كان هذا سهوا لأنسى الحاج pdf ,قصائد جديدة لأنسى الحاج

♪♫.. الادارة..♫♪
avatar
رسالة sms : سيرى ببطئ ياحياة
لكى أراك بكامل النقصان حولى
كم نسيتك فى خضمك
باحثا عنى وعنك
وكلما أدركت سرا منك
قلت بقسوة
مأجهلك!!!!
ذكر
عدد المساهمات : 10414
الاٍقامة : وراء الأفق حيث لاشئ سواى وحبيبتى
العمل : مهندس
نوسا البحر :
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
2016-06-02, 3:04 pm
ديوان كان هذا سهوا لأنسى الحاج
قصائد غير منشورة لأنسى الحاج
#أنسى_الحاج
@hassanbalam




غُـيُـوم



غيوم، يا غيوم

يا صُعداء الحالمين وراء النوافذ.



غيوم، يا غيوم

علِّميني فرَحَ الزوال!

* * *
هل يحِبّ الرجل ليبكي أم ليفرح،
وهل يعانق لينتهي أم ليبدأ؟
لا أسألُ لأُجاب، بل لأصرخ في سجون المعرفة.
ليس للإنسان أن ينفرج بدون غيوم
ولا أن يظفر بدون جِزْية.
لا أعرف من قسَّم هذه الأقدار، ومع هذا فإن قَدَري أن ألعب ضدّها.
هـلـمّـــي يا ليّنتي وقاسيتي،
يا وجهَ وجوه المرأة الواحدة،
يا خرافةَ هذياني،
يا سلطانةَ الخيال وفريستَه،
يا مسابِقةَ الشعور والعدد،
هلمّي الى الثواني المختلجة نسرق ما ليس لأحد سوانا.
وهْمُكِ أطيبُ من الحياة وسرابُكِ أقوى من الموت.
* * *
إسألني يا الله ماذا تريد أن تعرف؟
أنا أقول لك:
كلُّ اللعنات تغسلها أعجوبة اللقاء!
وجمْرُ عينيكِ يا حبيبتي يُعانق شياطيني.
تُنزلينني الى ما وراء الماء
وتُصعدينني أعلى من الحريّة.
أُغمض عليكِ عمري وقمري فلا تخونني أحلام.
يا نبعَ الغابات الداخليّة
يا نعجةَ ذئبي الكاسرة
مَن يخاف على الحياة وملاكُ الرغبةِ ساهرٌ يَضحك؟
لا يولد كلَّ يوم أحدٌ في العالم
لا يولد غيرُ عيونٍ تفتِنُ العيون!
نظرةٌ واحدة
نظرة
وعيناكِ الحاملتان سلامَ الخطيئة
تمحوان ذاكرة الخوف
وتُسيّجان سهولة الحصول بزوبعة السهولة!
* * *
أيّتها الغلافُ الحليبيُّ للقوَّة
يا ظاهرَ البحر وخَفيّ القمر
يا طُمأنينةَ الغَرَق
يا تعادُلَ حلمي وحركاتكِ وخيبتي وادهاشكِ
يا فوحَ الجذورِ الممسكة بزمام الأرض،
أيّتها الصغيرةُ المحمَّلةُ عبءَ التعويض عن الموت،
عن الحياة وعن الموت،
أيّتها المحجَّبةُ بعُريها،
أيّتها الملتبسةُ مع عطرها
أيّتها الملتبسُ عطرُها مع ضالّتي
أيّتها الملتبسةُ مع ظلّها
أيّتها الملتبسُ ظلَّها مع جسدي
أيّتها الملتبسةُ مع شَعرها
أيّتها الملتبسُ شَعرُها مع أجنحتي
أيّتها الملتبسةُ مع مجونها
أيّتها الملتبسُ مجونُها مع حريّتي
أيّتها الملتبسةُ مع عذوبتها
أيّتها الملتبسةُ عذوبتُها مع شراهتي
أيّتها الملتبسةُ مع صوتها
أيّتها الملتبسُ صوتُها مع نومي
أيّتها الملتبسةُ مع ثوبها
أيّتها الملتبسُ ثوبُها مع حنيني
أيّتها الملتبسةُ مع مرحها
أيّتها الملتبسُ مرحُها مع حَسَدي
أيّتها الملتبسةُ مع فخذيها
أيّتها الملتبسة ُفخذاها مع تجدّدي
أيّتها الملتبسةُ مع صمتها
أيّتها الملتبسُ صمتُها مع انتظاري
أيّتها الملتبسةُ مع صبرها
أيّتها الملتبسُ صبرُها مع بلادي
أيّتها الملتبسةُ مع أشكالها
أيّتها الملتبسةُ أشكالُها مع روحي
أيّتها الملتبسةُ مع نصف عُريها
أيّتها الملتبسُ نصفُ عريها مع أملي
مع أمل دوام الحُمّى،
أيّتها الَتي أُغمضُ عليها إرادتي واستسلامي
لمْ تقولي إننا غريبان
لأنكِ تعرفين كم لنا توائم
في كلّ من يذهب وراء عينيه...
* * *
وأخافكِ!
كيف لرجلٍ أن يعشق مُخيفه؟
من يدفع بالدافىء الى الصقيع وبالمستظلّ الى الهاجرة؟
من يقذف بالصغير الى الخارج ويحرم الرضيع التهامَ أمّه؟
ولِمَ يحلُّ وقتُ السوء ولِمَ يُنهَش الصدر؟
ليس للإنسان أن ينفرج بدون غيوم ولا أن يظفر بدون جزية،
فليكن للقَدَر حكمته، ستكون لي حكمتي
وليكن للقَدَر قضاؤه، ستكون لي رحمتي.
لم يخلّصنا يا حبيبتي إلاّ الجنون
شبَكتُكِ ألْهَتني عن الحياة
ولهوُكِ حماني،
قيودُ يديكِ طوّقتْ قلبي بالغناء
وجمرُ عينيكِ عانق شياطيني.
* * *
لنفسي لونُ عيونِ قتلى الذات
المدمَّرين وراءَ بابٍ ما
ابتسامةٍ ما.
خيانةٌ دوماً، خيانةٌ لا تُطاق
أفدحُ من أيِّ فقْد،
خيانةٌ تسلبكَ عمركَ
تسلبكَ أمّكَ وأباك
تسلبكَ أرضكَ وسماءك،
خيانةٌ يا إلهي أكبرُ من حضنكَ،
ولا أحد يستطيع شيئاً!
لا أحد يستطيع شيئاً!
* * *
في وقت من الأوقات لم يكن أحد.
كان الهواءُ يتنفّس من الأغصان
والماء يترك الدنيا وراءه.
كانت الأصوات والأشكال أركاناً للحلم،
ولم يكن أحد.
لم يكن أحد إلاّ وله أجنحة.
وما كان لزومٌ للتخفّي
ولا للحبّ
ولا للقتل.
كان الجميعُ ولم يكن أحد.
أحدٌ لم يكن كاسراً.
كانت الأمُّ فوق الجميع
وكان الولد بأجنحته.
وصاعقاً
أعلن الألمُ المميت أنه هنا،
في الداخل الليّن، ولم يكن يراه أحد.
وانبرى يَبْري
ثم يَهيل التراب على الوجه
على العينين
على الغمامة التميمة.
ولم يبقَ من تلك الكروم
إلاّ ذكرى أستعيدُها أو تستعيدُني،
تارةً أقتُلُ وطوراً أُقتَل
والشرُّ إمّا في ظهري وإما في قلبي!...
* * *
رفعتُ قبضتي في وجه السماء
لَعنتُ وجدّفت
ولكنْ قلْ لي كيف أنتهي
من جحيم السماء بين ضلوعي!؟
* * *
لم يُخلّصنا يا حبيبتي إلاّ الجنون
حين طفرنا الى الضَياع النضير
والتقينا ظلالنا
فأضاءتنا عتماتُنا
وصارت أحضانُنا موجاً للرياح.
* * *
الشاعر هو المتوحّش ليحمي طفولتنا
الملحّن هو الأصمّ لكي يُسمِع
المصوّر هو الأعمى لكي يُري
الراقص هو المتجمّد لكي نطير.
لا يَحضر إلاّ ما يغيب
ولا يغيب إلاّ ما يُحضِر.
فلأغبْ في شرود المساء
فلتبتلعني هاويةُ عينيّ!...
* * *
أيُّ صلاةٍ تُنجّي؟
كلُّ صلاةٍ تُنَجّي!
والرغبة صلاةُ دمِ الروح
الرغبة وجه الله فوق مجهولَين
ونداءُ المجهولِ أن يُعطى ويـظــلّ مجهولاً.
الرغبةُ نداءُ الفريسة للفريسة
نداءُ الصيّاد للصيّاد
نداءُ الجلاّد للجلاّد
الرغبةُ صلاةُ دمِ الروح
فَرَسُها الفرسُ المجنّحة
وجناحاها
جناحا خلاصٍ في قبضة اليد.
* * *
غيومُ، يا غيوم
رسمتُ فوق الفراغ قوسَ غمامي
قوسَ غمامنا أيّها الحبّ
قوسَ غمام المعجزة اليوميّة.
غيوم، يا غيوم
يا هودجَ الأرواح
جسدي يمشي وراءكِ، يمشي أمامكِ،
يتوارى فيكِ.
غيوم، يا غيوم
باركي الملعونَ السائرَ حتّى النهاية
باركينيِ
علِّميني فَرَحَ الزوال...
(1998-1996)
ماذا صنعتَ بالذّهب
ماذا فعلتَ بالوردة
قولوا هذا موعدي وامنحوني الوقت.
سوف يكون للجميع وقت، فاصبروا.
اصبروا عليَّ لأجمعِ نثري.
زيارتُكم عاجلة وسَفَري طويل
نظرُكم خاطف وورقي مُبعْثَر
محبّتُكم صيف وحُبّيَ الأرض.
مَن أُخبر فيلدني ناسياً
إلى مَن أصرخ فيُعطيني المُحيط؟
صــار جسدي كالخزف ونزلتُ أوديتي
صـارت لغتي كالشمع وأشعلتُ لغتي،
وكنتُ بالحبّ.
لامرأةٍ أنهَضتُ الأسوار فيخلو طريقي إليها.
جميلةٌ كمعصيةٍ وجميلةٌ
كجميلة عارية في مرآة
وكأميرةٍ شاردة ومُخمَّرة في الكرْم
ومَن بسببها أُجليتُ وانتظرتُهاعلى وجوه المياه
جميلةٌ كمَركب وحيد يُقدّم نفسه
كسريرٍ أجده فيُذكّرني سريراً نسيتُه
جميلةٌ كنبوءة تُرْسَل الى الماضي
كقمر الأغنية
جميلةٌ كأزهارٍ تحت ندى العينين
كسهولة كلّ شيء حين نُغمض العينين
كالشمس تدوس العنب
كعنبٍ كالثّدْي
كعنبٍ ترْجع النارُ عليه
كعروسٍ مُختبئة وراء الأسوار وقد ألقتْ عليَّ الشهوة
جميلةٌ كجوزةٍ في الماء
كعاصفةٍ في عُطلة
جميلةٌ أتتني
أتت إليّ لا أعرف أين والسماء صحو
والبحر غريق.
من كفاح الأحلام أقبلتْ
من يَناع الأيّام
وفاءً للنذور ومكافأةً للوَرد
ولُمّعتُ منها كالجوهرة.
سوف يكون ما سوف يكون
سوف هناك يكون حُبّنا
أصابعه مُلتصقة بحجار الأرض
ويداه محفورتان على العالم.
أُنقلوني الى جميع اللّغات لتسمعني حبيبتي
أُنقلوني الى جميع الأماكن لأحْصرَحبيبتي
لترى أنّني قديمٌ وجديد
لتسمَعَ غنائي وتُطفىء خوفي.
لقد وَقعْتُها وتهتُها
لقد غِرْتُها
أعيروني حياتكم لأنتظر حبيبتي
أعيروني حياتكم لأُحبّ حبيبتي
لأُلاقيها الآن والى الأبد.
لَكُم أنتم لتدقَّ الساعات
من سراجكم ليؤخذْ نور الصباح
فأنا بريءٌ وحبيبتي جاهلة
آه ليُغدَق علينا
لنُوفَّرْ لنُجْتنَبْ
وليُغدَقْ علينا
فحُبّي لا تكفيه أوراقي وأوراقي لا تكفيها أغصاني
وأغصاني لا تكفيها ثماري وثماري هائلةٌ لشجرة.
أنا شعوبٌ من العُشّاق
حنانٌ لأجيالٍ يقطر منّي
فهل أخنق حبيبتي بالحنان وحبيبتي صغيرة
وهل أجرفها كطوفانٍ وأرميها؟
آه من يُسعفني بالوقت من يُؤلّف ليَ الظلال مَن يُوسّع الأماكن
فإنّي وجدتُ حبيبتي فلِمَ أتركها...
ما صَنعَتْ بيَ امرأةٌ ما صنعتِ
رأيتُ شمسكِ في كآبة الروح
وماءكِ في الحُمّى
وفمكِ في الإغماء.
وكنتِ في ثيابٍ لونُها أبيض
لأنّها كانت حمراء.
وأثلَجَتْ
والثلج الذي أثلجت كان أحمرَ
لأنّكِ كنتِ بيضاء
ورَدَدْتِ عليَّ الحُبّ حتّى
لا أجد إعصاراً يطردكِ
ولا سيفاً
ولا مدينةً تستقبلني من دونكِ.
هذا كُلّه
جعلْتُه في ندَمي
هذا كُلّه جعلْته في أخباري
هذا كُلّه جعلْته في فضاءٍ بارد
هذا كُلّه جعلْته في المنفى
لأنّي خسرْتكِ
إذ ملأتُ قلبي بالجنُون وأفكاريَ بالخُبث
فكتمتِ وانفصَلتِ
وكنتُ أظنّكِ ستصرخين وتبكين وتُعاودين الرضى
ولكن كتمتِ وانفصَلتِ
وكنتُ أظنّكِ ستعرفين أنّ نفسيَ بيضاء برغم الشرّ
وأنّي لعباً لعبتُ وحماقتي طاهرة
وكنت أظنّ أنّكِ وديعةٌ لتغفري لي
أنّكِ وديعةٌ لأفعل بكِ كالعبيد
وكنتُ أظنّ أنّي بفرحٍ أظلمكِ وبفرحٍ تتنفّسين ظلمي
وكنتُ أظنّ أنّي ألدغكِ فتتّسع طمأنينتي
وأنقضكِ كالجدار فَتَعْلَقين كالغبار بأطرافي
لكنّي ختمتُ الكلام وما بدأتُه
وأتفجَّع عليكِ لأنّي لم أعرف أنْ أكون لكِ حُرّاً
ولا عرفتُ أنْ أكون كما تكون اليد للزهرة
فكنتُ مغنّياً ولكِ ما غنّيت
ومَلِكاً وأنتِ لم أملك
وأُحبّكِ
وما أحببتكِ إلاّ بدمار القلب وضلال المنظر
وأُحبّكِ
وطاردتكِ حتّى أشاهد حُبّكِ وهو نائم
لأعرف ماذا يقول وهو نائم
فحمَله الخوف وروّعه الغضب
وهرب الى البُرج عالياً
كاتماً قد انفصل
وأنا في جهلي أطوف وفي حكمتي أغرق
على موضعٍ أدور على موضعٍ أهدأ
وحُبّكِ يقظان وجريح وراء الأسوار
وحُبّي بارّ بعد الأوان
نارُ البِرّ تأكله بعد الأوان.
أحفظُ مظالمي وأعطي مبرّاتي
أحفظُ مظالمي فمن يُعطيني مظالمه
ومن يأخذ مبرّاتي ويُعطيني الرجاء
لأنّي لم أعد ألمح نوراً في الغابة.
تذهب الريحُ بالثلج وبالثلج تعود.
جسدي كالخزف ولُغتي كالشمع.
إتّخذتُ آفاقاً عظيمة وجعلتُها حُفَراً
إتّخذتُ اللّيل فأطفأتُه والنهار فأسلمتُه
إتّخذتُ الأكاليل فاحتقرتُها
إتّخذتُ الحُبّ فكسرتُه
إتّخذتُ الجَمال وكرَجلٍ أفقرْتُه
إتّخذتُ الحُبّ
إتّخذتُ الحُبّ الشبيه ببَرٍّ لا يحدّه ماء
الشبيهَ بمياهٍ لا تحدّها برّيّة
إتّخذتُ الحُبّ عوضَ كُلّ شيء مكانَ كُلّ مكان
بدَلَ الجوهر ومحلَّ الشرّ والخير
أخذتُه أخذتُ الحُبّ وشكاني
الذين صاروا في فاقة
وتعالت جُفونهم الذين حسدوني
ونهش ضحكهم الهواء الذين تهكّموني
فماذا صنعتُ بالحُبّ
وأخذتُ ذهَبَ النساء وردةَ الذهب
فماذا صنعتُ بالذهب وماذا فعلتُ بالوردة؟
أُنقلوني الى جميع اللّغات لتسمعني حبيبتي
ثبِّتوها على كُرسيّ وجِّهوا وجهها إليّ
أمسكوا رأسها نحوي فتركض إليّ
لأنّي طويلاً وبّختُ نفسي ويأسي قد صار مارداً.
أطيعي دمعكِ يا حبيبتي فيُطرّي الحصى
أطيعي قلبكِ فيُزيلَ السياج
ها هو العالم ينتهي والمُدنُ مفتوحةٌ المُدنُ خالية
جائعةٌ أنتِ وندَمي وليمة
أنتِ عطشانة وغُيومي سودٌ والرياح تلطمني.
العالمُ أبيض
المطرُ أبيض
الأصواتُ بيضاء
جسدُكِ أبيض وأسنانُكِ بيضاء
الحبرُ أبيض
والأوراقُ بيضاء
إسمعيني اسمعيني
أُناديكِ من الجبالِ من الأودية
أُناديكِ من أعباب الشجرِ من شفاه السحاب
أُناديكِ من الصخر والينابيع
أُناديكِ من الربيع الى الربيع
أُناديكِ من فوق كُلّ شيء من تحت كُلّ شيء ومن جميع الضواحي
إسمعيني آتياً ومحجوباً وغامضاً
إسمعيني اسمعيني مطروداً وغارباً
قلبيَ أسوَدُ بالوحشة ونفسيَ حمراء
لكنَّ لوحَ العالم أبيض
والكلمات بيضاء.
كلُّ قصيدة
كلُّ حبّ
كلُّ قصيدةٍ هي بدايةُ الشعر
كلُّ حبٍّ هو بدايةُ السماء.
تَجذري فيّ أنا الريح
اجعليني تراباً.
سأعذبكِ كما تُعذب الريحُ الشجَرَ
وتمتصّينني كما يمتصُّ الشجرُالتراب.
وأنتِ الصغيرة
كلُّ ما تريدينه
يُهدى إليكِ الى الأبد.
مربوطاً إليكِ بألم الفرق بيننا
أنتزعُكِ من نفسكِ
وتنتزعينني،
نتخاطف الى سكرة الجوهريّ
نتجدّد حتى نضيع
نتكرّر حتى نتلاشى
نغيبُ في الجنوح
في الفَقْد السعيد
ونَلِجُ العَدَم الورديّ خالصَين من كلّ شائبة.
---------------
ليس أنتِ ما أُمسك
بل روح النشوة
... وما إن توهّمتُ معرفةَ حدودي حتى حَمَلَتني أجنحةُ التأديب الى الضياع.
لمنْ يدّعي التُخمةَ، الجوعُ
ولمن يعلن السأمَ، لدغةُ الهُيام
ولمن يصيح " لا! لا!"، ظهورٌ موجع لا يُرَدّ
في صحراء اليقين المظفَّر.
ظهورٌ فجأةً كدُعابة
كمسيحةٍ عابثة
كدُرّاقةٍ مثلَّجة في صحراء اليقين،
ظهوركِ يَحني الرأسَ بوزن البديهة المتجاهَلَة
فأقول له "نعم! نعم!"،
والى الأمام من الشرفة الأعلى
كلّما ارتميتُ مسافَةَ حبّ
حرقتُ مسافةً من عمر موتكَ
كائناً من كنتَ!...
----------
ترتفعُ
ترتفع جذوركِ في العودة
تمضي
واصلةً الى الشجرةِ الأولى
أيّتها الأمُّ الأولى
أيتها الحبيبةُ الأخيرة
يا حَريقَ القلب
يا ذَهَبَ السطوح وشمسَ النوافذ
يا خيّالةَ البَرق المُبْصر وجهي
يا غزالتي وغابتي
يا غابةَ أشباح غَيرتي
يا غزالتي المتلفّتة وسط الفَرير لتقول لي: اقتربْ،
فأقترب
أجتاز غابَ الوَعْر كالنظرة
تتحوّل الصحراء مفاجرَ مياه
وتصبحين غزالةَ أعماري كلّها،
أفرّ منكِ فتنبتين في قلبي
وتفرّين منّي
فتعيدكِ إليّ مرآتكِ المخبأة تحت عتبة ذاكرتي.
يداكِ غصونُ الحرب
يداكِ يدا الثأر اللذيذ مني
يدا عينيكِ
يدا طفلةٍ تَرتكب
يداكِ ليلُ الرأس.
تُسكتينني كي لا يسمعونا
ويملأُ الخوفُ عينيكِ
مُدَلّهاً مختلجاً بالرعب
كطفلٍ وُلد الآن.
تنسحب الكلمات عن جسدكِ
كغطاءٍ ورديّ.
يَظهر عُريكِ في الغرفة
ظهورَ الكلمة الأوحد
بلا نهائيّةِ السراب في قبضة اليد.
مَن يحميني غابَ النهار
مَن يحميني ذَهَبَ الليل.
ليس أيَّ شوقٍ بل شوقُ العبور
ليس أيَّ أملٍ بل أملُ الهارب الى نعيم التلاشي.
فليبتعد شَبَحُ الخطأ
ولا يقتحْمنا باكراً
فيخطف ويطفىء
ويَقتل ما لا يموت
لكي يعيش بعد ذلك قتيلاً.
الحبّ هو خلاصي أيّها القمر
الحبّ هو شقائي
الحبّ هو موتي أيّها القمر.
لا أخرج من الظلمة إلاّ لأحتمي بعريكِ ولا من النور إلاّ لأسكر بظلمتك.
تربح عيناكِ في لعبة النهار وتربحان في لعبة الليل.
تربحان تحت كلّ الأبراج وتربحان ضدّ كل الأمواج.
تربحان كما يربح الدِين عندما يربح وعندما يَخْسر.
وآخذ معي وراءَ الجمر تذكارَ جمالكِ أبديّاً كالذاكرة المنسيّة،
يحتلّ كلَّ مكان وتستغربين
كيف يكبر الجميع ولا تكبرين.
ذَهَبُ عينيكِ يسري في عروقي.
لم يعد يعرفني إلاَّ العميان
لأنهم يرون الحبّ.
ما أملكه فيكِ ليس جسدكِ
بل روحُ الإرادة الأولى
ليس جسدك
بل نواةُ الجَسد الأول
ليس روحكِ
بل روحُ الحقيقة قبل أن يغمرها ضباب العالم.
الشمس تشرق في جسدكِ
وأنتِ بردانة
لأن الشمس تَحرق
وكلّ ما يَحرق هو بارد من فرط القوّة.
كلّ قصيدةٍ هي قَلْبُ الحبّ
كلّ حبٍّ هو قلبُ الموت يخفق بأقصى الحياة.
كلّ قصيدةٍ هي آخرُ قصيدة
كلّ حبٍّ هو آخرُ الصراخ
كلّ حبٍّ، يا خيّالةَ السقوط في الأعماق، كلّ حبٍّ هو الموت حتى آخره،
وما أُمسكه فيكِ ليس جسدكِ
بل قَلْبُ الله
أعصره وأعصره
ليُخدّر قليلاً صراخُ نشوتِهِ الخاطفة
آلامَ مذبحتي الأبديّة.
------------------
أغار
أغارُ عليكِ من الطفل الذي كُنتِ ستلدينه لي.
من المرآة التي ترسل لكِ تهديدكِ بجمالكِ.
من شُعوري بالنقص أمامكِ.
من حُبّكِ لي.
من فنائيَ فيكِ.
ممّا أكتب عنكِ كأنّني أرتكب فضيحة.
من العذاب الذي أُعانيه فيكِ، من العذاب الأكثر بلاغةً من المتعذبين.
من صوتكِ من نومكِ من وضع يدكِ في يدي.
من لفظ اسمكِ.
من جهل الآخرين أنّي أحبّكِ، من معرفة الآخرين أنّي أُحبّكِ،
من جهل الآخرين أنّي أغار عليكِ،
من معرفة الآخرين أنّي أغار عليكِ.
من سعادتي بكِ، من سعادتكِ بأيّ شيء، من وجودكِ حُرّةً
من وجودكِ عَبْدَةً
من وجودكِ لحظةً.
أغار عليكِ من غَيْرتي عليكِ.
من أوّل مساء.
من عطائكِ لي.
من تعلُّقي بكِ أشَدّ أشَدّ.
أغار عليكِ لأنّك تقرأينني وأنا أريد أن تحفظيني.
لأنّكِ قد تحفظينني وتحفظين سواي.
لأنّي لا أرى غيرَ حَمْقى،
لأنّي لا أرى غيرَ أذكياء.
لأنّي أُحاصركِ وأتعهّدكِ كالوحش.
لأنّ حُبّي يخنقكِ.
أغار عليكِ ممّا أشتهيكِ أنْ تكوني، وممّا تشتهين أنْ تكوني، وممّا لا تقدرين أن تكوني.
من المرأة لأنّكِ امرأةٌ ومن الرجل لأنّه يراكِ.
من الجنس لأنّه حتّى يعود يجب أن يتوقّف.
من كُلّ ما سيكسره نظركِ.
أغار عليكِ لأنّي خَطَبْتكِ جاهلاً عددَكِ.
لأني أخنقكِ بحُبّي وأنت لا تقدرين أنْ تُحبّيني وأنتِ مخنوقةٌ بحُبّي.
لأنّي ساخطٌ لأنّكِ أجملُ النساء.
لأنّي أمدحكِ فأخاف أنْ تسمعي في مديحي أصواتَ آخرين.
أغار عليكِ من الأشياء التي يكبر فرحكِ بها لأنّكِ تُحبّينني.
من نبوغ جسدكِ.
من عابري السبيل ومن الذين جاؤوا ليبقوا ومن الأبطال والشهداء والفنّانين.
من إخوتي وأولادي وأصدقائي.
من الأقوياء لأنّهم يأخذون الإعجاب ومن الضعفاء لأنّهم يبدأون بأخذ الشفقة.
من لبوءة الرجاء النائمة.
من الأنغام والأزهار والأقمشة.
من انتظار النهار لكِ، ومن انتظاركِ اللّيل.
من أقصـى الماضي الى أقصـى الماضي.
من الكُتب والهدايا ومن لسانكِ في فمي.
من إخلاصي لكِ فُرادى وجماعات.
من الموت.
أغار عليكِ أجَنَّ أجَنَّ كلّما تضايقتِ من غَيْرتي عليكِ.
أغار عليكِ من جميع الأعداء ومن جميع الحلفاء.
من الحياة الرائعة التي نقدرأنْ نعيش.
من ورق الخريف الذي قد يسقط عليكِ.
من الماء الذي يَتوقّع أنْ تشربيه.
من الصيف الذي تخترعينه بعُرْيكِ.
من الطفل الذي كُنتِ ستلدينه لي.
من الطفل الذي لن تلديه أبداً...
من "ماذا صنعتَ بالذهب ماذا فعلت بالوردة" 1970
-------------
أخافُ أن أعرف
أجمْلُه ما بين الجهل والمعرفة. أكثرُه ألَماً وأشدُّه اعتصاراً.
لا أعرف ما ستقرّرين. عيناكِ اللتان في لون ثيابكِ ثابتتان في دوختي ثباتَ الحَيرة المنقِذة في العذاب.
كذابٌ هذا الصقيع، كذابٌ ذلك البحرالتافه، كذابٌ أيُّ انهماكٍ كان: سوف أنساك. كذابٌ أنا، لو كان لي أنْ أنساكِ لما فعلتُ لأنّكِ، أنتِ أيضاً، لستِ لي. وكيف أنسى من ليست لي!
كان يكون مريحاً لو.
لكنّي كذابٌ أيضاً. أرْفُضُ هذه الراحة. يَحْدث ما يحدث وما لا يجب أن يحدث وما لا يحدث. أحبّيني لا لأني أُحَبّ، بل لأن عينيكِ تُحبّان طريقتهما في إحراقي.
يوم ولدتِ كنتُ كبيراً. أمسِ كنت صغيراً يومَ كبَرتِ. ولولا الضوء لما رأيتُ من عمري سوى الرعشة. صغيراً كالبداية، وأنتِ كبيرةٌ ككلّ ما يجعل النهايات تبدأ من جديد.
أنتِ لسوايَ، ككلّ مَنْ أحْبَبْتُ. لسوايَ، ككلّ ما هو لي.
قَدَر المشتهي مُقتنى غيرِه، قَدَرُحامل الفتنة، قَدرُ الزائرِ الغريب، قَدَرُ ناشرِ الاضطرابوالحريّة، قَدَرٌ جميلٌ هو قَدَري.
وبين الجهل والمعرفة مصيري وأخاف أن أعرف ما سيصير.
أجْمَلُه ما بين الجهل والمعرفة، تُدلّلُكَ أحلام القَلَق وتغدر بك.
والويل لك من جمال تنكيل تلك الحَيرة، والويل لك من اليقين!
فأنتَ مولودٌ تحت التاج والسُمّ.
من "الوليمة" 1994
------------
الهارب
إرهابنا تحقق ضدنا
الذين هم يجب أن يُقتلوا، سرقوا منا المفتاح وقَتَلوا
وبعدما زيفوا الخلق ها قد زيفوا القتل
كتبنا عُنفنا وسكرنا كالروس البيض، ولم نعد نملك سوى أملٍ متلاشٍ
بأن يسعفنا، إذا أمكن، رجع صدىً لحقدٍ ما. ولكنه هو الآخر ينساب
هارباً، يختفي طائراً كملاكٍ مأمورٍ فجأة بالعودة .
من "الوليمة" 1994



الـشـــــــــارع

أنسي الحاج
أنسي الحاج الشارع حائط نائم، يفصل بين المشاة والوقوع. كيفما جئتَ إليه يلاقيك. اليوم حَشْر وغداً عيد. أمس حَشْد يرفع القبضات واليوم جموع مُحَنَّنَة بأشواقها. لا يهمّ الاسم. الشارع بَحْرُ البراري. وهو ليس على الحياد بل على سرير القَدَر. لا يُخْبرنا الشارع بما يعرف، وهذا هو لغزه الشهيّ. نخبره، نحن، ولا يقاطعنا بالمحاورة، بل يُرخي لنا حتى لَنتبخَّر. عندئذ يفتح فراغ صدرنا ويفتح عيوننا جديدة على لحظة، هي تلك التي كان يمكن أن تُؤْسَر، اللحظة الكاملة، غير المعرَّضَة للنقد، ذات الوَمْض الأبدي. أصوات غامضة تُدندن في خفاء الشارع العلنيّ، تحيط بأسماع القلب إحاطة الإشاعات. الشارع ليس طريقاً بل هواء. وَعْدٌ بأن لا يعرفكَ أحد أثناء مباذلك. حريّة الفقير وحمّام الغني. المنزل هو الحاجة والشارع هو الفنّ. انزلي إلى الشارع حتى أراكِ. أستعرضي الجماهير حتّى أسمعكِ. حتّى على هواي، حتّى بإفراط وحسرة، ونسبح في البحر الأغبر. لا قطعان هنا بل نجوم. كل واحد ظلّه شمس. الشارع غصّة المشاهير، غالباً يضحك من أسمائه. رئيس الشيوخ عمره عشرون. يسافر، الهادئ الطويل، وأقرب الرفاق إليه الهاربون من المدارس. الشارع ينام عندما تدوسه التظاهرة كما ينام الحوت عندما يمشي امرؤ فوقه. ينطوي كسجّاد الصيف. يرتدي تمساحه ويَنْشب جليده. الشارع يُفْرز الحنين كما تُفرز اللامبالاة التحدّي. أيّها العاشق المستوحد اهرع إلى هدير الشارع. أيّها الشاعر المرتجف، الشارع يَخْتُ الشعراء. عرفنا الشارع نادياً حرّاً للأجناس، ملتقى المجاهل، منتزه الجيوب الفارغة والأرواح التائهة، مركب الخيال نحو ما يطعمه فيغذّيه أو يجوّعه فيغذّيه. شارع العيون الجائعة والأنوف المرتعشة لجوع الأيدي والعيون. شارع التبغ والنشّالين، خزنة الفضائح وكرسي الاعتراف. عاصمة الخادمات المُحْلوّات بغَزَل الزعران. طريق الصبايا اللواتي لا يمكن لقاؤهن بهذا الاستعداد إلاّ لحظة الشارع. هناك شارع آخر، للضرب والدماء. شارع لعنف الشهوة وآخر لعنف العنف. واحد لمغناطيس التلامس وواحد لسكين السَلْخ. “سينزلون إلى الشارع سينزلون إلى الشارع!”. لماذا يكون الشارع دوماً تحت والمتظاهرون فوق؟ بلاد لم يعد اسم فيها يعني معناه. المجتمع مجلس عزاء. العزاء مجلس اجتماعي. السيارات توابيت. التوابيت سيّارات. الوطن كابوس. الكابوس وطن. الصحف أوراق نعي. أوراق النعي إشعار بالوصول. التلفزيون حوانيت لتوزيع اليأس مجّاناً. اليأس تَرَف الناجين من الهجرة والموت. الشارع مخيف. الخوف شرعي. لا أحد يسمّي شيئاً باسمه. فقط بنصف اسمه. النصف الثاني مبلوع. ومع هذا، الشارع شكل من أشكال الحريّة، الحريّة هي هذه أيّها الخائبون. الحريّة هي هذه أيّها المُنْشِدون. سَكْرة لك وسَكْرة عليك. الحريّة لعوب لا تذهب حتّى النهاية مع واحد فقط. التهديد جزء منها. ما من أمانٍ بعد الولادة. “أولاد شارع، بنات شارع”، عبارة لا أفهمها إساءة. أَستنشقُ منها رائحة الانطلاق المزدحم بأحلامه، وأستشفُّ صُوَر الكثرة، الكثرة السهلة، الطيّعة الهيّنة الجَرْف، الهيّنُ الانجراف معها، المعقوصة بتوابل التنوّع وحفافي المجهول، الكثرة ذات العناقيد المتدليّة خارج السور، ذات الاحتمالات المدرارة. أبناء الشارع للريح والشمس والمقاعد التي لا تَسْكُن قاعديها. بنات الشارع وَرْد جوريّ وألحان منفلتة من عقالها، واثبة في فضاء متآلف مع الكواسر والضواري، لا يخاف ولا يخيف بل ينشر الضحك والشجاعة، وَرْد جوري أسراره تتوالد في الهواء الطَلْق، أسرار العَلَن العارية تحت فساتينها، الأشدّ جاذبيّة، والأعصى، الأكثر والأقلّ استسلاماً. بنات الشارع حلم البيوت، شقيقات النعمان والنعمة، أميرات الشوك الطيّب، غمامات النعيم، أجمل إضافة توضع لكلمة شارع، ثريّات الأعمى، عرائس لا أحد، كواكب الرصيف، بنات الأفكار الأولى والأخيرة، بنات هيكل الغوى الأعظم، المشيّد بحجارة الشوق، العابق ببخور العيون المُهْلكة، بنات الصدْفة الماحية للوعي، بنات اللحظة. لا شيء هنا يضيع. نذوب جميعاً كالملح ولا نضيع. نضيع عن معتقلاتنا، عن جفصيننا، عن عفونة الإقامة وسأم العيون الأليفة، المألوفة، الحافظة إيّانا غيباً. هنا، بين رائحة الإسفلت وطقطقة الأحذية النسائيّة وعجز الرجال، يستأنف الكائن تماسه مع غرائزه ويشمّ حشائش القرية، تغتسل ذاكرته بصقيع الينابيع السابقة، يتمرّغ ظهره الذهنيّ على البيادر الشقراء والمروج المرتعشة في طبيعة مستعادة بأقوى صورها فجأةً على أرض المدينة. الشارع حائط نائم يفصل بين المشاة والوقوع. مثلما هناك مقالات عكس السير تفصل بين القرّاء والواقع. ... والشارع يستيقظ فيقع المشاة. والقارئ يُشيح بوجهه فتقع الجريدة. ويقع الكاتب. وتَهربُ لحظةٌ حطّتْ لحظةً في قبضة اليد.



الحياة هي هذا الاستعداد للّذي قد ينقضي معظم العمر قبل أن يحدث لكنّه سيحدث. الحياة هي هذا الاستعداد الكامل والهائل والدائم لحدوث الحياة. * كان هذا سهواً. لم أكتب هذه الرسائل ولا تلك المقالات، ولم أكن إلّا قليلاً في الأيّام حيث كنت. للمرء الحقّ في إنكار حياته إنْ هي لم تشبه مُناه، وأن لا يعترف في عُباب هذا البحر المترامي وراءه إلّا بحبّات من الملح وبضع نقاط من البخار. * احفِرْ في الهاجس، تابِع الحَفْر، حتى ينبجِسَ اللبّ من الطرف الآخر. فإمّا جوهرة، وإمّا فرَج الفراغ. * ستذهب إلى مكان تُسْمَع فيه روحُكَ أكثر. ينتشر غيابكَ في قيلولة السكون مُلغياً حسّ الحدود. مَن كان يَهدي قد يَبْطُل هادياً ولكنَّ مَن أحيا سوف يظلّ يُحْيي.



أنسـي الحـاج



أيُّها الكرام،

الجواب، أمام دعوة إلى مؤتمر حول "قصيدة النثر"، الجواب الفوري، هو: لماذا، وقد انتقلنا إلى الجهة الأخرى من المرآة؟!...

لكن الجواب واهمٌ، على الرغم من أنه صادق. صادقٌ كما هو صادق كلُّ مأخوذ بعالمه الداخلي: فهو يغوص، حتى يقطع صلته، أو يكاد، بالعناصر الخارجية. وفجأةً يكتشف أنه هو قطع، انتقل إلى الضفة الأخرى، ضفة الكينونة الصافية المأخوذة بشروطها، لكن الأرض الخارجية، أرض الواقع والسوابق، أرض الأقدام التي على الأرض، لم تنسَ، وأنها تنتظره، تنتظر وقتَها لتُسائِلَه، لتفحصه، لتعود وتسأله: مَن أنت؟

أنا، تجيب قصيدة النثر، مخلوق دخيل أراد أن ينتزع وجوده بالقوة، لألف سبب شكليٍّ ومعنوي. أنا، تتابع قصيدة النثر، أعترف بالوزن، لكنه هو لا يعترف بي. أنا، تقول أيضًا، ليس همِّي مباراة الإنشاء، بل أن أكون على صورة خالقيَّ ومثالهم، متمرِّدة وصارمة، حرَّة ومسيَّجة، متنوِّعة حتى التناقض، إيقاعية وفالتة، متوتِّرة ومنفرجة، غنائية وناشفة، وقائلة ما لا تقوله الأوزان.

وتمضي قصيدة النثر قائلة للباحثين فيها: ظننتُ أن مسألة البحث في أمري حُسِمَت، وها هي ذي تعود إلى التداول. كنتُ واهمة، وكنتم على حق. فأنا المخلوق الدخيل سأظل، مهما أجلستموني بين أنواعكم الأدبية، مخلوقًا دخيلاً، أو في أحسن الأحوال، مخلوقًا مقبولاً على مضض. يبدو أن هذا هو جزء من هويتي، بل من قَدَري. لأني بنت التمرد: لا التمرد على الأوزان فحسب، بل التمرد أيضًا على أوزان القضاء والقَدَر. فأنا، قصيدةَ النثر الصغيرة الدخيلة، عشبةٌ هوجاء لم يزرعها بستانيُّ القصر ولا ربَّة المنزل، بل طلعتْ من بركان أسود هو رحم الرفض. وأنا العشبة الهوجاء، مهما اقتلعوني، سأعود أنبت، ومهما شذَّبوني، لن أدخل حديقة الطاعة، وسأظل عطاءً ورفضًا، جليسةً أنيسةً وضيفًا ثقيلاً، لأني ولدتُ من التمرد – والتمرد، التمرد الفردي، الأدبي والأخلاقي، على عكس الثورة، لا يستكين ولا يستقيل حين يصل إلى السلطة.

على افتراض أنه يصل. ولكنه لا يصل.

لأن السلطة التي يصل إليها التمرد هي سلطة التمرد. ولا علاقة لها بتلك السلطات. فهي كوكب للحرية، للحرية المتجاوزة على الدوام نفسَها حتى الاستهتار بالذات.

وهل كثير، بين هذه المجرَّات المنتظمة بثباتها ودقتها ورتابتها وصلادتها، مجرات النظام والتشابه والتراتبية العسكرية – هل كثيرٌ أن ينفرد كوكبٌ صغير بالانحراف عن المسارات، ويغرِّد خارج السرب، ولا يعبأ بزمجرة الحكَّام، واستنكار الآباء، ولعنات الدهور؟!

* * *

والآن، إلى شيء من التأكيد.

أيها الأحباء،

طويناها صفحةً من عهد الكتابة. طوينا صفحة الغرفة الممنوعة وفتحنا الغرفة الممنوعة. بالاستحقاق والاغتصاب، لا بأس. بالسلاسة وبالوحشية، لا بأس. بالهمس والفضيحة، لا بأس. بالنعمة والانقضاض، لا بأس. لا شيء كان سيتم بسلام. كانت حربًا. ولولاها لما دخلنا تلك المساحة الحديثة، ذلك المجهول المتلاطم الاحتمالات. ارتكبناها خطيئةً كُتِبَتْ علينا. خطيئة تجاوُز الخطوط الحمراء – خطوط الشكل واللغة والفكر والمعتقَد والذوق والمحرَّم والمقدَّس. طويناها صفحة. صفحة بمئات السنين. وما أتينا به أردنا ولم نُرد له أن يلغي شيئًا. فنحن، في صميم مجيئنا، مأخوذون أيضًا بأسرار وكنوز من الماضي. ومع هذا، نحن "تقليديون": تقليديو الفنون المرذولة والعلوم السوداء، تقليديو السحر، والآن تقليديون خوارج من عائلةٍ ماضيها حاضرٌ وحاضرُها مجهول.

وكما قلنا، لا ندَّعي إلغاءً للوزن ولا للقافية، بل نحن من عشَّاق الأغاني، كثيرًا ما نفضِّلها على كتاباتنا. فكيف ندعو إلى "إلغاء" وحملتُنا كلها حملةُ غرسٍ وإيجادٍ وإكثارِ حياة؟! ليكتب كلٌّ على هواه، ولينقل الهواء ما يحلو له نقله. لقد أردنا مكانًا لِمَا لم يكن له مكان، أردنا جسدًا لإيقاع لا يضطرب به روحُ النثر العربي فحسب، بل يضطرب به روحُ الشاعر العربي، ولا يريد سكبه في الأُطُر القديمة، بل يتطلَّع إلى شكل أكثر ملاءمة لمناخه، أقلَّ عسفًا حيال فكره وشعوره، أكثر قربًا من أصواته الخارجية والداخلية، أقلَّ تفريطًا بحذافير تجربته، أكثر استيعابًا لحوادث لحظته وأوزان كيانه. لو لم تُرِدْ قصيدةُ النثر التعايشَ مع قصيدة الوزن لما سُمِّيت قصيدة نثر، بل لزعمت لنفسها تسمية "قصيدة"، قصيدة فقط، بلا تمييز.

قال بعض النقاد إن ثمة قصائد نثر تنطوي على إيقاعات واضحة يمكن استخراج أوزان منها تضاف إلى الأوزان المعروفة. وهي نظرية وجيهة. وليُسمَح لنا بأن نضيف إليها فنقول: أيًّا تكن الأوزان التي قد يستخلصها علماءُ الغد من قصائد النثر، نرجو أن لا تكون حدودًا ولا قيودًا، ونؤمن إيمانًا راسخًا بأن إيقاعاتٍ جديدةً ستظل تطل في تجارب جديدة، ومعها احتمال أوزان جديدة. وهذا هو الهدف من بحر النثر: أن يكون بلا حدود ولا نهاية، وأن يظل "حقل الحقول" الذي كلما وطئتْه قدمٌ أحسَّت أنها تمشي على غابة عذراء.

* * *

عهدَ الفظاظة كنتُ سأقول: عقابٌ لقصيدة النثر أن يؤويها مؤتمرٌ في جامعة. وكان سيكون ذلك كاذبًا. اليوم أقول: لا ضير عليها من ذلك. وسيكون ذلك أيضًا كاذبًا. الكذبة الأولى استفزاز، والثانية مجاملة. وتظل الحقيقة، مع هذا، خارج الكذبتين.

ومع الشكر للَّذين نظَّموا هذه الحلقة الدراسية، أعتقد أن المبرِّر الأكبر لمؤتمر كهذا هو أن يكون انطلاقةً نحو أبحاث نقدية وتقييمية لما أنتجه هذا النوعُ منذ تأسيسه قبل نحو نصف قرن. الحاجة ماسة إلى النقد: حاجة القارئ – وهو ضائع وزاهد –، وحاجة الشاعر – وهو الضائع والمضيِّع. لم تصبح قصيدة النثر العربية، كالمعلَّقات، وثيقةً للتاريخ حتى نستريح من قراءتها أو من كتابتها ولا تعود صالحة إلاَّ للمراجعة الأكاديمية. ولم تُقرأ بعدُ كفايةً، لا بعين الفضول ولا بعقل التمحيص. مَن هم شعراؤها؟ ما هي أنواعها؟ أين هي جذورها الظاهرة والخفية؟ ما هو مستقبلها؟ ما هي الاحتمالات بعدها؟

الحاجة إلى النقد هي اليوم أشدُّ الحاجات الأدبية إلحاحًا. وإنْ كنَّا نعتقد مع المعتقدين أن الشعراء هم أنبه النقاد، ويظل أكبر مثال على ذلك بودلير. فلا يُعفي هذا النقَّادَ النقَّاد من مسؤوليتهم. كان بودلير الناقد شاعرًا معلنًا، ولكن كم من ناقد معلَن هو شاعر سرِّي.

وإني أرجو لهذا المؤتمر أن يكون مناسبة ليقوم المشاركون فيه – وكذلك غير المشاركين من كبار الشعراء والدارسين – بعملية إعادة نظر تكون هذه المرة إعادة نظر لقصيدة النثر في ذاتها من الداخل. وقد كان معظم النظر النقدي إليها في السابق هو من خارجها أو من ضفاف مخضرمة.

* * *

ليُسمَح لي الآن، وقد ازدحمتْ في رأسي خواطر كثيرة عن موضوعنا الليلة، أن أكتفي ببعضها، وسأورده على سجيِّته، دون ضبط تسلسلي:

قصيدة النثر شغلُ وِحدة. شغل مَن يدرك أو يشعر أن هذا الذي يكتبه ليس موجَّهًا إلى جمهور معروف، بل إلى شخص واحد ربما، وأحيانا إلى مجهول. رسالة في زجاجة يتقاذفها الموج. موجَّهة إلى مجهول مرغوبٌ الوصول إليه رغبةً حارَّة، ولكنه قد يظل، بل على الأرجح سيظل، "مجهولاً"، ولو عُلِم.

قصيدة تكسر عزلتها ما إنْ تنكتب كلمتُها الأولى، ولكنها العزلة الخارجة من ظلام واضح إلى وضوح مبهم. الكاتب هنا قانع بزاويته الصغيرة، لا يمد ذراعيه أبعد من أفياء سطوره. هو يعرف أنه ليس مطربًا، ويعرف أنه يقف على رصيف الذاكرة. هذا المصير الفقير هو الذي اختاره حين اغترب عن الأوزان المباركة والقوافي السعيدة وهبط ذلك الهبوط المدوِّي خارج النعيم، منقذفًا على خطايا نثره من جيل إلى جيل، تجرِّحه عظامُه وعروقُه قبل أن تجرِّحه صخورُ الآخرين وجبالُهم، فيما هو يسبح بين الأجرام، تتشلَّعه التياراتُ كما تتشلَّع كلَّ مَن يخرج على مدار الجاذبية.

* * *

في أساس قصيدة النثر، فضلاً عمَّا قيل ويقال، بديهية نكاد ننساها. وهي، بكلِّ بساطة، حبُّ النثر. ما يجده الناظمُ في الوزن أجده في النثر. موسيقى الأوزان تُناسبه، موسيقى النثر تُناسبني. الامتحان الذي يَخضعُ له في تطويع الوزن، أخضعُ له في تطويع النثر. استنباط الإيقاع من النثر هو أشبه بتحويل المعدن الرخيص إلى ذهب. ليس هذا فحسب، بل الكتابة كلها هي هذه العملية الخيميائية، ولا قيمة لها إلا بمقدارها، وبمقدار تحدِّيها شبه اليائس لاستحالة النجاح في هذه العملية. ليس هذا فحسب، بل الفكر، مجرد الفكر في مجرد الرأس، إنْ لم يكن توقًا – بكلِّ جِدِّية التوق ومأسويته – إلى تحقيق تلك العملية الخيميائية السحرية التي تشتقُّ الشيءَ من خصمه، والنبلَ من الوحل، والوجودَ من العدم، والجمالَ من الغياب، فأي معنًى له ولصاحبه؟

فلنعد إلى الخواطر حول قصيدة النثر.

إن الطاقة التي ولَّدت قصيدة النثر في أواخر الخمسينيات/مطلع الستينيات من القرن الماضي وحملتْها كالإعصار مفجِّرةً في وجهها حربًا هي الأخرى أشد من الإعصار، تلك الطاقة وازتْها طاقةٌ لا تقل زخمًا في إرادة بناء عضويٍّ لقصيدة النثر وهندسة لكياناتها يحميانها من الذوبان في نهر الانحلال أو من التساقط تحت خيول الانفلات.

إن أية قصيدة هي كيان متوهِّج قائم بذاته. وقصيدة النثر لا تشذُّ عن هذا الوصف. لكنْ يجب الإقرار بأن اللحظات الشعرية ليست متساوية، وقد تبتعد قصيدةٌ عن مفهوم الكيان المتكامل السيِّد وتقترب أخرى، وتستوفي قصيدةٌ الشروطَ جميعًا وتنحرف أخرى. وإذا كان في هذا الانحراف وَهَنٌ فليس بعارض قاتل ولا بخطيئة مميتة إنْ توافرتْ صفاتٌ شعرية أخرى تُغرِقُ الفجوةَ التقنية أو الشائبةَ العضوية بفيض من الدفق الشعوري أو الجمالي أو ما لا يحصى من ميزات الفيض.

ويؤخذ علينا، أنا وسواي من المؤسِّسين، أننا حدَّدنا شروطًا ومواصفاتٍ لقصيدة النثر، عُدنا، أنا وسواي، وخرقنا العديد منها. من ذلك حجم القصيدة: قلنا بالقصيرة، ثم اكتشفنا بالممارسة أنْ لا ضير في الطويلة، حتى لو تنافرت، حين تدعوها تجربتُها إلى الإفاضة، أو حين يجرفها سيلُها فيمنعها من الانحصار في ساقية تحت طائلة التشويه. وغيرها قليل، خيانات ارتكبناها، أنا وسواي، ولكنها خيانات من نوع الشذوذ المثبِّت للقاعدة، بل من نوع توسيع الحدود. لم نفرِّط في مفاهيم القصيدة، بل طوَّرناها وجعلناها أرحب مما أريدَ لها في القرن التاسع عشر الأوروبي والأميركي يوم كانت مجرَّد رفيقة صغيرة فقيرة لصاحبة الجلالة قصيدة الوزن.

فالشعر يبتدع أصولَه كما يبتدع السائرُ ظلالَه. يتلوَّن ويتجدَّد كما يتلوَّن الإغراءُ ويتجدد. لم يخطئ العرب في تسمية روح الشعر بـ"الشيطان". شيطان الشعر هو إكسير المفاجأة. شيطان هائم في الطهارة والنقاء كما هو هائم في الرذيلة والتهتُّك، ودومًا فمُه مضرَّج بماء التفاحات، ينهش فيها ويثمر أطيب منها، وعند قدميه المصابيح، وعلى خطاه المعرفة، معرفة الأطفال، المعرفة التي تتقدم الحياة، وتسخر من ذاتها، وتصنع الحياة والخيال والرغبة والجمال، ولا تدَّعي أنها عارفة، بل تتجلَّى كالظهورات وتكون في أول المفاجَأين بذاتها، تلسع وتمطر وتُشعل وتؤنس وتلعب. والشعراء لا يتبعهم أحد، ولا حتى ظلهم، لأنهم أرواح ترفرف على وجه الحياة وأمام عيون الأبرياء وجرحى الوجود وأحلام الصبايا، مثلما قديمًا قيل إن روح الله في البدء، قبيل النور، كان "يرفرف على وجه المياه" [سفر التكوين].

* * *




_________________


حسن بلم
♪♫.. الادارة..♫♪
avatar
رسالة sms : سيرى ببطئ ياحياة
لكى أراك بكامل النقصان حولى
كم نسيتك فى خضمك
باحثا عنى وعنك
وكلما أدركت سرا منك
قلت بقسوة
مأجهلك!!!!
ذكر
عدد المساهمات : 10414
الاٍقامة : وراء الأفق حيث لاشئ سواى وحبيبتى
العمل : مهندس
نوسا البحر :
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
2016-06-02, 3:05 pm
خاطرة أخرى: من الحقِّ أن يُسأل شاعرُ النثر لماذا لم يكتب نَظْمًا؟ عن عجز أم عن رغبة في التنويع؟ والأجوبة باتت معروفة. ولكن لماذا لا نسأل إنْ لم يكن هناك وراء اختيار النثر كيانًا شعريًّا نقصٌ ما في قدرة الأوزان على ملاقاة ما يريد الشاعرُ قولَه – ملاقاته بأمانة ورحابة، بطواعية وتناغُم، بعدما فتحت أطوارُ الحياة الحديثة أبوابَ الانقلابات والاحتمالات على مصاريعها، وحتى تلك الأشد عجبًا والأكثر استدعاءً لا لأساليب تعبيرية جديدة فحسب، بل للغة جديدة؟

لا عِبرة في القول إن كثيرين من أدعياء الشعر يختبئون وراء مسمَّى "قصيدة النثر" أو "الشعر المُرسَل" لصفِّ الكلام وطلاء العقم، تارة بالفراغ المنقَّط وطورًا بإنشائيات سقيمة تعمِّق الهوَّة بين القارئ والشعر، والشعر منها براء والقارئ فيها مظلوم. لا عِبرة في مثل هذا القول. فهو صحيح، كما هو صحيح القول إن كثيرين من أدعياء الشعر اختبئوا ويختبئون وراء مسمَّى قصيدة الوزن أو الشعر العمودي لصفِّ الكلام وإلخ. إنما العِبرة في قياس الشعر – بل الخلق عمومًا – بحجم القَدَر الذي يصارعه! ولا ألعب هنا على اللغة، فالالتباس مقصود: لأن الخلق يصارع القَدَر، كما أن القَدَر، على الرغم من مظاهره غير العابئة أو قناع اختفائه، هو أيضًا، هو خاصة، هو دائمًا، يصارع الخَلْق.

إن إغراء السهولة الذي تلوِّح به قصيدةُ النثر إنْ هو إلا سراب، أكثر ما يشبه سرابَ الانخداع بسهولة الحرية. ومرة أخرى، لا أستعمل التشبيه مصادفة، بل هو مفروض تبعًا لقاعدة السبب والنتيجة. فقصيدة النثر بنتُ الحاجة إلى الحرية، والحرية النثرية هذه حرية انعتاق من قوالب وحدود أكثر بكثير مما هي حرية قول أيِّ شيء نريد بأيِّ شكل نريد. ولأنها حرية الانعتاق من العبودية، فسرعان ما تلمَّست أشكالاً وضوابطَ من نوع آخر، من صميم التجربة الجديدة، تقيها تشوُّهات الفوضى. ولا أقاوم هنا استعمال تشبيه غريب لمحاولة وصف العلاقة التي تربط قصيدة النثر بصاحبها وصاحبها بقارئه وقارئها بها: أراها علاقة جدلية، سادية–مازوخية، طرفٌ فيها يقسو وطرفٌ يلين.

* * *

ومع هذا، مع هذا، ستظل الأوزانُ المعروفة مرغوبةً لأن إيقاعاتها استراحة للوجدان ونزهة راقصة للذاكرة والقلب، ولأن في إتقانها براعة تنتزع الإعجاب. وكم يحتاج الإنسان إلى الإعجاب بما لا يستطيعه شخصيًّا! ففي هذا ما يريحه في مقعد التلقِّي، يُطرِبُه ويهدهده ويحمله على أجنحة النغم السائغ إلى الضفاف الهنيئة.

ستظل الأوزانُ مرغوبةً وقبلةَ أسماع الكثيرين، وربما الأكثرية، بِمَن فيهم أحيانًا العديد من شعراء النثر. ستظل مادامت الحاجة إلى الرقص المضبوطِ الإيقاعِ حاجةً للذاكرة والحواس، كما هي حاجة للجسد بأعضائه جميعًا.

لا أعرف إنْ كان أحدنا في زمن الاندلاع الأول، أو ردِّ الفعل، قد قال مرَّة إنه يريد بقصيدة النثر إلغاء الوزن. ربَّما. لكنَّ الحقيقة هي أن قصيدة النثر لم يَخْلقْها تحدِّي الإلغاء، بل حاجةٌ مطلقة إلى الانوجاد. حاجةٌ بدوافع وعوامل وعناصر كثيرة، ولَّدها الانفجارُ بين كبت الماضي ونداء الحياة. حاجة إلى التمرُّد الكياني والتعبيري، وحاجةٌ إلى لغة وفيَّة. حاجةٌ إلى نبش تراب الكتابة حتى جذوره الخفيَّة الرطبة في أديم الشعور. حاجةٌ إلى الانبثاق لا تخضع نتيجتُها إلا لامتحان القدرة على الصمود بعد الانبثاق.

هل أردنا، من حيث لا ندري، إعادة ربط صلةٍ ما لا نعرفها بنثر عربيٍّ قديم يقال إنه لم يكن موجودًا، وبعض الظواهر، فضلاً عن عقلنا الباطن، يومئ لنا بأنه كان موجودًا؟ أم كانت فقط حركةَ حداثةٍ صافية، أرادت اللقاء بإيقاعات العصر والعالم، ولم تذكر بعض الجذور المحتمَلة لها في التراث إلا من باب التشنُّع؟

على كلِّ حال، من جهة، كائن مستقرٌّ ومرغوب وشعبي هو الوزن. ومن جهة أخرى، كائن متمرِّد وشقي ومبهم هو قصيدة النثر.

زواج شرعي، في وجهه علاقةٌ غير شرعية.

الحلال والحرام: واحدهما يستدعي الآخر.

الحرام يفقد نكهته الانتهاكية إذا تلاشى الحلال، والحلال يصير موتًا إذا لم يكمن له الحرام.

وهكذا نحصل على نوع جديد من التعايش الأدبي نستطيع أن نسمِّيه تعايش الخير والشر، الجريمة والعقاب، آدم القانع بمصيره، وآدم الآخر الرافض مصيره، وطبعًا حواء، الزوجة العاقلة، وحواء الأولى، ليليت العفريتة، المتمرِّدة التي فضَّلت حرية اللعنة، أو لعنة الحرية، على دموع الاستقامة وقداسة الأمومة وتاج الآخرة.

* * *

أيُّها الكرام،

هل يكره الخالق الخليقة؟ إذا أجبنا عن هذا السؤال بنعم، نفهم لماذا الموت. إذا أجبنا بلا، يتعاظم اتهامُنا للخلاَّقين: فإنْ كانوا يحبون خلائقهم فكيف يتركونهم يموتون؟! وإنْ كانوا يعجزون عن حمايتهم فلماذا يخلقونهم؟!

وقد يكره الخلاَّق خلائقَه لسببين على الأقل: الأول حسدًا منها إذا رآها وقد ابتهجت بوجودها أكثر مما يحتمل، والآخر تبرُّمًا منه بالمقلِّدين إنِ اعتبر أن مخلوقاتِه تستنسخه.

والخلاَّق معذَّّب في كلِّ الأحوال. فإنْ هو لم ينجب سلالة، يُصلَب على عزلته. وإنْ أنجب، يُصلَب على حرمانه صفةَ الوحدانيَّة.

وخلاصُه ما كان سيكون إلا ببقائه مغلقًا، يُعفيه عقمُه من النَدَمَين.

* * *

كلُّ تكوين إنما ينبثق من حلم. وما ينبثق من التكوين قد لا يكون حلمًا أو تحقيق حلم. ومرَّات، من التكوين تنبجس الكوابيس. وذلك هو أحد آلام الأحلام. الحلم كالحرية كالحبِّ: إما تأخذ به وبكلِّ نتائجه، وإما تعتذر منه وتستقيل. الحلم لا يرحم. ولستَ أنت مَن يحدِّد ثمنه. لا أعرف مَن. ولكن لستَ أنت.

لا يقتحم أحدٌ ميدانًا إلا وفي قرارة نفسه رغبةٌ بأن يكون البادئ والخاتم. حتى ولو تظاهر بالعكس. أتحدَّث هنا عن الخلاَّقين، لا عن الأنواع. الأنواع تتعايش، ولكن بذكائها الخاص، لا بإرادة خلاَّقيها.

أفظع ما في الأمر ليس مقدار التبجُّح ولا شغف السلطة ولا حمَّى الإلغاء عند الخلاَّقين. أفظع ما في الأمر أن القَدَر يشاء، بين مفترق وآخر في التاريخ، أن يحقِّق بعضُ المقتحمين هذا الحلم، وغالبًا بعد موتهم، فيكون للبشرية، مثلاً، سوفوكليس وأفلاطون وشكسپير ودانتي وميكلانجلو وداڤنشي وموتسارت وڤان غوخ وبيتهوفن وبودلير ودوستويڤسكي ونيتشه... هؤلاء، وغيرهم من طينة مشابهة، حلموا وكوَّنوا، وإنْ كانوا قد تركوا الحلم مفتوحًا فإنما أغلقوا التكوين. كيف؟ بوحشيَّة إبداعهم. وحشيَّة ترغب في التقليد، ولكنها لا تقلِّد. وحشيَّة طبعت الزمنَ كما طبع الإنسانُ الأول الأرض والبشر حين انبثق. ونحن، إذ نغبط هذه الوحوش الذهبية الإلهية، فليس فقط لتركها لنا جمالاتٍ توقف قليلاً سيرَ الموت فينا، بل لأننا نحبُّها أو نكرهها ولكننا لا نستطيع أن ننتسب إليها إلا كعشَّاق أو كارهين، لا كأنداد، ولا حتى كمقلِّدين.

ولكن أنَّى لنا، نحن الأقزام، مثل هذا المصير الرائع المروِّع؟ لقد حُكِمَ علينا، وقد سربلونا بتسمية "الروَّاد"، أن نفتح الأبواب ولا نستطيع إغلاقها. هل يؤلمنا هذا الوضع؟ يؤلم بعضَنا بالتأكيد، إذا توكَّلنا على نوازع النرجسية. ويؤلم بعضَنا الآخر إنِ اعتبرناه، أو اعتبر هو نفسَه، المرجع الأكبر. وفي هذا ما فيه من أنانية الأبوَّة التي لا ترى خيرًا في الأبناء إلا لأنهم يذكِّرونها بنفسها، وهي كانت تريد لنتاجها أن يكون مستودعها الأخير. وضعٌ مؤلم لِمَن ينسى أنه هو أيضًا كان طارئًا ودخيلاً قبل أن يغدو مقيمًا وأصيلاً. ومؤلم لِمَن يكره العودات، ولِمَن يكره البدايات إلا على يد ذاته، ولِمَن يكره أن يضيف إليه أحد – فكيف بِمَن يتجاوزه أو يطويه؟!

هذا الوضع المؤلم، أنا شخصيًّا عرفتُه. عرفتُه من زمان. ويومها لم أكن قادرًا أن أحبَّ من الشعراء والأدباء إلا مَن لا يشبهني في شيء. كنت أغترب بواسطتهم. أهرب. كان ذلك علامة مألوفة لدى جميع كارهي ذاتهم.

لم أنقلب من هذا الموقف إلى عكسه. كلُّ ما حصل هو أنِّي، بالإضافة إلى استمتاعي بقراءة اللامشابهين، تعلَّمت أن أكتشف: أن أكتشف جميع مَنْ تتاح لي مطالعتُه من دون حبٍّ جاهز ولا بغض جاهز، بل بملاءة ذهنيَّة ونفسيَّة يطغى عليها ميلٌ إلى الإعجاب وتعطُّش إلى الفرح بالموهبة أو النبوغ فرحي بالنعمة وكأنَّها مُنِحَتْ لي.

نحن الأقزام، هذه مكافأتنا. نجدها هنا، على حياتنا، وفي أبنائنا وأبناء سوانا ممَّن تخطَّانا بعضُهم. ونريد لغيرهم لا أن يتخطَّانا فحسب، بل أن يدفننا دفنًا ذات يوم.

* * *

شيء يجعلنا لا نرغب في القيام من أمام فيلم سينمائي، من أمام شريط متسلسل لا ينتهي إلا ليبدأ تخديرُ شريط جديد واستسلامُنا الكلِّي إلى براثن أحضانه.

عندما كنتُ طفلاً، كنت أبكي في صالة العرض حين ينتهي الفيلم، وأتشبَّث بالمقعد رافضًا الانصراف، ظنًّا منِّي أن بقائي سوف يعيد الحلم!

هذا الحلم هو نفسه ما يَعِدُنا به الفن، والشعر، وما تعطينا إيَّاه السينما بسخاء لا يكدِّره أبدًا طابعُها الصناعيُّ ولا حسابُها التجاري. هذا الحلم، هذا التهرُّب من قَدَرنا ورعبنا، طلبناه من الشعر، كما طلبنا منه أن يكون سلاحنا عند الاضطرار إلى المواجهة مع تلك الوحوش أو أولئك الآلهة. كلا الفرار والصراع هما في أساس قرعنا لأبواب النثر. لقد كانا كلاهما منذ فجر التعبير، طبعًا. ومنذ فجر التعبير وأساليبُ هذا التعبير تتحرَّك وتتغيَّر تبعًا للحياة. وهذا هو أيضًا ما أحسسنا بالحاجة إليه في أواخر الخمسينيات من القرن الماضي، عندما راحت نداءاتُ الداخل وعواملُ الخارج تستحثُّنا على اكتشاف أثوابنا الجديدة، وصناعة مفاتيحنا الخاصة، والدخول بخُطانا نحن، لا بخُطًى مستعارة، إلى حقول لم نعرف، والأمل أن نظلَّ لا نعرف، أين تؤدي، شرط أن يبقى الدافعُ إلى السير عليها هو تلمُّسُ لحم الروح، وتجرُّعُ شراب لحظةٍ تُصعِدُنا كالأولاد العابثين فوق ظهر الموت، وعدمُ إحناء الظهر وحسب، بل الظهر والرأس واللغة والأرض، إلا لشيء واحد، لشيء واحد يتكرَّر ولا يتكرَّر، يتكرَّر ويظلُّ معلومُه مجهولاً، يتكرَّر ويظلُّ هو المفاجأة، شيءٍ واحد يضع حدًّا لحرب الخير والشر، شيءٍ واحد هو فضيحة الفضائح وشريعة الشرائع، شيءٍ واحد أجمل من الجمال، شيءٍ واحد هو الحب.

* * *

كان غوته يقول: "الشعر هو الخلاص." وقال دوستويڤسكي: "الجمال سيخلِّص العالم."

هذا السباق إلى الخلاص، أريد أن أختم تحت رايته.

وبعيدًا عن الأنواع والأجناس، ومعارك القديم والجديد، وجهود المعبِّرين في البحث المتواصل عن لغة أكثر أمانة في تقمُّص التجربة، اسمحوا لي أن أعقد أمنية.

أنا، صاحب الهدم والصلاة، أتطلَّع، وقد أَضنَيتُ وأُضنِيتُ، إلى كتابة تشفي.

لا أقصد كتابةً تُلهي، وأنا أحبُّها، وفي مرحلة طويلة ما هربت إلا بها.

بل أقصد الكتابة التي تشفي، التي تُنقذ، التي تخلِّص، كما تشفي المعجزةُ وتنقذ وتخلِّص.

لا أتنكَّر لكتابة الغضب واليأس، ولا لكتابة الهدم والإطاحة، بل أتبنَّاها، وأنا من جنودها، وسوف تظل، كما تظلُّ كلُّ كتابة صادقة وحيَّة، ضروريةً ضرورةَ الحقيقة وضرورة الحياة وما فوقهما.

لا تنكُّر ولا انقلاب، بل إضافة. إضافة نعمة. نعمة تنير الليل الكوني كما تنير الليل الفردي.

إن للبشر في ماضي الكتابة روائعَ حقَّقت معجزات.

والكلمة في الأساس معجزة.

وما أتمنَّاه هو أن يستعيد الكاتب، شاعرًا كان أم روائيًّا أم فيلسوفًا وناقدًا وخطيبًا، أن يستعيد لا سلطة التكوين التي هي له فحسب، بل سلطة الشفاء من أمراض الوجود.

في مطلع الألفية الثالثة، وعلى هامش حديث الشعر الذي هو جوهري دائمًا، ومن هذا المنبر العريق في التفاؤل، أدعو الكتابة إلى وليمة.

إلى وليمة القوَّة التي تغلب البؤس، تغلب اليأس، تغلب العجز، وتغلب الاختناق.

إلى وليمة الخلاص بسحر المعجزة الشعرية.

والمعجزة، أيها الكرام، هي دائمًا شعرية.


فـلنَـقُلْ

أنسي الحاج
هل الانقسام العمودي صفة لبنانيّة دائمة؟ لا نعرف كيف كان وضع هذه البلاد قبل المسيحيّة والإسلام ولكنْ بعدهما يبدو ان الانقسام بات قاسماً مشتركاً. عندما نتكلّم باعتزاز عن محطّات في التاريخ، توحيديّة، أو وحدويّة، يحتقن كلامنا مثلما يفعل عند استعراض الاستثناءات. فخر الدين الثاني ــــ الذي حايل الباب العالي ووسع حدود لبنان على نحو خرافي، فاستعاد الخريطة الفينيقية ومهّد للبنان المستقبل، كما يقول جواد بولس ــــ لم يتمكن من التغلب كلياً على الانقساميين في الداخل. عيوننا على الخارج وليست فقط عيون الخارج علينا.
كأننا فُطمنا عن استعماراتنا على جوع. إذا لم يأتِ الخارج الينا نذهب اليه، وليس بالضرورة كعملاء بل أحياناً كطالبي إنقاذ خالصي النيّة. وسواء كان الخطر مبالغاً فيه أو واقعيّاً، فحالة الهلع التي يوقَع فيها المستنجد لا تعود قابلة للنقاش. نلجأ الى الخارج لأنه بالنسبة الينا هو «الدخل المثالي»، هو نحن الفضلى وقد اغتسلتْ من كره الذات وارتاحت من الطرف الآخر. لعلّ بين المستعمرات السابقة من يشبهنا، ولكن لا أدري إن كان بينها مجتمعات موزاييكيّة بقدرنا، دينياً ومذهبياً و«انتماءً» ثقافيّاً.
وبين المجموعات اللبنانيّة من هو أكثر من الآخرين ضياعاً بعد زوال «الاحتضان»، لعل المسيحيين في طليعتهم، وقد اهتدى السنّة الى «لبنان أولاً» والشيعة الى لبنان «الجديد» عبر إيران.

■ ■ ■
صدورنا أكبر من هوائنا. وما ينقصنا في الحكمة السياسية نعوضه بشراهة الحياة، لعلنا ننقسم (طائفياً، مناطقيّاً، عائليّاً، حزبيّاً، زوجيّاً) لأننا نكره رتابة الانسجام. عدونا المشترك هو الملل. شعب وجودي لا عرقيّ. عرقيّ في وجوديته. بلد ميكروسكوبي يُهدي دمه إلى العالم على الدوام.
يخطب ودّ العالم والعالم يَغْنم منه ما يناسبه. جرّب اللبنانيّون أنواعاً عديدة من الحروب بينها الانتحار. وبرعوا وربما طويلاً قبل الحكم العثماني بالوقوع في فخّ الصيّادين، وتسمية انتحاراته تسميات بطولية كما حصل عام 1975. ولعل إخواننا السوريين نجحوا في اصطيادنا أكثر مما نجح جيرانهم الأتراك. وأيضاً منذ ما قبل الأتراك، ومنذ ما قبل المسيح. دم يهدى الى العالم والاقربون أولى بالمعروف. وهل الأميركي أحقّ من السوري والايراني؟ والآن يعود الأخ السعودي بزخم أقوى من زخمه في اتفاق الطائف، وقد أضاف إلى أدواته المستعارة أسنانه الطبيعية.
من «مميزات» الأنظمة العربيّة (منذ ما بعد عبد الناصر خصوصاً) انعدام الفرق بين مواقفها والمواقف الأميركية من القضايا العربية، وصعوبة التمييز بين سياساتها وسياسات إسرائيل على الصعيد ذاته. اعتدنا وصف السياسة الأميركية باللا أخلاقية، بالسينيكيّة. وهي كذلك. ومن سخريات التاريخ أن جورج دبليو بوش قد يكون المسؤول الأميركي الوحيد الذي خرج عن نهج تلك السياسة، بدافع من أصوليّة ساذجة وسذاجة أصوليّة، وبسبب استسلامه لعقول مديري سياسته المعروفين براديكاليتهم. تبدو إيجابيات سلوك متطرّف كهذا حيال قضايا كالقضيّة اللبنانيّة حيث الضحيّة باتت تحتاج إلى نصير «جهنمي» لينتشلها من ورطة جهنميّة. وقد انسحب التأييد الأميركي لاستعادة لبنان استقلاله على الأنظمة العربية «المؤيدة» لأميركا فبدت مأساتنا، لوهلة، كأنها وجدت مفتاحها. وسرعان ما استأنفت السياسة الأميركيّة تلاعباتها (من يصدّق أن التحقيق في اغتيال الحريري لم يستطع بعد أن يعرف مَنْ وكيف ولماذا؟ من يصدّق أن أميركا مع تحديث المجتمعات العربيّة لا مع تحكيم أنظمة إسلامية في رقاب الناس؟ كف العفريت هي كف الجميع، أميركا و«جامعة عربية» وأوروبا، حيال بلداننا التي تتخبط).

■ ■ ■
تبدو الأزمنة الحديثة وقد ساوت الأمور في سيّئاتها ومرات لم تساوِ إلاّ بين السيّئات. كنّا نتوجّس من جمود «الموقف العربي» حيال مشاكلنا وبتنا نتوجّس من «تحرّك» هذا الموقف، وحين ينبري أحدهم لانتقاد السياسة الأميركية أصبحنا عوض التفاؤل أو الاعجاب، نتساءل: أي بلد من بلداننا سيكون ثمن المقايضة هذه المرة؟ وحين يؤكد لنا المسؤولون العرب أن مشاكلنا داخلية وحلولها يجب أن تكون داخلية نعلم علم اليقين أن التلاعب الخارجي بنا مستمر ومساعي التلاقي الداخلي ممنوعة أيضاً.
ليس لبنان وحده بحاجة الى ميثاق اجتماعي جديد لا يعالج إجحافاً بإجحاف كما فعل اتفاق الطائف، بل دول العالم العربي كلّها بحاجة إلى مثل هذه المواثيق، فلا تستطيع دول تشكو ألف علّة في طليعتها الطلاق بين النظام وشعبه أو الطلاق بين الشعب والعقل والحياة، أن تداوي علل الآخرين.
أحد أسباب الانهيار العربي انهيار الرأي العربي. ومن أسباب الانهيارين التراجع أمام المال والبطش. ما عجزت عنه الرشوة تَكَفّله القمع، الحرب على لبنان منذ 1975 هي حرب على النزاهة فيه قبل الحريّة. كثيرون من دعاة الحريّة استسلموا للمال (الخليجي وغيره) كما استسلم كثيرون من دعاة الشيوعيّة والقوميّات لبريق المناصب والجاه. وهي ظاهرة عالميّة لا محض لبنانيّة. لكن النزيه يصمد عادة أكثر من «خطيب» الحريّة. ربما لأن في طبيعة النزاهة مثاليّة مفتونة بإخلاصها، بينما الحريّة في طبيعتها متساهلة، وبعضُها لا تبعُد طريقه عن الاستهتار، ولا سيما عند ذوي الانانية التي سرعان ما تبرّر خياناتها بـ«غدرات الزمان».
لم تعتد أنظمة المال أن تسمع إلا نغمتين: التهليل والتهويل. وغالباً ما يبدأ العزف بالثانية لينتهي بالاولى، على أن يظل سيف الاولى مُصْلتاً حتّى لا تنسى اليد المعطية استحقاقات
العازفين.
عرفنا العديد ممن كانوا يتكبّرون على مدّ اليد إلى «المال العربي» يوم كان يشتريهم مال من جنسيات أخرى، وحين انحجب عنهم أو شحّ أو اتسعت رقعة «نفقاتهم» خربوا الأرض لتشملهم عباءة الاحسان النفطي بنعمتها. هي أو وكلاؤها من أهل البلاد، أو الينبوعان معاً.
والحقيقة أن مال النفط لم يُفسد إلا من كانوا في الأساس متعطّشين للفساد، والفرق بينهم وبين سواهم هو في المنافسة وفي نوعية القشرة التي تُغطّي، فبعض القشرة بلدي وبعضها
«سينييه».
ويجب أن تُفتح هذه الصفحة قبل أن يتم تصنيفها نهائياً من المسلّمات وتوضع على رفّ الأمر الواقع. صفحة شراء الذمم، تمويل الحروب، رعاية التعصّب و«الاعتدال» معاً، رفع سعر الشيء أو الحزب أو البلد لتحقيق المزيد من الربح عند بيعه، تحويل التسوّل إلى سبيل وحيد للإنقاذ، الحلف الموضوعي بين المال والارهاب، دولاً ومؤسسات وأشخاصاً، القدرة المالية العربيّة على إلغاء الأميّة والفقر والفرقة في العالم العربي وربما في العالم كلّه، وأسباب امتناع هذا المال عن تطبيق هذه القدرة.
لو كانت سوريا على حدود الخليج لا على حدود لبنان لتغيّرت الحال. لو كانت إسرائيل على حدود الخليج لا على حدود سوريا ولبنان لتغيّرت الحال.
لكن الحال هي كما هي. لا يبقى لنا إلا القول.
فلنَقُلْ




تعـالَ ومعـك هدايـاك

أنسي الحاج
يستعجل اللاحقون دفن السابقين.
إنّها السلطة، في الأدب والفنون والأديان أيضاً. تقول خرافة شائعة إنّ الحضارة تَواصُلٌ واستمرار. ولكنّها خرافة. يرثُ الحاضرُ الماضي شاء أم أبى وليس في الغالب من باب الوفاء. وتَراها وراثة ووراثة. ولم يرث حقّاً إلّا مَن غار الإرث فيه غَوْر الليلِ في مجهوله.
على أنّ اللاحق ليس دوماً جديداً ولا بالحتم مجدّداً وإنّما يأتيه ذلك بتلاقي الضرورة والموهبة، والتاريخ والقَدَر، واللحظة والشخص.
ولا يكفي اللاحق أن لا يقلّد السابق، بل زد انوجاد اللاحق في زمنه انوجاد مَن يَقْطع مع السابق ثائراً غازياً أو مَن يَصل الأوقات وَصْلَ الملخّص لها والمتقدّم إلى الأمام منها بقدراتٍ هَدْميّة وبخَلْفيّة تُوجِدُ العَدَم.

ليست البداية مشيئة محض فرديّة ولا محطّة زمنيّة تعقبها محطّات. وليست الريادة طلائع وموجات بل هي بداية «وكأنّها» من صفر. بداية في غير معنى المتابعة والإكمال، فليس للفجر متابعة وإكمال، وكلّ فجرٍ هو البداية. بودلير رائدٌ دائم. مثله رمبو. قبلهما شكسبير. في العربيّة جميل والمتنبّي وابن الرّومي وأبو نواس. في الأغارقة هوميروس وأخيل وأوريبيد وسوفوكل وهيراقليط. في الفنّانين ميكل أنجيلو ورافاييل وباخ وموزار وبيتهوفن وفاغنر. غداً مَنْ؟ ثمّة في الغد روّاد هم في الحقيقة أصحاب الزمان لا أمس ولا اليوم ولا غداً بل في المسامّ والعروق والحواس والمعتركات.
ثم فيمَ التسابق على صفة الريادة وليست هي المرام _ إن يكن مرامٌ _ بل لحظةُ استحضارِ الحياة استحضاراً أقوى، استحضاراً يجدّد التعلّق بها؟ أليس هذا هو الأدب والفنّ والفكر والجمال؟ إنْ لم يكن هذا فما هو؟ وما التجديد وما شرعيّته إنْ لم يكن تنفيض الحياة؟ وهل غير بَعْث الحياة اسم للإنسان؟ فكيف بالخلّاق؟
في ضوء هذه المعاني _ التذكيرات لا يبقى لاصطراع الكلمات غير طنين الألفاظ الخاوية. كلمات «حداثة» و«تقليديّة» و«ريادة» و«اتباعيّة» و«طليعيّة» و«سلفيّة» قد تؤدّي دوراً في مرحلةٍ من مراحل النطق التغييري، ولكنّها ملتصقة بالأحوال التي أمْلَتْها وليست «شعارات أبديّة». من الواجب على كلّ زائر أنْ يُطلّ ومعه هداياه، أو أن يأتي فارغ اليدين مليء المهجة فتكون تقدمته مفاجأة أكبر. ليس الأدب صراع نفوذ بل نفوذه من انبلاج إشعاعه ولا شأن لعضلات «السلطة» وحِيَل الشطارة ووصوليّة النرجسيّة في إرساء «قيمةٍ» أدبيّة. ومهما يكن ذكاء المتعطّش شديداً فلا نفع منه في الحلول محلّ الأثر، يكون أو لا يكون. وليس هناك «أَدوار» فيأتي الواحد في أعقاب الآخر. لا ديموقراطيّة في الأدب. وإنّها لتدوم لغيرك وقد لا تؤول أبداً إليك.
الموضوع لم يتغيّر حرفٌ من سرّه منذ أوّل تصوير على أوّل جدار. أحبب وافعل ما تريد، يقول أغسطينوس. كنْ واكتب. كنْ ولحّن. كنْ وصوّر. كنْ، أيْ ذاتك أَطعمْ يديك. وليست العبرة في تراكم الخبرات وحده بل في عظمة التراكم في الذات، وربّ مراهقٍ أو طفلٍ بذي عصور.
عنف الداخل يفرش الخارج. يقتحم الدار ويفرض الصمت والإصغاء. عنف الدفق المكبوت يجيش ثم ينبجس فيرسم حوله دوائر الفراغ والترقّب والدهشة والصدمة والنفور والانذهال والحبّ. كلّ لحظة من هذا النوع هي فلذة أَبَد. وعلى قلّتها في التاريخ، فكلّ واحدةٍ منها تبدو أكبر من التاريخ، مع أنّه أطول منها بكثير، ولكنّها هي لحظة الحياة، اللحظة الإلهيّة في الحياة، اللحظة الأمّ، التي يؤلّف مجموعها القصّة السريّة والخلْفيّة والعليا لعظمة الإنسان، بل لما هو أنبل من عَظَمته ومن أيّ عَظَمة: لجمال يديه.

■ إيذاء

لا نرى كلمة «إيذاء» متداولة. القاموس يذكر الأذى والأذيّة. ألْحَقَ الأذى. القرآن يعتبر الأذى ضرراً خفيفاً. الجميع يورد: أساء، أضرّ، الإيذاء مستهجنة. ومع هذا يقهرنا المعنى على إدخال الياء بعد الألف توكيداً للوجع. الحَقَ الأذى مثل رشرش الملح. بعض
الملح.
المؤذي مؤلم، لا ذلك الشاهر الأنياب فحسب بل خاصّة المرسال الذي يتوسّله القَدَر للهدم وهو ساهٍ عن القَدَر.
لكن... أحقّاً لا يعرف وسيط الشؤم أنّه يبذر فتنة؟

■ الإنسان الكامل

الإنسان الكامل، في مفهوم الفكر الباطني، هو الذي انتقل من طور العالَم الأصغر الموجود في الإمكان (الكون مختزَلاً في إنسان) إلى طور العالم الأصغر (ميكروكوسم) الآخذ في الفعل. لقد أصبح الخلاصة التامة والفاعلة للعالم. يقول الجرجاني: «الإنسان الكامل هو التقاءُ جميع العوالم الإلهيّة بالعالم الطبيعي، والعوالم الكونيّة وتلك الجزئيّة. إنّه الكتاب الذي تجتمع فيه كلّ الكتب الإلهيّة والطبيعيّة (...) الروح الكونيّة هي قلب العالم الكبير كما أنّ الروح العاقلة هي قلب الإنسان، ولذلك يُسمّى العالم «الإنسان
الكبير»..».

عابـــرات

رأيتُ الجانب الجوهريّ في استرجاع الوقت الضائع عندما ركض شخصان هذا من أوّل رصيف القطار وذاك من آخره وارتميا واحد على الآخر وأجهشا بالبكاء.

■ ■ ■
أين هو أيضاً الوقت الضائع؟ هو في عرقلة أحلامنا لأفعالنا.

■ ■ ■
لماذا الحبّ حَدَثٌ خارق؟ لأنّه يتألّف من مستحيلين: رغبةٌ ستجد نهايتها قريباً، وطرفٌ آخر لم يعرف بعد حظّه فيك.

■ ■ ■
عندما أتحامل على الحبّ لا أشعر أنّي أظلمه بل يحبطني عجزي عن المضيّ أبعد في التحامل.

■ ■ ■
كلّنا جرحى الوجود، وأحياناً الشاعر يتقدّم الآخرين، لا لأنّ جرحه مميّز، بل لأنّه يتميّز عن سائر الجرحى بتطلُّعٍ نحو عالم أكثر رحمة. هذا التطلُّع هو الشعر. لا يختلف شعرٌ عن شعر إلّا بهذا التطلُّع، وبزرقة الطفولة الصامدة وراء جهاد هذا التطلُّع.



ملامح امرأة صاعدة

أنسي الحاج
جميلة وفي جاذبيّتها طَعْم الحتميّة. قويّة وتوظّف كلّ قوّتها في طموحها.

■ ■ ■
الجهد، التنفيذ، النجاح.
وبفضل خيطٍ من الشكّ في نفسها، صادقة وفاتنة، وينطبق عليها وصف «فام فاتال».

■ ■ ■
ترغب في الحميميّة رغم حَذَرها. وما إنْ تبدأ بالحصول عليها حتّى تهرب.

■ ■ ■
تبدو جذورها أقوى منها، لكنّها الجذور المحدودة بالعائلة والمنشأ. جامعةً في أعماقها بين القدرة على الحبّ وخزائن من العزلة. وهذه الحَذِرَة مثل كرّاز الماعز عند تسلّقه الأعالي، تجازف أحياناً بأمانها لعيش لحظاتٍ شبه حاسمة.

■ ■ ■
تعصف بها الأحلام وترفض أن تتعثّر. وإذا رفضت الحبّ فلأنّه بدون ضمان. امرأةٌ صلبة وخائفة.

■ ■ ■
خوف، خجلٌ عميق، حذرٌ دائم من دوافع الآخرين. كلّ هذا إلى جانب قدرةٍ على الحبّ والولاء، ومحاولاتٍ لا تكلّ للسيطرة على العلاقات والتحكّم فيها. وغالباً ما تجد صعوبةً في إقامة توازن بين الارتباط والاستقلال.

■ ■ ■
امرأةٌ خُلقت لتتسلّق. الصاعد ألدّ أعدائه الخوف وأخلص أصدقائه الحيطة.

■ ■ ■
ما الذي يجعل امرأةً كهذه حرّة؟
كونها تستعصي على التدجين. امرأةٌ بَريّة.

■ ■ ■
بخل العواطف يُقوّي. إنّه فولاذ الروح، ترْس القلب. لا شيء يخترق هذا الحاجز. لا الحاجة ولا الحبّ. قد تخترقه الشفقة لحظة وسرعان ما يهبّ النسيان.

■ ■ ■
امرأةٌ كرَجُلٍ لا يفهم المرأة. امراةٌ يهمّها الانسجام مع نفسها قبل أحد آخر. عاجزة عن التعاطف مع عذاب الآخر كعجز رجلٍ دانت له فريسته، ولما حاسَبَتْه تَصرَّف باستخفاف مَن نسي كلّ شيء.

■ ■ ■
كأنّها تنصح لك أن تكون مقهوراً «من أجلك»!

■ ■ ■
حذار! إذا عرفكِ الرجل جيّداً _ ينطبق هذا على كل امرأة _ لا يعود قادراً على اجتياز البقيّة الباقية من المسافة.

■ ■ ■
الطَموحة الصاعدة تعتقد، عن حسن نيّة، أنّ لها المستقبل. المستقبل للجميع وليس لأحد. الحاضر لنفسه. الماضي وحده لنا.

■ ■ ■
الرجل يفضّل في المرأةِ ضعفاً ولو اختبأ أمام القوّة. الضعف مفتاحٌ ذهبيّ.

■ ■ ■
نصيحة امرأةِ الطموح والصعود أذكى النصائح ويستحسن الإصغاء إليها، خصوصاً على الصعيدين الواقعي والعملي. في المقابل تحتاج هي إلى مَن ينصحها في بعض المنعطفات الأساسيّة، لأنّها لا تُقدّر أهميّة ما يُعرض عليها ولا أهميّة ما تُفوّت.
بعض النساء لا بدّ أن يفعلن شيئاً يوماً من الأيام يُفقدنا إعجابنا أو احترامنا لهنّ.
امرأةُ الطموح والصعود ترتكب ما يجعلك تخشاها لا ما يجعلك تحتقرها.

■ ■ ■
كان بلزاك يقول إنّ المرأة عبدةٌ يجب وضعها على العرش. امرأةُ الطموح والصعود، ربّما عرفت «القبول» موقّتاً بمزعجات أو ضواغط، لكنّها لم تعرف العبوديّة. لا تلبث أن تتخلّص وتمشي واثقة إلى العرش وتجلس عليه دون استغراب أحد.

■ ■ ■
تدير ظهرها إلى ما لم تعد تريد، مسرعةً كأنّ السيّارة ستقلع بدونها.
الطموح يتحدّى مَن هم فوق، والصعود لا ينظر إلى مَن هم تحت.

■ ■ ■
تندم أنت على تعنيفها ندمين: واحداً عن نفسك وآخر عن عدم شعورها بالذنب.

■ ■ ■
نظرتها واقفة وهادئة. كلّ محاولة لحملها على الانفعال أو ردّ الفعل منذورة للفشل. «التمثيل» مهما كان ذكيّاً يتركها لامبالية. المظاهر (والمجتمعات الحديثة مجتمعات مظاهر) لا تعنيها، لأنّها تُشعرها بمحاولة سلب ذاتها الحقيقيّة.

■ ■ ■
إذا سخرتْ، فحتّى في سخريتها حياء.

■ ■ ■
كأنّها آتية من الصقيع، ومعها الهواء النقيّ، والعفويّة. وكلّ يوم تستدعي ذاتها فترجع هذه إلى الحظيرة. وهذا من فضائلها الكبرى.

■ ■ ■
قد يصدف لامرأةِ الطموح والصعود، بحكم توازنٍ خفيّ للقوى، أن تذهب إلى حبيبها بدافع الشوق والفضول، بينما يذهب إليها _ مع أنّه يحبّها فعلاً _ هرباً من حزنه وضجره.

■ ■ ■
تأخذ الشفقة بساعد الحبّ وقتاً يتوقّف عمره على حرص المرأة وعلى مدى تناغم الرجل في تجاوبه وإيّاها. غالباً، ولا أقول دائماً، إذا عرفت المرأة أن «تُعلّق» الرجل بحبائل الشهوة مع حنانه وخوفه عليها إلى حدود الشفقة (بمعنى المحبّة القصوى) استقرّ الحبّ الى الأبد. على الأقل من جانب الرجل. شفقة + شهوة = كلّ ما يريده الرجل من امرأةٍ تقيم أو تريد أن تقيم معه علاقة. علاقة مركّبة من هذا المزيج قد لا يحتملها الرجل المتوحّش، وهي ليست وصفة إلّا للمرأة. الرجل نادراً ما يعبأ بالشفقة، أمّا الجنس فهو متاح له أكثر ممّا يستحقّ.

■ ■ ■
إذا لاح شيء ولو زهيداً من كُمٍّ فوق ركبتيها، وإذا حصل فخاطفاً، يشعر الناظر إليه أنّه ينظر إلى نهوض ذكرى بيضاء من الأعماق الدفينة. بَشَرتها قوطيّة (غوتيك) ونقاؤها نقاء الأحياء المحفوظين في قوالبهم.

■ ■ ■
هذه رسالةٌ إلى المرأة المكتوب عنها. قد تقرأها وقد لا. وإذا قرأتْها فمن غير المستبعد أن تقول: «مَن هذه؟». ولن تجانب الصواب. فالسطح منها لم يظهر هنا، لأنّ جماله ليس موضع بحث. أمّا دخائلها وقد حاولتُ النظر إليها، فأنّى لي، وقد فارقني العزم على الكشف، أن أسبر غورها، فلا يبقى سرّ إلّا جاءني؟
وستقولين في نهاية المقال: حتّى أنت لا تعرفني.

■ طيف دو فونيس

جدلٌ على التلفزيون الفرنسي حول مسرحيّة «فنّ الضحك» المعروضة في مسرح الشانزيليزه. يحاول الممثّل إضحاك الجمهور بأساليب بائخة يشرح له بها كيف يضحكه (وهو لم يضحكه). جدلٌ تخرج منه خائباً من الهبوط الذي وصل إليه المسرح الفرنسي.
ضربت الأهداف التجاريّة الأرقام القياسيّة في التسويق للتفاهة والتضجيج حول الفراغ.
لو مرّ طيف لوي دو فونيس مروراً لثانية أمام أو وراء هذا التصنُّع المضني لفجّر الضحك وكان مروره كافياً لإفهام الشارحين الفاشلين ما هو الكوميك وأنّه، عدم المؤاخذة، موهبة.
الانذهال الفرنسي بالنتاج الأميركي الموسيقي والغنائي والمسرحي والسينمائي يفسّر جزئيّاً الانحلال الفرنسي حيال ما يظنّه مثقّفو باريس أفضل منهم.
ولو فتحوا صدر كلّ كاتب أميركي منذ إدغار آلن بو حتّى روبرت روث لوجدوا فيه دمى فرنسيّة مهترئة من فرط استهلاكها!

عابرات

الجنس سينتهي. سحرُ المرأةِ لم يعد ينطلي على الرجل. المساواة أَرَتْهُ ما لم يكن يجب أن يرى. مكان الصورة حلّ الزواج. حلّ مكان الحلم الروائح، اللزوجة، كركرة الأمعاء وباقي مفاعيلها، الصُفْرة، البثور، القيح. أصوات قضاء الحاجة. ما اكتشفته المرأة في الرجل هو أيضاً كارثة ولكنّها لم تصبها بالعنّة. الرجل بحاجة، مع المعشوقة، إلى وهمٍ بصلابة الوهم الذي عاش في كنفه عَهْدَ الأمّ.

■ ■ ■
هل بعض المجانين كذّابو جنون كما نَشْتبه، أم هو انطباعٌ يأتينا من غَيْرة تُسبّبها لنا الحالات الوجدانيّة التي يُعقّدنا جموحُها؟

■ ■ ■
لا يتذكّر أنّه قويّ إلّا بعد أن يبدّد قواه في متاهاتِ التوهُّم أنّه ضعيف!

_________________


حسن بلم
♪♫.. الادارة..♫♪
avatar
رسالة sms : سيرى ببطئ ياحياة
لكى أراك بكامل النقصان حولى
كم نسيتك فى خضمك
باحثا عنى وعنك
وكلما أدركت سرا منك
قلت بقسوة
مأجهلك!!!!
ذكر
عدد المساهمات : 10414
الاٍقامة : وراء الأفق حيث لاشئ سواى وحبيبتى
العمل : مهندس
نوسا البحر :
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
2016-06-02, 3:06 pm
يسوع المسيح احضر حالاً

أنسي الحاج
أأنت المسيح صاحب قصة لعازر؟ إذن تفضّل.
الألفا سنة فاصل طويل. معنا ضعف نظر ولم نعد نراك.
المسافة شاسعة. اقترب وادخل. هذا وقتك. لن يكون لك وقت أفضل. إذ لم تجئ الآن فلا تجئ بعد ذلك. الحاجة إليك الآن.
نريد أن نعرف. نريد أن يقول لنا أحد ماذا نفعل، أين الحقّ، لماذا نعيش، من هم هؤلاء ومن هم أولئك.
نريد أن يقول لنا أحد من نحن، ولماذا يضربوننا، ويكذبون علينا، ويجوّعوننا، ويبّشعون حياتنا، ويهدرون مستقبل أولادنا، ويعهّرون الحياة من بابها إلى محرابها.
نريد أن نعرف منك أنت مع من.
لقد سئمنا التراتيل والأناجيل ومتّى ومرقس ولوقا ويوحنا. وسئمنا خصوصاً أعمال الرسل. وبولس. وبطرس. والرؤيا. وجميع القديسين.
وفلقونا بالأخ بابا نويل.
شكراً. شكراً لمجهودات ذوي النيات الحسنة والذين يحبون أن يزينوا لنا الحياة في المناسبات.
ليس هذا المطلوب. المطلوب واحد وهو حضورك. حضورك حالاً، وكلّ عذر لعدم حضورك مرفوض. أنت مسؤول. أنت المسؤول الأول والأخير فلا تقف في ظل الأناجيل. قالوا انك ستعود. شرّف.
تعال أخبرنا، تعال تكلم من جديد، تعال نقِّح أقوالك القديمة، تعال أعد النظر في هذا العالم، تعال راجع ضميرك وأعمالك وأقوالك.
قل لنا أين الطريق. أعرف أعرف: «أنا هو الطريق والحق والحياة». لكنْ قديمة. نريد غيرها الآن في ضوء الطرق اللانهائية المتداخلة، والحقوق التي لا يُعرف سرابها من طغيانها، والحياة التي نعيشها بالحبوب والأقراص.
نريد أن نعرف موقفك من اليهود،موقفك من اسرائيل، موقفك من العرب، موقفك من الغرب، موقفك من الزنوج، موقفك من الحب، والجنون، والطب، والعمل، والمال، والحرب، والعائلة، والبابا، والعقائد، وموت الأطفال، والأمم المتحدة، والفنون، والشعر، والجنس، ومسيحيي لبنان، وسوريا، والأردن، ومصر، والسودان، والعراق.
الكلمة عظيمة. الكلمة الله. الكلمة أنت. لكنْ قديمة.
نريدك «أنت».
جسداً وصوتاً، كما أنت، نازلاً من السماء، طالعاً من القبر، آتياً من الجدار، أومنبثقاً من الماء لا فرق.
تعال.
الأمم مجنونة وبلهاء والشعوب مسحوقة وغبية والزعماء يقتلون ويعبدون أنفسهم. الكنائس تعيش على الذكريات. الأديرة مهجورة. الرهبان رهبان لأجل أنفسهم. الصليب نجم سينمائي. الأناجيل صارت كتاباً كجميع الكتب.
لا بد من حضورك.
اقطع أشغالك الحالية، أجِّل ما تفعل الآن، انهض من بين الغيوم واترك كل شيء واتبعنا.
اتبعنا على الأرض. احمل صليبك واتبعنا.
ذات يوم طلبتْ منك أمرأة كنعانية أن تشفي لها ابنتها المجنونة، فلم تجبها، وقلت لتلاميذك انك أرسلت لخراف بيت اسرائيل وحدهم. فسَجَدتْ الكنعانية لك وقالت: «يا سيد أعنّي». فأجبتها: «ليس حسناً أن يُؤخذ خبز البنين ويُطرح للكلاب» . فقالت لك: «نعم يا سيد، والكلاب أيضاً تأكل من الفتات الذي يسقط من مائدة أربابها».
«الكلاب». معك حق. لقد كَشَفْتَنا. من أيامها ونحن كلاب. لكن الكلاب أيضاً يا سيد «تأكل من الفتات».
عد إلينا. نحن الكلاب أحوج إليك من أرباب المائدة لأن أرباب المائدة أكثر توحشا من هؤلاء الكلاب.
عد إلينا. قل لنا مرة أخرى إننا نحن الكلاب وسنصدق. قل لنا عندما تجيء إننا لا نستحق وسنصدق. قل لنا أي شيء عندما تجيء وسنصدق.
لكنْ تعال.
كلامك السابق سَبَقَتْه الأحداث. نعم كلامك أبدي لكن الأبدية أيضاً تسبقها الأحداث.
لم نعد نريد الكتب. لم نعد نريد سفراءك على الأرض. لم نعد نريد اللجوء إلى الغيب والتجريد. نريدك بلحمك وعظمك.
أنت يسوع المسيح. نريد أن نعرف. أن نعرف كل شيء. نريد أن نعرف منك أنت شخصياً، بكلام جديد، واضح، هادئ أو صارخ.
تعال.
الناصرة تنتظر.
بيت لحم تنتظر.
القدس تنتظر.
جبل الزيتون ينتظر.
الجلجلة تنتظر.
فلسطين تنتظر.
العالم كله ينتظر.


حفلـــــة فـــــي الـــــرأس

أنسي الحاج
مَن هو شعبك؟ وما هو الرباط؟ لا أحد يستطيع أن يجيب عن سؤال واحد، سؤال خفيف واحد: مَن كان يحكي ولمَن؟ كانت الحفلة في الرأس، في الرأس وحده، الرأس الواحد وحده، الخلاعة في الرأس، الإيمان، النجاح والفشل، الصوت والصمت. الناس كانوا في الرأس. هل عواصف الرعد الليلة عواصف رعد؟ لا، إنها رقصٌ في الرأس، هذا الرأس الحيّ فقط في سجنه، الميّت بين الأحياء!

■ ■ ■
عريٌ إلى وراء العري
براءة تكسف البلاهة
شرٌّ ينير شَرَرُهُ الظلام.
«لمَ تنظر إلى أسفل؟» يسأل التمثالُ ضيفه
فيجيبه: «كي أُفردَ جَناحَيَّ أوسع من الهاوية».

■ ■ ■
بين أقزام وسماسرة يتنقّل الأبطال من حولنا، على أرض البحر التي وصلت نفسها بآفاق المجهول، على أرض البحر التي ألّهت الحريّة، على هذه الأرض، موطن الذكاء في جميع مغامراته، يلهو بالرقاب والمصير لصوصٌ ومجرمون وأقزام وسماسرة. آكلو الحقوق فاجرو النهب والسلب. يكاد لا يمرّ يومٌ على الصالح حتّى يتبدّى فساده. ما أقلَّ الذين لا يُندّم ماضيهم على حاضرهم! وما أقلَّ أقلَّ أصحابَ الماضي الذي يُعاش له، يُعاش عليه! وما أقلّ ما يستمر هذا الوهم!
وما أعظم هذا التراب، وما أقلَّ عدد حبّاته الباقية في القلب!

■ ■ ■
هذا خروج عن الموضوع، ولمَ الخروجُ من الموضوع؟ وهل يخاطب المرء غير نفسه؟ وفيمَ تُجامِل النفس بحديث لا ينكأ فيها جرحاً ولا يدمل آخر؟ لمَن يقول: أنت واحد من هؤلاء الناس، أقول: لم أكن واحداً من شيء، لا أنا كنت ولا هُم، إنها وحدة حال مُخْتَرَعة، وحالاتُ التمازج بينها كانت تجارب لتعميق الوحدة، لإعادة تعميد الفراق، لتعذيب المجرَّب بإطعامه فاكهة مستحيلة، أمكن تذوُّقها سحابة حلمٍ خَطَرَ في صميم كابوس.

■ ■ ■
ومَن أحبّونا لا نستحقّهم
ومَن أحببناهم لا يبرحون الرأس حتّى ينفجر.

■ ■ ■
مَن يحكي؟ مَن يَسمع؟ هل من أحد؟ ممثِّلٌ في مسرحٍ خالٍ. لمَ هذه الأسئلة؟ عندما يَخْتلط، لا يَخْتلط. وحده هكذا أم كلّنا؟ طعم هذا الكبريت. أهذا هو الإنسان؟ رحماكَ أيّها الغائب، أهذا هو الإنسان!؟
الوحدة أفضل لو كان الأمر مجرّد اعتياد العدم. لكنّه التساقط.
تتباطأ لأنّكَ حاقدٌ أيّها الشبح!
عجِّل أيّها الأحمق المتذاكي، وابتعدي يا شمسُ، لتصبحَ على خيرٍ أيّها الليل، أيّها الليل ذو الجيوب الساترة، ذو الأحضان السهلة. ولكنْ ليتَ فيكَ أيضاً ما يُسرّي عن المرء في النهار، ذلك الانشراح، ذلك الانشغال. لا تكتمل مع شيء ولا مع أحد.
خذ المشاهير، لماذا ليسوا أقلَّ موهبةً وأكثر عبقرية؟ حيث المواهب تُرائي وتكذب، العبقريّات تستقيم في هَبَل أخلاقها! المواهب نجاحٌ والعبقريّات انتحارٌ ينتصر. المواهب جاهلة وما بها عطشٌ إلى محبّة بل إلى خَدَم. العبقريّات، كالطفولات تماماً، مكسورة على ضلوعها تخجل بصوت خطاها وتحمل ذنوب الظاهر والمستتر على عينيها.

■ ■ ■
يقول: «لنا الساعة التي نحن فيها». ليست لي الساعة التي أنا فيها. ولا هي فيَّ. لا أملك نصف ثانية. كيف تقول إن لك الساعة التي أنت فيها وكأنّكَ لا تسأل عمّا بعدها؟ مَن يقل «لي الساعة التي أنا فيها» يملك اللحظة والأبديّة. مَن ذا الذي يستطيع القول إنه يعيش يومه وكأنّه سيموت غداً؟ يومه؟ ساعته؟ أيّ إنسانٍ سعيدٍ هو هذا! وهل أحدٌ في هذه القناعة إلا المستسلم للمجهول كما يستسلم الساهر مدحوراً إلى النوم؟ ما أكذبنا فيكِ أيّتها الكلمات!

■ ■ ■
هل كنتَ تُهدي الحورة والحبق على اسم أحد؟ لماذا تشكو إليهما الآن؟ هل أظهرت للأزهار والخضر، للسواقي والأثلام، للجِلالِ والحصى، هل أظهرتَ للشرفة والنافذة والرطب واليابسة ما تتظاهر الآن بأنّك تكنّه لها؟ أتريدها أن تتعاطف معك، لأنّك اكتشفتَ فجأة أنّها، والحيوانات ذوات العيون الكبيرة الخائفة، أقرب إليكَ من نفسك؟ هل تظنّها هي الملائكة؟ ألم تغرس في هذه الأرض سوى الغرس الذي زرعه الآخرون؟ هل تظنّ لك حقّاً في هذه المساحات؟ ما أكذبنا فيكِ أيّتها العواطف!
قوّةٌ لا هدف لها. جرحٌ في الوعي، في كل لوحٍ أمام العينين. شيطانٌ يرأف بطفلٍ ويصاحبه. يفارقه حين يزايد عليه، يعاوده حين تأخذه توبة. ما أكذبنا فيكِ أيّتها الذكريات! أيّتها المواقف! ما أكذبنا فيكَ أيّها الصدق! مسكينٌ يستحقّ الرثاء هذا التغليف، هذا الضعف، هذا التجبّر المصطنع. أكثر ما يعطينا صفات المحكومين هو هذا الفَخَارُ بأنّنا أحرار. ما أطولَ صبركِ علينا أيّتها الأشياء!

■ ■ ■
وليس صحيحاً أن الواحد يكبر. الواحد يصغر. يتضاءل ويتقلّص كالمبتعد. نظركَ هو الذي تعب من التوقّف عنده. نظركَ يكبر ويهرم. انظر إلى هذا الواحد كيف ينأى، هذا الضباب الذي بدأ يحجبه هو أنتَ، أنتَ الناظرُ إليه يغوص ولا تنتشله.

■ ■ ■
الانتظار غصنٌ مجنون في شجرة عاقلة!
أهو الذي يحميها من الأعاصير والصواعق أم هي التي تخبّئه في قلبها؟
الأمل غصنٌ ناحلٌ في شجرة قاسية!

■ ■ ■
في عيون الناس وجهان ولا وجه لعينيك، ولا وجه على الإطلاق! لا وجه لمَن لا يجرؤ على الوقوف أمام المرآة! لا وجه لمَن أعار حياته للحبّ، لأن الحبّ يأخذ وجوه القلب ويأكل كلَّ يومٍ وجوهاً ولا يشبع! النساءُ وحدهنَّ يعرفن هذا. لولاهنَّ لجفَّت مياه المرايا.
عندما نولد نبكي لا لأنّنا نخاف فقط بل لأنّنا عرفنا فوراً.

■ ■ ■
يصرخُ الصارخ في صمته. يسمعه صامتٌ آخر في صراخه. أخويّة مكسورين، خارج الإطار البشري العارم. وإذا كتب، يصرخ الكاتب في وجه نفسه. أرنبٌ يعرض رجفته للقمر. الأخويّة الصغرى مكسورة، الأخويّة الكبرى نهرُ الحياة الأصمّ.
ماذا يفعل الصارخ في عزلته؟ يبحث عن عزلة أعمق! لماذا؟ لأنّه لا يريد أن يخرج بل أن يُمعنَ في الدخول! يحتاج إلى ما يُلهي، ولكن في أحشاء الزاوية، تحت معطف أبيه، بعيداً عن المشاركة. التغلغل في الفراش، تحت الدَّرَج. في مأوى الغربة الدافئ. لا يحمل مشروعاً إصلاحياً، ليس ثائراً ولا قائداً، إنّه لاجئ. أعصابه عارية تحت أنياب العالم. هو: الفيلسوف، الشاعر، الفنّان، المرهف، المتوتّر، الآرِقْ، الهارب من نفسه، الواقف على مَشْحرة روحه، المذعور الجبين، الملهوف على مقبضٍ يحميه من الوقوع، والمقابض تتلاشى تحت اليد، أيّ واحدٍ من هؤلاء، ومن سائر «الباحثين»،
لا يبحث عن خير العالم، بل عن وقاية من شرّه، ولا عن خلاص البشريّة بل عن يوم بلا رعب، ولا عن المجتمع الأمثل بل عن عقارٍ سحريٍّ يخطفه عن وجه الأرض دون أن يُبَهْدله العمر.

■ ■ ■
المقاعد في الصالة فارغة.
طوال العرض، لم يكن هناك أحدٌ على المسرح.

_________________


حسن بلم
♪♫.. الادارة..♫♪
avatar
رسالة sms : سيرى ببطئ ياحياة
لكى أراك بكامل النقصان حولى
كم نسيتك فى خضمك
باحثا عنى وعنك
وكلما أدركت سرا منك
قلت بقسوة
مأجهلك!!!!
ذكر
عدد المساهمات : 10414
الاٍقامة : وراء الأفق حيث لاشئ سواى وحبيبتى
العمل : مهندس
نوسا البحر :
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
2016-07-27, 12:21 am
كلُّ شيء جديد تحت الشمس

أنسي الحاج
حين لا يعود يُنقِذ إلّا المعجزة، تُجْبَر المعجزة.
ثقيلٌ مَن يشكو الوحدة. ما الوحدة؟ هي أن تكثر حولك الحركات ولا تلمس يداك شيئاً. هي البئر التي نادراً ما ينزل النازل إلى نهايتها. وهي عندما يحيطك المحبّون وتعرف أنّهم لن يستطيعوا لك شيئاً.
أفكّر في الفدائيّين والمقاتلين. قد يشعر مَن يجنّدهم بالذنب أمّا هم فمُتْرَعون. الحياةُ تملأهم والموت يملأهم. واللحظات تبادلهم الاعتبار فتشعر بحضورهم كأنّه الرغيف الساخن. حياتهم ظليلة وموتهم مُضاء.
كلّ رجلٍ مشروع قاتل، قاتل لبريء وقاتل لمشروع قاتل وقاتل لقاتل. نسافر وعلى الكتف ملاكٌ أو جنيّ. قايين أوّل العارفين. ويعقوب الذي عارك الله. وموسى، قبل العوسجة الملتهبة، درسَ ذلك في إثيوبيا حيث تضلّع من تراث الأطلنطيد الغرقى ومن التعاليم حول الإله الواحد. وهو ما لم تكفّ الشعوب عن اختباره من عذاباتها وأشواقها. والويل لمَن لا يحطّ على كتفه ملاك أو جنيّ، فهو، فوق تسليمه إلى المجهول، حُرّ، والويل لكَ أيّها الحر.
تَصْنَع العزلةُ خوفاً كما تَصْنع شجاعة، والشجاعة قد تغدو جسارة بلا حدود، والجسارة تحتاج إلى الولاء لصورة، والولاء إذا احتدم جدّاً يصبح بخوراً.
يتساءل المرء مصعوقاً عن السبب الذي حمل أورفيوس على الالتفات إلى أوريديس وهما يعودان من الجحيم إلى الأرض. لماذا انتهك العهد مع سيّد مملكة الموت أَلّا يلتفت في الطريق ليرى وجه حبيبته؟ لماذا أعادها بالتفاتته إلى الموت وعاش بقيّة حياته فريسة اليأس وانتهى قتيلاً على أيدي نساء «تارس» الحاقدات لأنّه لم يتأثّر بإغرائهنّ؟ جوعُ النظر إلى الوجه. الرغبة بالتماس الجمال تفوّقت على إنقاذ الحبيبة. يصعب عدم الالتفات إلى ما كنتَ تنتظره. إلى ما يحكّ القلب. يستحيل التغلّب على جوع النظر.
لا تتركي وراءكِ إلّا ما يزيد الولوع بكِ. الولوع بكِ حتّى الموت، سواء موته أو موتك. الشغف أقوى من الموت. ألقي عليه حبائلكِ. أنتِ الوهم اسحريه. أنتِ السراب اغمريه قبل أن يفيق.
الحواسُ تحبّ فيكِ ما لا تجده في صاحبها. هذه هي الطبيعة، بل هذا هو الإنسان. يريد شبيهَهُ الذي لا يشبهه. يريد صورته المعدَّلة، جسده المكمَّل، ألوانه التي لا تُمَلّ. كُوني هذا المحال. كوني هذه الكذبة. التسبيح للسحر دائماً.
■ ■ ■
يأفلُ نجمٌ ليطلع نجم، تنهار قارة لتولد قارة، يموت إنسان ليُخْلَق إنسان. وكلّ شيءٍ جديد تحت الشمس. يتدحرج عِرْقٌ ليصعد عِرْق. ولا ينطبق على أمر ما طُبّق على سواه.
ليس الفعل ما يغدو نموذجاً بل النموذج هو ما يغدو فعلاً. حلمتُ بكِ ولم أعرف أنّكِ أنتِ إلّا بعدما تجسَّد الحلم وازداد إيغالاً في الحلم. الرعب في الانتباه.
■ ■ ■
تقضي اللياقة بأن يحافظ الكاتب على مسافة من القارئ هي نفسها تلك التي يقضي الحرص بالمحافظة عليها بين فَمَي شخصين يتحادثان ويحاذران تبادل التلوّث بتخالُط الأنفاس.
يُرادُ من الفنون أن تنطق بالحلم، أن تقول المُعْجِز والبسيط، أن تجمع النقطة التي تنتهي فيها الأرض بالنقطة التي يبدأ عندها الفضاء، أن تجمعهما في كأسٍ واحدة، أن تَعْبر الكواكب والمجرّات، أن تذهب إلى أغوار الذاكرة وأن تنتقل بالحواس إلى المُحال، وأن تزيحَ الستار قليلاً عن المحجوب، وتكسوَ الفراغ قليلاً
وأن تحفر الصدى بالنشيد والنشيد بالصمت
وأن تَنْقل الروح...
كوني أيّتها الأشياء ـــــ أنتِ يا مَن كلّ واحدٍ بينها يخاطب جميع الكائنات ويصغي إليها، وما أعمق إصغائك في الغابات، وما أحنّه في الأقحوانة والسنبلة، وما أنفعه على وسادة النهر، وما آنسهُ في رياح الوادي ـــــ كوني أيّتها الأشياء مَصْدَرَاً للألحان، وكوني أيّتها الفنون كاستهلال سفْر التكوين وكموعظة الناصري على الجبل، كوني مثل مطالع المعلّقات والمتنبّي، مثل بدء الخامسة، والنصف الأوّل من الحركة الرابعة من التاسعة لبيتهوفن... كوني مثل صوت فيروز وخلود عبوره الخاطف، كوني مثل لوحات رافاييل وفيرونيز ودولاكروا، مثل شرايين جبين بودلير التي لم تحمل إلّا الكهرباء ولم تَلِد إلّا الروعة، كوني مثل طقس بعد الظهيرة في الجنّة، كوني الأعجوبة، كوني الرعشة التي تبعثها بعض حوارات السينما وبعض موسيقاها، كوني اجتماع الشَغَفِ الجارف بالإرادة الجارفة.
كوني ما لا حقّ لكِ أن تكوني سواه: تركيز الأبد في لحظة.
■ ■ ■
مقضيٌّ على الإنسان، على الإنسان دون سواه من الكائنات، ألّا يتغلّب على الوحدة إلّا بالحكمة. والحكمة أشدّ إملالاً من الوحدة. مقضيٌّ على أهل الحَذَر أن يُخْدَعوا وعلى العباقرةِ أن يكونوا طُغاة وبسطاء. مقضيٌّ على الخيال المحموم أن يتقيَّد بنظام وعلى المتألّم أن يرعى ألمه. حين لا يعود يُنْقِذ إلّا المعجزة تُجْبَر المعجزة. لا تكن خبراً يوميّاً بل معجزة، وإلّا فهمسة. لا تكوني جزءاً من الزمن بل معجزة، وإلّا فغائبة. ذهولكَ عن الوقت نقيصة ولكنْ كن ذاهلاً عن الوقت. إذا شَرَدْتَ فاقبلْ شرودك ولا تتعقَّد، أليس أنّه لا بدّ من ذَنْب نقترفه؟ كلّ الآلات تتعقّب الأخبار والجميع يجلس مُسَمَّراً أمام الساعة، هل كثيرٌ أن ينعزل الخائف في ركنه وأن يحايد الأمواج؟ للهادئ أيضاً رغيف وكرسي. الواجهة للصخب والملاجئ للهاربين. الهرب نقيصة ولكنْ لا تهربْ منه. ليس للإنسان غير السلوى. يزور الأرض لينسى نفسه والأرض. يعشق ويقاتل ليغيب عن الوقت. نحن العصافير الهائمة من وجه الوقت.
هنيئاً لمَن لا يعرف ما وراء عينيه. هنيئاً لمَن يقظتُهُ رضيعة ورُقاده رضيع. أكثر مَن نحبّهم نطويهم في الحنايا. أعمقُ ما فينا هم مَن نسيناهم. الجذور لا تظهر. الحناجر الأكثر بلاغة هي دماؤنا لحظةَ تبدو كأنّها تجمّدتْ في عروقنا. تأمَّلْ في الورقةِ تحت عينيك، في الفسحة أمامك، في الهواء فوق رأسك: هذا هو الكون بأسره. لا تلعب مع الأطفال بل كنْ طفلاً. إذا لم يستطع قلبك أن يَرْقص دعه ينسى. إذا لم تستطع أن تنسى اسكرْ بالرقص. ليس للإنسان غير السلوى.
تُجْبَر المعجزة.
تُشْعَل مثل البرق.
لا تضجر ولا تستوحش كثيراً، كلّ شيءٍ جديد تحت الشمس.

عابـــــرات

الماضي ثنية متحجّرة على وجه الصحراء
■ ■ ■
تقول أنت ابن طفولتك لتقول إنك غير مسؤول عمّا صرتَه. وهذا حقّ. لكنّك لا تُقاس بمسؤوليّتك بل بوعيك. وعيك ابن اللحظة وراء اللحظة.
■ ■ ■
الإحساس الشعريّ يعطي صاحبه بديلاً من الإيمان الدينيّ أو الإيديولوجي. البديهة الشعريّة أخْت الإشراق الصوفيّ وأحياناً أعدل منه، فضلاً عن تنوّعاتها اللانهائيّة. حتّى لو كان المرء ملحداً، يشكّل له الإحساس الشعري «ساحبة» روحيّة تأخذه على بساط القلق والرجاء ما وراء الأجوبة المتوافرة وتخوم المعطيات.
■ ■ ■
هناك حالاتٌ يسرق فيها التقديس من وهج المقدَّس. لنتخيَّل جان دارك بلا تطويب: كانت بطولتها ستتّخذ حجمها المأسوي الكامل، حيث العين تقاوم المخرز دون سَنَد إلّا جنون الفداء. الفداء الفرديّ غير المُشَرْعَن مقدَّس أكثر، لأنّه مقدَّس في اللاوعي الجماعي الوحشيّ.
■ ■ ■
وجهكِ تهافُتُ الزمنِ خارج إنائه.
وجهكِ شهيّ كعجينةٍ تحمرّ وتربو تحت النار.
وجهكِ وحيدٌ ينتظر كطفولتي
وجهكِ عارٍ كطفولتي
متلهّفٌ مثل شمسٍ تلتفت قبيل غيابها.

_________________


حسن بلم

كان هذا سهوا لأنسى الحاج pdf ,قصائد جديدة لأنسى الحاج

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة

صفحة 1 من اصل 1
نوسا البحر :: فوضى الحواس(منتديات ثقافيه) :: مرتفعات أو سوناتا الكلام

حفظ البيانات | نسيت كلمة السر؟

هوانم نوسا | عفاريت نوسا البحر google+ | عفاريت نوسا | مجلة الصور | مجلة عفاريت