود الحى الآخر الفاخر، الذى يسكنه المرتاحون.. طلب الصبى من «فادى» فتح التليفون وفك شفرته، أو شراءه وتفكيكه لاستعمال أجزائه كقطع غيار. تردد «فادى» قليلاً ثم استجاب لإلحاح الصبى واشترى منه «الموبايل» بثمن بخس، أسعد الصبى، وفى تلك الليلة الصيفية أطال المتحلقون حول «فادى» السهر وتسامروا بأحاديث متفرقة، كان منها بالإضافة إلى المعتاد من حكايات المحبين وسِيَرِ البنات، أحلام كل واحد منهم. وقد كانت كلها أحلامًا فقيرة الخيال، وقال «فادى» للحاضرين إنه يحلم بإقامة جدار عازل فى وسط هذه الغرفة، فتصير شقتهم ذات الغرفتين ذات ثلاث فيمكنه الزواج فى الغرفة الثالثة وممارسة عمله الموبايلى فى الجزء المقتطع من الغرفة وفتح شباكه ليكون باباً.

الولد «ميدو» ابن الست فتحية الشراشيبى، الأرملة معظم عمرها، معروف بحماسته وغلو انفعاله وميله للفُتيا فى كل الأمور، راقت له فكرة «فادى» فأكد أنها عبقرية ولابد من الشروع الفورى فى تنفيذها، وعرض تطوعه للعمل فى بناء الجدار العازل وفى الحصول على الطوب المطلوب والأسمنت بسعر منخفض، من أقاربه الذين يعملون فى توريد لوازم البناء. وأردف بفتوى مهمة، هى ضرورة أن يحفر «فادى» للجدار عمقاً لا يقل عن متر، حتى يقوم الجدار قوياً ويسند الحائطين الواصل إليهما.. وافترق الجمع سعداء، كعادة الشباب.

فى اليوم التالى، ظل شباك «فادى» مغلقاً، نهاراً وليلاً، فلم يهتم أحد. فلما تكرر الأمر أياماً، وجد اهتماماً غير جاد وبدأ نفر من الجيران فى الاستفسار عن سبب الإغلاق وعن اختفاء «فادى» الذى ما عاد يظهر نهاراً، ويعود يومياً متأخراً فيمرق إلى بيته دون تسكّع كبقية الشباب الطبيعيين. «البردقوشى» قال لبعض الجيران إن الله استجاب لدعائه بغلق هذه «البَنْيكة». هو يسمى دكان «فادى» بهذه التسمية. «ميدو» قال إنه صاحب الفكرة، لكن «فادى» نفذها وحده حتى لا يترك لأحد غيره حق التفاخر بالفكرة العبقرية. «نوسة»، بنت حمدى الفلاح، قالت إنها واثقة من أن «فادى» يعيش بالشقة وحده منذ فترة، وأباه وأمه ما عادا موجودين. وهذا غريب.

كثرت أقاويل الجيران وتشعبت، حتى إنه لم يعد معروفاً مَن الشخص الذى كشف السر وفضح أصل الحكاية التى باتت معروفة للجميع. وموجزها، تلافياً لاختلاف الروايات فى بعض التفاصيل، أن «فادى» حين بدأ الحفر فى الغرفة للوصول إلى العمق المطلوب، وجد فجأة «جرة قديمة» من تلك التى يسميها الناس: زلعة. وبعدما خفق قلبه خوفاً وأملاً، انتفض فرحاً حين كسر «الزلعة» فانتثرت عملات ذهبية تعود إلى عدة عهود سحيقة. قال «البردقوشى» إنها من زمن احتلال الهكسوس للبلاد بقيادة الملك الهكسوسى «عليوة»، ثم عاد بعد أيام وأضاف أن فيها عملات تعود إلى زمن الاحتلال الفارسى للبلاد بقيادة الشاه «لذيذ بن قمبيز» وعملات أخرى من أزمنة أقدم. وقال حمدى السباك إنه كان يسمع صوت الحفر فى جوف الليل، مع أن «فادى» كان حريصاً على عدم إحداث ضجة، وفى ليلة سمع صوت تحطيم جرار كثيرة لا جرة واحدة، وهذا منطقى، لأن الفراعين كانوا يضعون الجرار الكثيرة معاً، متجاورة فى سرداب. وقالت سعاد بنت الحاج مدبولى، إنها منذ فترة تلمح «فادى» يخرج فى البواكير، يومياً، ومعه حقيبة جلدية منتفخة بالعملات التى يبيعها لتجار الآثار، وفى وقت متأخر يعود بالحقيبة منتفخة بالأوراق المالية، فلابد أن الكنز كبير وفيه عملات وفيرة العدد، وإلا لما استغرق تفريغه وبيعه هذه المدة التى تزيد على شهر. البردقوشى قال إن السرداب الذى فيه جرار العملات الذهبية، ممتد تحت بيوت الزقاق وملىء بالآثار والتماثيل والعملات، والجشع أعمى «فادى» فجعله يزيح التراب ويتسلل فى السرداب فيحصل على ما تحت بيوتنا من كنوز، ونحن عنه غافلون. المهندس سامى، كالمعتاد منه، سخر من هذا الكلام وقال باستهانة، إن تربة المنطقة طينية رخوة، وكان الفيضان يغمرها ويغمر الميدان المجاور والحى الراقى، وبالتالى فلا مجال هنا لوجود أنفاق أو سراديب.. وطبعاً، لم يهتم أحد بهذا الكلام المبهم عن التربة.

■ ■ ■

الماكرون من الجيران، يعنى الأذكياء والعباقرة، اخترعوا طريقة يتأكدون بها من أن سرداب الآثار يمر من تحت بيوتهم، وأقنعوا سكان الشقق الأرضية بحفر مجسات دائرية بعُمق متر وعرض نصف متر، حتى إذا صارت كالآبار نخسوا جوانبها الطينية بأسياخ، عساها تصطدم بصلابة أحجار السرداب أو فخار الجرار المليئة بالعملات. ولما انهمكوا فى ذلك، يحركهم الأمل والشعور بقرب العثور على مدخل للكنز، تصدعت بعض الأساسات، فحذرهم المهندس «سامى» مما يفعلون، لكنهم لم يسمعوا له بعدما عرفوا من «ميدو» أنه ينهاهم عما يفعلون لأنه متواطئ مع «فادى» ويحصل منه على نسبة من الكنز، نظير صمته عن الحقيقة وتضليله للجيران إلى حين استنفاد الكنز، وأضافت «جارتنا» بسيمة أم حسنى الرفافيسى، أن المهندس «سامى» هو الذى دلّ «فادى» على تُجار الآثار الذين يشترون العملات والتماثيل الذهبية بالعملات الأجنبية، وأكدت أن قريبتها «زكية» عرفت من قريبتها «حسنية» أن أم فادى وأباه استقرا فى قريتهما البعيدة بعد شراء فدادين كثيرة هناك بأموال «فادى» وقد زعما لأهل القرية بأنها تحويشة العمر، فلم يشك فى الأمر أحد. وصارا اليوم يملكان أكثر من مائة فدان مزروعة بأشجار الموالح والمحاصيل الموسمية. وكل عقود الملكية يحررانها باسم «فادى» الذى يزورهما مرة كل أسبوع، يوم الجمعة، للإشراف على المهمة التى يقومان بها، وبناء «الفيلا» التى تتوسط الفدادين المشتراة. وبعض أقاربهم هناك يؤكدون أن «فادى» ينوى بناء هناجر كبيرة لتكون نواة لمزرعة تسمين العجول التى يزمع عملها هناك، بعيداً عن الأعين.. وختمت كلامها بعبارة الاستسلام: ربنا يسهل له! فزعق فيها البردقوشى وفى الحاضرين: يسهل له بفلوس الناس، يسرقنا كلنا عينى عينك، ونقول ربنا يسهل له. أستغفر الله العظيم من كل ذنب عظيم، أستغفر الله العظيم من كل ذنب عظيم.

- طيب نعمل إيه يا شيخ بردقوشى.

- ندافع عن حقنا وناخده، كفاية نهب. ده رزق عيالنا يا ناس.

- يعنى نحفر تانى..

- لا، السرداب ده شكله كده حلزونى، يعنى بيلف تحت الأرض وصعب نلاقيه، إحنا ندخل شقة الولد الحرامى ونتأكد بنفسنا وناخد منه حقنا، وكلنا إيد واحدة.

- أنا موافق.

- وأنا..

- كلنا موافقين، إحنا وراك يا بردقوشى، كلنا وراك.

- أيوه كده، وربنا قال: من مات دون ماله فهو شهيد.

- وكلنا لا مؤاخذة شهداء، يلّا على بيت الحرامى.

المهندس «سامى» بسبب حظه العاثر، سمع الداعين إلى الجهاد فأسرع بالنزول من بيته لتهدئة الجموع الثائرة، لكنه ما كاد يقول عبارة: «يا جماعة بلاش عنف وجنان..» حتى وثب إليه ثلاثة ثائرين وأوسعوه ضرباً، فانضم إليهم كثيرون وهم يتصايحون بعبارات زاعقة من مثل: شريك الحرامى، ضحكت علينا يا كلب، فاضل من الكنز كتير؟ اعترف، كفاية كدب، كل حاجة اتكشفت.

وانطلقت الجموع إلى شقة «فادى» الذى كان يغطّ فى نوم عميق، فلما كسروا عليه الباب وهم يتدافعون خاف وأمسك بقضيب معدنى للدفاع عن نفسه، لكنهم سلبوه منه وضربوه به ليعترف. ولم يعترف. احتشد ما لا حصر لهم من الجيران ومعارفهم ومن حضر، وراح بعضهم يفتش فى أنحاء الشقة عن أثر الكنز، وبعضهم الآخر أخذ يدق على بلاطات الأرضية عساه يسمع صدى، وبعضهم خلع بعضها ودق بالمطرقة ونخس الأرض الرخوة بالأسياخ ليجد فتحة السرداب. ساد الهرج. انتبه المهووسون بالكنز حين سمعوا طقطقة شديدة، فصرخت امرأة وتدافع الجميع، فسقط بعضهم ودهسته الأقدام المندفعة، فاجتمع عند مدخل الزقاق العابرون بالميدان والساكنون بالأزقة الموازية، وبدا الحال كأنه يوم الحشر.. ومتأخراً، كالمعتاد، وصلت الشرطة والإسعاف.

بحسب تقرير المستشفى الحكومى، أصيب عشرة بكسور فى العظام والضلوع، وتلقوا العلاج، وأكثر من عشرة باختناق مؤقت وأربعة بسحجات من الدرجة الثانية. المهندس سامى خليل تادرس، أصيب بارتجاج جعله يفقد القدرة على الحركة والكلام، وليس هناك أمل فى شفائه خلال المدى المنظور. وأصيب «فادى» بكسر فى الترقوة، وجروح قطعية متفرقة ويحتاج علاجاً لمدة تزيد على واحد وعشرين يوماً.

وبحسب تقرير النيابة، بعد الفحص والمعاينة، لا توجد آثار من أى نوع تحت البيت. وتم التأكد من صحة أقوال «فادى» الذى قال فى التحقيقات إن أباه، البالغ من العمر خمسة وسبعين عاماً، عاد إلى قريته لينتظر الموت ويُدفن هناك، وصحبته زوجته لتكون قريبة من أهلها، وهما يعيشان حالياً فى بيت متواضع هناك. كما أفاد المجنى عليه، المدعو «فادى»، بأنه كان قد عثر على تليفون محمول، مفقود من صاحب شركة «النور المستور» متعددة الأنشطة، وعندما أعاد التليفون لصاحبه كوفئ على ذلك بوظيفة مشرف عمال، وكان فى الأشهر الأخيرة منتظماً فى موقع عمله بضاحية «أضواء الأضاحى» الواقعة على مسافة بعيدة من بيته.

وأُغلق المحضر فى ساعته وتاريخه، دون توجيه اتهام لأى طرف، وقُيدت وقائع الدهس والاعتداء بالضرب ضد مجهول.


#بطش_البرطوشى
أهل المنطقة التى نسكنها، كعادتهم، مختلفون جداً فيما يحدث مؤخراً بالبيت الكبير الذى يتوسط الزقِّاق، وآراؤهم جداً متنافرة فى رئيس اتحاد الملاك مسكين البرطوشى، فالبعض منهم يراه نعمة من إنعامات السماء هبطت علينا، وعلى النقيض يراه بعضهم الآخر نقمة لحقت بسكان البيت وقد تمتد لاحقا إلى بقية البيوت.. وكما هو معروف، فقد سُمى البيت الكبير بهذا الاسم، بسبب اتساع مساحة أرضه، وكثرة الشقق فى طوابقه التسعة، لا سيما الطوابق الخمسة العليا التى ارتفعت فى غفلة مقصودة، بالمخالفة للقانون، وبالرشوة بدأت الأحداث هادئة، بعد الزلزال المريع الذى لم يعرف له مركز، مع أن القارات كلها شعرت به وارتعشت معه، فما كادت الزلزلة وتوابعها تنتهى، حتى شهدت الأسابيع التالية توافد عدة عائلات مشردة، أو شبه مشردة لجأت للسكنى هنا بعد فقدانهم المأوى، لأن بيوت الزقاق والحارتين صمدت ولم يسقط منها منزل واحد، مثلما حدث فى أنحاء عديدة تهاوت البيوت فيها بعد ثوان من ابتداء الرجفة، أو بعد خمود توابعها، وقد تنازع أهل المنطقة كعادتهم فى تفسير السبب، فقال فريق: إن بيوتنا مبنية بالأحجار الكبيرة على أسس متينة، تحت إشراف مهندسين كبار وضعوا لها التصميمات المناسبة، وقال فريق آخر، إن أقوال الفريق الآخر خرافات وافتراء على الحقيقة التى يعرفها أهل الإيمان القويم والنفوس المستقيمة، فقد صمدت البيوت استجابةًَ لدعاء الرجل المبارك صاحب الكرامات «زمار المحروسى» الذى فوجئ ليلتها بالزلزلة فاندفع عارياً فور وقوعها، وخرج يجرى من حمام بيته المستكين بآخر الحارة البحرية المتفرعة من زقاقنا، قاصداً الميدان القريب، وهو يصيح صارخاً بكل ما فى قلبه من قوة وتقوى: ياستار، ياستار، ياستار.. ولما وصل إلى قلب الميدان متهدج الأنفاس وسالماً، سقط ميتا من فرحته بالنجاة، ودفن فى المكان الذى أسلم فيه روحه إلى بارئها، رحمه الله، فلما انتشرت كرامته، لم يسقط أى منزل بالزقاق والحارتين، حار الناس حيناً ثم ثابوا وأنابوا وبنوا فوق قبر الشيخ، القبة الكبيرة القائمة اليوم بوسط المقاهى التى بقلب الميدان، ومن أنحاء البلاد تأتى إليها الزائرات لاغتراف البركة، وفك الأعمال السحرية، وعمل الطلسمات للتعجيل بزواج الآنسات المائلات بطبعهن إلى التماس الأنس الآملات فى الاستلقاء المسمى دخول الدنيا، بعد حرمان منها إلى حين قد يطول، أما الرجال الفُرّاغ والرُقعاء من الشباب، فيرتادون المقاهى المحيطة بالمقام الطاهر، لإبهاج مهجتهم بتعليق عيونهم بمفاتن الزائرات الآتيات للهمس بالأمنيات وهن متعلقات بالقضبان النحاسية المحيطة بمدفن صاحب المقام، رحمه الله.

وبصرف النظر عن هذه التفسيرات، فقد أدى صمود المنازل فى وجه الزلزال، إلى تأكيد ثقة الناس فى رسوخ المبانى فقاموا بتعليتها بشكل عشوائى محموم، اعتماداً على متانة قواعدها وعلى بركة الشيخ زمّار المحروسى، رحمه الله. وفى خلال أشهر معدودات تضاعف عدد سكان الزقاق والحارتين، ثلاثة أضعاف، مع مجىء الجيران الجدد الذين كان من بينهم «مسكين البرطوشى» الذى استأجر شقة بالطابق الأخير، المخالف، فى هذا المنزل المزدحم المسمى «البيت الكبير».

■ ■ ■

كانت أحواله عند الابتداء هادئة، فلم يشعر معظم الجيران بالساكن الجديد «مسكين» لاسيما أنه كان ميالاً للتوارى عن العيون، ونادراً ما يخرج إلى شرفته العالية أو يجالس الناس فى المقاهى.

ويوماً من بعد يوم، وعاماً تلو عام، عرفه الجيران لكنهم لم يعرفوا عنه الكثير، إذ كان يوجز فى الإجابة كلما سأله الفضوليون ولا يصرّح إلى بالنذر اليسير، فإذا سألوه عن عمله قال: على باب الله! وعن معنى اسمه الغريب، قال: هو اسم جدى لأمى، وكان من الصالحين! وعن معنى لقبه العجيب، قال إن جده الخامس كان يجمع الأحذية القديمة ويشترى البراطيش، كى يفك جلودها المهترئة ويحزّ حوافها، ثم يبيعها قطعاً صغاراً لمن يُصلحون الأحذية ويخصفون النعال.. وهى مهنة كانت مهمة، لكنها اختفت بعد انقضاء زمن النعال الجميل.

وبعد سنوات من سُكناه هنا، تبدّلت أحوال «مسكين» وأفعاله، وكان بعضها لافتاً للنظر، أو لعله تعمّد بها لفت الأنظار إليه. إذ أخذ يُكثر من غُدوه ورواحه فى الزقاق ويجاذب الناس أطراف الحديث ابتداءً، ويرتدى ملابس شبه رسمية ليجلس على المقهى القريب، وأيام الجمعة يذهب فى جلباب أبيض للصلاة وعلى رأسه قماشٌ أبيضٌ شبه شفاف يسميه «الغُترة» فوقه عقال أسود أو أحمر، ويقول إنها سنة الرسول. وكلما تشاحن اثنان أو اندلع العراك بين جماعة، أسرع إليهم لتهدئة النفوس وفك الاشتباك، حتى لو كان الخلاف بين زوج من الجيران وزوجته أو أخ وأخيه.

بعد فترة، صار يتردد عليه ثلاثة من لاعبى كمال الأجسام الضخام، عابسى الوجوه الذين يمكن اتخاذهم دليلاً على صحة النظرية القائلة إن الإنسان أصله غوريللا تزاوجت فى الأزمنة السحيقة مع الخرتيت وفرس النهر.. بدأ ظهورهم فى الزقاق مع ابتداء العام المعروف الذى اندلعت مع مطلعه الأحداث ثم تلاحقت، وما كان أحد من الجيران يتخيل ما سوف تؤول إليه، وقد اعتقد الجميعُ أن هؤلاء الثلاثة مجرد ضيوف عابرين جاءوا لزيارة «مسكين» مرة قد لا تتكرر، فلما تكررت زيارتهم تفاوتت أصداؤها. الفتيات اللواتى راهقن البلوغ صرن حين يرين منفوخ عضلاتهم نهباً للخيالات المبهمة ولأحلام المحرومات، والفتيان الذين لا يأكلون ماتطبخه الأمهات ويحبون «الدليفرى» صاروا عند مرورهم يسخرون سرا منهم ويتهامسون باسمين، والكثيرات من النساء اندهشن من منظر الأكتاف المنتفخة وتحسرن على حظوظهن، أما الرجال فكان بعضهم يقول عند عبور الثلاثة الزقاق: ويخلق ما لا تعلمون.. وبعضهم الآخر يحملق ويحوقل ولا يقول أى شىء.

الجيران الفضوليون سألوا «مسكين» عن العمالقة الثلاثة، فقال إنهم من أقاربه، وسألوه عن سبب ترددهم عليه، فقال إنهم كانوا يسكنون بعيداً والآن يسكنون بالقرب منه ويصلون الرحم من بعد طول انقطاع، وسألوه عن عملهم، فقال عبارته المعتادة: على باب الله! بعد فترة، ترددت فى الزقاق أقاويل لا ضابط لها ولا دليل عليها، منها أن هؤلاء الثلاثة أشقاء أشقياء كانوا مسجونين بسبب جرائمهم ثم أفرج عنهم مؤخراً، وهم الآن تحت المراقبة، ومنها أنهم فى الأصل أيتام ظلمتهم الحياة حتى استوى عودهم فاعتادوا التردد على المكان المسمى على لسان الفقراء «نادى الحديد» وعلى لسان المتفرنجين «الجيم» وهم الآن يعملون عند انتصاف النهار بتجارة المخدرات والعقاقير النافخة للعضلات، وعند انتصاف الليل يحرسون أحد البارات المشهورة ويقمعون اندفاع السكارى.

■ ■ ■

فى منتصف العام المعلوم، صار مسكين البرطوشى «يخرج يومياً» من بيته ساعة العصر يحوطه الثلاثة الضخام كأنهم الحراس، فأوحى ذلك لبعض الجيران بقصة شيقة ملخصها أن «مسكين» مطلوب فى ثأر وقد استأجر هؤلاء لحمايته من المتربصين به. وزعم جيران آخرون أن العكس هو الصحيح، فهؤلاء الثلاثة مطلوبون للثأر فى بلدة نائية بأقاصى الصعيد، وقد لجأوا إلى «مسكين» لتسهيل سفرهم إلى خارج البلاد لأن لديه خبرة فى هذا المجال، وكان يمارس هذا النشاط لسنوات ثم انقطع عنه بعد وقوع الزلزال وانهيار المبنى الذى كان يتخذه مقراً لشركته المتخصصة فى تلبية رغبات الطامعين فى عقد عبودية مؤقتة.. لكن تلك جميعها حكايات لا تأكيد لها ولا اهتمام بإثباتها، لأن الحكى والتحاكى والحكايات هى الأهم المطلوب لذاته فى الزقاق.

.. ثم بدأ تصاعد الأحداث فى منتصف الصيف الماضى، وقت الظهيرة، ساعة وقف «مسكين» أمام بوابة البيت الكبير يحوطه عماليقه الثلاثة، وصاح ليسمعه العابرون والساكنون: الوضع ده ما يصحش!، فجاوبته من شرفتها المنخفضة الحاجة «محاسن» الساكنة بشقة بالطابق الأرضى للبيت الكبير، وجرى بينهما هذا الحوار:

- مالك يا سى «مسكين» زعلان ليه؟

- حالة العمارة بقت زفت، ولازم نتحرك.

- والله عندك حق يا خويا، ربنا يعدلها من عنده.

- ربنا قال: اسعى يا عبد وانا اسعى معاك.

- يعنى نعمل إيه؟

- نعمل اتحاد ملاك يا ست محاسن ويبقى له رئيس.

- بس يا سى «مسكين» العمارة كلها إيجار، وفيها شقق مفروشة كتير، وصاحبها الأساسى الله يرحمه.

- وماله، برضه لازم نختار رئيس اتحاد ملاك علشان يراعى العمارة بدل البهدلة دى. المدخل زبالة ونور السلم مطفى على طول، والمناور مليانة فران ويمكن كمان فيها تعابين.

- خلاص يا سى «مسكين» إحنا اخترناك انت رئيس للاتحاد، وأكيد الشباب قرايبك دول هيساعدوك.

- على خيرة الله، والله المهمة صعبة يا ست «محاسن» إنما ربنا يقدرنى.

أطلقت الحاجة «محاسن» زغرودة رنانة، معلنةًَ عن ابتداء رئاسة «مسكين» للاتحاد، فردت عليها من زوايا الزقاق الزغاريد التى لم تعرف المزغردات بها سبب الزغردة.. وفى المساء، سرى همس بين شباب الدليفرى، مفاده أن الحوار الذى جرى بين محاسن ومسكين، كان متفقاً عليه من قبل، لكن عقلاء الزقاق رفضوا هذا التفسير التآمرى، وقبلوا ولاية رئيس اتحاد الملاك عسى الله يحدث من بعد ذلك أمرا لا يكون إمراً، وتغاضوا عن أن البيت الكبير لم يعد له مالك معروف منذ سنين ولا يسكنه إلا المستأجرون بالنظامين القديم والجديد.

■ ■ ■

بدأ عهد «مسكين» فى اليوم التالى مباشرة، باحتفال ذبح فيه خروفاً للفقراء من أهل البيت الكبير والبيوت المجاورة، ودعا السكان للتبرع بالمال لمساعدته على العناية بالمكان. فى ختام الاحتفال تبرم بعض المفجوعين واشتكوا من أن العماليق الثلاثة التهموا نصف الخروف، فبتسم «مسكين» ووعد بذبح خروفين فى الاحتفال القادم.. الاحتفال الذى لم يقدم قط.

بعد أسابيع، أعلن رئيس الاتحاد أن حصيلة التبرعات لن تكفى لتحقيق ما يحلم به من إصلاحات، واقترح أن تدفع كل شقة من الشقق الخمسين بالبيت الكبير خمسين جنيها إذا كانت مستأجرة بالنظام القديم ومستأجرها يسكنها، وخمسمائة لكل شقة مفروشة أو مستأجرة بالنظام القديم وأجرها المستأجر لمستأجر بالنظام الجديد. بعضهم ابتهج بالقرار وسارع بتسديد المستحق عليه، وبعضهم امتعض وقدم ما عليه بيد تتردد وملامح مشمئزة، وبعضهم رفض فأرسل إليهم «مسكين» عماليقه فدفعوا عن يد وهم صاغرون، وقد ظنوا جميعهم أن المبلغ المدفوع مطلوب لمرة وحيدة، فلما انقضى الشهر وطولبوا بالمبلغ مجدداً أدركوا أنه فريضة شهرية، فأصابهم الهلع. لكنهم دفعوا جميعاً عندما أعطى العماليق «علقة» موجعة لأول معترض رفض الدفع وتجاوز حدّ الأدب فسأل نبرة معدنية الإيقاع: وهى فلوسنا الأولانية راحت فين؟.

الولد حمادة أبودومة الساكن بالطابق الرابع من بيت العفريت الملاصق للبيت الكبير، انفعل بما جرى لجيرانه وأخذ يهذى بكلام عجيب عن ضرورة احترام الحاكم للمحكومين والسلطان للمسطولين، هذا الولد الجامعى معروف بأنه من جماعة «الدليفرى» وبأنه مندفع ولا يعرف مصلحته، بدليل أنه يقرأ الكتب غير المقررة عليه. تصرف «مسكين» بحكمة وأرسل أحد عماليقه لتهديد «حمادة» والنظر إليه بالعين الحمراء، حتى يعيده إلى عقله ويجعله يكف عن الاعتراض، لكن العمليق فشل فى مهمته، لأنه حين نظر بعين حمراء بادله «حمادة» ونظر إليه بعين زرقاء، ثم عين سوداء، ثم عين بألوان قوس قزح، صاحبها ترقيص الحواجب. وطبعاً، فكر العمليق فى ضرب «حمادة» العلقة المعتادة، لكنه تراجع عندما أدرك أن خمسة شباب من أصحاب «حمادة» موجودون عنده بالشقة ينتظرون بفارغ الصبر وصول الدليفرى.

«على العموم، حمادة ده ابننا وروح قلبنا».. هذا ما قاله الريس مسكين البرطوشى وهو جالس عند بوابة البيت الكبير وحوله عدد من خيرة الجيران، عندما أخبره العمليق التعيس بما جرى من تبادل للنظرات بالعيون المتلاونة، تهديداً واستخفافاً، وما جرى من تلعيب «حمادة» لحواجبه وإخراجه لطرف لسانه فى ختام المقابلة وانتهاء المهمة، قال «مسكين» عبارته الحنون والحنق يحز فى قلبه والغل يغلى بداخله، ثم استأذن من مجالسيه لأداء صلاة العصر، ولحق به العمليق الوحيد.

صباح اليوم التالى، فوجئ الجميع بمجىء العماليق الثلاثة صباحاً على غير عادتهم، جلسوا ببؤس الكومبارس حيناً على الدكة التى نصبها «مسكين» بجوار باب البيت عقب ولايته الأمر، ثم قاموا ينادون عليه من وسط الزقاق إلى سماء الطابق التاسع، بصوت جهير أجش تداخلت فيه العبارات: إحنا وصلنا يا حاج.. يا حاج مسكين هات لنا معاك الجنزير والسكاكين.. طلبنالك القهوة يا حاج، ما تتأخرش فى النزول!. وكان من الواضح أنهم لا يعلمونه بوصولهم أو يستدعونه للنزول، وإنما أرادوا إرهاب السامعين بالجعجعة المفجعة.

لم يكن «حمادة» موجوداً لحظتها، وحين عاد عصراً من الكلية أخبره الجيران بما جرى فى الصباح، فضحك وقال: بدأوا الهوهوة.. وأسعفه خياله بفكرة غريبة، هى إطلاق أسماء أنواع الكلاب على العماليق الثلاثة، فصاروا من يومها يُعرفون بين السكان بأسماء: بيتبول، روت فايلر، دوبرمان.

ربما لو كان «حمادة» قد اكتفى بالمشاكسات السابقة، لما لاقى مصيره المجهول. لكنه للأسف الشديد تمادى فى غيّه مستهيناً بالخطر المحدق بالمعارضين، بل تجرأ على الريس مسكين عندما عاتبه على تلك الأفاعيل أمام مجموعة من الجيران، وأنهى كلامه ختاماً أبوياً بأن قال له: يا حمادة، يا سُكر زيادة، كده مُش كويس! فكان رد «حمادة» غير المتوقع من السامعين: كلمة «كويس» دى شكلها مشتقة من الكوسة، وإحنا خلاص شبعنا منها.. جرى هذا الحوار قبيل الغروب، وفى صباح اليوم التالى ذهب «حمادة» إلى الكلية ولم يعد.

مضت شهورا، وأسرة «حمادة» تبحث عنه إلى اليوم بلا طائل، وقد حزن عليه الجيران حيناً ثم فتر حزنهم كالمعتاد، ونسوه.. وبالطبع كان الريس مسكين حزيناً على مصير «حمادة» ومتألماً من اختفائه، لكنه كان يمزح أحياناً فى غمرة إظهاره للحزن والألم، فيقول فجأة: طيب ما نسأل عنه الدبان الأزرق، هههه.

■ ■ ■

صحوت صباح اليوم متأخرا عن موعد العمل، فأسرعت بالخروج مهرولاً عسانى أتفادى خصم شهرين من مرتبى عقاباً على التأخير، حسبما تنص اللوائح الجديدة، وعند نزولى السلم مسرعاً، تذكرت فجأةً أن اليوم إجازة عيد العمال والفلاحين، فلم أشأ الرجوع إلى السرير.خطر ببالى أن أذهب إلى إحدى الحدائق عسانى أجد هناك هواءً نظيفاً يساعدنى فى صراعى من أجل البقاء، لكننى عند مدخل الزقاق وقفت مشدوهاً ولم أذهب لأى مكان. فقد كان الريس «مسكين» واقفاً فى قلب الزقاق، وحوله العماليق، وأخذ يزعق قائلاً ليُسمع العابرين والساكنين: الوضع ده ما يصحش!، فجاوبته من شرفتها المنخفضة الحاجة «محاسن»، وجرى بينهما الحوار:

ــ مالك يا سى «مسكين» زعلان ليه؟

ــ حالة الزقاق بقت زفت، ولازم نتحرك.

ــ والله عندك حق يا خويا..


#بيت_العفريت

الناس يسبحون فى بحر من الأوهام، ثم يظنون أنهم يختارون طريقهم فى الحياة.. مع أنهم لم يختاروا أسماءهم، ولا الأسرة التى ينتسبون إليها، ولا البيت الذى يولدون فيه وينشأون ويسكنون! السكن والسكون والسكينة والمسكنة، كلها كلمات مشتقة من «الكين» الذى هو باطن فرج المرأة، لكن معظم العوام والخواص لا يعلمون، ولا يتعلمون. كان مولدى، ونشأتى وسكناى، فى المنزل الرابع على يسار الداخل إلى الزقاق، وهو المعروف عند الجميع باسم: بيت العفريت.

أذكر أننى أول مرة نزلت إلى الحارة المتفرعة من الزقاق، لألعب مع بقية أقرانى من صبيان الجيران، سألنى ولد نحيل ببراءة أطفال يلعبون فى الحارات عن المنزل الذى أسكنه، فأشرت إليه ببراءة الأطفال الذين لم يلعبوا فى الحارات، فقال بلا اكتراث، آه، بيت العفريت.. فبقيت من بعدها عدة أيام، حائراً فى صحة هذه التسمية وسببها ومعنى العفريت.

وأذكر أننى سألت أبى عما يحيرنى، فأجاب كالمعتاد بأننى سأعرف كل شىء عندما أكبر، وأفهم. ثم مرت الأيام ومات أبى وكبرت، لكننى لم أفهم شيئاً.. قبل وفاته بعام أو أقل، أجلسنى أبى بجواره فى ظهيرة صيفية واستفسر منى عن سبب شرودى وعما أفكر فيه، فقلت: العفريت. كنت آنذاك فى حدود العاشرة من سنوات عمرى، وكان أبى يجلس فى الصالة مستريحاً بملابسه الداخلية المتهدلة، مائلة اللون، وسط كومة جرائد يتصفح فيها بعين الملل، وكأنه كان يشعر بدنو أجله وضرورة أن أحمل الأمانة من بعده، فقد أفاض فجأة فى الكلام معى على غير عادته، وعرفنى بكثير من الأسرار. قال إنه، رحمه الله، ولد فى يوم مشهود هو الثانى من التاسع من سنة خمس وأربعين وتسعمائة وألف، ساعة أعلنوا انتهاء الحرب العالمية، فاستبشر بمولده الجميع، واختاروا له اسما مميزا هو «شلبى» وصاروا يدللونه فى طفولته باسم ساحر هو «شَـلَبَوب». خشيت يومها أن يطيل أبى كلامه الذى لا طائل تحته، فسألته بمكر الأطفال الذين يظنهم آباؤهم أبرياء، عن ابتداء معرفته بعفريت هذا البيت وعن حقيقة العفاريت عموماً، فأخبرنى بأن فى كل بيت عفريتا لكن العفريت الذى فى بيتنا نفريت، ومريض بحب الظهور والسيطرة وممارسة الألاعيب، ولا يعرف معنى العيب. وقد كان يعيش تحت الأرض مع بقية العفاريت الذين لم يحققوا ذاتهم، وذات ظهيرةٍ غامر المغامرة الكبرى وغافل الجميع وظهر. وكان ظهوره فى يوم قائظ شديد الوطأة جاء بمنتصف صيف السنة الثانية بعد الخمسين، وهو اليوم المعروف الذى صار عيداً للمخدوعين يحتفلون فيه كل عام بالأوهام، نظراً لأن سكان البيت مشهورون بالتدين، والمتدينون يحبون الاحتفال.. استغلالاً لهذه الفرصة النادرة السانحة، سألت أبى إذا كان قد رأى العفريت وتعامل معه، فضحك مستخفاً بسؤالى وقال إن الجميع يعرف العفريت ويتعامل معه، ولكن بشكل غير مباشر. لأن من طبع العفاريت النفور من المباشرة والوضوح، والميل إلى التخفى واللعب من خلف الأستار، والمرح فى الليل، وفى النهار الاستتار للحفاظ على الوقار. قلت لأبى: ولماذا يتعب العفريت نفسه مع الناس؟ قال: لأنهم مصدر قوته الوحيد، وبدونهم لن يجد الاعتراف به كعفريت، نفريت أو غير نفريت. سألت: يعنى، ماذا يريد منهم؟ قال: كل شىء.

وأذكر أن أمى كانت فى طفولتى تتحفنى كل مساء بأشهى مشروب يمكن للإنسان أن يحتسيه، بأن كانت تغلى على نيران «السبرتاية» اللبن وفى غمرة غليانه تلقى فيه بقطعة من شيكولاتة كان اسمها «كورونا» وتقلب برفق حتى تذوب، ثم تصبه لى فى كوب معدنى كنا نسميه الكوز، فأستمتع بالمذاق القوى البديع، وتستمتع هى باستمتاعى. سألتها مرة عمن علمها طريقة إعداد هذا الشراب اللذيذ، فقالت ببساطة إنها فكرة أوحى بها العفريت إليها، فقامت بتنفيذها.. صحت لحظتها ببراءة صغار أوشكوا أن يكونوا كباراً، عاش العفريت، بالروح بالدم نفديك يا نفريت.

ففرحت أمى بى.

■ ■ ■

امتزج العفريت بنشأتى وغاص فى خلالها، فصار كأنه الحقيقة التى لا تقبل الشك. ففى صباح الأحد والجمعة من كل أسبوع، كانت أمى كبقية الجيران تطلق فى البيت البخور البلدى، الذى هو مجموعة من قطع الخشب الصغار مبللة بزيت عطرى، ومبثوث فيه كرات حمراء اسمها: عين العفريت. وفى كل مرة ينفعل أحد أفراد الأسرة، أو أى واحد من الجيران، فإن وصف انفعاله هو العبارة المعتادة: راكبه عفريت، وفى كل مرة أنهى عن الانهماك فى اللعب الطفولى العنفوانى، أنا أو أى ولد آخر، يقال: بطل عفرتة، وإذا أراد أبى، قمع أمى، قال لها مهدداً إن العفاريت تنط أمامه الآن فتسكت من فورها.

قالوا قديماً إن بواطن الأطفال كالشمع الدافئ، تقبل أى نقش. وقد انتقش العفريت فى وعيى فصرت أراه من بديهيات الحياة، ومع ذلك فقد وجدت بعدما كبرت أن بعض زملائى من موظفى الهيئة، كفّار ينكرون كل ما يتعلق بالعفريت، ويسخرون من حديثى عنه بعبارات عامية تدل على جهلهم، مثل: يا عم إيه التخاريف دى.. ربنا يكملك بعقلك، هههه. يا أخى اطلع من نافوخى! وحدها «أم يؤنس» هى التى كانت تهتم بكلامى عن العفريت، بل وتسألنى دوماً عن آخر أفعاله، وكانت تؤكد القاعدة المعلومة من المجتمع بالضرورة: كل خرابة فيها عفريت. والقاعدة الأخرى المعلومة أيضاً بالضرورة، ولا يجوز التهوين منها أو الازدراء لها: لازم نرضى الأسياد.

رضا العفريت صعب، وإرضاؤه عسير، لأنه يفعل أشياء عجيبة ولابد لنا من قبولها مثل حرصه على اختلاس مال الناس المخبوء، وكلما اكتشف المسروق نقص ماله وتدهور رصيده اتهم الذين حوله، وصاح فيهم بما معناه، يعنى فلوسى خدها العفريت! ويثور الجدال ويحتدم، فيضحك العفريت ويمرح كلما تعالت الأصوات بالاتهامات وبدفعها. بعض الجيران من الأثرياء الماكرين تصرفوا فى مواجهة ألاعيب العفريت ورغبته المفرطة فى تجريد الناس مما يملكون، بأن لجأوا إلى حيلة لا تخطر على البال وهى إيداع أموالهم بالخارج. خارج البيت. بيد أن العفريت انتقم منهم بإرسال الكوابيس إليهم أثناء نومهم، وإفزاعهم فى الظلام، ومسهم، فاستسلم بعضهم لمراد العفريت وأعطوه الكثير مما يملكونه فانصرف عنهم، وبعضهم الآخر هاجر وترك البيت بلا نية فى العودة.

ولحداثة سنى نسبياً، وقلة خبرتى فى الحياة، كنت أظن أن العفريت يسعى لسلب الناس أموالهم ويضيع أشياءهم، فقط. لكننى اكتشفت أن الأمر أعمق من ذلك عنده، وأنه فى خاتمة المطاف لابد أن يشعر بسلطانه التام على الناس، باستلاب نسائهم.. «مايسة» زوجتى هى التى نبهتنى لذلك هذه الليلة، ووضعتنى فى مواجهة مع العفريت، فقد أخبرتنى بعد عودتى من عملى الحر متأخراً، بما يجرى من خلف ظهرى منذ فترة. العفريت، أثناء غيابى ونومها يراودها عن نفسها ويجعلها معه مسلوبة المقاومة، تماماً، فثار جنونى وتأكدت شكوكى.

اندفعت غاضباً إلى خارج البيت لأفكر بهدوء، غافلاً عن أننى بابتعادى عن البيت تركت الفرصة كاملة للعفريت، فعربد، فور خروجى من باب البيت، لمحت فى الظلام الإمام «حسنى بلح الزغلول» الذى يؤذن للصلاة ويؤم «زاوية الحلتيتى» المواجهة لمنزلنا، فرحت برؤيته وهمست إليه قبل أن يغلق عليه باب الزاوية لينام. ولما رآنى مقبلاً هش لى وبش، ودعانى للدخول إلى حجرته الداخلية حتى يعود إلىَّ لونى المخطوف، فدخلت معه الحجرة المعتمة وأفضيت إليه بما يضطرم فى صدرى من النيران. أدهشنى أنه لم يندهش مما حكيته، وراح هادئاً يمرر على لحيته أطراف أصابعه، ثم قال بوقار:

- شوف يا «مرقص» يا ابنى..

- مرقص مين يا شيخ حسنى، أنا اسمى مخلص!

- آه، لا مؤاخذة. المهم. موضوع العفريت ده معروف من زمان، ومعروف إن ديله نجس. وطبعاً إحنا مؤمنين بوجود العفاريت، علشان مذكورين فى القرآن، إنما العفريت ده بالذات الحل سهل معاه.

- فرحتنى يا شيخ حسنى، إيه هو الحل؟

- انت من الليلة دى، ولمدة أسبوع، تجيبلى مراتك وتروح بالسلامة، وأنا هاقعد معاها طول الليل، اقرأ عليها..

- تقرأ عليها!

قمت وتركت الكذاب الملتحى، واتجهت إلى الميدان الفسيح مسرع الخطوات، مخنوق الأنفاس. نسمات المساء بوسط الميدان أعادت لى بعض الهدوء، وراقنى السكون فعقدت أصابعى خلف رأسى وعدت بظهرى إلى الوراء حتى تمددت فوق بساط النجيل. شعرت براحة. لا أحد حولى ليعتب علىَّ استلقائى، أو يستغربه، أو يعتقد بسببه أننى ممسوس. السماء الغارقة فى الأسوداد مزدانة بنجوم أشد سطوعاً من المعتاد، والهواء العابر واثق ولا رائحة له، فتوهمت برهة أننى فى الجنة حتى رأيت فأراً سميناً يمر بقربى، ففزعت وقمت من استلقائى مذعوراً ورميت نحوه بحصوة كبيرة، لكنه لم يهتم واستكمل طريقه غير عابئ بى وبما فعلت. فأدركت أنه ممسوس من عفريت يحب التجوال ليلاً.. ما هذا السكون! نظرت يميناً فرأيت بيوت زقاقنا والأزقة الموازية هادئة تماماً، ولا ضوء يأتى من أى طابق بأى بيت. ترى، ما الذى تفعله عفاريت البيوت فى غمرة هذا السكون المعتم؟ ونظرت يساراً فوجدت البيوت البعيدة فى الحى الراقى، القريب، الذى يفصلنا عنه الميدان ومستوى الدخل والأنوار الكثيرة. ليتنى كنت ساكناً فيه، ولكن هيهات، فالواقع واقع والأمنيات صارت كالمستحيلات.. لماذا تركت «مايسة» فى البيت تحت سطوة سلطان العفريت، وماذا أفعل وحدى فى قلب هذا الاسوداد الساكن، ولماذا كانت زوجتى غير فزعة وهى تخبرنى بخطط العفريت، وكيف لها أن ترفض الخروج من البيت معى للبحث عن حل؟.. أسئلة كثيرة ولا جواب على واحد منها، لا بأس، سأبقى هنا حتى تشرق السماء بنور الفجر ويأتى شيخ الجامع الكبير فأستفتيه فى أمر العفريت الذى استبد بنا وكشف عن نواياه الحقيرة بعد طول استتار.. وسوف أتسلى حتى ذلك الحين باستدعاء بعض الذكريات السعيدة من آبار الماضى البعيدة، عميقة الغور.

■ ■ ■

«مايسة» هى أجمل ذكرياتى، مع أن لقائى الأول بها كان مفاجأة غير متوقعة، أو صدفة سعيدة. فبعد وفاة أبى المبكرة، قاومت أمى عوامل الفناء بالبكاء، وساندتنى حتى توجت مسيرتى الدراسية بالنصر وحصلت على دبلوم الصنايع، وبعد فترة قصيرة نسبياً لم تتجاوز أربعة أعوام، استطعت الحصول على وظيفة ثابتة فى أرشيف الهيئة العامة لرعاية العاطلين عن العمل وعن الحياة الكريمة وهى أهم مؤسسة فى قطاع السبهللة بوزارة الاستجداء. لكن الراتب الشهرى لم يكن يكفينى، فبحثت عن وظيفة ثانية حتى وجدت الفرصة فى السوبر ماركت الكبير، فتحسنت ظروفى المالية ولم أعد قادراً على مدافعة إلحاح أمى الدائم وتشجيعها لى على الزواج.

ماتت أمى يوم عيد ميلادى الذى بلغت فيه الثلاثين من عمرى، فأردت إحياء ذكراها بتحقيق حلمها وبحثت عن عروس بين بنات الجيران فلم أجد من تناسبنى لأنهن جميلات، ومن المتوقع أن تثير أية واحدة منهن اهتمام العفريت، وهو الأمر الذى يجب أن أتحاشاه. سألت زملائى فى العمل. فلم يهتم معظمهم بالأمر، غير أن طيبة القلب «أم يونس» رشحت لى ابنة ابن عم زوجها «مايسة» ودفعتنى لرؤيتها، فكانت المفاجأة والصدفة السعيدة وإذ وجدت العروس لا تثير الاهتمام كأنثى وتؤمن بوجود عفريت فى كل بيت وتتقن كثيراً من التعاويذ ولا تتكلم فى الأمور العمومية المهلكة وتهوى متابعة المسلسلات التليفزيونية.. هى إذن الزوجة المناسبة، وقد وضعتها الأقدار فى طريقى استجابة لأدعية أمى، رحمها الله.

بعد رؤيتى لمايسة التى يدللونها باسم «ميس» مع أنها لا تعرف الميس، وليس لها من اسمها الأصلى أى نصيب، أمضيت ستة أشهر فى تفكير عميق، حتى احتك بى العفريت عدة ليلات متتاليات، فحزمت أمرى والتمست من «أم يؤنس» أن ترتب لى لقاء منفردا مع «مايسة» فى كافيتريا السوبر ماركت الكبير. وقد كان، وتم اللقاء الأسطورى الذى لا ينسى مدى الحياة، حيث جرى بيننا الحوار المحفور فى ذاكرتى كالأخدود:

- صباح الخير يا أخت مايسة.

- صباح النور، وبعدين.

- أبدا، أنا بصراحة من يوم ماشفتك وأنا معجب..

- نعم: انت بتقول إيه.

- قصدى يعنى، عاوز أتقدم لك ونتجوز.

- الموضوع ده فى إيد بابا، تقدر تتكلم معاه وشوف هيقولك إيه. فيه أى حاجة تانية؟

- كنت أحب أعرف رأيك انت الأول.

نظرت نحوى بعين أرعبتنى، وشعرت بأن عفريتاً سوف يركبها فقلت لها متلعثماً إننى سأزورهم فى البيت يوم الجمعة. أبوها اشترط إتمام الخطبة بعد أسبوع والزواج بعد شهر، مادامت شقتى موجودة ومفروشة منذ ثلاثين سنة، وختم كلامه بعبارة حاسمة: أما حكاية العفريت بتاع بيتكم، بنتى تقدر تعفرت اللى خلفوه!.. رجوته ألا يستهين بالعفريت، وأخبرته بأنه أصيل وسليل أربعة آباء من عتاة العفاريت، ولهذا نسميه «أبوربيعة» فاستهان بما أقول وقال: ولا يهمك منه.

يوم الخطوبة وليلة الدخول، كدت أطير من فيض الفرح الغامر.. وأدركت فى هذين اليومين، سبب تسمية الخطوبة والزواج: الفرح.

■ ■ ■

أشرقت أنوار النهار وعلى وجهى ابتسامة السعادة بالذكريات، مع أن اقترانى بزوجتى «مائسة» غير المائسة، لم يمر عليه إلا ثلاثة أشهر.. شعاع الشمس أيقظنى من السباحة فى الماضى، وردنى إلى الحاضر الحالى فقمت مسرعاً من قلب الميدان إلى شقتى، لأطمئن على امرأتى التى تركتها فى إهاب أبى ربيعة. وجدتها نائمة، هانئة، ولما أيقظتها تمطت وارتعشت نشوانة وسألتنى عن سبب إيقاظى لها، فأجبتها بأننى أريد أن أطمئن عليها وعما جرى مع العفريت. ابتسمت لأول مرة منذ زواجنا، وعاودت الاستلقاء بعدما قالت، بنبرة رخيمة:

- خلاص بقى، متشغلش بالك بالموضوع ده..

- إزاى بس يا مايسة؟

- عادى يعنى، زى كل الناس.
♪♫.. الادارة..♫♪
avatar
رسالة sms : سيرى ببطئ ياحياة
لكى أراك بكامل النقصان حولى
كم نسيتك فى خضمك
باحثا عنى وعنك
وكلما أدركت سرا منك
قلت بقسوة
مأجهلك!!!!
ذكر
عدد المساهمات : 10414
الاٍقامة : وراء الأفق حيث لاشئ سواى وحبيبتى
العمل : مهندس
نوسا البحر :
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
2016-12-14, 4:47 pm
#زاوية_الحلنتيتى

أهل الحارة البحرية احتاروا فى أم جارهم «محمود محمد أحمد» الذى يلقبه الجيران «جدو» لأنه بلغ من العمر عتياً، فما عاد يعلم من بعد ما يدور حوله، وما عادوا يعلمون سر إصراره على البقاء بشقته الرطبة، وامتناعه عن الذهاب لأى مستشفى على الرغم من معاناته خرف الشيخوخة. يقال إنه تخطى السبعين، ويقال بل تعدى الثمانين، ويقول الحاج «حسان» صاحب المخبز المفتوح علی الميدان ببابين إنه تخطى المائة! وهذا بالطبع مشكوك فيه، مثلما هو الحال فى كل ما يؤكده الحاج حسان.

الجيران القدامى يقولون إنهم وجدوا «جدو محمود» عندما جاءوا للسكنى، فهو السابق الذى لم يسبقه أحد، وحسب قولهم كان يسكن معه ابنه الأشيب الأعزب المتوفى لاحقاً فى حادثة مرور غير مفهومة، وامرأته العجوز التى لم يرها أحد شابة، ماتت من دون حوادث، ودفنها زوجها إلى جوار ابنها فى مقابر الصدقة، ولم يتلق فيهما عزاء، وانزوى منذ ذاك الحين فى شقته الشبيهة بالكهوف الدهليزية.

الشقة التى ينتظر فيها الموت، هى الطابق الأرضى من آخر بيت فى الحارة، وهى منخفضة عن الأرض بدرجتين، لأن البيت عتيق، وجدرانها التى لا لون لها يعلو مواضعها المنخفضة اخضرار شبيه بالطحلب، لكنه مائل إلى الاسوداد، عند الهبوط إليها من مدخل البيت، تجد على يسارك باب الشقة الخشبى المتهالك، وخلفه صالة كالممر فى آخرها مطبخ لا باب له، ودورة مياه لا ينغلق بابها، ومفتوح على الصالة حجرتان، الداخلية منهما فيها السرير النحاسى المعوجة قوائمه، وفى الخارجية المطلة على الحارة شباك يكشف انخفاضه ما فيها من كراسى متكسرة وصندوق كبير ردىء النجارة.. لو كان الناس يسمون الشقق التى يسكنون، لكان اسم هذه الشقة: البؤس الغامض.

■■■

قبل وفاة «جدو محمود» بشهور، جاء قريب له فأقام معه ليعتنى به ويعينه على احتمال وطأة الشيخوخة، وقد استحسن سكان الحارتين والزقاق، ما فعله هذا القريب أشعث الشعر دائم التبسم للناس وإلقاء السلام على العابرين، وكانوا يردون على تحيته وعلى ابتسامته بالكلام والابتسام، ومع ذلك كانوا يستغربون من نومه على الأرض فى الغرفة المطلة على الحارة، وهى المكشوفة تماماً للعابرين، وشباكها مفتوح. وكانوا يلاحظون أن الشيخ الفانى «جدو محمود» ما عاد يظهر مرة كل صباح، مثلما كان يفعل طيلة السنوات الطوال.. الجيران سألوا عنه قريبه فقال إنه يرتاح على سريره، ثم قال إنه لم يعد قادراً على الحركة، ثم قال إنه لم يعد يأكل ويعيش على نصف كوب من عصير القصب يشربه حسواً كل صباح. وسألوا قريبه عن اسمه فقال «فاضل»، وعن درجة القرابة فقال إنه ابن أخيه الأصغر «مسعود» وعن عمله فقال إنه متفرغ لفعل الخير والأعمال التطوعية ابتغاء ثواب الآخرة.

يوم وفاة «جدو محمود» أصر ابن أخيه على تلقى العزاء بالشقة، ورفض تبرع بعض الجيران لإقامة سرادق بالحارة الضيقة أو الزقاق الأوسع قليلاً أو دار المناسبات القريبة من الميدان القريب. قال إنه لا يجوز إقامة المعازى فى مواضع الأعراس، ولا يصح التضييق على الجيران بالسرادق الساد للطريق، ولا يقبل الصدقات المسماة تلطيفاً تبرعات.. استمر العزاء دون داع، ثلاثة أيام، قال «فاضل مسعود الحلتيتى» إن ذلك هو المعتاد فى قريتهم، ولابد من الحفاظ على التقاليد والقيم الموروثة، وخلال الأيام الثلاثة، كان يأتى معزون يرتدون الجلابيب، ويبقى بعضهم فى الشقة مقيماً مع «فاضل» حتى صاروا قرابة العشرة أشخاص.. لم يهتم أحد بوجود هؤلاء إلا مالك البيت الأستاذ «حامد شحاتة» الذى كان أبوه قد اشترى البيت قبل عشرات السنين بمبلغ زهيد، يصفه كبار السن بأنه «تراب الفلوس» مع أن الفلوس ليست أحجاراً تحتك حوافها فتكون منها الأتربة.

بعد انتهاء العزاء، خلع مالك البيت رداء الوقار المصطنع وذهب مع اثنين من الجيران لإخبار «فاضل» بأنه ينوى ترميم مدخل البيت ودهان واجهته، وكان سابقاً يتحرج من إزعاج المرحوم، أما الآن فيجب إخلاء الشقة، تمهيداً لتخزين اللوازم والبدء فى العمل فوراً من بعد غد.. أظهر «فاضل» الحرج المصطنع وهو يقول إن ظروفه المالية لا تسمح حالياً بالمساهمة فى ترميم البيت، فصاح صاحب البيت: انت حدّ طلب منك حاجة؟ وتساهم أصلاً بصفتك إيه!

ــ ساكن..

نعم يا اخويا، إنت ساكن هنا!

ــ طبعاً، كنت ساكن مع المرحوم عمى.

ــ عمك مين؟

ــ عمى المرحوم.. وعموماً، أول كل شهر هادفع الإيجار، يعنى الاتنين جنيه.. ولو تحب، ممكن أدفع لك مقدم بالسنة، بس طبعاً لازم الأول تغير عقد الإيجار باسمى، ده حقى القانونى، ولعن الله قوماً ضاع الحق بينهم.

نظر مالك البيت إلى جاريه كالمستنجد، فتكلم أحدهما على مهل قائلاً إن «المرحوم» عاش عشرات السنين هنا، دون أن يعرف الجيران أقرباء له، وكان من المعروف عنه أنه مقطوع من شجرة! فقاطعه «فاضل مسعود» بصوت عال، مؤكداً أن عائلتهم كبيرة العدد وفيها من الرجال ما يسد عين الشمس.

وكأن هذه الكلمة «عين الشمس» كانت الإشارة المتفق عليها، لأنه فور نطقه بها أتى من الغرفة الأخرى. الرجال الغرباء الذين جاءوا للعزاء، فأقاموا، وكانت وجوههم طافحة بعلامات الغيظ المصطنع. ملأوا زوايا الغرفة وتداخلت أصواتهم ذات اللكنة الريفية، فتطايرت فى سماء الغرفة عبارات من مثل: حقنا محفوظ ومحدش يقدر يظلمنا.. هى الناس جرى لها إيه، بس ربنا موجود.. إحنا نروح القسم.. إلى يفرط النهارده فى أرضه، بكرة يفرط فى عرضه..

إحنا محدش يقدر يضحك علينا! ولما أشار إليهم «فاضل مسعود» بالسكوت ولم يسكتوا، قام فصفع أحدهم بقوة فاستجابوا إلى إشارته التى كانت مهملة، والتزموا جميعاً بصمت ظاهره سكون القبور، وباطنه حقد يمور. كان الجيران قد تجمعوا أمام الشباك يشاهدون الجدال الذى احتد، والحيرة تطل من عيونهم والهمهمات تعلو فيما بينهم، بما يدل على تفرق آرائهم كالمعتاد فى كل المواقف.. قال مالك البيت إن «المرحوم» لا يطابق اسمه اسم المدعى، فقاطعه:

أنا اسمى فاضل مسعود محمد أحمد، وعندى إثباتات، والمرحوم عمى اسمه «محمود محمد أحمد» ولقب العيلة بتاعتنا «الحلتيتى» بس ماهوش مكتوب فى الورق الرسمى.

ــ يعنى علشان فيه تشابه مالوش لازمة، عايز تستولى على الشقة إلى بقى لى عشرين سنة منتظرها! ده كلام برضه.

ــ أيوه هو ده الكلام، وأنا على العموم كنت حاسس إن هاتحصل مشاكل، وعلشان كده عملت لك النهارده الصبح محضر فى القسم.

ــ محضر!

ــ أيوه، عدم تعدى.. يعنى اوعى تفتكر تعتدى علينا.

ــ أنا اعتدى عليك إنت والبغال دول، إزاى يعنى.

«إنت راجل قليل الأدب» قال ذلك أحد البغال الذين كانوا معزين ثم صاروا معاونين، وقذف مالك البيت بقطعة خشب من تلك المسندة فى زوايا الغرفة، فالتهبت الأجواء وساد الهرج. أسرع مالك البيت وصاحباه بالهروب، فزعين، خصوصا أن «فاضل مسعود الحلتيتى» أخرج من بين طيات ملابسه سكيناً، وأغلق أحد معاونيه الشباك فحرم الجيران المتجمعين كالخراف من متعة المشاهدة. وكما هو متفق عليه سلفاً، جرح «فاضل» كتفه بالسكين فتلطخ جلبابه بالدم، وخرج يجرى أمام الجميع قاصداً المستشفى الحكومى القريب للحصول على تقرير طبى يُرفقه بالمحضر، وخياطة جرحه غير الغائر.

لم تنجح جلسة الصلح التى عقدت بآخر الحارة، فذهب الطرفان إلى المحكمة الحكومية التى قضت كالمعتاد بأحقية «فاضل الحلتيتى» فى الحصول على عقد إيجار باعتباره وريثاً لعمه المتوفى. مع أن عمه لم يكن يملك شيئاً كى يورثه. وصار صاحب البيت خائفا يترقب، ومهدداً بعقوبة اعتدائه المزعوم على الوريث المزعوم الذى صار مالكاً للشقة طيلة العمر، بعقد إيجار رسمى.. ويوم صدور الحكم لصالح «فاضل» بعد شهور التقاضى، رفض المبلغ الكبير المقترح للتنازل عن (حقه) فى الشقة، وأعلن للجميع أنه سوف يقابل سيئات مالك البيت بالحسنى، ويتنازل عن (حقه) فى واقعة الاعتداء عليه بالسكين، ليس من أجل صاحب البيت وإنما لأجل خاطر أولاده الصغار الذين قد يتشردون إذا دخل أبوهم السجن عقاباً على ما اقترف.. وعبثاً ظل صاحب البيت يقول إنه لم يقترف شيئاً، فقمعه الجيران بقولهم إنه لا داعى الآن لتقليب المواجع، وأعلنوا العبارة المعتادة: الصلح خير.

■■■

هدأت الأمور عدة شهور، ثم عاد الخلاف من جديد بين «فاضل» وصاحب البيت، فتشاغل أهل الحارة مجدداً بمجريات الأحداث التى بدأت بقيام «فاضل الحلتيتى» بفتح شباك الغرفة المطلة على الحارة، وفرش أرضيتها بالموكيت الأخضر، لتحويلها إلى مصلى مفتوح. مالك البيت اعترض فلم يجد مستمعاً لاعتراضه، وذهب إلى قسم الشرطة لتحرير محضر فقالوا له هناك: اتق الله.

الأستاذ «زكى قزمان» الساكن فى الطابق الثانى من البيت، أقنع صاحبه «حامد شحاتة» بتقديم شكوى لمكتب أمن الدولة، تتضمن بلاغاً بأن شباباً ملتحين يأتون إلى المصلى فجراً بجلابيب بيضاء لأداء الصلوات، وهم غرباء عن المنطقة. ارتجف قلب صاحب البيت، وشطحت أفكاره شهراً، ثم استجاب لهمس الأستاذ «زكى» واطمأن حين أبلغه بأنه سيذهب معه لتقديم البلاغ، وذهبا معاً مرتعدى الفرائص يتلفتان. وبعد انتظار طويل قابلهما هناك رجل متجهم، أنصت إليهما طويلاً حتى انتهيا ثم قال بوجه عابس: خليكم فى حالكم.

فى طريق عودتهما إلى الحارة فرحين بالنجاة من المجهول، وصامتين تماماً، قرر كل واحد منهما قطع صلته بالآخر ندماً على الاندفاع الذى كان منهما. وعند وصولهما وجدا «فاضل الحلتيتى» يضع على الرصيف المجاور للباب فاترينة «خشبية» لبيع المسبحات الملونة وزجاجات العطر الصغيرة والمصاحف. الرصيف والفاترينة لا يزيد عرض كليهما عن شبرين. وطبعا التزما الصمت ولم يعلق أحدهما بكلمة، فقال لهما «فاضل» رداً على السلام الذى لم يتفوها به: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.

مع مرور الأيام، تغيرت هيئة «فاضل» وصورته، فصار بديناً حليق الرأس والشارب، عابساً، طويل اللحية، يحوطه دوماً جماعة من الشباب النحيل الملتحى الذين يغضون البصر تأدبا حين يسمعون صوت امرأة، وحين تمر بهم أنثى أو يمرون بها.. وفى فترة قصيرة تالية، جرت عجائب كثيرة كان منها أن بعض الجيران صاروا يتبرعون للزاوية التى عمرت، ويتوقون للقاء «فاضل الحلتيتى» فى غرفته الداخلية ليفتيهم فى الأمور المهمة مثل رد يمين الطلاق، والطريق الشرعية الواجبة عند الدخول على الزوجات وإلى المراحيض والأدعية اللازم تلاوتها عند الصحو من النوم والنوم من الصحو، وما بينهما من أوقات وأفعال وحركات وسكنات. واعتاد الجيران العجائب، إلا من كان منهم ضعيف الإيمان زائغ اليقين مريض الوجدان، وصارت الزاوية قِبلة لكثيرين من سكان المنطقة واشتهرت الحارة التى كانت دوماً بلا اسم، باسم: حارة زاوية الحلتيتى.

■■■

«دوام الحال من المحال» هذا ما قاله الأتقياء من الجيران تعليقاً على الفتن التى أقبلت على الزاوية مثل قطع الليل المظلم، بعدما كان هذا المكان واحة استراحة للقلوب المملوءة باليقين التام. واجتهد بعض هؤلاء الأتقياء فى تفسير الاضطرابات الأخيرة، مؤكداً أن الشيطان سلط أعوانه المجرمين للنيل من الصفوة المخلصين. وانفرد «زكى قزمان» بتفسير غريب ظل يهمس به فيرفضه معظم السامعين، خلاصته غير المفهومة أن الحارة تعرضت لغزو فكرى! كان كثيرون يضحكون من هذا التفسير التأويلى الحلزونى المذموم.. أما الفتن التى حدثت فأثارت كل هذه التفسيرات والتأويلات، فقد بدأت عندما قال شاب جامعى جاهل يدرس بقسم الجغرافيا بكلية الآداب، إن المحراب المرسوم على جدار زاوية الحلتيتى، وإليه يتوجه المصلون، لا يشير بدقة إلى القبلة! وقد بلغ هذا الكلام مسامع الشيخ فاضل فرد عليه بكلمتين كانتا هما الأبلغ، قال: وأينما تولوا.

الشاب الجاهل الجهول لم يكف عن ترديد الترهات المؤذية لحضرة الشيخ، ولم يتعظ عندما ساق الله فى طريقه مجموعة من الرجال الأشداء، الذين طرحوه أرضاً وأوسعوه ضرباً، وادعى أنهم كانوا من أعوان الشيخ، لكن معظم الناس لم يصدقوا كذبه، وقالوا إنها مجرد مصادفة، فخافت عليه أمه من تكرار وقوع المصادفات وأرسلته ليعيش مع خالته فى حى بعيد، فاستراح الجميع.

ثم جرت فتنة أخرى حين سأل أحدهم الشيخ فى المجلس (الدرس) بنبرة استهزاء، عن معنى كلمة «الحلتيتى» فرد الشيخ «فاضل» بهدوئه المعتاد قائلا: يعنى طيب الرائحة.. فصاح صاحب السائل بقوله: كدب! فنال على قفاه صفعة قوية، وأخرج السائل وصاحبه من المجلس طرداً، وتم تحذيرهما من العودة فانقطعا عن المكان، وتم وأد الفتنة فى مهدها.

أما الفتنة الكبرى التى تصطخب هذه الأيام، ويختلف حولها سكان المنطقة، فهى فتوى الشيخ «فاضل» بأن سكان الحارتين والزقاق يجب عليهم أداء الزكاة إليه كى يصرفها فى وجوه الخير.. وطبعاً سارع كثيرون لتنفيذ الفتوى فحصلوا على دعوات الشيخ بالبركة وكثرة المال وحسن المآل. أما الرافضون فقد صبر عليهم الشيخ فترة ثم ألحق فتواه بفتوى تقول إن الذى لا يؤدى الزكاة مرتد عن الدين، ويجب أن يحاربه المؤمنون حتى يعود إلى حضن الدين. احتج المرتدون بأنهم يدفعون الضرائب للحكومة، والضريبة كانت تسمى قديماً الزكاة، فكيف يدفعون مرتين لمجرد الخلاف فى التسمية، ومع أن الشيخ أفحمهم بقوله إن الحساب يوم القيامة سيكون على أداء الزكاة الشرعية لا الضرائب الحكومية، وأن بيت المال يختلف عن الخزانة العامة، وأن حد الحرابة لا يصح فى المتهرب من الضرائب لكنه واجب على الممتنع عن أداء الزكاة.. ولكن، وعلى الرغم من هذه الحجج الشرعية الباهرة والفتاوى العبقرية الدامغة للأدمغة، فإن الروافض لحكم الدين أصروا على غيهم وسدروا فى ضلالهم، ولم يعطوا الزكاة للشيخ، بل افتروا عليه بزعمهم أنه أمر أتباعه بإحراق شقة الحاج حسن المنصورى تاجر الموبيليا، الذى كان قد صاح فى قلب الحارة قبل يومين من اشتعال النار بشقته، معلناً كفره بقوله: إلى هايطلب منى فلوس هاقطع لسانه، والله المستعان! فعاقبه الله بخلل فى الكهرباء جعل النيران تلتهم محتويات شقته فى قلب الليل، وكاد أن يقع فى المعصية الكبرى ويذهب لتحرير محضر بالواقعة، ولكنه ارتدع عن ذلك، حين علم أن أعوان الشيخ «فاضل» هم الذين أنقذوا أسرته من الحريق الذى التهم كل شىء، وأن الشيخ تأسف على حال المحروق منزله، وأفتى بأنه معفى من أداء الزكاة لمدة عام، بشرط أن يستغفر الله سبعين مرة.. فاستغفر، وسكت من بعد ذلك عن الشنيع من الكلام، وعن التصريح بالكفر الصريح.

■■■

المشكلة المثارة الآن فى الحارة، أن الشيخ «فاضل» انتقل للسكنى فى شقة مقابلة للزاوية، ويريد توسيع الزاوية بإزالة الحوائط الفاصلة لها عن الصالة والغرفة الداخلية، وتحويل دورة المياه والمطبخ إلى ميضأة.. لم يعترض معظم الناس على ذلك، لكن المهندس «سامى خليل» الساكن بأول الزقاق، يزعم أن البيت الذى تحته زاوية الحلتيتى مبنى على الطريقة القديمة المسماة هندسياً «الحوائط الحاملة» ولو أزيلت الفواصل بين الغرف، فسوف يسقط البيت على رؤوس ساكنيه.. والعجيب أن بعض الجيران من ذوى النزعة الإلحادية، يؤمنون بمزاعم المهندس وينشرون افتراءاته هذه.


#أشأم_توأم

بعد انتهاء يوم عملى بالعيادة، يعنى فى حدود الخامسة عصرًا، فوجئتُ باتصالٍ تليفونى من أخى «حسين» يخبرنى بأنه فى «روما» يحضر مؤتمرًا، وسوف يأتى لمصر غدًا فيبقى يومين أو ثلاثة، ثم يعود إلى أمريكا حيث يعيش ويعمل. وختم اتصاله بأنه سيصل صباح غدٍ، ويريد أن يرانى ظهرًا بشقتنا القديمة! هكذا وصف المنزل الذى أعيش فيه منذ عشرين سنة مع زوجتى التى هى أنكد امرأة فى تاريخ البشرية، وبناتى الثلاث اللواتى هن أجمل ما فى الوجود.

«شقتنا القديمة» لماذا استعمل هذا التعبير بالذات! صحيحٌ أن هذه الشقة المطلة بجانبٍ منها على الميدان، وبالجانب الآخر على الزقاق الذى صار مزدحمًا، هى البيت الذى وُلدنا فيه معًا وعشنا زمن النشأة، لكنه لم يدخله منذ خرج منه قبل قرابة ربع قرن. أمره عجب. كان يمكن أن أقابله فى الفندق الذى سيُقيم فيه، أو نلتقى على العشاء فى أى مكان مناسب، وتكون معى زوجتى والبنات. ما الذى يدور برأسه؟ عمومًا، واضحٌ من نبرته أنه لم يتخلَّ عن بروده المعهود.. لم تزد مكالمته على دقيقة:

ـ آلو، حسن، أنا حسين.

ـ أهلا يا حسين، بتتكلم من أمريكا؟

ـ نو، أنا فى روما دلوقت..

ـ عندك مؤتمر؟

ـ آه، خلص إمبارح. على فكرة أنا جاى بُكرة الصبح، وأحب أشوفك الضهر فى شقتنا القديمة. يعنى هاكون عندك الساعة خمسة العصر، تقريبًا، أو خمسة ونصّ. هاتكون خلَّصت العيادة، صحّ؟

ـ صحّ..

ـ أوكى، أشوفك بُكرة.. باى.

يا باي! فعلًا إنسان غريب. أنهى المكالمة من دون أن يطمئن على أحوالى أو يسأل عن بنات أخيه الوحيد، التوأم، وأُمهن. ولكن لماذا استعمل تحديدًا تعبير «شقتنا القديمة» وكيف قرَّر المجىء إلى هنا فجأة وهو المشهور بالتخطيط بعيد المدى وبإعداد قائمة المواعيد مسبقًا، مؤكدًا التزامه بما يسميه «الأجندة»، كأنه رئيس منظمة الصحة العالمية.. لابد أن فى الأمر شيئا!

انتبهتُ من شرودى حين سألتنى مساعدتى الممرضة المريعة «خديجة» إن كنت أريد شيئًا، قاصدةً أن موعد انصرافها حان منذ دقائق. شكرتها فانصرفتْ وبقيتُ جالسًا بموضعى مثل كومة حصى، ورويدًا، أخذ رأسى يدور مثل نملةٍ تائهة.. لما نمَّلتْ ساقى اليسرى انتبهتُ، ومتمهِّلًا قمتُ فخعلتُ عنى «البالطو» الأبيض إعلانًا لانتهاء ظهيرةٍ مملة، وبدء أمسيةٍ أسخف وأشد مملًا. ومثلما يحدث دومًا، استعدتُ لمسة الممرضة الساخرة «سمية» وعطرها الفوَّاح، حين كانت تقف خلفى وتكاد تلامسنى وهى تخلع عنى البالطو وتعلِّقه بموضعه، بعد انتهاء يوم العمل الممتع.. «سمية» عملتْ معى بالعيادة لمدة شهرين وعشرة أيام، وقد مرَّت أيامُها السبعون كالحلم المفعم برحيق الحياة، حتى حَرَنت زوجتى وثار بركانها، فحرمتنى من الرقة والنعومة الساحرة والإيحاءات التى تُحيى الموات، وفرضت علىّ «خديجة» الجاثمة على روحى منذ عامٍ.. حاولتُ الاحتفاظ بالفاتنة «سمية» التى كنتُ فيما بيننا أُسميها «سمسمة» وأنتشى كلما تلامسنا بغير قصد، وكثيرًا ما كنا نتلامس بغير قصد. بذلت جهدى الجهيد للإبقاء عليها بالعيادة، وسلكتُ كل السبل لكن «جوهرة النكد» لم تعطنى أى فرصة. كانت تدخل علينا العيادة فجأةً، بمناسبة ودون مناسبة، وترمقنى وترمقها بنظرات الغلِّ الكظيم. ولما رأتْ أن النظرات لا تُجدى، لجأت إلى الكلام المباشر:

ـ ممكن أعرف إيه حكاية الزفتة «سمية» دى؟

ـ مفيش حكاية، مالك بس يا «جوجو»!

ـ بقولك إيه، سيبك من الاستهبال ده، إنت عارف قصدى.

ـ لأ يا «جواهر» مُش عارف قصدك إيه.

ـ طبعًا، إنت ولا عارف أى حاجة فى أى حاجة. بالذمة مُش مكسوف من نفسك. أنا خلاص طهقت، والبنت دى لازم تمشى فورًا، أنا لقيت لك ممرضة تانية، أحسن منها ألف مرة. يعنى، لو هانتكلم على الشغل فعلًا، إنما لو كُنت ناوى على قلة القيمة، خلاص اشبع بعروسة المولد بتاعتك دى، وطلَّقنى.. بلاش مسخرة.

لم أجرؤ ليلتها، طبعًا، على إخبار «الدكتورة نكد» بأن زواجى منها كان عين المسخرة الكبرى، وهو كان الإقرار بقبولى نظام السخرة المعتاد مع الزوجات فى بلادنا. وظهيرة اليوم التالى جاءت بالشمطاء «خديجة» قبل وصول الحسناء «سمسمة»، رحيق روحى، فاضطررتُ للاعتذار إليها وصرفتُ لها راتب الشهر كاملًا، ومن يومها فقدت ترياق الحياة وبقيتُ محصورًا بين أنواع السُّميَّات: سحنة الممرضة، ولزوجة الزوجة، والملل من قلة المرضى، وانعدام الأصدقاء.

متباطئًا، كالعادة، أغلقتُ باب العيادة ودخلت من باب شقتنا ثقيلة الهواء فوجدت «الجوهرة» متربعةً كالمعتاد بعريها المقزِّز، تشاهد المسلسلات التليفزيونية المُعادة. كانت فى غرفتنا ذات الحوائط حائلة اللون، وكانت البنات المسكينات سكانة فى غرفتهن المزدحمة حوائطها بصور المجلات، وكل شىء ساكنٌ كالمعتاد.. لم تلتفت سجَّانتى نحوى، فألقيتُ عنى ملابسى الخارجية وجلستُ بالداخلية على حافة سرير التعاسة، ونطقتُ من دون حماس:

ـ حسين اتصل من ساعة، وقال إنه هاييجى بكرة يزورنا.

ـ حسين أخوك؟ إيه اللى فكَّره بينا بعد كل السنين دى؟ وده عاوز إيه إن شاء الله؟ وليه يعنى هاييجى هنا؟

ـ واللهِ ما أنا عارف.. هوَّ قال كده وخلاص.

ـ يعنى إيه خلاص، أولًا البيت مُش نضيف والشغالة بتقول إنها عيَّانة، وانا معنديش استعداد اعمل حاجة، والبنات عندهم مذاكرة.. والصراحة، أنا مش عاوزة أشوفه أصلًا.

ـ ليه بس يا جوجو؟

ـ علشان بارد ومُش متربى، وعامل نفسه مهم علشان عايش بره، ونظراته كلها عنطزة.. وكمان..

ـ خلاص، هى قعدة وتعدِّى. وانا هاطلب مشويات للغدا.

ـ هوَّ كما هايتغدَّى هنا؟

ـ يعنى، الساعة خمسة معاد غدا، ولازم برضه نعمل الواجب.

ـ بلا واجب بلا نيلة يا شيخ، بلاش قرف.

■ ■ ■

كيف ورَّطتُ نفسى فى هذه الزيجة اللزجة، وفاز «حسين» بزوجته الأمريكية الفاتنة! والعجيب تفاخره أمامى بأنه يخونها كلما سنحت له الفرصة، وأنا المخلص رغمًا عنى.. كل إنسان له فى الحياة حظٌ، إلا أنا، حظى هذه «الجواهر» المتكومة أمامى بوسط الكنبة، كالأحجار الرخوة. حين تعرَّفتُ بها، كانت قد تخرَّجت للتوِّ فى كلية طب الأسنان، وكنت عائدًا من الإعارة جريح الروح، فظننتها ستكون شفاءً من كل آلامى، ثم اكتشفت سريعًا أنها الداء الذى لا شفاء منه. رفضتْ العمل بحجة أنها تعاف من أفواه الناس، فسألتها أيامها: فلماذا درست طب الأسنان؟ فقالت لأن مجموعها فى الثانوية العامة كان يكفى للالتحاق بهذه الكلية التى تطلب أعلى مجموع، فكان من الطبيعى أن تستفيد من علوِّ مجموعها. وسألتها أيامها إن كانت تحب أن تعمل فى شركة أدوية، لتبتعد عن أفواه المرضى، فردَّت بأنها سوف تنجب بعد حملها هذا خمسةً، وتتفرَّغ لتربية أولادها الست. وبعدما أنجبت لى على التتالى ثلاث بنات، قالت إنها اكتفتْ وصحتها لن تسمح بالمزيد.

.. يوم أخبرتُ توأمى «حسين» بأننى سأتزوج، امتعض من تعجُّلى وكاد ينفجر غيظًا، وعندما عرف أن العروس اسمها «جواهر» انفجر ضاحكًا بسخرية، وحين رآها كتم ضحكته حتى احمرَّ وجهه. مع أنه رآها وهى فى الخامسة والعشرين من عمرها، وفى زينة العرائس ليلة الدخول. فماذا سيفعل غدًا عندما يراها بعد سنوات الهدم والتحطيم، وبلا مكياج، وغالبًا بلا ابتسامات مرحِّبة به. عمومًا، هى إذ تبتسم أحيانًا، تصير أبشع منظرًا وأقبح ملامح.

ـ لو عاوز تاكل، فيه مكرونة فى الحلة الكبيرة على البوتاجاز، بس الصلصة خلصت.

ـ مكرونة من غير صلصة، إزاى بس.

ـ بقولك الشغالة مجتش النهارده، ومُش جاية بكرة كمان، قال إيه عيَّانة.. دى بقت مقرفة، ولازم ألاقى غيرها.

ـ خلاص، أنا أصلًا شبعان، بس وطِّى التليفزيون علشان أنام شوية.

ـ يوووه، إنت غاوى تعكنن عليَّا كده كل يوم، أنا سايبة لك الأوضة خالص، حاجة تقرف بجد، إف.

انزاحت عن ناظرى، فتنفَّستُ بارتياحٍ وتمطَّيتُ على السرير مستمتعًا بالبراح والارتياح، لكننى لم أستطع الغرق فى النوم كعادتى، وبقيتُ أتقلَّبُ قلقًا.

■ ■ ■

برنامجى اليومى متشابه، وليس عندى للأيام المقبلة «أجندة» لا طويلة المدى، ولا قصيرة. أصحو كل يومٍ فى حدود التاسعة صباحًا فأتحرَّك فى الأنحاء المحدودة ببطء، حتى تقترب الساعة من الثانية عشرة فأرتدى الملابس المناسبة وأخرج من باب الشقة وأدخل فى باب العيادة الذى يليه. العيادة غرفة من غرف الشقة الأربعة، فتحتُ لها بابًا مستقلًا. أبقى مرتديًا «البالطو» خمس ساعات، استقبل خلالها مرضاى قليلى العدد، ثم أخرج من حيث دخلت وأدخل من حيث خرجتُ، فأجد «جوجو» جاثمة على عروشه الخاوية، فأنام ساعةً أو ساعتين بعدما أتناول ما أجده من طعام، ثم أصحو فى حدود الثامنة مساءً أو التاسعة، فأُذاكر حينًا لإحدى بناتى أو أتصنَّع ذلك فى حقيقة الحال لأنهن جميعًا يتلقين دروسًا خصوصية فى مواد الدراسة جميعًا.

فى ابتداء زواجى خرجتُ مرتين وحدى بحُجَّة رؤية أصحابى، فماجت «جوجو» لأنه لا أصحاب يستحقون إهمال الزوجة، فصرتُ أصطف بجوارها على الكنبة أمام شاشة التليفزيون حتى تملؤنى السماجات، فيغلبنى النومُ بعد منتصف الليل بقليل. تلك هى أيامى الخامدة وليالىَّ الهامدة. لكنى اليوم تأخَّرتُ فى نومة ما بعد العيادة، وصحوتُ فى غير الموعد المعتاد. كان «المنبه» السخيف الموضوع بجانب السرير يشير إلى الحادية عشرة، وكانت أميرة أحلامى القديمة الواهمة «جوجو» نائمة إلى جوارى كالجوال المهترئ، بالطريقة اللائقة بكونها قد سارت سيدة كوابيسى. أظن أن خبر زيارة توأمى «حسين» لمنزلنا غدًا، أصابها بالغمِّ، فنامت بسبب وطأة الأمر على قلبها. خيرًا فعلتْ. تسحَّبتُ من سريرها حَذِرًا، وخرجتُ من غرفتها شاعرًا بالجوع، فأكلتُ المكرونة باردةً ومن دون صلصة، أثناء إعدادى كوب الشاى الذى أخذته لأحتسيه فى سلامٍ بصالة الشقة خافتة الإضاءة. لابد أن بناتى نائماتٍ، فلا صوت يأتى من غرفتهن ذات الأسرَّة الثلاثة، ولا صدى يأتى من أى صوب. الشاى لذيذٌ حين نشربه بهدوءٍ، على انفراد. فأجاةً دهمنى سؤالُ ما قبل نومى، وما بعده: لماذا سيأتى «حسين» فجأة لزيارتى هنا؟

لأول وهلة، استطعتُ دفع السؤال بعيدًا عن رأسى، باعتبار أن غدًا لناظره قريب. ولكن الوهلة التالية عاد معها السؤال بقوةٍ أنكى وأشد، باعتبار أن «حسين» معروف بأنه لا يقوم بأى خطوة دون ترتيبٍ سابق وإعدادٍ دقيق وهدفٍ واضح. هو على العكس منى، تمامًا. ظهر اختلافنا الجذرى أيام الدراسة الثانوية، فقد كنا من قبل ذلك نتماثل، بل نتطابق، فى كل شىء: ملامح الوجه، الطول، الملابس التى تأتينا من كل زوجين اثنين، اقتسام اهتمام الأم والأب.. وقد استغل «حسين» هذا التطابق بأسوأ طريقة، فكان يفعل الأفاعيل ويفلت من العقاب، فأتلقاه بدلًا منه. يلقى من الشرفة على العابرين الطوب، وقبل صعودهم للشكوى يُسرع إلى سريره ويصطنع النوم. سخيف. وفى المدرسة كان يخالف القواعد عامدًا، ويدفعنى بدلًا منه فى وجه المدرِّسين الغاضبين. لماذا كان يستمتع بمضايقتى وإيقاعى فى فخاخه؟ ومع ذلك، كان هو المبادر فيما بعد لإبراز التمايز بيننا. بدأ ذلك حين ترك شاربه يطرُّ، فصار يبدو مختلفًا وأكبر عمرًا، ثم واظب على الذهاب إلى النادى الرياضى وتركنى أنتظم فى مشاهدة التليفزيون، فأصبح بعد شهور أليق قوامًا وأقلُّ سمنةً. ولما دخلنا سويًا كلية الطب، صار يصادق الفتيات ويمرح معهن واحتفظتُ أنا بحيائى وخجلى، وكان يتعمَّد أن يشترى ويرتدى ملابس تخالف ما أشتريه وما أرتديه.. حين توفى أبى لم يحزن عليه كثيرًا مثلى، وحين أصرَّتْ والدتى على قبولنا بعثة الدكتوراه بأمريكا، لم يفكر فى بقائها وحيدةً مثلما تفكَّرتُ. وهو لم يتحرَّج مثلى من تلاوة قَسَم الولاء لأمريكا، واجتهد فى السعى حتى حصل على الجنسية التى زهدتُ فيها. كنتُ أظن أننا بعد حصولنا على الدكتوراه سنعود إلى الوطن، فلا معنى للانسلاخ من ذاتنا لنيل الجنسية الأخرى وتلاوة يمين الولاء لبلدٍ آخر، حتى وإن كانت مجرد ألفاظٍ إجرائية.

عند عودتنا، بعد سبعة أعوام من الغربة المطلوبة للحصول على الدكتوراه، ظهر مزيدٌ من التمايز. إذ عاملوه فى المطار الأمريكى بالاحترام الواجب لمواطنيهم، وعاملونى بما يليق بالغرباء العائدين إلى قاع العالم. لم أهتمّ. وعند وصولنا إلى مطارنا عاملوه باللطف الواجب لمواطن أمريكى، وعاملونى بالسخف اللازم لمواطنينا البؤساء. فلم أهتمّ بهذه الصغائر. عندما وصلنا وجدنا أُمنا قد صارت عجوزا فى الغابرين، كأن غيابنا امتد سبعين سنة لا سبعا. انخلع قلبى عند رؤيتها وأشفقتُ عليها من وضوح علامات رحيلها عن الدنيا، وتغافل هو عن الأمر وبقى أسبوعًا يدور على معارفه وأصحابه، ثم أخذ يشكو من الملل. لم يقبل الوظيفة الحكومية التى سنحتْ لنا ففرحتُ بها، أما هو فقد استخف بكل ما حوله وأراد العودة إلى أمريكا ليشق طريقه إلى الحياة التى وصفها آنذاك بالنظيفة، فى إشارة غير لائقة إلى أن حياتنا هنا غير نظيفة.. وأثناء استعداده للسفر، ظهرت فرصُ عمل ببلاد البترول وعرض علىَّ الأمر فاعترضتُ، غير أن أمى أقنعتنى بالذهاب معه ولو لعامٍ واحدٍ أو عامين، لأنها الطريقة الوحيدة لسداد الديون التى تراكمت عليه أثناء غيابنا. استقلتُ من وظيفتى الحكومية بعد شهر من استلامى لها، فرفضوا وقالوا إننى لم أثبت فى الوظيفة أصلًا لأستقيل منها، سألتهم عما يجب فعله فى تلك الحالة فأجابوا بأنها ستكون حالة انقطاع عن العمل. قلتُ: وما الفرق؟ قالوا: لا فرق.

سافر «حسين» قبلى بأسبوعين، لعدم احتياجه لتأشيرة البلد الشقيق. وحين لحقت به لاحظتُ أنهم هناك يميزونه عنى فى السكن، فلم أهتم. ويخصِّصون له سيارةً وسائقها، فلم أهتم. ويجعلون له سكرتيرة سورية الأصل ساحرة النظرات، فتحسَّرتُ وأظهرتُ عدم الاهتمام.. ولما اكتشفت بعد ثلاثة أشهر، كان يخفى خلالها الحقيقة، أن راتبه الشهرى يبلغ سبعة أضعاف راتبى، لأنه أمريكى. لم أحتمل، وقدَّمتُ استقالتى فقبلوها وعدت إلى وطنى الحنون.

اقترحتْ أمى أن أخصِّص غرفة من شقتنا الواسعة لاستقبال المرضى، فوافقتُ ظنًا بأن ذلك يُفسح أمامى المدى المفتوح للحرية، بعيدًا عن قيود الوظيفة الحكومية. واقترحتْ أن أتزوج الدكتورة «جواهر» حديثة التخرُّج، فوافقتُ ظنًا بأن الزواج سوف يحلُّ كل مشكلاتى مع الكون. واقترحتْ أن نُسرع بالإنجاب كى تفرح بأحفادها، فوافقتُ ظنًا بأن ذلك هو أقل القليل الممكن تقديمه لها عرفانًا بفضلها.. كانت غرفة العيادة ولا تزال موضع ذبولى اليومى، وكانت «جواهر» هى مشكلتى الكونية الكبرى فى العشرين سنة الماضية، وكانت أمى على موعدٍ مع الموت أثناء حمل «جوجو» فلم تَرَ وليدتها الأولى.. أمر الله.

■ ■ ■

الفجر اقترب موعده، وصالة البيت صارت خانقة.. تسللتُ كالسُّرُّاق إلى غرفة العيادة، وفتحتُ شباكها وباب شرفتها فامتلأت بنسمات الشفق المنعشة. لا مانع من جلوسى فى الشرفة المتربة المطلة على الميدان، ولا بأس لو رآنى أحد العابرين، وليس مفروضًا علىَّ تبرير كل ما أفعله. تشجعتُ، وجلبتُ كرسيًا جلست عليه مشدوهًا برؤية نجوم السماء. منذ زمنٍ طويل لم أرَ السماء ونجومها. نسمةٌ باردةٌ مسَّتْ وجهى فكدتُ ابتسم ابتهاجًا، ولمستْ رأسى البرودة اللطيفة فحلَّقت فى سمائى الأفكارُ الغريبة المدهشة: مهما كانت الحياةُ كئيبةً فإنها لا تخلو من لحظات حانية كهذه.. فى حياتى مبهجاتٌ لا يستهان بها، أهمها بناتى الثلاث اللواتى أكدح من أجلهن وأفرح بنجاحهن.. البلوى التى تزوجتها، أصيب بعضُ الناس ببلايا أشد منها وأنكى فصبروا عليها.. سخرية «حسين» الدائمة، منى ومن زوجتى التى يسميها «البعبع» ليست أكثر من مضايقات مؤقتة، وكذلك حرصه على التحقير من شأنى بمناسبة ودون مناسبة، وإصراره على تسميتى: الوطنى.. الشقيق قد يكون مشتقًا من الشقاء والتوأم قد يكون هو الأشأم، ولكن تبقى الحياة محتملة.. إن كان «حسين» سيأتى بعد ساعاتٍ ليطالبنى بحقه فى شقتنا، على الرغم من ثرائه، فسوف أتغاضى عن سخفه وأُقسِّط له المبلغ على دفعات.. كل ليلة سأغمض عينىَّ وأتخيَّل أن النائمة إلى جوارى ليست «جوجو» وإنما الفاتنة «سمية»..

ما هذا الصفاء الرائق، النادر، ها هو أول نور النهار، وها أنا وقد صرتُ متحرِّرًا منى.



#سكان_السّطح

مرت أسابيعُ بعد عبور أبى إلى النهار، فتوهَّمتُ أن استرحتُ من وصيته الأخيرة المربكة، لكنه جاءنى، ليلة أمس، منامًا وأعاد علىَّ ما كان يوصينى به مراراً وتكراراً مريراً: لازم تحل مشكلة السطح.. العجيب فى الأمر أن المرحوم أبى كان يُفاخر بأن إحساسه عالٍ بالأمور المهيأة للتفاقم، ولطالما استطاع علاج جسام المشكلات بأقل جهد، لمبادرته إلى حلِّها قبل أن تظهر وكان يتنهَّد راضياً بعد اختتام كلامه بالعبارة المعتادة: الوقاية خيرٌ من العلاج!

لماذا إذن، لم يُنه هو مشكلة سكان السطح وأوصانى بحلِّها، وهو يعرف أننى قليل الحيلة؟ فعلاً، أمره عجيب. قبل وفاته بفترة، رافقته فى تطوافه اليومى بحوافِّ الميدان الفسيح، المفتوح عليه زُقاقنا. يومها سألته عن سبب تسويفه وعدم تدخُّله فى مشكلة سطح بيتنا التى تفاقمت، فقال وهو يهزُّ عُكَّازه إنه لا يحب الكلام أثناء المشى، لأن هذا وقت التفكير وليس التفسير، وأمرنى بالصبر حتى يُتمّ دورة طوافه السابعة، ثم نجلس بمقهى «الفُرجة» فيقصُّ علىَّ القصص هناك وهو يحتسى الينسون. وقد كان.

الأمر بدأ وبدا فى أوله، هيناً، ثم تعقَّد فأضحى مُشكلة تعاظمت رويداً، حتى أمستْ مُعضلة، وأبى لم يشهد البدايات لأنها أسبق زمناً من مولده، ويُقال إنها جرت أيام جَدِّه، وفى قولٍ آخر أيام جَدّ أبيه، فهو الذى اجتهد حتى وجد قطعة الأرض وبنى عليها البيت العريق الذى نسكن فيه الآن ونُبتلى. فى ذاك الزمان، لم يكن هذا الميدان معيَّن الشكل محدود الجوانب بهذه الشواهق، وكان هذا المقهى «تعريشة» يأوى الناس إلى ظل أشجارها، ويحترسون فى طريقهم إليها من النقائع التى تنزُّ بالماء وقت فيضان النيل. وكما هو معروف بالإجماع، حسبما قال، كان الخير آنذاك وفيراً والإنسان إنساناً. وقبل أن يستقيم الزقاقُ بالبيوت ثم يتفرَّع فى حارتين، كلتاهما مسدودة، تمَّ بناء بيتنا بإشراف مهندس مصرى من أصل يونانى أو إيطالى، أسرته من أصل مصرى. وهو الذى وضع أصلاً تصميمه بحيث يليق بسُكنى الناس، غير البؤساء، فكان بيتنا من يومه الأول على ما هو عليه الآن: ثلاثةُ طوابق عالية، فى كلٍّ منها ثلاثُ شققٍ فسيحة، فى كلٍّ منها ثلاثُ غرفٍ «يجرى فيها الخيل»، بحسب التعبير الذى استعمله أبى.

وكان سطح البيت خالياً إلا من جدران رقيقة تفصل بين تسع حجراتٍ غير مسقوفة، ليستخدمها السكانُ فى نشر الغسيل أو لتخزين ما لا يلزم الاحتفاظ به فى شُققهم الأنيقة. وفى وسط السطح، كان هناك خزان مياه كبير لتأمين اندفاق الماء من علٍ! صحتُ مندهشاً: وهل هُدَّ هذا الخزان؟ فصاح فىَّ: لا تقاطعنى، واسمعْ تعِ، واعلم أن العجلة من الشيطان والمتعجلين هم أقاربُ الأبالسة المتنكرين فى صورة بشرية لخداع العوام بصيد الهوام وتخليط الكلام.

- خلاص يا بابا، أنا آسف.. كَمِّل لو سمحتْ.

■■■

فى مدخل البيت، الذى كان عند بنائه يحوطه فراغ، جعل المهندس للبواب مسكناً تحت السلم يتألف من حجرتين وممر متسع فى آخره دورة المياه التى كانوا قديماً يسمونها: بيت الراحة. وقد جَدَّ أبى، أو جَدُّ جَدِّى، فى إيجاد «بواب» للبيت يُشترط فيه، بحسب معايير ذاك الزمان، أن يكون ابن حلال، وظل شهوراً يرفض تأجير الشقق، قائلاً إنه لن يخادع أحداً ويُسكنه فى بيتٍ بلا بواب، طمعاً فى قَدرٍ زهيد من حطام الدنيا، يقصد المال، فلما استطال بحثه عن شخصٍ مناسب، لَانَ لساعى بريدٍ كان معروفاً بوداعته ولُطف ألفاظه واحترامه للآخرين. كان اسمه عبدالنصير، وقَبِلَ رجاءه وإلحاحه وتوسلاته، ووافق على أن يعمل ابنه الشاب بواباً. بل استبشر بهذا الاختيار لأنه رأى الولد اليافع خجولاً كسيفَ النظرات خفيض النبرات، وفى الوقت ذاته عَبِل مفتولُ البنيان مشرقُ الملامح، فظنَّ أنه المناسب لحراسة البيت وسكانه، لاسيما أنه اختارهم من ودعاء الناس، وضحَّى أحياناً ببعض الأجر لضمان جودة الجيرة.. عملاً بالمبدأ الذى هجره البشر بسبب الزحام: الجار قبل الدار.

يُقال، والعُهدة فى ذلك على الرواة، إن البواب عندما دخل أول مرة مسكنه، بكى فرحاً ومال على يد جَدِّنا وقبَّل يده، ويُقال بل قبَّلَ قدميه، وتعهَّد له بأن يبقى للأبد خادمه الطيِّع الذى يبذل الروح والدم فداءً له، فأخطأ جدى الأول وقال له مواسياً: خادم القوم سيدهم.. فقال له البواب الذى كان اسمه جميل الطلة: بل أنت والسكان السيدُ والسؤددُ!

وبعد أعوامٍ من عمل البواب، تسلَّل فى الليل لصٌ نحيلٌ صعد إلى السطح للاستيلاء على الغسيل، فلم ينتبه البوابُ لذلك، ويقال إنه انتبه فغضَّ الطرف واستنام آملاً أن يحلم بما يطفئ لهيب شوقه للفتاة التى يحبها ولا يجرؤ على النظر نحوها، طويلاً، حين تعبر من أمامه وهو متكوِّمٌ فوق الدِّكَّة البائسة بمدخل البيت. البنتُ ساحرة الملامح وحالمة النظرات، وهى نادرة الجمال لأنها من أهل اليُسر وأسرتها غنية ومن أصولٍ أجنبية، وقد توهَّم «جميل» أنها شغوفة به، لأنها تُلقى عليه التحية فى الصباح، فهام بها، وراح يحلم بالاتحاد بها فى خيمة الخيال. وأحلام المحروم حلوة، بقدر ما هى مستحيلة، ويُقال إنها تُفضى بصاحبها إلى الهوس.

لما تكرر السطو على الغسيل، استغرب السكان من إهمال البواب، ولاموه فاعتذر بأنه يقضى نهاره مجتهداً فى خدمة السكان! سألوه: أين هذا الاجتهاد وما هى تلك الخدمات؟ فقال إنه يراقب الفراغ المحيط بالبيت، وهذا عملٌ لو تعلمون عظيم.. وبعدما احتاروا فترة، اقترح عليهم الحل فوافقوا، فأحضر قريباً له ليعمل مساعداً وأخبر الناس بأن مساعده اسمه «مُساعد» فانخدعوا بذلك واطمأنوا إلى حين.. وهكذا صار «مساعد» هو الذى يراقب العصافير التى تطير حول البيت نهاراً، ويتولى «جميل» الحراسة ليلاً والسهر فى سرداب الأحلام المستحيلة مع محبوبته «صوفيا» الغافلة عنه وعما يعانيه ويعانى منه.

لكن السطو على السطوح تكرر، فاهتاج السكانُ، لاسيما أن إحدى الجارات رأت السارق يعبر من أمام البواب بلا اكتراثٍ وهو مُحمَّل بما نهبه من فوق السطح.. فاحتدّ أحد السكان، وكان أصله من الصعيد، فقال للبواب إنه ومساعده لا خير فيهما وعليهما أن يتركا العمل لمن يستطيعه، وقال للجيران إن عليهم استبدال هذا البوَّاب ببوَّاب ذى مهابةٍ تُرهب «حرامى الغسيل» وتردعه عن تلك الجرأة منقطعة النظير. تدخل فى النقاش ساكنٌ عطوف، رقيق القلب، قال للبواب: هل تعانى من أى مرض، أو لديك مشكلة فى النظر؟

- أبداً يا عاطف بك، أنا صاغ سليم.

- طيب، إزاى الحرامى يعدِّى قدامك وإنت سرحان كده؟

- أكيد بيقرا تعويذة.

- تعويذة! إزاى يعنى، بيقول إيه؟

- وجعلنا من بين أيديهم سدًّا ومن خلفهم سدًّا فأغشيناهم فهم لا يبصرون.

■■■

كان السكان يبحثون عن بديل للبواب، وهم غافلون عما يفعله من استقدام أقاربه للسكنى معه، وأثناء ذلك جرى أمران لا صلة بينهما إلا عند علام الغيوب، الأول أن السُّـكان كَفُّوا تماماً عن استعمال السطح وعن الصعود إليه، والآخر أن «صوفيا» تزوَّجت وتركت شقة أهلها، فأصيب البواب بهوسٍ خفىٍّ.. وفى يوم شتوىٍّ دافئ، جاء السكان برجلٍ عليه حُلة من الذِّلة، ليكون مكان الفاشل. وهنا فوجئ الجميع بجميل وقد خرج إليهم من مكمنه الكائن تحت السلم، وهو يرتدى عباءة مزركشة الأطراف بوشىٍ يلمع كالنياشين، يحوطه ويسير وراءه قطيعٌ من أقاربه، وقال بنبرة الواثقين إن زمن الظلم انتهى، ولن يتولى الأمر أحدٌ غيره، وأشار بطرف عصاه اللينة إلى الرجل الذليل المجلوب، فاختطفه من بين السكان ثلاثة من ذئاب البواب، وأوسعوه ضرباً وشتماً أمام البيت، ففرَّ هارباً وارتاع السكان.

فى غمرة الارتياع، أعلن البواب أنه لن يُسمَّى من بعد اليوم بواباً، وسوف يتخذ لقب «الحارس»، ومن يحرص على سلامته الشخصية من السكان يجب عليه أن يتأدب فلا يعترض ولا يحلم بالاعتراض.. سكت لحظةً استمتع فيها بذهول السكان، ثم استكمل كلامه مؤكداً أنه جاء للعمل هنا على أساس واضح، هو أن خادم القوم سيدهم! فمن يحرص على سلامته الشخصية عليه أن يتأدَّب فلا يعترض ولا يحلم بالاعتراض، وختم كلامه بأن العصا خُلقت لمن عصى والتعريض جُعل للمعترضين والرضا بالقضاء والقدر هو عنوانُ التقوى وسرُّ السلامة، ولا بديل عن ذلك إلا الندامة، فمن يحرص على سلامته وسلامة أسرته عليه بالأدب ومكارم الأخلاق والتعامى إذا عزَّ العمى، فلا يخطر على قلبه هاجس الاعتراض، فالمعارضة هوى يهوى بأهله إلى السهيقة السحيقة، فهل يريد أحدٌ منكم أن يذوق السهيقة السحيقة.. هنا، قال الأستاذ «عاطف بك»، وهو يتحسَّـس ألفاظه: لو سمحت، ما معنى السهيقة؟ فزعق فيه حارسنا: اخرسْ.

فخرس، وخرص.

الوحيد الذى حاول فى ذاك اليوم الاعتراض، وبالأحرى فكَّر فيه، كان الساكن الصعيدى الذى جعله الحارس عبرة، إذ خُرِّبت شقته واستباحها صغارُ الحراس وبعض المذؤوبين، فحمل عاره ورحل فى صمتٍ إلى الضاحية التى يُستعبد فيها الذين كانوا أعزاء، وانقطع من يومها خبره.

■■■

خيرةُ السكان هجروا البيت وهاجروا إلى الأحياء البعيدة، وفى خلال تلك السنوات استوطن السطح أعوان الحارس وأسرهم وفيرة التعداد، ثم استقدموا المزيد من أقاربهم ومعارفهم الذين على شاكلتهم، فازدحم بهم السطح وفشا فيهم التسطيح والأفعال العجيبة، فكان من ذلك أنهم كانوا إذا اشتد فى الصيف حَرُّ الظهيرة يصعدون سلم خزان المياه الذى أسموه «المسبح» ويلقون أنفسهم فيه، بملابسهم، وهم يبتهجون كحالهم فى أيام الأعياد التى يلطخون فيها الجدران بالدم، اتقاءً للحسد بالكفوف الدموية، مما اضطر الباقين من السكان لتركيب مواتير ترفع إليهم الماء من دون مروره على الخزان.

وكان من أفعالهم العجيبة بالسطح، أنهم زادوا عدد حجرات الغسيل التسع، فجعلوها تسعين، وليتهم اكتفوا، بل قاموا بناءً على نصيحة أحد الحراس الصغار الذين صاروا مع مرور الوقت كباراً، بسقف الحجرات بجريد النخل وأفلاقه، وبنوا فوقها أكشاكاً خشبية سموها: الشعاب الشعبية. ويقال إن عدد سكانها، بلغ مؤخراً أضعاف عدد القاطنين بقنوط فى الحجرات التسع التى صارت تسعين، على باب كل جُحر منها مكتوب بخط ردىء: الثقة بالله وبه نستعين، آمين، آمين، آمين.

لكن أعجب ما جرى فوق السطح، هو ما وقع قبل فترة، إذ انتشر بين سكانه مرضٌ غريب، وسببه مريب، هو المرض المسمى بينهم باسمٍ محيّر: أبوالنوم.. وهو مرضٌ مزمنٌ، له عرضٌ وحيد هو النعاس والوسن ليلاً ونهاراً، ومن يومها وهم ينامون، ولا يصحون من نومهم إلا لنوم آخر! ومع ذلك لا يحلمون، ولا يأملون فى اليقظة، ولا يحبون الاستفاقة، وقد أفهمهم الواعظ المشهور بينهم باسم «كتكوت» أن السكوت والسكون لا يكفيان لشكر السماء على تلك الهبة التى تُقرِّبهم من معجزة أهل الكهف، مما جعلهم يؤمنون بأن النوم الذى يعقبه نوم ويسبقه نوم، هو علامة الفوز الدائم كل يوم.

ومع مرور الأيام واحتدام الحال، طرد شخيرُ سكان السطح سكان الشقق، فصارت مرتعاً بديعاً للفئران، ولم يعد يسكن هنا إلا ورثة البيت، ولم يبق من هؤلاء الورثة إلا أنا وأبى الذى عرج إلى النور قبل شهور، أو لعلها أعوام، وأوصانى قبل وفاته بما أوصاه به أبوه قبل وفاته:

لازم تحل مشكلة السطح.

سلاسة السلاسل مجموعة قصص قصيرة جديدة ليوسف زيدان

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة

صفحة 1 من اصل 1
نوسا البحر :: فوضى الحواس(منتديات ثقافيه) :: مرتفعات أو سوناتا الكلام

حفظ البيانات | نسيت كلمة السر؟

هوانم نوسا | عفاريت نوسا البحر google+ | عفاريت نوسا | مجلة الصور | مجلة عفاريت