نوارس سوداء,مختارات شعرية لكبار شعراء قصيدة النثر

♪♫.. الادارة..♫♪
hassanbalam
رسالة sms : سيرى ببطئ ياحياة
لكى أراك بكامل النقصان حولى
كم نسيتك فى خضمك
باحثا عنى وعنك
وكلما أدركت سرا منك
قلت بقسوة
مأجهلك!!!!
ذكر
عدد المساهمات : 10441
الاٍقامة : وراء الأفق حيث لاشئ سواى وحبيبتى
العمل : مهندس
نوسا البحر :
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
2016-03-23, 5:53 pm
خير الدين الأسدي

من مواليد مدينة حلب، عام 1900.
توفي عام 1971.
درس في المدارس الدينية، ثم عمل مدرسا للغة العربية.
أمين سر جمعية العاديات في حلب، 1950.
صدر له:

موسوعة حلب المقارنة، دراسة، عن معهد التراث العلمي العربي في جامعة حلب، 1982. أغاني القبة، شعر، 1951.
البيان والبديع، 1936.
عروج أبي العلاء، 1940.
قواعد الكتابة العربية، 1941.
حلب الجانب اللغوي من الكلمة، 1951.
يا ليل، شعر، بدون تاريخ.
سورة التقطير

حبيبي أسمر الوجه، بسام الثغر، مخمور العينين، مكوكب الجبين، حلو القسمات.
حبيبي قرنفل المباهج، غيساني الشباب، موار الغلمة، سكران الزمان.
ناعم الشعر، حول شفتيه النديتين أسراب النمل حول سلسبيل الينبوع.
حاول الزمان أن يمثل الجمال فأبدع أفانين الزهر في فيح الجنان
ثم ما عتم أن أخفاها في البراعم خجلا منه.
فاخرت ألسنة الشموع أضواء الطهر في مبسم الحبيب، فكان جزاؤها الإحتراق.
أضواء الطهر
يا منى العين
أشم فيها روح الحياة.

سورة الأشافي

أحترقت كالعود في نار التوبة، ولما أبلغ بعد شرفة قصر الوصال.
وأضطربتْ حمامة قلبي بين ضلوعي، لأنها رأت ثنايا الشباك منصوبة في كل مطار.
وأنهل مدرار شفقي اللون، وما أومض برق الرجاء.
جبت الأفاق أسأل عن أشافي آلامي
فألفيت آسى الهوى سكران لا يعي
سكران
والصوت ذوى
يغزل سندس الأحلام
ويقضم من الأماني.
فسكر سكري
وذوى صوتي
ومضينا إلى لغة الإشارة.

سورة الزنار

حين رفرفت راية الأنوار على مفارق الجبال طرق حبيبي بيد
الرحمة باب المتيَّم.
فترامت من قرارة خزانة الصوت:
هو
هو
وأنعقدت على الشفة قبلة لاظية.
دائرة هاء "هو" إنسان عينه المحيط، والعالم هذا الخلاء في أحضان الدائرة.
يا لسناء الحكمة!
لو لم تدر دائرة الهاء على هذا الخلاء لم يكن له قط
وجود.
المحيط الهائي تلازمها السرمدية والنقطة معه من لازم الملزوم.
فجدد شبابي يا نسيم بهبة من شباب الخمائل
ثم أرفع الصوت:
أين دير المجوس ؟
أين الشراب المصفق ؟.

سورة اياز

باسم الله مجرى سفينتي في بحر المدام
وباسم الله مرساها في شاطئ السلام.
هبت نسمات الرحمة مسيحية الأنفاس تؤذن أن موسم الطرب
قد حان.
فهاتها
يا حنون
رفاف مناغم عندية
ساحرة السقيا تهيم في أضواج القلوب.
دعنا
نطرب
وننتشي
ونرقص
ونطوح بالرؤوس
ونضرب
بالأكف والأقدام.
وليراقص نثار الأغاني نثار الجمال، فما أمتع وجه اياز يتهادى بين
علوي النغم.
غص المرقص بزهر العيون، تنهل الرفاه والنعيم من مسعد الوجود.
يا رند الحمى !
يا ورد الضحى !
يا زاد الغرام !
يا بياع الحلاوة !
إن عرش عزتي في تراب أعتابك
يا ضنى روحي
جويت
وأنا أتنوّرُ شمعة تركستان
فهل يلفنا الوصال
وتتلظى الشهوة على جمر الشفاه ؟
حلال لقلبي أن يقبل درج العقيق النضيد الذي أنضوت عليه شفتاك.
اياز
يا أرجوحة الوطر!
يا هبة ظمأ التلظي !
يا فورة شواظ الماء !
جواهرعيوني أنثرها على مدرج صبوتك.
أغيد
يا أغيد!
يا أغيد!
شربت شعر أنفاسك في قدح الشروق
فاستطالت ظلال رؤاي.
من أي الجواهر ـ يا نعمة العين ! ـ، رُكبت مرآة حسنك ؟
فإن لهب آهاتي لم تصهرها.

سورة الفناء

أرفعني إلى مقام الفناء:
الفناء في صمديتك
حتى إذا رآني خلقك
قالوا:
رأيناك
هباء هيولي
حجاب الروح
فيا للبشرى بيوم التداعي
تداعي الهباء !.
عطش الفناء:
الفناء عن وجود السوى
الفناء في وجود الواجب الوجود
صوح شجرة حياتي
تحنان الروح
نوافح ريحان القلب
مداد مصحف الحياة تستقبل
فجر عمر جديد
مداه مدى أبدية الله.

فإليّ
إليّ
ضمني
ثم
ضمني
وضيق عليّ العناق
حتى أكون أنا إياك
وتكون أنت إياي
وأفنى
وأفنى
وأف..

سورة القدر

السنا السنا
زارنا المنى
هننا
يا رب !
هننا هن هن.
والرضى الرضى
طبق الفضا
ضمنا
يا هو!
ضمنا
ضم ضم.
تباشير الأنس في سرايا اياز
إنه من اياز
وإنه بسم الله الرحمن الرحيم
لتكن قامات الحسان محنية كالنون أمام ألف اياز
أملود غيدان الشباب.
اياز !
ألق على هيكل نظرتك الوديعة المهيبة
تشق طريقها من ثنايا
طرتك
لا ضرب كرة الفلك بصولجاني السعيد
وعندما أبعث من مرقدي
سيكون موقع نظرتك هذي ميسم حبيبك والتساقي .
أحبك
أحبك
صافح كلمتي
بوأنا أحبك
ولتتوسد الكلمتان
ذراع الشهوة تحت أغصان العفاف.
الله !
وهل شربت المسامع أحلى من نمير"وأنا أحبك"
عطف الري على الأوام .
هذه الواو ـ تبارك من كورها، وكنجم مذنب صورها ـ
جناح رؤوم
يبسط الدفء والأمان والحنان.
الواو جمع وضم وعطف
ولفظ ناعم الدغدغات
إنها قبلة الشفاه.
سأمضي إلى صومعتي
ومعي البربط والكأس
وسأحسوها نهلة عندية
مصفقة بخمر النغم .
فاجعل يا رب
موكب ألطافك يزامل قافلة حبي ويرعاها.

سورة السواجي

هبطت الملعب
فوجدتني غريبا وحيدا.
رباه !
أين هواة كرة الكرامة والإحسان ؟
طغى الطوفان
طوفان البلوى
وجرفت سيوله منزلي
إلا قصر أحلامي الحافل بهالات الفتون .
انسلخت من نفسي
كما تنسلخ الحية من جلدها
ثم نظرت
فإذا أنا هو.
ارتضيت عزلتي
كما ارتضاها البركار يدور حول محيطه
لكن
القدر سيجعلني في النهاية مركز الدائرة.
الدنيا عامرة بالخراب
وكل ما فيها قبض الريح
فأرفع أذيالك
أمّا سرت.
نورج الزمان يطأ ـ غيروان ـ أغلاف الشرر
ويذروها رميما هامدا
في مهب الفناء .

أدونيس

من مواليد قرية قصابين بمدينة جبلة، عام 1930.
إسمه الحقيقي علي أحمد سعيد أسبر.
في اللاذقية حفظ القرآن على يد أبيه، ودرس الفلسفة في جامعة دمشق.
ساهم في تأسيس مجلة شعر.
نال درجة دكتوراه عام 1973، حول أطروحته الثابت والمتحول.
أسس مجلة مواقف عام 1968.
صدر له:

أغاني مهيار الدمشقي،1961.
المسرح والمرايا، 1968.
وقت بين الرماد والورد، 1970.
هذا هو اسمي، 1988.
أبجدية ثانية، 1994.
الكتاب أمس المكان الآن، 1995.
مسرحيات جورج شحادة، ترجمة، حكاية فاسكو، 1972، والسيد بوبل، 1972.
الأعمال الشعرية الكاملة لسان جون بيرس منارات، شعر.
الأعمال الشعرية الكاملة لإيف بونفوا، شعر.
مقدمة للشعر العربي، نقد، 1971.
زمن الشعر، نقد، 1972.
الثابت والمتحول، بحث في الإتباع والإبداع عند العرب، الأصول / تأصيل الأصول / صدمة الحداثة وسلطة الموروث الديني / صدمة الحداثة وسلطة الموروث الشعري، دار الساقي.
فاتحة لنهايات القرن، 1980.
سياسة الشعر، دراسات، 1985.
الشعرية العربية، دراسات، 1985.
كلام البدايات، دراسات، 1990.
الصوفية والسوريالية، دراسات، 1992.
النص القرآني وآفاق الكتابة، دراسات، 1993.
ها أنت أيها الوقت، سيرة ثقافية، 1993.
مزمور

أحمل هاويتي وأمشي
أطمس الدروب التي تتناهى
أفتح الدروب الطويلة كالهواء والتراب
خالقا من خطواتي
أعداء لي
أعداء في مستواي.
وسادتي الهاوية والخرائب
شفيعتي
إنني الموت حقا.
التآبين صِيَغي
أمحو
وأنتظر من يمحوني
لا شذوذ في دخاني وسحري.
هكذا أعيش في ذاكرة الهواء
أكتشف نبرة لعصرنا وغُنّةً
(عصر يتفتت كالرمل يتلاحم كالتوتياء، عصر السحاب
المسمى قطيعا، والصفائح المسماة أدمغة، عصر الخضوع
والسراب، عصر الدمية و الفزاعة، عصر اللحظة الشرهة
عصر انحدار لا قرارة له).
ولا شريان عندي لهذا العصر ـ إنني مبعثر
ولا شيء
يجمعني.
أخلق شهوة كلهاث التنين
أعيش خِفية في أحضان شمس تأتي
أحتمي بطفولة الليل
تاركا رأسي فوق ركبة الصباح
أخرج وأكتب أسفار
الخروج، ولا ميعاد ينتظرني.
إنني نبي وشكاك.
أعجن خميرة السقوط
أترك الماضي في سقوطه
وأختار نفسي.
أفلطح العصر وأصفّحه
أناديه:
ـ أيها العملاق
المسخ
أيها المسخ العملاق
وأضحك وأبكي
إنني حجة ضد العصر.
أمحو الآثار والبقع في داخلي
أغسل داخلي وأبقيه فارغا ونظيفا.
هكذا تحت نفسي أحيا .
بالنزيف تتغذى عروقي
ولا مكان لي بين الموتى.
الحياة ضحية لي
ولا أعرف أن أموت ـ إن زماني خفي
وتحت العيون
وأمس دخلت في طقس الموج
وكان الماء لهيبي.
إنني عجول، والموت يتبعني حاشدا رياحه بين عينيّ
أضحك معه وأبكي في رفة الهدب ـ
آه
الموت المهرج
الموت الباكي
أعرف أنني في شرخ الموت
أتبطن القبر
وأخنخن كلماتي
لكنني حيٌ ـ يعرف هذا غيري
أهجم وأستأصل
أعبر وأزدري
حيث يسقط شلال عالم آخر
وحيث أعبر الموتُ واللاممر
سأبقى
فأنا مسيج بنفسي.

مزمور

يقبل
أعزل كالغابة
وكالغيم لا يرد
وأمس حمل قارة
ونقل البحر من مكانه.
يرسم قفا النهار
يصنع من قدميه نهارا
ويستعير حذاء الليل
ثم ينتظر ما لا يأتي.
إنه فيزياء الأشياء ـ يعرفها ويسميها
بأسماء لا يبوح بها.
إنه الواقع ونقيضه، الحياة وغيرها.
حيث يصير الحجر بحيرة، والظل مدينة، يحيا ـ يحيا
ويضلل اليأس
ماحيا فسحة الأمل
راقصا للتراب كي يتثاءب
وللشجر كي ينام.
وها هو يعلن تقاطع الأطراف، ناقشا على جبين عصرنا
علامة السحر.
يملأ الحياة، ولا يراه أحد.
يصير الحياة زبدا ويغوص فيه.
يحول الغد إلى طريدة، ويعدو يائسا وراءها.
محفورة كلماته
في اتجاه الضياع الضياع.
والحيرة وطنه، لكنه مليء بالعيون.
يرعب وينعش
يرشح فاجعة
ويفيض سخرية
يقشر الإنسان كالبصلة.
إنه الريح لا ترجع القهقرى والماء لا يعود إلى منبعه.
يخلق نوعه بدءا من نفسه ـ لا أسلاف له
وفي خطواته جذوره.
يمشي في الهاوية وله قامة الريح.

أرواد يا أميرة الوهم

الشعر يُحرق أوراقه القديمة، يجلد نسله المنهزم، والقصيدة الآتية بلاد من الرفض
آهِ يا كلمات الموتى، آه يا بكارةَ الكلمة ؛
تلبس القصيدة الآتية أهداب الطفولة، وتبكي، وتخشع لألوهة الثدي.
لِمن حريقةٌ خجولة تلتهم حواشيَ الإبط ؟، لمن الجنازة الممطرة حنينًا وحبرًا ؟
لمن المرأة المغسولة بجرح الكلمة ؟
آهِ يا أصداف الجزيرة، آهِ يا جزيرة العُريِ !
الرجل يروّض سنجابَ الصدر، يفتح قلعةَ الرحم، والرحم إله بلا وجه، والرحم تاج الأرض.
للساعات الهاربة كمخملِ الثلج، للعمر المجنّح بالقشّ، تتمزّق الرحم وتصير حروفًا غريبة وتصير امرأة أخرى.
هو ذا الحبيب يقطع جسر العري، يغرق في خليج النهدين.
هو ذا يعرف المرأة والجزيرة المسمّاة امرأة، وعلى شواطئ العشب العشرينيّ يشعل الموج والزبد ويقطع خيط الفجر.
هو ذا يسبح تحت المشدّ، لا صِقًا بالقعر، في مغارة من الحرير والحمّى !
لِينطفِئْ هذا الجمر، لِيشتَعِل ْ!
لتمَجَّدْ هذه الأطرافُ المصلوبة بالحبّ؛
تحت شمسها الدامعة تنمو عرائش العمر، وجسد الحبيبة أوراق مقدّسة، وجدُ الحبيب إنجيل من الحبر.
والحبيب يقطع جسر العري، وفي فراش الساعات النائمة يستفيق من دوار الغبطة مرسومًا بالعرَق مزيَّنًا بجسد امرأة !.

2

...
وتأتين يا طفولة، يا تميمة العمر، والموت يرسم صلبانه، ويقضم أطرافنا الحالمة.
وتأتين يا طفولة، يا رفيقة الرعب، وليس عندنا لأرواد غير الشعر، وغير أطيافٍ بعيدة من البحر والكنائس.
وتتركيننا، يا حضورنا الربيعيّ، لأيّامنا الميتة، وحفَرٍ صغيرة كأجسامنا مَسقوفةٍ بالصلاة والوحل.
الرجل يابس كالمطر
المرأة غريبة كالمطر
والعمر سفينة تعبر المضيق.
والمضيق جثّة مجوّفة، ومطر لم ينهمر بعد.
ونحيا مع الطفولة في جاذبيّة الوهم، ونسير في تشابُكٍ صليبيّ فوق ترابٍ من القمح والنمل، حيث العمر حربة الموت، وحيث الطفولة نفسها عصفور ميت.
املأْني
يا وهم الطفولة
املأْني
املأْني يا نبيّ الحنين والقبر، وخذْني في شِباكِ الجزيرة العارية.
أمامها أنحني بلا ذلّ، أصير قوسًا من الشعر، وأستنفد انحنائي الأميرَ وأستنفد الشعر.

3

...
التاريخ مقبل في جريدة ضائعة، في لفافة من التبغ، وأنا بأسوار الإبَر أطوّق ذاكرتي ـ وأصغي إلى الطفولة:
"شجرة صغيرة تفرع تحت قدميّ، شجرة صغيرة أجهل اسمها تغري بالبكاء عينيّ.
وأبكي، وحين أبكي تغرق في دموعي أمي والشمس.
في الشجرة أصوات من الريش والزرقة، وفي الشجرة تلال بلون المخدّة وبحيرات معلّقة. وأهدابي المأخوذة سياج من الظلّ تشرد وراءها في حقول من الصخر والفضاء.
آه
إنّها صورة امرأة هذه الشجرة، إنّها غيمة من الغصون الخضرِ تحضن سرير.
الغراب يسرق النافذة
المطر يصير رمادًا وقشرًا
والمطرُ يائس كالرجُل
والمطر جيش أعزَل.
أفسحوا لوجهي العاشق أن يصارع اليأس، أن يكسر قناعه الأعمى.
الشقوق في نوافذ بيتنا تعذّب الضوء، والفرح مريض يرقد بلا وسادة.
آهِ
أفسحوا ـ النهار يرسم المدينة بأصابعي، وأنا أسميها امرأة وحبًّا، وأنا أرفع بإسمها راية الطفولة.
بلى
إنّها صورة المدينة هذه الشجرة، والغصون ستار أخضر يختنق وراءه الموت.
وأنتِ يا أهدابي المجنّحة، دوري معَ الكوكب الطالع تحت قدميّ، وانقلي ضوءَه إلى جنين الأيام الآتية، وإلى ذكورة العمر.
بلى
إنّها المدينة ترفض كتابَها المحنّط.
بلى
ها هو الحبّ ـ وتمّحي في دقيقة من الحبّ آلاف السنوات الرمليّة، سنوات الجراد الهزيمة.
في جفوني المتعبة قرية من العصافير تعلو وتعبر.
وأغفو، وفي سريري يجلس كوكب السهر."

4

...
وأنتم، أيّها السيول الناطقة من الرمل والثياب، يا ذوي التاريخ المتوّج بالطين ـ
أصغوا إلى الأنين الصاعد باسم الطفولة:
" تحت حَواجب الأفق ينحني زيتون البحيرة، يبكي طفولته.
الجليل خاصرة من القمح والفتح، وقاسيون دمية من الريش.
لمَن العباءاتُ المقصّبة بأطراف غله ميْت ؟، لمن الكلمات الرمليّة الخالدة كحصان البحر؟
لا الفرات يرضع حلْمةَ الروح، لا برَدى يعكس وجهَ أنطاكية، ولا طفولة في ملامح التراب.
لكنْ، هو ذا التنّين يسرع كالهدب، الكتبُ سندسٌ لزحفه الطائر، والرجال أرتال من الجرذ تزحم الشقوق الضائعة، وتغيب في الوحل."
وباسم الطفولة، يا ذوي التاريخ الأبرص، أيّها السيول الناطقة من الرمل والثياب ـ
أصغوا إلى هذه الصلاة:
" أيّها البحر، يا طفولةً أبديّةً، صِلْنا بموجكَ المنقطِع.
ألف قرنٍ من عمر الأرجوان والموج تهدر في دمائنا وترسو.
وأرواد فيك يا بحرُ، وأرواد منكِ يا طفولة الحبّ.
وها... في جبينها مدينة الوهم تتفصّد عرَقًا وتهوي، وها... في عينيها الأشرعة هياكل هياكل، والبحّارة أعمدة من الزبَد، وقدموس تائه بلا سارية ولا حرف."
آهِ
يا شعرُ
آهِ
يا طفولة.
وأنا كلماتي بلا مقع، وأنا سدودي بلا ممَرّ، أتوّج بريشة قلبي وأتزوّج الريح، وليس في طريقي غير الخرائط الممزّقة وغير الرعد.
لا النهار يعرفني ولا البيت، وفوق تراب بلونِ النسيان أترك خطواتي تنمو.
لكنّ أعماقي في ولَهٍ، وأعياد الجسد في ولَهٍ، والمرأة قفصي من الحبّ والجنس، والمرأة جزيرتي من المخمل والحمّى.
أيّتها الرحم
أيّتها الدافقة أطفالاً ونبوءةً، يا سجنًا بابه السجن، أيّ عنكبوت من اليأس أنتِ ؟
وأيّ قصيدة من الغبطة ؟.
لكِ يخنق العشب العاصفة، لكِ ينكسر أرز القلب، والكلمات العاشقة تفتح مغاراتٍ في الليل.
السماء غريبة هذه الليلة
السماء غيمة ساهرة
السماء زيزفون وصخر
السماء امرأة تفرش سريري
السماء فراشة تسكن المكتبة.
لأروادَ هذه الأعراس العاشقة، لأرواد هذا السحر المرَيَّش بالرعب والحبّ.
الآن، أعشق ريف أيامي، أعبد سَيلَه المقتَحِم؛ فحيث يشرئبّ ويجرف صنوبر العمر تزغفُ أروادي الحبيبة وتشمخ.
لِيُنشِدِ البحرُ أغنياتِه التي لم تُرصَدْ بعد.
ليله بخطوي بنفسج الأرض ـ الفصول تواكبُ شعري الأمير، وقلبي يطير بعيدًا عنّي.

5

...
أرواد يا أميرة الوهم، أوراد يا أميرة الحضور، أيّتها الحبيبة المغذّاة بالجوع، ليَكن مجيئكِ عصفورًا أخضر وزهرةً على القبر.
آهِ
أسرعي، وجهكِ سماء قريبة، وعيناكِ تثقبانِ الدنيا.
أرواد يا أميرة الوهم، أرواد يا أميرة الحضور، أيّها الظلّ الآتي من جذورنا البعيدة ـ كوني أمّنا الثانية: أمّكِ وأنا الرياح المهاجرة، وأنتِ الموجُ والأرض.
وأرواد أنتِ رحمٌ خالدة من البحر والشمس، من الشمس والولادة.
وأرواد أنتِ لا طريقَ تلحق بكِ، والموت راصِد كسيح.
أرواد يا أميرة الوهم، أرواد يا أميرة الحضور، أيّتها البحيرة الجارية من الدمع والقصب لكِ أعطتني روحَها امرأة، لكِ علّمتني قصائد العشب.
وها أنتِ في طليعة الريح، الفصول تائهة، وتشرينُ يطرد العصافيرَ، وفوق حصير الأوراق اليابسة يُطرَح العمر.
آهِ
لكنّني أترصّدُكِ، أترصّد عينين أكثرَ عنادًا من حجرة، وأكثر ضَياعًا من عصفور، وأترصّد رغبةًُ تمسح خريطةَ الأشياء، وتشعل نارًا أخرى.
وها أنتِ معنا، إلهةٌ أليفة تسكن معنا في مدينة من الجوع والقتل، حيث نحيا في قَمع وحيث نتعلّم الحكمةَ على طرف خيكٍ من الرصاص.
ويا أميرةَ الحضور والوهم، يا قبرًا يكتسي شكلَ الناس، العتَبة تلبس ثوب العرس والسرير ينحني لكِ.
وها بيتنا:
محابرُ من الشوك، وبلابلُ من الشمع، لكنْ، ها هو مهركِ الخشبيّ والقماط مخبوء في أهداب أمّك، وغطاؤك موجةٌ في قلبي.
ويا أميرة الوهم، لكِ أعدجّ عباءة الشمس، أنقش الأرصفة بمرايا الطفولة والشِعر.
لكِ أعبد أيامي الخائنة ـ تلك اللآلئ الغريبة من الفحم والجراح.
ولكِ يا أميرة الشِعر أحكّ بجلدِ النهار عينيّ، وفي شروسيَ الظامئة أترك سفينةَ الدمع تترجرج وتُبحر.

6

...
أصغِ يا فصلَ الطفولة لقلبي، أصغِ إليه يتقطّر دمًا وشِعرًا.
أدِرْ نحوي خطواتِكَ الوليدةَ، لكَ وجهُ أرواديَ الحبيبةِ، لمَ أهدابيَ المسافرة.
قمر سوريا يسقط فوقَ النهر، وإخوتي على المائدة يتقاسمون بيضة صغيرة، لكنّ أرواديَ الحبيبة تحمل نجومَنا الآفلةَ، وتنشر لنا عينيها شراعًا يربطنا بالسماء والريح.
إنّها ساعةُ الصمت، ساعةُ أن أصير شجرةً أو نبعًا، إنّها ساعة الغبطة، ساعة أن أصير عاشقًا أو قصيدة.
لأروادي الحبيبة أزيد ثقلَ أيامي، أزرع الهاوية وأفرح، وفي بلادي المهزومة أنشر حياتي ريفًا كوكبيًّا وتِلالاً من القمح والشقائق.
إنّها ساعة الولادة، ساعة الهدير والفرح.
سأترك اليأس يصهر الجباهَ، سأترك الشارع يُحتَضَرُ، وأغنّي لأروادَ والطفولة؛ فيا سلالة الكلمات أسعِفيني، غيّري قشرةَ الحرف، وأخلقي لشِعري أبعادًا أخرى من السرّ والإشارة.
ويا طفولةُ
يا شِعري الخفيّ المقبل، أضيئي وجهي الغريق في الدمع وكوني ملجأ الفاجعة.
باسمِكِ تحتَ الجليد، والنهار يقتل النهار، وتهمسين لنا:
"الحوار الخالد بين التراب والقلب أنا، وأنا الجهد الأبديّ للحرارة والزَغَب."
ونشكو، ونصرخ:
"المرَض يقترب، الموت يقترب، والمقابر العاشقة تجدّد ثوبَها كلّ يوم".
وتردّين يا طفولة:
"إنّني الخليقة الباقية ضدّ الموت."
وتجرح شفتاها أغانٍ من اليأس:
"الخريف ينحر القلب، والأرض هيكل مهترئ، والدموع تأسَن في تجاويفِها".
لكنّ أغانيكِ تأتي إلينا:
"لنفتحْ عيونَنا على امرأة، لنبحث عن مخبإ في إقليم العري، وعن الحبّ في خريطة الجسد".
بلا جديلة أومأت حبيبتي
بلا جديلة ولا عطرٍ لوّحت حبيبتي
بلا وسادةٍ رقدت حبيبتي
حافيةً رقصَتْ حبيبتي وغنّت
وحبيبتي شاطئ لأرواد
وحبيبتي غيومٌ للبحر.
وأنتَ أيّها الحبّ
يا حياتنا من الجنس والمرأة
لكَ نرفع أجسادَنا، لكَ نبدع إرثنا من الموت والطفولة.

عابد إسماعيل

من مواليد مدينة اللاذقية، عام 1963
سافر إلى الولايات المتحدة الأمريكية، وألتحق بجامعة نيويورك بين عامي 1990 - 1996 حيث حصل منها على شهادة الماجستير عن مسرح إبسن، وشهادة الدكتوراه عن الشعر الأمريكي الحديث.
يعمل حالياً مدرساً للأدب الأمريكي في جامعة دمشق، قسم اللغة الإنكليزية.
صدر له:

طواف الآفل، شعر، 1998.
باتجاه متاه آخر، شعر، 1999.
لن أكلم العاصفة، شعر، 2000.
ساعة رمل، شعر، 2003 .
لمع سراب، شعر، 2006.
إضافة إلى ترجمة العديد من الكتب النقدية والإبداعية منها:

أغنية نفسي، لويتمان.
أنيارا، لهاري مارتنسون.
نصف حياة، لنايبول.
مذكرات، لبورخس.
نظرية لا نقدية، لكريستوفر نوريس .
وكتبا عديدة لهارولد بلوم، ونعوم تشومسكي، ايزابيل فونيسكا، وويليس بارنستون.
abed63@scs-net.org

صوت 1

أنتَ شخصٌ وراء طاولةٍ
مؤلفٌ من فنجانِ قهوة
ومدينة عابرة.
كلّ الذين يمرّون على الرّصيف
يلمعونَ تباعاً في عينيكَ.
كلّ الذين يُساقون إلى حتفِهم
تمشي خلفَهم إلى المحطّةِ
تلتفتُ إلى ذاتكَ
تراها معكوسةً في رغوةِ الفنجان
لا حدودَ لحريتكَ
وأنتَ تجلسُ في ضباب المقهى
مقيداً إلى نهارٍ
يسودّ بالتّدريج
كفنجانِ قهوة.

صوت 2

تهبطُ الشمسُ كالبالون
في ساحةِ الأمويين
ثم تنفجرُ في وجهكَ.
روحُكَ ورقةٌ مبلولةٌ
يتركُها الضابطُ لتنشفَ.
هذه الحجارةُ حولكَ
سرعان ما تتبخّرُ.
بنظرةٍ
تحفرُ قبراً.
بصرخةٍ
تهيلُ الترابَ.
تعودُ إلى بيتكَ
وفي رأسِكَ مقبرة.

حرفة

لصناعةِ قصيدةٍ ما
يلزم الكثيرُ من الضوءِ المشتولِ
والديكةِ المنحوتةِ
يلزم إزميلٌ لحروفِ العلّة
ومبردٌ لأدواتِ التعجّبِ
جارورٌ لألوان الطّيف
وممحاةٌ لأحلامِ اليقظة
ولن ننسى حبلَ غسيلٍ أزرق
نجفّف فوقَه فكرةً أو فكرتين
وبريّةً شاسعةً
نطلقُ فيها غزلاناً كثيرة
وأسراباً شعواءَ من حميرِ الوحشِ
ولا بأسَ بإلهٍ يحمل عصاً
يهشّ بها على كائناتِه اللّجوجةِ
وإنسانٍ وحيدٍ
يقفُ على حافّة العالم
حاضناً شمسَه المريضةَ بين ذراعيه.

رصيف

ماتت عشر أغاني البارحة
بينما كان كعادته
يطارد الخواءَ
من رصيف إلى رصيف
كانت تنقصه حديقة
وأرجوحة من المطر
وعشرة خيول
يبست في مراعي الذاكرة .

سرّ

الخلافُ بين أمّي والشتاء
سببه حبل غسيل
مرّةً عدّت الغيومَ
على أصابعِها
نقَصَتها غيمة
و مرّةً احتاجت لإبرتها خيطاً
كرّت البرقَ
ليس سرّاً الآن
أنّ نصفَ شعرها
أبيضّ تحت المطر .

خبر

بعد الجنازةِ بقليل
بعد فناجينِ القهوةِ
والبسملاتِ
وشطحاتِ المكنسة
لم يكن يُسمَع من بعيد
سوى صوت آلةِ الخياطةِ
في الطابق الثاني
ووقعِ خطواتٍ متردّدةٍ في الممرّ.

لمن الإحتفالُ إذن ؟
صوتُ المؤذّن / قراءةُ القرآن
ثيابُ الحداد / أكاليلُ الورد
حجارةُ القبر / السّماءُ القريبةُ من القبر
العجلاتُ الخشبية.

النهارُ النهار الذي يبتعد ؟.

لمن هذا الغيابُ الفاحمُ المعلّقُ كثوبٍ
الذكرياتُ الطاعنةُ في السّن
صوتُ الزمهريرِ في قميصِ الصّديقِ
الوجومُ الكامدُ في وجوهِ الرجالِ
صدى الولولات / الثرى!
...
وواريناهُ من الغبارِ إلى الغبار؟.

شارع برودوي

كوكاكولا
أقدامٌ تجرّ فخاخَها على الرّصيفِ
وتسحلُ العدم.

النهارُ محاربٌ أجتذبَ إليه العتمةَ
وسرّحَ الظلامَ.

لم ينم الحديدُ تلك الليلةَ
لكنّ غجراً من كل حدبٍ جاؤوا
يتبادلونَ الدروعَ مع التماثيلِ
والأحلامَ مع صفيرِ القطارات
تارةً يقايضونَ ذكرياتهم بالخناجر
وتارةً بصناديقِ البيرةِ.

يتزاحمونَ على العتباتِ كلّما هبّت ريحٌ
وحملت معها نشارةَ البابِ
كلّما أومضت فريسةٌ
وأضاءت بريشِها أسنانَ النهر.

نزيه أبو عفش

من مواليد قرية مرمريتا، عام 1946.
تلقى تعليمه في مرمريتا، وعمل في التعليم، كما عمل موظفاً في وزارة الثقافة.
متفرغا للكتابة والرسم.
صدر له:

الوجه الذي لا يغيب، شعر، 1967.
عن الخوف والتماثيل، شعر، 1970.
وارية الموت والنخيل، شعر، 1971.
وشاح من العشب لأمهات القتلى، شعر، 1976.
أيها الزمان الضيق.. أيتها الأرض الواسعة، شعر، 1978.
ترجم إلى الفرنسية بعنوان:
Ô temps étroit…Ô vaste terre…
Traduit par Claude Krul
aux éditions Alidades
كم من البلاد أيتها الحرية، شعر، 1979 .
تعالوا نعرف هذا اليأس، شعر، 1980.
الله قريب من قلبي، شعر، 1980.
ما ليس شيئا، شعر، 1992 .
ما يشبه كلاما أخيرا، شعر، 1997 .
أهل التابوت، شعر، 2002.
إنجيل الأعمى، شعر، 2003.
ذاكرة العناصر، شعر، 2005 .
nazih.aa@scs-net.org

صباح الخير

معاذ الله
أنا لا أريد أن أقول لك:
وداعا
لأن ذلك، يعني أن كل شيء قد بات منتهيا
العصافير
والموسيقى
ورحلات المساء البسيطة في الأحياء المجاورة
الحساء الساخن على مائدة صغيرة
الشجارات العابرة التي لا بد من وقوعها
الفرح بكلمات الطفل الأولى
أنت
الأصدقاء الذين سنقوم بزيارتهم
الهدايا التي وعُدنا بها
وستأتي حتما
المطر
والأعشاب
والكتب
وكل الأشياء
كل الأشياء.

معاذ الله
أنا لا أريد أن أقول لك:
وداعا
فقط ... سأبتسم، وأقول لك:
صباح الخير.

الحفّار

منذ زمانٍ وأنا أحفرُ في هذا الظلام الموحشِ
لا أحفرُ بحثاً عن مفاتيحِ قلاعٍ
أو كنوزِ مدنٍ ميّتةٍ
عن رُقُمٍ سوداءَ أو تيجانِ أجدادٍ ملوكٍ
حُفظتْ أسمالهم في الطينِ.
لا
بل أحفرُ الظلام كي أُبصر أسمائيَ في آخره
أحفرُ كي أنظف المرآةَ من غبارها الأبكمِ
أحفرُ الغيابَ كي أَرى
شهوةَ نفسي حيّةً في صدأ الغيابْ.
أحفرُ
لا مستعجلاً
ولا ملُولاً
أجمعُ الغصاتِ في إنائها الأسودِ
والدموعَ في إنائها الكحليَّ
والدماءَ في إنائها الحزينِ
ثم أنفخُ الحياة في الحبرِ.
إذنْ:
أحفرُ
.. .. .. ..
.. .. .. ..
بلْ أحفرُ كي أرى
ما لا يُرى إلا بعينِ القلبْ:
أحفرُ كي أراني.
وها أنا الآنَ كأنْ لستُ أنا
أعود كالمنجّمِ الأعمى إلى ديار أسلافي
أَعدُّ الحجرَ الصامتَ والغبارَ
حيرةَ الأشجار في هوائها الشائخِ
ما خلّفهُ النسيانُ من تأتأةِ الطيورِ
فوق غُصُنِ الحضارة الدامي
أَعُدّ ضجرَ الظلالِ فوق نَعشها الأخضرِ
(لا ظِلَّ لها سواها
طافيةً فوق الخرابِ)
وأَعُدّ وحشتي.
.. .. .. ..
.. .. .. ..
سمعتُ أنّةَ الظلام تعلو، فطرقتُ حجرَ الظلامْ.
طرقتُ حتى استيقظتْ عناصرُ الخليقةِ الأولى:
العظامُ استيقظتْ.. ونهضتْ تمشي
الضلوعُ استيقظتْ.. ونهضتْ تمشي
النعاسُ استيقظَ
استيقظتِ العناكبُ
الديدانُ
ذرّاتُ الهيولى الأمِّ
نملُ التعبِ الممجَّدُ
استيقظتِ الروحُ
وفرّتْ نحلةٌ.
شهقتُ:
يا إله الأرض هذي نحلةُ الأجدادِ ما زالت هنا
تُقطِّر الربيعَ من لعابها الأشقرِ
والدودُ الشقيٌّ ينسجُ النعاسَ في أبدهِ الداكنِ
والنملُ الذي كان هنا منذ قرونٍ لم يزل هنا
يديرُ مغزل الموتِ ويصنع الحياااة
و"أعبُدْني"
يقولُ النملُ لي.
"أعبدني"
تقولُ يَرَقاتُ الضجرِ
"أعبدني"
يقولُ السَرْوُ
والهواءُ
والنحل الشجاعُ (راهبُ الزهوْرِ)
والماءُ البنيُّ
توأمُ النور الذي يشهقُ تحت النوْرِ
والبذور
والطحالبُ العمياااءُ
كلها تقول لي:
"أعبدني".
فأَطرُقُ الظلامَ كي أَعبدَ ما يفيضُ من أنواره على فمي
أهزّ قلبَهُ الشقيَّ
باحثاً (في قلبهِ الشقيّ) عن لؤلؤةِ اللطافةِ الأولى
أهزُّ قلبَهُ
(لكي أهزّ قلبَهُ)
فتسطعُ الحيرةُ زرقاءَ.
عِمِي إذنْ أيتها الحيرةُ
عِمْ يا جدّيَ الظلامُ
يا أرضُ عِمِي
وعِمْ أخي الدودُ
حكيمَ الندمِ الأعمى
وعِمْ صديقي النحلْ.
وها أنا الآنَ
هنا
كأنني سوايَ:
ندمي عالٍ
وبأسي مالحٌ
وليس لي من فطنةِ الأمواتِ
غيرُ أنني
أحرثُ في حديقةِ الأموات
أستنطِقُ ما يهبُّ من ظلامهم على فمي
أقولُ ما قالوه
أُحْيي شجنَ الكلامِ في محبرة الكلامِ
أرعى غنمي على مروجهم
أشربُ من إناءِ موتهم
أقول ما قالوهُ: (ما يقوله الظلامُ لي)
أستحضرُ الفطنةَ من طلاسم العبارةِ الأولى
وأحني كبرياءَ الوحشِ قدّامَ إلهِ الوحشِ:
"يا اللهُ
يكفي ألماً
تعبتُ
بل تعبتُ
بل تعبتُ مّما تتعبُ الوحوش منهُ
تعبتْ مخالبي
ناري
حديدي
شهوتي
تعبتُ من طيشِ رماحي
وتعبتُ منكَ.
داوِني إذنْ
داوِ حديدي بحليبِ الضعف
داوِ حيرتي بحيرةِ الجمااالِْ".
والأمواتُ
في حديقةِ الأمواتِ
أمواتٌ
يهذّبون حمتهم بعسلِ الظلامِ
يبنون بيوتهم من الظلامِ
يبكونَ ظلاماً
ويربّون إناثَ النحل في أفواههم
لكي يلطّفوا
مذاقَ نومهم.
.. .. .. ..
.. .. .. ..
أقولُ ما قالوهُ:
هذا نحلنا الباكي
وهذا النحلُ شيخُ سعْينا الشقيّ
هذي الدودةُ الشقراءُ صوتُ نومنا
وهذه المروجُ
دمُنا الأخضرُ
والماءُ لهاثُ ضعفِنا.
أقولُ ما قالوهُ:
أستخدمُ ما كان لهم من حِيلِ العيشِ:
الفؤوسَ
الكتبَ
النيرانَ
زهوَ الفقهاءِ
صلفَ الحديدِ
حبرَ الشعراءِ
شهواتِ الليلِ
ضعفَ العاشقينَ
الغضبَ
الحياءَ
ملحَ الخوفِ
طعمَ الألمِ الحامضَ
خوفَ الموتِ
ثم الموتُ !!...
والهواءْ
أزرقُ كالنسيانْ.
.. .. .. ..
.. .. .. ..
أقول ما قالوهُ:
ثم أنحني عليّ باكياً كأني حيرةُ الموتى
كأني روحُهم تنهضُ في شجاعةِ النحلِ
وحكمةِ النمااالِ
"ما الذي جئتُ لكي أفعلهُ ؟ـ أقولُ هامساً لي، ما الذي أرغبُ في رؤيتهِ غيري؟، وماالذي؟"
ـ جئتُ أصلّي لأله الضعفِ
ـ جئتُ أعبد الجمالَ صامتاً.
وهكذا ينفتحُ الظلامُ لي
أنامُ كالميْتِ إلى جوارهم
فأبصرُ النجومْ
أبصرهم فيها
أبصرُ صوتَ موتِهم
أشمُّ ملحَ الخوفِ في هوائهم (خوفي)
أشمّ طعم الصلواتِ
الندمَ
الغفرانَ
والضعفَ الذي صيّرهم آلهةً:
أرى الجمالَْ.

ما قَبْلَ الأسبيرين

فكِّرْ في الألمْ.
مثلما كان ميكلانجلو يفكِّرُ في عذابِ الصَّخر.
ْ
فكِّرْ في الألم.

فكِّرْ في ضَجَرِ الدودةِ ـ عذراءِ الترابْ ـ
عاريةً وعزلاءَ
تنزلقُ في أنفاقِ يأسِها
وتأكلُ الظلام.
فكِّرْ في أحزان النباتاتْ
في ما يتألَّمه الطائرُ
وما تَشْقاهُ البذرةُ
وما يحلمهُ عِرْقُ النباتِ المقطوع.
فكِّرْ في صُداعِ الحلزون:
(هل سبقَ لكَ أنْ فكَّرتَ في حلزونٍ يتألم؟).
فكِّرْ في حيرةِ الأتانِ الخجولْ
في صرخةِ مَخاضِها الداميةِ
تَنْدَلِقُ على فِراشِ أمومتها الأولى.
فكِّرْ في العِجْلةِ البتول
تحتَ ميزانِ موتها
تَعْصُرُ الهواءَ بعينيها
وتتوسَّلُ حنانَ أخيها الجزَّار.

فكِّرْ في الألمْ.
.. .. .. ..
.. .. .. ..
فكِّر في ضوضاء الآلام قبل أن تتحوَّل إلى فكرةْ
وفي غُصَّات الموسيقى قبل أن تصيرَ أغنيةَ عُرْس
فكِّرْ في الدمعةِ اليابسة لأمِّ الجندي الميْت
تَصْرخُها أمامَ عدسةِ التاريخ:
"أنا فخورةٌ بموته".

فكِّرْ في الألم.
.. .. .. ..
.. .. .. ..
لا أقولُ لكَ:
ابْكِ
لا أدعوكَ إلى قدَّاسِ شفقةٍ
ولا أتوسَّلُ إليك:
صلِّ لأجل هذا وهذا... ؛
لكنْ
فكِّرْ فحسب.
فكِّرْ قدْرَ ما تستطيع
وأعمقَ ما تستطيع.
فكِّرْ في أنكَ أنتَ الحلزونُ
والطائرُ
والمرأةُ
وعِرْقُ النباتِ المقطوع.
بل وأكثرَ:
كنْ ـ أنتَ ـ
هذا
وذاكَ
وتلك.
فكِّرْ في أنكَ ـ أنتَ ـ مَن يتألَّم
وأنكَ ـ ربما بسبب الحياء ـ
لا تستطيع أن تقول:
"أنا أتألم"
وأنكَ ـ أنتَ العاجز ـ إذْ تتضرَّعُ في السرِّ
تتضرَّعُ إلى جدرانٍ
وبَشَرٍ
وأيقوناتٍ
ليس بمقدورها أن تشفيَ من الألم.
فكِّرْ في:
"أنت"
وفي الألم
وانتبِهْ:
الألمُ ليس مجرَّدَ فكرةْ
الألمُ مادَّة
الألمُ ذاكرةُ العناصر.
.. .. .. ..
.. .. .. ..
فكِّرْ
وآمِنْ بما تفكِّرُ فيه
إذْ
كيف لأحدنا أن يعرفْ ؟
ربما الهواءُ صرخةُ جُرْحِ الطائر
والظلامُ أنينُ الصخرة
والأخضرُ دمعةُ قلبِ النباتْ.

فكِّرْ في الألم.
.. .. .. ..
.. .. .. ..
ولا تستنجدْ بأحدٍ أو شيءْ
ما تَصْرُخهُ لا يُسمَع
وما تُلوِّح به لا أحد يراه.
صرخةُ الألمِ:
الصمت
إذنْ
فكِّرِ الألم.
.. .. .. ..
.. .. .. ..
فكِّرْ:
(ما قَبْلَ الأسبيرين
أيامَ كان الناس يحلمونَ الحياةَ بأسنانهم
ويداوون آلامَ الموت بصرخاتِ قلوب اليائسين.
ما قبلَ الأسبيرين
ما قبلَ اللغاتِ
والرسائل
والتعاويذ
ما قبلَ الأسئلة الكبرى
والرِّسالاتِ الكبرى
ما قبلَ “Help me!”
و"أنْجِدْني"
و"ضمِّدْ بحنانكَ عذابَ قلبي".
ما قبلَ الأسبيرين
ما قبلَ النارِ
والطبولِ
والرايات
وزجاجاتِ البحَّارة الهالكين
عائمةً على سقوفِ أوقيانوساتِ الموتْ
فكِّر في كوابيسِ تلك الأزمنة
وصيحاتِ أولئك الناس.
فكِّرْ في ألمِ الكائناتِ الضعيفةِ
العاجزةِ
المنذهلةِ
البكماءْ.
فكِّرْ في هذا وهذا
وفي ألمِ هذا وهذا
تألَّمْ هذا وهذا وهذا
لا كَمَنْ يشاركُ في وليمةِ نَدَمٍ أو وليمةِ عطفْ
بلْ كمنْ يتألم نيابةً عن خليقةٍ بكاملها.
فكِّرِ الألم
فتكتشف اللغةَ الرسميةَ
لجدِّكَ العظيم:
الله.

حسين بن حمزة

من مواليد مدينة الحسكة، عام 1963.
درس في كليات مختلفة.
يعمل كصحفي.
صدر له:

رجل نائم في ثياب الأحد، شعر، 1997.
hhh_z@hotmail.com

عشب

1

الغزلان تسرحُ في نومكِ
غير مبالية
بالنمور المرسومة على غطاء السرير.

2

قدمكِ
التي انحسر عنها الغطاء
لا ترافقكِ
في المنام.

3

في الصباح
ملائكة
بثياب العمل
يجزّون عشباً
ينبتُ
في جهتكِ من السرير.

وحشة 1

لن أنسى
نهرا
تنحني شجرة
بكامل عصافيرها عليه
تكلمه من ألف عام
وهو يمضي
ولا يفهم .

وحشة 2

في كل ليلة
أغادر المنزل
تاركاً المصابيح مضاءة
لعلّ الوحشة
تهتدي مرة إلى المطبخ
وعلى مهل هناك
تحـز
شرايين
يديها .

قبل النوم

رغم أنني
ما عدت أهتم بأي شيء
أبدد معظم وقتي خارج المنزل
الأزهار
لم أغير ماءها منذ أيام
الكتب
والفناجين
وأعقاب السجائر
مكتفية بطبقة من الغبار
مع ذلك
أجد وقتاً
كي أطعم ذئاب غيابك
قبل النوم .

تشبيه

متروكاً وشأني
بلا كلمة تجلب الغائب
بلا كمان لكي تنعس الوحشة
غريب كهواء السرو بين السنديان
خائب
مثل علم يضحك
فوق بلاد حزينة.

مطر

لم أستطع أن أراك اليوم
ولكني لست حزيناً
إذا كان المطر الذي بللني في الصباح
قد بللك أيضاً.

رجل يندم كامرأة

إنني أدخل في حياتك
مثل سائر في نومه
مثل إبرة تتجول في قماشة واسعة
امرأة مثلك
تكدس الظلام الواسع الذي تتعثر فيه عيناي
المغمضتان
حتى وأنت بعيدة
في الوقت الذي لا أكون منظرا طبيعيا
تحت نظرتك
أهتم بنفسي كشخص سيندم لو لم تتلاءم حياته مع فكرتك عنها
لم أعد أخاف من آثامي
إنها تعيش وحدها مثل طفل كبر والآن ينكر والديه
الذي بيننا مثل وحش جريج لا يشفى ولا يموت
قلت لنفسي:
رجل يندم مثل امرأة.
قلت لنفسي:
الخريف أفسد تفكير الأشجار.
قلت لنفسي:
الجسر يسهر
والنهر يذهب إلى النوم.
قلت لنفسي:
عطرك شائع
وأيامي سيئة.
قلت لنفسي:
أنا أتحدث كرجل يحب أن يسمع
وأنت تسمعين مثل امرأة تحب أن تتحدث.
الآن
أعيش بين عائلة
بينما ذكرياتي عانس
لم يكن
لها يوما أبناء قساة
أو بنات حنونات.

الآن
أواصل ندمي تحت نظر الوالدين.
الآن
برونز وحدتي يلمع تحت شمس الآخرين
أي حزن يجف مثل عشب على قبر؟
أية وحشة تتسع
ولا يشاركني أحد في اقتسامها كقالب حلوى...؟
حياتي الآن
مثل حقل مكشوف
لظهيرتك الحارة
عزلتي منهوبة
وخيالي منتهك
إنني أفتقدك
مثل جنود
يفتقدون وطنا مهما
للإستشهاد!.

مقطع

أدير ظهري
لأيام ليس لي بها
ظهيرة
كي تتقيل أبقار وحشتي فيها.

أتذكر
أن السناجب
قادتني دائما
إلى جوزة فارغة.

لذا
أتقصف مثل سروة
انتصبت طويلا
ظانة
أنها مقطع من الغابة.

البيت

لا شيء في البيت
إلا الضحكة المسدلة للنوافذ
إلا الحزن الموارب للباب.

لا شيء
إلا الأم التي تخيط أبنائها
إلا أطيافنا
وهي تسعل في الغرف.

في البيت
الذي
لم يحفظ العنوان.

سيرة مزدوجة

المرأة
التي أشرفت على مصيري
ووضعت لمستها
على أيامي السقيمة
التي
أحنيت أمام صنوبرها
سفوحي
ورافقت مقطوعة حياتي
كالكمان.

أحببتها كتمثال
وتجولت في حياتها
كسائح.

أسباب قديمة

لأن الشجرة
التي لم أحدثها عنكِ
لن تجمع عصافيرها
في المساء.

لأن أعشابك
ستخسر في حديقة أخرى.

لأن الهواء في جوارك
لا يغني نفس المقاطع
التي ترددها الريح.

لأن فطور حيرتي
حيثما مررت
ترفع قبعاتها.

لأنني صدقت
كل ما جاء في سمائك
من مطر

_________________


حسن بلم
♪♫.. الادارة..♫♪
hassanbalam
رسالة sms : سيرى ببطئ ياحياة
لكى أراك بكامل النقصان حولى
كم نسيتك فى خضمك
باحثا عنى وعنك
وكلما أدركت سرا منك
قلت بقسوة
مأجهلك!!!!
ذكر
عدد المساهمات : 10441
الاٍقامة : وراء الأفق حيث لاشئ سواى وحبيبتى
العمل : مهندس
نوسا البحر :
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
2016-03-23, 5:54 pm
حكم البابا

من مواليد مدينة حماة، عام 1961.
حصل على دبلوم في التأهيل الإعلامي دمشق، 1982، وإجازة في النقد والأدب المسرحي من المعهد العالي للفنون المسرحية دمشق، 1991.
عمل محررا صحفيا في العديد من الصحف والمجلات كــ: فلسطين الثورة، هنا دمشق، الجيل، صباح الخير المصرية، القاهرة، الدومري.
كتب وأعد برنامج لمحطة MBC، وموقع العربية نت.
يعمل محررا صحفيا في جريدة: تشرين، فضلا عن جريدة: القدس العربي اللندنية.
صدر له:

عصيان، شعر، 1982.
عم صباحا أيها الشقي، شعر، 1985.
مرمن هنا، شعر، 1984.
أكبر من جحيم أصغر من تنور، شعر، 1985.
سورة ريم، شعر، 1986.
سيرة العائلة، شعر، 1989.
ما تبقى من كلام، شعر، 1991.
كتاب في الخوف، شاهد عيان على الصحافة السورية، 2005.
وطن بالفلفل الأحمر، مقالات، 2007 .
أعمال درامية مصورة :

عائلة خمس نجوم، دراما، 1993.
سبع طوابق، دراما، 1993.
حياة على طريقة الكومبيوتر، دراما، 1999.
عائلتي وأنا، دراما، 2000.
قلة ذوق وكترة غلبة، دراما، 2002.
أيام الولدنة، دراما، 2005.
hakambaba@hotmail.com

العمة في الليل

مساء
توصد الأبواب
تطمئن على البيت
وسكانه.
هل غفت الياسمينة ؟
هل سها الكباد ؟.
تدثرنا باللحاف
وسجادة الصلاة
ومعطف الجد
وأنفاسها.
تودعنا
تقبلني في الجبين
تلم يدي تحت الغطاء
وتسهر
تحرسنا
تطرز ملائكة الأحلام
على ضوء شمعتها الشفيف
تحيك الثياب
تنسج ثروتنا
تقلقها سعلة الجد
وصرخة الصبي في المنام
فتدنو
تجلس عند رأسينا
ترتل قرآنها
مهمومة لا تنام.

صباح الخير

منذ القرن الأول للصباح
بصوته الجهوري المشمس
وقف رجل وقال بطلاقة :
صباح الخير .
ورغم إنجازه الباهر لم يمنحه أحد جائزة نوبل للسلام
أوأي وسام من الدرجة الأولى
حقاً إنهم لم يقوموا بعمل مشرف من أجله حتى الآن
ولكننا جميعاً نقول باستمرار: صباح الورد.

صداقة

الشارع المنطلق كرصاصة أمام غرفتي
له ملء الحرية بصداقتي
وليست لدي شروط لصداقته
أنا لا أطلب سوى أن يكف عن الضجيج
عندما أبدأ بالكتابة
ويعرض أمامي الفتيات الجميلات
قبل أن أحتسي قهوتي الصباحية
عند ذلك سأشبك ذراعي بزنده الكالح
ونمشي سوياً في الأمسيات
وأطل عليه منذ الصباح الشاسع
حتى منتصف الأرق
وأداعبه إذا عبرته شاحنة وقحة
سأكون ممتناً كثيراً لو أرسل لي فتاة جميلة
تحضن باقة ورد أحمر
وأكافئه بتقديم كأس من الشاي الحار
وأخفيه في غرفتي عند هطول المطر
وأزوجه من تلك الساحة البدينة
التي لا تبعد كثيرا.ً

أنا

أنا النهر الصغير
حكم البابا
الصديق الحميم لجبال الألب
والعدو اللدود للحرب العالمية الثانية
ولدت خجولاً
وغدوت وقحا.ً
غافلت أيدي الجبال المتشابكة
وقذفت بنفسي إلى صدور الوديان
دون أن أكسر قدمي الدقيقة
رماني البشر بالحصى
والعاشقات بالنقود والقرنفل
وغسل الأطفال صنادلهم في مائي.
أسير مدوياً
نحو بحيرة الشمال الجميلة
ذات الأظافر المقلمة
والملابس المدرسية النظيفة
والضحكة الرائعة.
لا تغلقوا في وجهي
كتب الجغرافيا
ومصورات الأرض
عندما أطل من بعيد
بعيني الماكرة
وضحكتي الخبيثة
قادماً لأرشقكم بكرات الماء الفرحة .

مايكوفسكي

يخرج صباحاً
بقميصه المزرر حتى آخره
وربطة عنقه المعقودة جيداً
ويداه المليئتان بالأصابع
تهتزان كأراجيح العيد المكتظة بالأطفال
ويعود في آخر النهار
بصدره العاري
ويديه الملوثتين بالشجارات.

سورة ريم

أربطي عربة الذاكرة
إلى خيول النبيذ
ولا تفسدي القصيدة
يا ريم.
وأنت تعبرين
هاهنا
أسوارها
قفي!
واستحمِّي خلف هذي الحروف
تمسَّكي باللغة جيدًا
وطالبي قلبك بالخفقان الشديد.
إنها قصيدتي تستعد للإقلاع
محمَّلة بالجنون
كلماتها تضج بوحشتي
وتصفِّر في السطور جنادبُ الفواصل
أنشر أشرعتها
وهذي روحي أطلقها من صافرة القصيدة
آه
هلمِّي:
أمتطيها
وتناولي من يدي الآن
الريح
والسوط
والزمان
إنَّا فضلنا راحتيك على العالمين.

حرية

قبل أن يغادر السجين معتقله
بحقيبته المهترئة
شكر الجميع لضيافتهم
وأعتذر كثيراً عن إقامته الطويلة
متأملاً ساعة يده
وأسرع إلى بيته
كأنه ينصرف من عمله باكراً
مبتسماً ونشيطاً
كما لو كان سيعود في اليوم التالي.

اختطاف

أنا مختطف شجرة الحور الجميلة
أطالب الصباح بأن يخرج غداً مبكراً
مرتدياً ثيابه الناصعة
كي تستيقظ الشمس
وتبدو ذهبية و دافئة
وعلى العصافير أن تغني جيداً
ولتأت رياح متمهلة
ولا بأس لو يحضر مطر مهذب
ويطرق بلطف زجاج النوافذ
وأسطحة المظلات
ولتكف الأشجارعن الاتكاء
على الجدران والزجاج
وليفرش العشب بين يديه الحانيتين
ويزيل الأحجار والحصى
وليرتد الليل قميصه الأزرق النظيف
المكتظ بالنجوم
ولينظر القمر
بعينه المضيئة ضاحكاً
إلى جسد المرأة التي أحبها
وإلا سأفجر هذه الحزمة الهائلة
من القرنفل الأحمر
وأطلق عصافير كثيرة
في السماء
وأقلم أظافر الحقول الطويلة
والأشواك الجارحة.

قرصان

ذات صباح
أشترى الرجل الطيب
سفينة وأصباغاً
وقطعة قماش سوداء
ومسدساً عتيقاً
وأستأجر رجالاً كثيرين
يحبون الكسل والنساء
والأسلحة النارية
وسرق مدفعاً
ثم فقأ عينه اليسرى
وأحاطها بمنديل رخيص
ليصبح قرصاناً شريراً
وسافر في البحر
كي ينهب السفن العابرة
ويقتل بحارتها
ولم يصبح الرجل الطيب
قرصاناً شريراً
لأنه شرب من ماء البحر
كي يهدئ آلام أسنانه
وعاد ليعمل معلماً للرسم
في مدرسة القرية
محتفظاً بعينه العوراء المشوهة
وعلم القراصنة الأسود.

سليم بركات

من مواليد قرية موسيانا قرب مدينة القامشلي، عام 1951.
درس في جامعة دمشق قسم اللغة العربية ولم ينه دراسته.
متفرغ للكتابة.
صدر له:

كل داخل سيهتف لأجلي، وكل خارج أيضا، شعر، 1973.
هكذا أبعثر موسيسانا، شعر، 1975.
للغبار/ لشمدين / لأدوار الفريسة / وأدوار الممالك، شعر، 1977.
بالشباك ذاتها، بالثعالب التي تقود الريح، شعر، 1992.
الجمهرات، شعر، 1979.
الكراكي، شعر،1981 .
كهوف هايدراهوس، رواية، 2004.
ثادريميس، رواية، 2005.
موتى مبتدئون، رواية، 2006.
السلالم الرملية، رواية، 2007.
salimbarakat@hotmail.com

نقابة الأنساب

"هذا وجهي العصري"
أنا آت
فليرقب كل مليك شحاذ في أرض الردة من أين تجيء الطعنات ؟.
عبر تخوم الغربة في أجفان صبايا الله وعبر الساقية
أختصر الزمن الخائف في عين النسوة، أزجي الزمن القرشي إليها
لا الدمع ونزف الفقراء ينيخ الرّحل، طوافي خاف، قوافل زغب
فليرقب كل مليك شحاذ في أرض الردة من أين تجيء الطعنات ؟.
"هذا وجهي العصري"
بلا نعل أرحل نحو بلاد الفرس وأمصار الروم، وأرفع وجهي للظلمات أسائلها
وأسائل رجلي الداميتين عن الأرض العمياء وهمس خفافيش سمائي
وبكل مثولي بين يدي الغربة أصرخ:
تصهل أفراس الحرب على أبواب الكعبة يا أهل الشام
ووحدي أبسط للملتجئين إلى ظل الأحجار السوداء ردائي
أتقطع حين ينوس الموت على وجه الحجاج
وبين السيف المشرع للطعنة والرمح الظامي أتخثر
أزحم ملكوت الرهبة صدعا يفصل عربات الزمن اللاهث قدامي وورائي
أتصاعد في أنفاس الكعبة جمرا تتنفسه الصحراء فتحبو
حاملة هزج قبائلها نحو قوافي الحرب، أزنر نسب الراجل بالفارس
والهارب بالثابت في الحومة حتى يرخي النخل النابت جنح الدمع عليّ
أبايع في حمحمة الأرماح لوائي
أضرب شرقا، غربا، ضرب اليائس
يسقط وجهي الأول
أضرب
يسقط وجهي الثاني
أتراجع بالحجاج إلى عرفات، غبارا يتكسر تحت حوافر ريح الوهن القاصم
ثم نموت لنحلم
ثم نقوم لنحلم
ثم نفصد أوردة
كي نلمح في الدم مجيء الأشجار مع اليوم التالي عاقدة
فرح الأنهار على الهامات عمائم.

انتقام

أ
المعاطف كلها هناك
الرياح كلها هناك
الخطى الغائصة في الثلج
والثلج
كله هناك .
القناديل
والبيوت
والأشباح الأخيرة
كلها هناك.
فأجمع بيديك الأليفتين ما تتسعان من كمال
وأجتهد أن يكون المشهد صداك الأليف.

ب
برم كطباع الصباحات يشغل القادمين إلى نهايتين، وأنا في نزعي تحت الشباك الكبيرة أعلق المكان ـ كسراويل سجين ـ على الحبل ذاك، الرقيق، الممتد من الملهاة إلى أنينكم.

ج
وفرة الهباء أنا
والمشيئة ظن.
الغضب إشارة الليل
والماء فكرة تتقدم كمالها.

ه
كحذاء يلتمع صباغه
كمقبض باب من نيكل:
هكذا صرختك.

مفردات

النهار: غضب يتخفى في قناع الهواء.
الريح: خطوة الكلمة في اتجاه سرها.
الصوت: خراب الشكل.
الحنين: ذهب منثور على مخمل النهاية.
الفضاء: مشكل الضوء.
العدم: فكاهة الظلال في مجلسها المضجر.
الكتابة: بطش يمتحن المنسي.
الرقم: حصيلة العبث.
الثمر: برهان الشجرة على ماض يضلل كل برهان.
القناع: أنين الظاهر.
المسافة: لهاث معاد.
الأكيد: تتمة في الجهة الأخرى.
القيامة: طفولة تؤكد العقل .
الذهب: عراك في خان.
الحياة: طلقة من ذهب.
أما أنت أيها المقيم في الخاتمة، فلا تسرحن طويلا لئلا يبرد العشاء.

الثعلب

مجرة الأغاني تبسط فراءَها للمجراتِ، فأقتربوا، أيها المختالون
بفخاخكم الزرقاء
لتصيدوا يمامة الحيلْ.
لكن، بأيّ أحبولةٍ ستأسرون هذا المهرقَ كالقهقهة ؟، بأيٍّ ستأسرون الرخيم مثلَ الإنشاد للمياه ؟.
ليكنْ، خذوه، خذوا الطائش الجميلَ، فهو قرعُ الحكايةِ على
إيهِ
إيهِ
أكانت لكم حكايةُ قبلَ أن يمسًّ بذيله الحكاية ؟
تبدِّدُونهُ فيبقى
تبدِّدُونهُ فتبقى يمامةُ الحيَلْ .

الحمار

آن يتخذ سيّاف الغيبِ كمالاً ككمال الظلامِ، وتركعُ الرياحُ الأسيرةُ
تغرورقُ عيناكَ، يا هادئاً ترى الذي ترى، وتكفيكَ من الأبدِ قضمةٌ واحدةٌ، فلماذا تأسى
للوقتِ ؟، ولماذا تضربُ بحافركَ على رخامِ بطشنا ؟
يا حمارُ
يا جدالَ الكسلِ المربكِ، تلفت بعينيك الناعستين إلينا، وأطبقهُما، فإنكَ لن تظفر
برؤىً مثلنا قط، رؤىً تمضي على زحافةٍ تجرُّها ديكةُ الثلجِ
يا حمارُ
يا شظايا كأسٍ أرتخت يدُ النديم عليها فهوتْ في الفراغِ مائة عامٍ قبل أن تتشظى
إضرب بحافركَ
إضرب بأذنيكَ، إضرب بالكسل المُربكِ هذه اليقظةَ السارحةَ تحت خوذاتنا
وأغفُ، فقد أغفى الوقتُ ـ ترجُمانُك الغاضبُ.
وديعٌ أنتَ
وتغرورق عيناك.

السنجاب

تتدحرجُ حبََّة البندق الأولى من الأعلى
تتدحرجُ الحبَّةُ الثانيةُ
والثالثةُ
والرابعةُ
والخامسةُ
والسادسةُ من الأعلى.
حبةً حبةً يتدحرجُ البندقُ تحت الشجرة البلهاءِ، الشجرةٍ التي يجمعُ السُّنجابُ
ذاكرتَها حبةً حبةً، ويدحرجها إلى وكره.
ذاكرةٌ من البندقٍ تتدحرجُ، كلَّ عامٍ، حبةً حبةً، إلى وكرِ الأمير ذي الذيل المرح ِ
والشجرةُ تنسى.

اللَّقلق

مَنْ للأبيضِ الحزين ؟
مَنْ لعشبٍ يعرِّي بناتِ النهر؟
منْ لضفافٍ تسرقُ شمعدانات المياهِ ؟
منْ للريحِ تتشبثُ بساقينِ نحيلتينِ، ومنقارٍ يلتقطُ الريحَ من بِرْكةِ النهارِ؟
منْ لأنينٍ يرتدي قلنسوةَ العرسِ ؟
منْ للربيعِ، شرُطيِّ الفصولِ، الآمرِ بإسمِ عذوبةٍ لمْ تكنْ ؟
مشعشعاً كالصرخةِ يرتفعُ الأبيضُ الحزينُ في فضاءِ حناجرنا
مشعشعاً كالصرخةِ يرتفعُ الأبيضُ الحزينْ.

الحجل

كانَ ما كان:
مرحٌ سلَّ السفوحَ كسيفٍ؛ مرحٌ سلَّ الفضاءَ وأهوى على الأعشاشِ فتطايرتِ الأرضُ سُمانى، ونُحاماً، وكراكيَّ، حتى أمتدَّ برقٌ من الطير بين غدٍ ضائعٍ، ومديحٍ ضائعٍ
فقلنا تطايري، تطايري أكثرَ أيتُها الأرضُ، تطايري بجعاً، ونِمْنِماً، وغرانقَ، ولتتطاير حولَ ردائكِ الغضاريِّ سلالاتُ، وحباحبُ من فضةِ اليأسِ، فلنا في النشيدِ أرضٌ أخرى، رخيمةٌ كَغَبْغَبَةِ حجلٍ يستدرجُ الأنثى.
حجل
تذهبُ الأرضُ ويبقى حجلٌ في المدى.
حجلٌ
يذهبُ المدى ويبقى حجلٌ في النشيد.
حجلٌ
حجلٌ أفقُنا
حجلٌ ظلُّنا
حجلٌ بدايةُ الكلامِ
حجلٌ كلامُنا.
حجلٌ
حجلٌ.
إشهدي يا مدارج تهوي إذ تهوي الأرضُ
وأكتبْ أيها اليأسُ بالريشةِ الباقيةْ.

نوري الجراح

من مواليد دمشق، عام 1956.
عمل في الصحافة الأدبية العربية في بيروت ونيقوسيا ولندن.
أسس وشارك مطلع الثمانينات في إدارة مجلات أدبية وفكرية منها: المجلة، فكر بيروت، الناقد والكاتبة.
يشرف على المركز العربي للأدب الجغرافي أبو ظبي ولندن.
صدر له:

الصبي، شعر، 1982.
مجاراة صوت، شعر، 1988.
نشيد صوت، شعر، 1990.
طفولة موت، شعر، 1992.
كاس سوداء، شعر، 1993.
القصيدة والقصيدة في المرآة، شعر، 1995.
صعود إبريل، شعر، 1996.
حدائق هاملت شعر، 2002.
طريق دمشق والحديقة الفارسية، شعر، 2004.
لا يكفي

لا يكفي يوم
ليخرج الأعمى
يوم واحد لا يكفي ليخلص نفسه من فخاخ المنزل
فالتا إلى الشمس
لا يكفي يوم واحد.

حقول

سأقاتل بالسيف حتى أصل بهذه الضحكة إلى حافة النوم
هنا أتمدد.
عيناي مخضلتان من كثرة سقوط المطرعلى الليل
لكنني نابه
كالفكرة المجنونة.
سأقاتل في القلعة وحولها
تحت الأصوات
وساعة يخلد الأعداء إلى الظلال
وتنكص الألوية بالخيول.
في وقت كهذا تنبسط الأرض
وتتموج
ويمرر الهواء صرخات السنابل إلى أرض أخرى
وفي الخفاء على التراب المسترخي
بدلال
من عناء الصيف
الضحكة
تقلّب النائم
كما لو أن العدو شقيق يحلم.

الحائكة

الجميع ينزل ويذهب
ينزل ويذهب
حتى الذين صعدوا
نزلوا وذهبوا
إلا أنا
لا أنزل
ولا أذهب
لا أصعد
ولا أنزل
باق
على المقعد
بأطراف تكسرت من الرجرجة
أتأمل الحائكة العمياء
مستغرقة
إلى أن ينفذ النور من جدار حياكتها.

نشيد بصوت واحد

أنا
وحيد يا أمي
يا أم الله
من يسمع كلماتي؟
من يضم أسئلتي إلى خرائب الرجاء ؟
وحيد كدراجة مكسورة
غسلها المطر مرارا
وصدأتها شمس آب
ما عساني أفعل
لو جاؤوا الليلة بالصليب ؟
من إذا ما غنيت
يفرط نشيدي في حوض أزهاره ؟
من إذا ما بكيت
يضيف دموعي إلى كأسه ؟
من إذا ما صرخت
يسمعني يا إلهي ؟.

كرسي يتأمل الزرقة

باب على البحر
مشرع
وعقد أبواب موصدة
شريط رؤية أزرق
كرسي
في دهليز الظلال
رجل يتأمل المراكب
رجل يناهز الموت
يمجّ سيجارته
وينفث الضباب
لا شيء وراءه
باب على البحر مشرع
كرسي يتأمل الزرقة.

لو كنت أعرف

لو كنت أعرف أنني أبدأ من النهاية
وأن الأصفر الضاحك
في الشجر
لم
يكن
إلا
خريفا
يلهو.
لو كنت أعرف
لو كان يمكن لي أن أعرف
هل كنت هنا
الآن ؟
وهذا الطفل
يذهب بالبرتقالة إلى النافذة
ويعود
بثلج
على
أصابعه.
لو كنت أعرف
لو كنت آمل أن أعرف
هل كنت أصل
وأغير ملابسي
وأتمدد في الورق
أموت
وأدفن في صدرك
بدل أن أعرج من النافذة
وأسبح
في
هواء
الليل.

أمير نائم وحملة تنتظر

كما لو أنني نمت تحت شجرة
وهزت قيلولتي أبواق بعيدة
خطا خفيفة مشت في حسي
وأودعت ما حملت في غيهب.
وإذ مشت مرة أخرى
ووطأت نومي
تقلبت
ونفر الهواء خائفا.
كانت الأزهار تقص
والضوء يفكك الممشى بسلام
حتى إنني رأيت خيالي مشطورا
وخلت الملابس في خفتها تطيـّـر أصوات.
الأحصنة تقترب
وقع حوافرها يتجلى على الصخور
إنني أرى قوائمها المتكسرة وفرسانها المجندلين في الهواء.

انكشاف

ما من أشواك تكفي جبيني
مرة أخرى
لا خشب
ولا مسامير.
ما من أصوات تتنادى.
ما من ليل يكفي
وساعة تتلف ساق ضوء الحليب
في النهار البارد.
ما من ستائر على المشهد.
المقاعد هلكت في المطر
والمشاهدون رجعوا إلى التراب.

فتنة

من حمل هذا الجثمان
ومدده هنا
لمن تكون هذه النظرة المرحة على أرض الصلوات ؟

حدث
كأنه مفتتح.

من قص الأثر
من جمع الأخبار ؟
وهل كان الزمن يتمشى هو الآخر
عندما ضوى الألم
ورمقت العين دلال النهار؟
تركت له الباب
ورجعت.
لكنه مر عني
ونظرني
ممددا
ورأى الفتنة تلهب نظرتي
وبينما كان يغرب
كنت أنهض
وأخرج من المسرح.

كنت ِ في دمشق
كنتُ في دمشق

1

أمس كنتِ في دمشق بين كهنة يحملون ألواحا
ومن حولك صبيان حليقو الرؤوس
كنت ُبينهم وقوفا
ومعي لوح أبيض
كنا ننشد لكِ
أي عيون كانت للكهنة
وهم يختلسون
حواجبهم العريضة المحناة برماد الآنية أقواس موسيقية
والعائد بالرسالة من فج بين جبلين في أنطاكية
أفلتَ صرخته وترك النور يغمر المعبد
الجنود دحرجوا العجلة واختفوا
بالسحابة
حاملو الأطواق
أرتقوا بالغار أدراجا متطاولة
وتسمروا في العلا.

2

الصمت يهبكِ
الصمت يسفرُ
ويترك السكينة تتورد
ألوانك الطفيفة تملأ الألواح
والكهنة بأصابع راعشة
يلوحون للضياء
يا للأنشودة ترفرف تحت الأقواس
اسمكِ هدية الصلصال.

3

الصبيان يرفعون حاجبك ويتوارون به في غرف الكتابة.

4

كنت في المعبد
والكهنة ـ بأيد لامعة ـ كانوا يبدلون ملابسكِ
وبين أشعة الكوى وظلال الشهقات
رأى الصبية ـ من نافذة عالية ـ رياش الضحى وتلفّت َ الهلال.

5

أمس كنت الناظر
وكنتِ واقفة
الموسيقي يقلب الرقعة
والآلة له تضحكُ
فمك مطبق
وعينك وسنى
الكوى نهدتْ
والجندي رمى ظله في البهو
حبات البرد ترشق درعه
والكهنة يطوفون بكؤوس هاربة.

أمس كنتِ
أمس كنتُ
والرسول الذي نزل من أعلى الفرات
حمل إسمكِ وملابسكِ
وتوارى بالألواح.

رولا حسن

من مواليد طرطوس، عام 1973.
تحمل ليسانس فيزياء كيمياء ورياضيات، جامعة اللاذقية.
تكتب في الصحف.
تعمل موظفة في طرطوس.
صدر لها:

شتاءات قصيرة، شعر، 1997.
حسرة الظل، شعر، 1999.
كسرب لقالق بيضاء، شعر، 2006.
rolahasan@maktoob.com

أزهار أصابعي

فكرت
أنك لي
ضمن ممتلكاتي الصغيرة.
قصائدي
حفنة سماء
تطل
على قلبي.
قامرت بأزهار أصابعي
لتبديد خريفك
لم أنتبه
إلى شتاء
بكّر
في الكلام.

طائرات ورقية

جمعت باقات الوقت
في مزهريتي
وفي الخزانة
خبأت مواعيدي.
كل غياب
أمام المرآة
تتبع قبلاتك
عالية تطير
في سماء جسدي
كطائرات ورقية.
وددت
لو أحلم
وأعرف أن المضي إلى الغد
يحتاج أكثر من قدمين
أما الأمس فيكفي التفاتة
ليزهر الندم
على شرفات نائية
تكفي مرآة
لتشهد خرائبي
وأنا أمضي إلى جلجلتك
كيف إذا
أتبعك
وأبقى في الظلام.

حياتي

زنزانة
بشباك ضيق وعال
خارجا
تسجن عائلات الضوء.

العتمة فرصة أخيرة
كي تسرح ذئاب الروح
في أحراش الجدران.

في الظل
الخيبة تعرش كاللبلاب
وحدي
في غابات الحيرة
وثمة عواء
في مكان ناء
من روحي.

مدينة عتيقة

إلى أمي

لم علمتني
أن الألم سر لا يذاع
وعلى الحزن
ألا يرى الشمس
كيلا يعرش كالعليق.

عليّ طيّ أحزاني
وإخفائها في الأدراج
ثم
الخروج إلى الشرفة
والابتسام ـ كالعادة ـ
داعية الجارة
إلى فنجان الحياة.
يا أمي صرت مدينة عتيقة
ببوابات
ضيعت مفاتيحها.

حلم

أحلم
أني الربيع
أمشي إليك
تمشي السواقي
الزهر
والعصافير.

مطر

قال سأجيء صباحا
هيأت نفسي للمطر
أمطرت طيلة النهار
وما تبللت.

حبر

كنت أكتب اسمك
على ورقة بيضاء
فيتكون العالم
من أيامي أخذت تنحدر
تاركا الحبر وحده
على الورقة البيضاء.

جدي

صوب يديه
تعرش الدوالي
ينبت الزعتر والحبق
مرة
لملم أشجاره وعصافيره
ومضى تاركا رائحته تزهر
في الصور.

إثر ظلالنا

حين أمطرت
اختبأنا تحت شرفات المودة.

الحسرة
هاجرت إلى عيوننا
كسرب لقالق بيضاء.

بين أصابعنا
أشرق
هادئا
أيلول.

رعفنا الوقت
ونحن نلهث إثر ظلالنا.

ثلوج

على الشتاء
وزعنا ذكرياتنا بالتساوي.

أيائل بأجراس
قادتنا إلى ثلوج الحيرة.

كالطيور
ازدحمنا على شرفات عيونهم
آملين
أن تفارق البرودة أطراف
أيامنا.

قسوتهم
التي هبت
كنستنا
كقشة.

لا نعرف
ما الذي بقي يشدنا
إلى ساتان
أرواحهم
البارد ؟.

سياج

لو جاء أيلول
سأخبره:
سيجت بك قلبي
هديت العصافير
إلى الغابات.
سأخبره:
قربَك
وحدتي
يبست على الشرفات.

رصيف

إلى وفاء ابراهيم

على طول أيامي
مضيت إليك.

لم أعرف
أن مدنا بعيدة ستهزمني
قمرا صيفيا سيرنخني
في الطرقات.

أنا التي أتلمس
الآن
أثر الكلام
على الرصيف.

بحيرة برية

الثلاثون
عبرتها كمالك حزين
لم تنتبه إلى بجعة
ضيعت بحيرة برية
في نسيانك.

المدن
كبرت في الظل
الأصدقاء
أورقوا في الندم.

دعد حداد

من مواليد اللاذقية، عام 1937.
توفيت، عام 1991.
صدر لها:

تصحيح خطأ الموت، شعر،1981.
كسرة خبز تكفيني، شعر، 1987.
الشجرة التي تميل نحو الأرض، شعر،1991.
ما هذه المسافات

ما هذه المسافات
والفراغات...؟
وأنا وحدي أركض بلا نهاية.
لا شيء سوي الذهول واللامعقول
لا شيء يحد من هذه المسافات
لا يد صديقة
لا يد محبة
لأتوقف.
آه
أيتها الحياة المتسعة
أين جدرانك
وبواباتك ؟
أين حراس الأرض الطيبون ؟
أين الملائكة المبتسمون ؟
وأنا أنمو تارة
وأصغر تارة
حتى السياجات والأشواك
أختفت
وأنطفأت الأنوار.
أهي صحراء
بلا رمال ؟
أهي أحلام
ونستيقظ...؟.
أنا طفلة ذات شرائط
ملونة
أحوك ثوبي
وأصنع دميتي
ولكن
لمن أهدي كل هذا الجمال ؟
والعالم مقفر
ومتسع
وأنا أركض بلا نهاية.

مقاطع

1

الزهور الذابلة
في آنية ذابلة
والعقيق عقيق
تتدحرج المياه من الينابيع
فتغسل الأحجار
وترق الينابيع
فتغسل الضفادع والحصى
شيء من التلاشي
في هذا الوطن الشائب.

2

أسود هذا الليل
وسوداء هي النافذة
لا شيء أعدل من السماء
في هذه الليلة القمرية السوداء
نبتة صغيرة خضراء
تحوك هذا الليل الأسود المتطاول
نبتة أخرى تود النماء
داخل الغرفة الصفراء الرمادية
وهذه الكتب التي عفاها الزمن
تريد أن تعيش في داخلي
وهذا الماء
والخبز الأزلي.

3

ثلاثة أطفال
يحفرون قبري في الثلج
الوحدة
والحزن
والحرية.
ثلاثة أطفال
أبرياء
إنهم حمر الوجوه من التعب
ومن الشوق لدفني.

ثلاثة أطفال
الوحدة
والحزن
والحرية
تحت وابل المطر
أو الثلج
يحفرون
إنهم يحفرون بعمق
والثلج
عميق
عميق
بعمق بحيرة منسية.

تصحيح خطأ الموت

مكتنزة سمراء
بثوب كثوب ملكات الغجر
في أول خيوط الفجر الشتوي
ثقيل
وعاتم
بلون الرصاص
ممزوجا بالوجوه الحجرية.
هبطت من الدرج اللولبي
بثقل الأربعين
حزنا
وحزنا
رفعت يدها السمراء من الكم الأسود
أحدهم يتأمل الخاتم الملون في إصبعها الأسمر المكتنز
وضعت موسيقى في علبة الموسيقى
لكن الموسيقى
لم تأت
هزتها قليلا
شجرة الموسيقى الزئبقية
ابتسم الحضور
وعلق أحدهم بطراوة
مكتنزة سمراء
تهبط الآن درجا لولبيا آخر
في عيون المزروعين بموائد مزينة بقطع الحوت
المشوية والموءودة
تتوسل مرة ثانية بنقود
كي تسير الآلة
كي تصدح الموسيقى
والسعادة.
وحيدة هي هذه اللحظة
أكثر من أي وقت
والموسيقى لا تأتي.
صعدت الدرج اللولبي
وأنّ الخشب تحت قدميها الثقيلين
بإباء الملكات الوحيدات
شدت قامتها
كجذع شجرة مقطوع
ورفعت رأسها نحو السقف الأبيض بلطف
وابتسمت.
ثم
غابت
في غرفة ستائرها قرمزية
وهواؤها بلون الرصاص
الذي خضب قلبها الطفلي
مخترقا الستائر الحمراء
وثقب أول خيوط الفجر الغجري
ملوحا بمنديل عرسها المبلل
وهي تنتظر
في ساعات الغجر
تصحيح خطأ الموت
و
إغلاق المكان.

أقتلوا ناتاشا تولستوي

أقتلوا ناتاشا تولستوي
أقتلوا هذا الوحش الكاسر
وأقتلوا باقات البنفسج المقتولة
ودعوني أغص وحيدة
محمولة على نعشي الصغير.
آه
أيها القتلة
بأصابعكم الملتوية
كم أنتم وحيدون
آه
يا بائع البنفسج العجوز
كم أنت وحيد
وغني
ومقتول.

ها هي أجراسي

أستيقظوا الآن
أنا وحيدة
ها هي أجراسي
وتوابيتي
ها هو بساط رحمتي الأحمدي
ها هو قلبي المفتوح
ونوافذي مشرعة
وستارتي مزقتها الريح
سوداء
سوداء بشرتي
وعيوني
آه
وثيابي مهلهلة كالدرّ
وقدماي عاريتان من قلة الخجل

تذاكر السفر

ها هي تذاكر السفر
ارحلوا جميعا
واتركوني في داري
ها هي الزهور الذابلة
ها هي يدي نحيلة قوية
ها هي تنورتي الوحيدة
ها هي تذاكر السفر
ها هي المدينة الوحيدة
ها هي تذاكر السفر
ها هي الجبال
ها هي الصواريخ
ها هي النوافذ المشرعة
ها هي الستارات
والريح.

ذلك الشرود للحارس الليلي

كنت على وشك أن تقتل شيئا ما
كمثل هذه الرغبة الليلية في الشرود
أو انبثاق الألفة بين شخصين
أنا لست فارغة المعنى يا صديق
أو تقتلك الرغبة في تحطيم العربات الليلية
أو ذلك الشرود للحارس الليلي
آه يا للكنس الليلي تحت النوافذ
آه يا للنوافذ المضاءة
قال الذي يكنس بهدوء.

الغوص في الملابس

آه تشايكوفسكي
الغوص في الملابس
ملاقاة البحر الليلي
ذلك البكاء السماوي
لرياح الخماسين
كيف يبكي الغبار
من قسوة برودة جدران السجن ؟
لا أعرف لم فعلت هذا
كيف تبكي اليدان ؟
لا أعرف لم فعلت هذا بيدي
بفكري
قبلوا تلك العجوز الوحيدة
استسلموا قليلا للشيطان
أوقفوا تلك المذابح.

كضوء فراشة

مرّت الروح
كضوء فراشة
أمررت
يا أبي ؟
أمررت أنت لوهلة ؟
خلف السوسن الليلي
إنهم يمسكون الأشياء فتذبل
أو حتى يروها
فتختفي الحياة
من الجذور
إنهم قاتلو الحب.

إلى سامسون

أسناني ليست بيضاء أسناني
يا أيها الأفريقي
خفّف إذن هذا الحزن الحنون
وأنا سوداء كالبنفسج
من الحزن الدفين
كلتا يديك إذن سوداء
وأنا يدي تكتب
وعيناك تقرآ
بسم الله الرحمن الرحيم
ما أجمل هذه العيون.

عبد السلام حلّوم

من مواليد مدينة سراقب، عام 1963.
إجازة في الآداب، قسم اللغة العربية.
يعمل حاليا مدرسا للغة العربية.
صدر له:

مديح شاسع للقشّ، شعر،1991.
كانات الرّجُل الحائط، شعر، 2007 .
أمومة الجوريّ

أمّي
أتيتُ لأَنام
فما عليَّ من كسر النوم ؟
تراكمَ حتى أنشقَّ في الصدغِ واد
لا يردمه إشفاق سبَّابةٍ تهالكت من الرعش
ولا اعتصار جبينٍ ناكسة.
إِبّر النعاس الرَّشيقات كما إبرك في اللحاف
خرَّمت مقلتي
مرِّي بأصابعك على جفوني، لن أفطن إلى أنها تضاءلت إلى حجم الكف الأزرق
معلّقاً هنالك على عاتقي في المهاد
مدِّي لي فِراشي نفسه
لن أخالس في طيَّاته صُرَرَ نقودك
وأطواق الخرز
وسِّديني مخدَّتي التي جزَزْتِها من صوف عرسك
وطرَّزْتِها بالفراشات والحجل
لن يحسَّ خدِّي بأنَّ حريرها ترهَّل
ونزحت ألوانه في سماء الزيرقون
غنِّي لي فلن أنتبه لما نسيتِ من الكلمات
ولا لخلل القوافي
فكلُّ ما يتهادى على سمعي صرير سريري الخشبيّ يضبط عتاباتك الرخيمة
وينهض في حقول الرّوح
يحمل عنِّي هذي المنامات الكابسة على صدري كعفاريت الحكايات.
أحكي لي
حتى ولو غفلت
لا تتوقفي عن خدَر الخيالات
أحرسي بأنفاسك ما تبقى واضحاً مني تحت غطائك الوثير
شدِّي على شبَّاكنا الشرقيّ أكياس الطحين
أستريني من سياط الشمس
أمي نسيتُ الفطور فلا تفركي الزعتر البريّ على طبق القشّ، فسوف يوقظني برائحته الأخَّاذة إلى الجبل.

أتيتُ لأنام
لا لأرى قامتكِ، صارت أقصر من حبال غسيلك حتى تنشري جواربي على حجر الجبّ
والمخمل الذي كان كلَّما عتق عليك حلا
صار فضفاضاً على نهديك وتراجَعَتْ ورداته إلى بقعٍ كالحة، وزنَّاره صار يضيق على خصرك كأنَّما ليقطعه .
لا لأٌحصي على تعدادك الذين ماتوا
والذين خانهم الحظ
وسنوات غيابي
واللواتي فقدنَ الأمل
ولا شيء يزداد منكِ غير الدمع
لا لأَرى أحفاد هرَّتك، والأغصان التي نبتت في شجرة التوت، والخيبة البادية على السّروة
ومطرح الأرجوحة الحافرُ في ذراع الجوزة جرحاً حتى النسغ .
لا لِتسأليني: من أين لي هذا الشخير المسموع حتى مفْرَق رحيلي ؟
وهذا الذي يكاد يوقظ المخفر؟
وهذا الضجيج تحت أسناني كرحىً تطحن الجلبان
ومن أين لي هذا الشيب البازغ حتى في الأهداب ؟
وهذا الصَّمت الذي ما كان لجدّي، حين عطَّله الفتاق عن ترقيصِ البواريد وحَدوِِ الجياد.
لا لأرى حصوَتي التي أسندتِ إليها خابيتك قد أعشبت
وخيوط حذائي الأول ما تزال تتدلَّى على كتفي مرآتك كجديلتين
وأنَّ الجوريّة التي باسمي قد أغلقت جهة بكاملها وصارت مهابط للحمام
وأنَّ أسناني اللبنية ما تزال تخشخش في جرة الودع
وأنَّ حروف إملائي الأول قد جرَّت كل هذا الياسمين على الحائط الغربي
أو أرى دفَّة المطبخ وقد تناحَل فيها الخشب، وماعادت تكفي لأعلو بها وأتلقَّفَ طُعمةَ الجارة وبريد ابنتها .

أمي
أتيتُ لأنام
هل ما عاد بوسعه أن يتحمَّل ظهرك ثقل الأمانة حتى لوَّحت لي بمفتاح الخزانة
برَّاقاً وقد استّبدَلتِ بخيطه القنَّب زردة ًمن الفضة، وكعادتك تقرئين ما بين أضلاعي
أوارِبُ فتمضين بأصابعي تماماً كما في الحبوِ
أفتحها ينهمر الورق ويندلع البكاء .

الحائط

سموني ونسوا
أني أنا الحائط
كي أحيط بهم
لو كنت بقلبٍ من حجرٍ
فلماذا يرمّمون بالصبر أحلامهم المهمشة ؟
كنت أمزق فسيفسائي
حزناًَ عليهم
تاركاً للسنونو
أن يرتّق بزغب أفراخه
شقوقي.

الطينة التي لم ألتصق بها
كانت ذراع صاحبها
لا تجيد المسافة
أنا عندما تواليت حائطاً فحائطاً
كنت أعلمهم
المشي اللائق
لأ طلب السترة.

قد تذهب كل آثارهم إلى المتاحف
ولكنها الحيطان
تتحف
بالمجيء إليها.

هل أخرسُ
من يكتم الأسرار؟
هل أخرسُ
من يكظم الغيظ ؟
يشبهون بي
حين يتبادلون السباب
وأنا
ولا كأني سمعت.

أنا صاحب ظلّ
كثيراً ما مددتهُ
فوق البغال المستريحة
وعلى رقاب الكلاب الحائرة
ولكنني
دائماً كنتُ
أغمضُ قيلولتي
عن جبين الرّجال.

منذ أن كنت خطاً مرسوماً بعود
لأفصل بينهم وبين الغابة
كنت آويهم من غدرات المكان
وحين أشتدّت عليَّ الرّيحُ
عافوني
لزمهرير ما تعوّدتُ عليه
أحاول أن أصدّه
مرّة بأبوابي
وحيناً باستدارتي عليَّ
وحده أعلاي
كان يقصه من هدناته
ويسوي عليّ نقوشي.

من حيث الأرضُ
جدُّ مختلفين نحن
لهم طراوة الطين
وأنا فلذُّ التراب
عالقون بقشرها وأنا الواطدُ فيها
ينبطحون
يميلون
وأنا أمنح الشاقول، إذ يوازيني، شعور الغبطة، في الهبوط
عمودياً عليها
يغيّرون قسماتها
وأنا كلما عتقت تشبهني
يحاولون أن يسوّوا كساحَ حظهم، بالقفز عليها
وأنا أشدّها، من حبل سُرتّها إليَّ.

ينبتّون جذور أشجارها أصفاد بأرجلهم
وراءهم يسبحون
عنها الدرب كذيل
وأنا باق كطلل
دقوا بظهري فولاذ المسامير
قلت:
أحمل عنهم عُرياً ضاقوا به
أسندوا إليَّ فراغ المرايا
قلت:
دعهم يرووا ملامحهم تصفرّ عليَّ
ولا يشمتُ فينا الهواء
كفنوني باللافتات

قلت:
خُرَق
عزلوني عن مطارحهم العامرة بالضجيج
قلت:
ليست مسافة تلك التي لا أبتعد فيها.

جردّوني من الأوسمة
قلت:
بحاجة لأن تجلو عنها الغبارَ الصورُ
أسدلوا على عيني الستائر وغطّوا في المنام
قلت:
دعهم
فربما إذا جربوا ليلين على بعضهما
يبرهم الصبح المقرفص بجواري
شوهوا بالجص العلاقة بيني وبين السقف
قلت:
تنجبر الكسور التي بأكتافي
لوّنوني
قلت:
فرصةُُ
كي تتخلص من الكالح في هشاشة القش
من هذا البياض الحارق في الكلس.

كلَّ هذا احتملتُ
ولكن أن تستجير ملهوفة بهمُ الأرض
تشدّهم من غضارها بسيقانهم
تبوسهم من خطاهم عليها
هكذا يركلونها ويلتصقون بي كنعوات
هذا ما لا يرضاه على صرحه جدار
تحت هذا الفاسخِ من الصّداع.

أنا لا أسقطُ
أنا ابن الصد والرد
لا يسقط من عكازه منه وفيه
متاريس صرت
فغيرت مراميها السهامُ
ودائماً كنت قبالتها
كأني الجهات بعينها
وهذي الخدوش التي بجلدي، محاولاتُ مخالب لم تفهم الرّكنِ
وكم زعزعني الدهر، ولم أتزحزح قيد لبنة.

أطاوع في انخرابي
حتى كأني لم أكن
أسترد أنفاسي في رئة العمران
وكنتُ دائماً أفاجئهم بأصابع البناء
كيف دون أن يروا ؟
كنت أنقّل أساساتي معي
جرّبت حظها فيَّ المناجيق
خلّعت عصي المعاول
وحكت لجامها بي
وغازلتني الأحصنة
فلم أفتح لها ثغرة
الثغرة في الذين ورائي
كانوا ينخرون بالحجرات التي وهبتها من عظامي
للوحش
والطير
والحياض
كي يفتحوا باباً للفرار
وأتفرّج
أنا
على بيوت تشمّر
عن حيطانها
فضممت عليهم جوري
وكم
وكم
ولكن حين، رأيتهم هكذا وجهاً لوجه يستسلمون
مرفوعة أياديهم قدّامي، كأنما لتدخل بيني وبين المشهد
فلا أنقضُّ عليه
وحين راحوا، كلوح للمجانين
يكتبون عليّ بالبول أسماءهم
وحين في الآخر نطحوني
لم تعد تحملني أعمدتي
فانهدمتُ.

_________________


حسن بلم
♪♫.. الادارة..♫♪
hassanbalam
رسالة sms : سيرى ببطئ ياحياة
لكى أراك بكامل النقصان حولى
كم نسيتك فى خضمك
باحثا عنى وعنك
وكلما أدركت سرا منك
قلت بقسوة
مأجهلك!!!!
ذكر
عدد المساهمات : 10441
الاٍقامة : وراء الأفق حيث لاشئ سواى وحبيبتى
العمل : مهندس
نوسا البحر :
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
2016-03-23, 5:55 pm
عبد اللطيف خطاب

من مواليد قرية الرقة.
توفي، عام 2006.
حاصل على إجازة في التجارة والإقتصاد.
ساهم في الملتقى الأدبي لجامعة حلب.
صدر له:

زول أمير شرقي، شعر، 1990.
وله أيضا 3 مخطوطات شعرية.
سفر الرمل

ليل
ليل المرتابين
ليل يرتدي ما رماه القدامى
ليل تلبس سر الوجود
ليل تسربل بالزرد العبقري
يجرف نسغ الدم
يتحلل بالرأس الملعون
يتخفى في زي الملكوت
يخدد سيل الدمع
يتوحد بالنوح الأول.

للطفل الوادع
للقبر الوادع
يتشذر في برج الموت:
أين مني النفس التي ما فطرها العالي نياحة ؟
يا مجد الليل
أين ولى العمر الذي أهذر فيه
بئر في الصحراء أنا ـ فطرت ـ في طلة فجر الملكوت
وأنطميت عند صلاة العصر الوسطى.

ما أبغيه من لفظة ليل ؟
يوم مسار الألفاظ الأولى ؟
من عاش بشهد العمر ؟
من ؟
وجنى ـ جذلان ـ ريعان الأيام ؟
نش مداد العمر
غذى جذوة ميعته بالسم الزاهي
محلا ـ صير ـ بقيا ماء الأيام
ما زال المجنون يهلوس في بيعته.

من جنن صحراء الدوِّ ؟
من جعل فتات القلب عناوين الوجدان ؟
يتنفس فجرا غالبه الدمع
للطلل الصفصف
والخلان الرحل
من ؟.
تركوا المجنون يغالب سكرات الأجداث
غزاه الجدري نقاشا لشغاف القلب
سجيل يجدر راميه
ويباهل نيران الأخدود
تركوا وطنا يقتات على البدو الرحل.

(كان الرومي يقيه عربا غابرة أو حجرا أسود
وكان الأعرابي ـ ذبيحا ـ يرتقص
على رجع فحيح الموتى
يوطيء أكناف الإبل
كي ينزو الرومي على ملح الأرض
يتناهى رجع الألفاظ
أصداء صفير الريح الأولى
وبقايا دمن
سفر رمال
نؤي مثلوم.

نش مداد العمر الصابغ نارنج الفينيقيين
يتراءى درب الصحراء سرابا
يذبح ناموس التصوير
وتسبح باسم الله ثلاثا أعشاب المحراب
تصاعد تعريشات الوجدان حلولا بالبدء الأول
ودم الصحراء دمي
يسحل درب التبانة
كي يقلب سكين الفدية
لكنا حرقناه
ورمسناه هباء في "أور" الكلدانيين.

ليل
ليل أعمى يهدي البصارين مناحي الهوتة
ليل يضبح:
أطفيء هذا النور، فقد عميت عيناي
نبح المجنون يرتل آيات الليل الأعمى:
أطفيء هذا النور
فإن القلب أنطفأ
والعمر يغالبه النسيان
أطفيء هذا النور
فإن القلب ذوى
وبقايا العمر
طيوف حكاية
نبح المجنون يرتل آيات الليل الأعمى.

لكني والليل ندامي
أمشي الريث
مشية ندمان
أو مكسور الخاطر
أعبث بالنجم
ثآليل القلب
أهدهد نجم الشاعر كي يعمى خثرات الوجدان
قلبي تابوت "بنات النعش"
هو الليل ـ لا أدري ـ ليلي
ليل أطياف القرى على جالي "بليخ" البال.

تتراءى في الرقم تصاوير الأنهار
وأنا المولود جهارا في "ما بين النهرين"
طولي يترامى مثل مسلات المصريين
وأناغي طينا يجبله الآشوريون
كي ينطق عربو ـ جندو
أنا
وأنا المتواجد ما قبل التكوين
ألبس جلد الماعز في عرس الأسوار
أنكح غانية المعبد
كي يرمس طف النهر شلو أوادم، صديد الموتى، قوباء الفاتح، قيحا وزحارا يتلفظنا الآريون).

ليل
سمار الليل
ترجيع قباب الطين
ليل
بهزيع وسنان نتلظاه صدى وعنين
ليل الدنف
المفعم بالسرد الشرقي
تجار المتعة يا "دنيا زاد" الألف
مسرو السياف يثلم حنجرة الصادح
كي يشحب دمع الدم.

(ورويدا كالهيمان
ألملم شقشقة الفجر
طفل داعبه الليل وحاباه
يقعى منزويا في ركن الخاطر
يستشرس في ليل البال
ينشج مخذولا:
نحت على الثؤلول الموغل في الذكرى
وتكونت رفيقا للحادين
عددت النجم).

"... ظل الحرسي يدق الأرض بعنف الموتى، يتقوى بالمهماز ثمالة جمجمة
ينحس جلواز الوالي أتن الأعرابي
كي يخلق شعبا في زي الحيوان الأجرب
ينهق ـ جذلان ـ في أول حمأة غسلين
ينكأ جرحا
يتدفق أعرابا مما قبل الطوفان ..".

"... يترامى صوب الأكتاف يمينا طيف ملاك يدف بأجنحة تتقدس "طاسين" الصوفية
وعلى الأكتاف شمالا يتربع طيف ملاك في زي غراب ملعون، ينعب فوق بقايا الروح
فيما كانت أنهار الجنة تطفح بالموتى...".

"... في "كنز" الصائبة، تراعي ثؤلولا، تنعي نجما خر سجودا للرحمن،
تردف أعرابيا وتجوب ديار الترك شمالا، تتناول قربان الحكمة من لوقا السوري
تشمشم عث الوراقين
بيوت الحكمة تفتح مصراعيها، وتصطفق حنينا، يلج سليل الرهاويين
يجمجم نسطور السريان بوصايا الآلهة الأولى...".

"... في "كنز" الصائبة تجهر بالسر
كي يتشظى قدوم الرحمن على عتبات الروميين، يتشاطا شمشون العبري، سعادين الدولة
تنفذ كلمات الصحراء
تغرف أصواتا من لج اللوح المحفوظ
تكتب:
ملعون أنت
ملعون نسلك
ملعون من حد البرية حتى أسرار الشيطان ..".



هدهدني النوم
لا سنة تأخذني
والنوم عذابي
يهتز سريري
وأنا العرش المتأرجح في لج عماء الروح.

"... بشر بعذاب أبدي في طيف البال
بشر مثل كثيب الرمل يتهادون
حيارى
يتنزل دود من وقب العين
يدمي أبراجا تتسامى صوب رمال
صوب خراب
يبلبل ألسنة الصينيين
كي يتداعى الناس حزانى بالأحجية
الأولى:
كن فيكون...".

ليل
يتشظى في بردي الحكمة ما بين الشفق
وما بين الفجر حتى يتبين خيط
التسبيح
ظلمات الكائن تلك
ظلمات المكنون أبتدأت
ينشج
تخضل عمامته:
بالله خبرني يا أيها الحادي
العيس قد ذهبت يحدو بها الهادي
فيما كان البغل ـ جذلان ـ يصيء:
أسكت هذا الصوت
أسكت هذا الشجر فقد ولى زمن
الوجدان
فيما كان الآخر يثغو
أرحمني
أرحم قلبا يتفطر شجوا
أرحم قلبا شال الدنيا بالحزن الأكبر
أرحم قلبا أعزل مثل غزالات البرية
نفرت مني غزلان البر
وتيوس الصحراء
ـ مسكونا بالجن ـ ظللت ـ جريحا
حتى فتحت لي "سيدوري" باب الرحمن
غلقت باب التوبة
في بيبان الوجدان
مشيت على درب محفوف بالحرس
محفوف بحراب الدولة
صوت الحرسي أليف
صوت السجان حنون مثل المدنف
غلقت باب التوبة
في بيبان الوجدان.

"... قيثار الشرق شجي
ينبعث رمادا "برصوما" الزامر
قيثار الشرق شجي
يتقطر عنابا في نمل سليمان
قيثار الشرق
دف الأحزان
نياحات اللحادين...".

على أي مقام شرقي
يرتقص الشرق ذبيحا
وينغسل الوجدان ؟.

"... تصطفق الأبواب الظمأى
توصد بالمغلاق
وبالمزلاج الأعظم
يوم يمر الواله
يوم يمر الآسر تتلقفه عين الوردة
يمشي في البرية
جذلان
تتقفاه حراب السم
يمشي مصلوبا فوق قراب الماء
يتقصى صحراء الجن
أمشي بقذالي البدوي
أتأبط سيفا أرعن
أنا الآسر للنوق الجذلى
للسر الواله
لحواري الشرق اللائي ينفرن سراعا...".
"صديان الحر اللافح ..."
كالمحموم أهذر في الكلمات
أواسيها
يداي هاتان اللتان تعيثان بالبشر الغرقى في نهر العدم
عدم أسبغته على الكون
دم ضمخته يداي آن الصرخة الأولى
رأيت شفق الطور
تركت عصا موسى
لكني فصلت الصحراء على قد ايالات الموتى
آليت على النفس:
كوني هجرانا من كهف الأنهار الأولى
طردا ككلاب شاردة
كان الدم ينفر كالغزلان
صحاري الإمتاع
مرصاد الجنة.

(شعب نوأم حتف الأنف
ينحسه الرومي كبعير مطلي بالقطران
كان الراوي يتلاشى مثل سراب الصحراء
كان الراوي في زي المدثر
كان شجيا وحزينا يتلبس أردية
الموتى:
هذي نياحتي على الكائن
قيدتها في سفر الرمل ...).


نفدت كلمات السفر في الرقة التي علي الفرات في 18 فبراير 1997.

موت الإله الطيب

النائم يغفو كالميت، هكذا رأته البصيرة، ورشقت حصاها عليه لتغطسه في حمى الرمل لتأليهه في مدى المسافة وتليينه للمسحة الكفنية الأخيرة، لإحتضاره ضمن هدر الجموع وتنمية شاهدته القبرية، ترش عليه أرملته التراب الندي، وتذبل أشواكه، لكي تشرع ملذاتها الدنيوية، واضعة في نسيانها الرجل الغريب الذي مر واحتضنته صخور الرمل العقيمة.
رفع يديه إلى السماء صائحا:
يا ربي .
وجاء إلى قرية النمل، وحياه جنود سليمان، ورفع كيس زاده، وقطع سمرقند من بخارى وعلقت به نملة، فبكى على المصير، فآب من الفيافي، فآنسته النملة، ورفع يديه إلى السماء، كانت شاهدة قبره تبكي عليه، كان البدو يتعبدون الأفق، ويأكلون لحومهم وتأكلهم الأرض، كان البدو يشربون سرابهم، ويموتون من اللهاث.
بنات نعش غربان سبعة، يتشحن الأسود، ويحملن صندوقا خشبيا لا ينبض كقلبي.
من قال إن السبعة يستنجدون "سهيلا" النجم اللامع ؟، باطل ما تقوله المسنات.. باطل ما تقوّلته العجائز في مساء القرى، كنا نجلس، ردائي إلى يميني، ردائي الذي أقتات منه على موائد الصديقات (فيما بعد أكتشف أنها لعبة، لا، فالبريد لا يحمل الرغبة، استسهال شعري كاذب للغة الواضحة)، تجلس على الكرسي، تفصلك المسافات عن الإناث، وتضحك في سريرتك، البدو لا يجلسون إلا على الحصر والبسط، وأرضهم الإلهية
همو البدو، يخبنون المسافة للعصر.
همو البدو، يخبنون المسافة للزيف .
(الرؤوس ثابتة تنغرز، تتحرك الأرجل إلى الماء)
هذا ما كنت ألحظه عن البعد، بل إنني كنت بين الأظافر، عشت الطفولة بين سرائر البدو وقيعان القرى، وألتقطت براز الخليقة، والصوان والبعر، للشونة، (كنا نقايضهم سكرا ببعر وكنت أختلس النظر لأفخاذ النوق)، وأشمر عن إليتي، وأرسم آثارهن على الأديم كخف البعير، هي الإبل مشقوقة الشفتين، تضاحك غربانها والجراد.
همو البدو، يعتمرون الضمائر والجلسة العربية والرفة وخلال الحديد، وينادون على السحت، والبهم، والنوق، وينحون إلى الماء، مستصحبين الحداء القديم .
همو البدو يرقصون (الدحا) كما الديك يعلن عن موته، ويمتشقون العصي القديمة وثاراتهم في الرأس.
همو النخوة الآدمية ممزوجة بالأسى .
ليس عندي إلا عصاي، أهش بها على ظلالي وأشباحي السود، ليس عندي إلا عصاي أهش بها على الإله الطيب ذي السنن الصغيرة والكبيرة، وعلى قلبي ذي الأوتار المشدودة. كان الإله يضبح
وسأحكي لك الحكاية من أولها إلى آخرها، فقد كان ينظر إليّ، وكنت خائفا ـ الكلب الذي تلمع عيناه، ويشع مكنهما النور والبريق في الليل ـ وكان يتراجع إلى الوراء حذرا مني وكنت خائفا منه، ولقد صففت الحجرات واحدة إثر أخرى، وضاحكتهن كثيرا، حتى استلقيت على ظهري، لقد كنا نحن الإثنين نخاف بعضنا، أنا الوديع كالإله الطيب، وكلب الأغنام الصامت الحذر .
الحكاية تبدأ من سرر النساء، وأدغال زوايانا في البليخ، إذ كانت عيدان الزلِّ بعد لم تلتمس الأغصان، وتجار "الطريش" بعد لم يأتوا، والله كان بعد لم يسجد لنفسه، ولم يكن معبودا بين الحيوانات، يا لك من حذر يا صديقي غلوكون، إذ قال مرة، آه ... أذكر ذلك، أذكره جيدا مثلما أذكر بقايا الوسخ على الجلد، وفحيح الأفاعي على القنطرة، عندما كنت أعاشرها بالحطب، وصمت العجوز في نعشه، والدكاكين الصغيرة على ضفاف القرى، أذكر جيدا مثلما أذكر بقايا الوسخ على الجلد، وفحيح الأفاعي على القنطرة، عندما كنت أعاشرها بالحطب، وصمت العجوز في نعشه، والدكاكين الصغيرة على ضفاف القرى، أذكر جيدا لا تستطيع أبدا يا صديق سقراط المبجل، أن تأتي بمرآتك المحدبة، لا، ولا المقعرة، هات شرطك، ولنتراهن، أنا الجرذ، والصوص، والقنفذ، وطائر الليل، وديك الحبش أو الديك المصري، في قرانا، أنا ذاك الإله الطيب من عالمنا الثالث، وأنت من عالمنا البائد في الحضارات السالفة، لنتراهن على كأس مشروب من العالم الثالث، أنت تضع يدك وأنا أضع يدي، وليسلم علينا قديسك الوثني، وشيخنا العزيز، الذي يحب الإله، ويحب وضع الأيدي على النساء، وعلى بعضها بعضا، ولنتراهن أيها العزيز، وامرأة العزيز تفتقد العضو الذكري، وتصيح في هذه الصحراء، وتصيح أيضا في القفر تنادي على عالمنا وتنادي على الذكورة، ويوسف يسبح في حمدنا، أنت لا تستطيع أن تأتي بمرآتك إلى هنا.
كيف تعكس الأحاسيس ؟، ومرآتك المقعرة لا تعكس الأشجار، لا، ولا تلافيف الدماغ وكيف توافق على منح الإله أوسمة من العالم الثالث ؟، وكيف تتجول في أزقة قرانا لا تخاف البعوض ؟، وتنظر إلى النفاثات، وتضحك .
الحكاية تبدأ من سرر النساء، وتنتهي عند إلهك الطيب، وعندما تمسك بالعصا، تهش بها على غنمك، تتذكر فصلا من الهواء والدمار يجري على الساحة، وتقرأ الجرائد اليومية والصحف التي تباع في العصر الجاهلي.
يا غلوكون، يا عزيزي الطيب، أفلاطون يكتب مذكراته على جبل الأولمب، وأنا لم أعد أتذكر ما كتب من البرمنيذس وحتى الجمهورية الموقرة، وكيف تحمّل القرى برج المذابح ؟ والمدن لما تزل مفتوحة، مسالخها، وحاناتها، وتحلف بإلهك الطيب عن مذابحنا، ونحلف نحن عن براءتنا، هل قرأت يوما ما قالته الطبيعة لذوينا ؟، وما قاله ذوونا للأجداد والأحفاد ؟، لنتراهن على الحياة العريضة، لنتراهن على الأسنة، المياه، والنار، وعناصر الطبيعة كما وردت في سواد العراق، لنكسب رهاننا، ونضاجع حيواناتنا كما كنا نفعل في القرى يوم كنا صغارا، وكما يضاجع المتمدنون كلابهم الأنيقة، لنعلم حضارتنا، ونضع نقاط اليأس، ونمط الإنتاج الآسيوي، ولنقل صراحة إن للعبد أسنانا بيضاء، وأن له أنيابا ولنقل، أن له أنيابا، ولنقل إن ذيولا في عقولنا، لنفتخر بمدينتنا إزاء الوحوش ، ولنذهب إلى الغابة نصطاد الأرانب لنمدنها، ولنقل إننا نفتح العالم بغزواتنا المتحضرة، لنقل بالجمل الواسعة، إن سرر النساء تنتهي عند بني عذرة، وأن الإله الطيب يفغر فاه كما نحن، وأن لنا صدورا كالعذارى من الداخل، أن الأشياء تتوالد من رحمها، لنقل يا إلهي إنك تزرع الأسيد والقمح، وتعطينا الماء مخلوطا بالدود، والفلاحون الذين يشربون دود العلق ويتبرزون في سهول القرى، الذين يعيدون إنتاجهم، وبرازهم الطحيني، ويستقبلون الهم الطيب، ويستقبلون البقر، والجمال، والبدو الذين يضعون الخلاخيل في أنوفهم، ويغادرون صامتين منفاهم الأزلي، والذين ينبحون على نسائهم في القبور، ويجلسون بينها في أول ليلة للأموات، ويبكون على صدور الموتى، الذين يسهرون، يعدون استقبالا حافلا للمزركش والمزين، للقرى التي تئن من الذباب، ليس عندي إلا المرايا، أدعو صديقي الحضاري، وأرى ذاتي في سالف العظمة، ليس عندي إلا أظافري وأشيائي التي أتغنى بها عن السواد، والقمل، والصئبان، إنني أرفع يدي حاملا الذكرى العزيزية للبدو، للنوق للجلة، وللأديم، وللملح المشترى من البوارة، يحمله البدو مع الصفّير، ويمرقون على الإله ويتطلعون إليه بعين واحدة، ويستقبلون نساءهم كما الموتى، للبدو يرفعون أكفهم يندبون الإله الطيب.

صالح دياب

من مواليد حلب، عام 1967.
درس في كلية الحقوق، ولم يكمل الدراسة فيها.
كتب في الصحافة اللبنانية، خصوصا في ملحق النهار، وجريدة الحياة في شكل منتظم. انتقل إلى باريس حيث تابع دراسته الجامعية وحصل على الليسانس والماجستير، يحضر لأطروحة دكتوراه في الأدب المقارن.
يساهم منذ العام2001، في تنظيم مهرجان أصوات البحر الأبيض المتوسط بلوديف، جنوب فرنسا.
صدر له:

قمر يابس يعتني في حياتي، شعر، 1998.
Une lune sèche veille sur ma vie, traduit par Mohammed El Amraoui, Catinat Chareau .Préface de Jean –Marc De Benedetti .Edition CompAct.
صيف يوناني، شعر، 2006.
ترجمات من الفرنسية إلى العربية:

غزالات وبشر آخرون، شعر، لآني سلاجيه، عن دار التوباد تونس.
شاعرات فرنسيات، مختارات، عن دار التوباد تونس.
من أجل أن تكون حديقة، شعر، لجيمس ساكريه، عن دار التوباد تونس.
Récipient de douleur: Une étude sur la poésie féminine arabe d’aujourd’hui, Editions Clapàs, 2007.
salehdiab@hotmail.com

استيهام

تشربين البستيس على البار
وتتحدثين مع صديقتك عن التنجيم
مع اللعاب
تطرطشين حولك التوقعات والتنبؤات
حتى تنطفئ سيجارتي.

مؤخرتك على هيئة شجرة كرز
تحرك هواء المقهى
شعرك الملون
نظير الستائر أيام الثلاثينات
يدغدغ شعلتي.

لهفتي
تذم قبضتها على جمرة
قارورة عطرك
تدلق أفكاري على الأرض.

بقبعتك الحمراء المريشة
والتفاتاتك التي تغري كاتدرائية
تناسبينني مثل قفاز.

عيد أول تكسير

تكسّرين كل الصحون والكؤوس
وتلجئين إلى الحمام.

سنفتح قنينة الشمبانيا
ونحتفل بأول تكسير كامل للصحون والكؤوس
إنها اللحظة المناسبة تماما كي تتمني أمنية
وسوف تتحقق حتما.

سنزور أمك في العاصمة
ونذهب للسباحة في النهر الذي طالما
أطعمت أوزه
سنحمل ألعابا لخالتك
في مشفى الأمراض العقلية
وفي العودة
سنتنزه في الغابة كي تقدمينني إلى السناجب
وهي تقفز
من غصن إلى غصن.

تعرفين ؟
أحببته كثيرا
النص الذي كتبْتِه عن الفراشة
التي دخلت إلى البيت
في درج ألبستك الداخلية وجدته
وأنا أبحث عن الفردة اليسرى
من جواربي
من حينها
أسبح طيلة الوقت في الفرح.

أخرجي أرجوك
سعيد وحزين
أكان علينا أن ننتظر كل هذا الوقت
كي نصل إلى العيد ؟.

أتصل بالروائي

أخذ الفطور وحيدا
ولا أستعمل إلا فنجانك الأصفر المعرّق
ذي الأذن الكبيرة.

كل مساء
يعترضني صوتك في الصالون
يسحبني من يدي حتى ركنك المعهود
حيث
أسهر على لمساتك
الندية بعد على الكتب والاسطوانات
حتى أنام.

يرفعون آجار المنزل
السعر يلتهب
السعر يجن
أمدد العقد
أستبسل في البقاء
كجندي يدافع عن متراسه الأخير.

أقرأ مرارا روايتك المحببة
أقرا الأعمال الكاملة للروائي
أتصل بالروائي
نتحدث حول تلك الشخصية الثانوية
التي أثرت بك
ويصبح صديقي.

أستمع
وأستمع إلى الأغنية التي لامستك
وجعلتك تفرقعين إصبعا بإصبع
وترقصين الكلاكيت والتانغو
ذلك اليوم من تشرين الأول
أتعلم الكلاكيت
وأخذ دروسا في التانغو
أصبح راقصا.

أتبنى قطا وقطة
يشبهان تماما قطك وقطتك
أستيقظ على موائهما
وأنام على موائهما.

والوقت يجري
الوقت يمر سريعا
وسنوات عمري تكر
الواحدة تلو الأخرى
مثل خيوط كنزتك المنزلية.

ويبدأ نهار جديد
يدي تنساني طويلا
على أكرة الباب
التي انحنيت عليها
أثناء الدخول
وأثناء الخروج
ولا آخذ الدرج
إلا كي تطالعني شوارع
توشوشني بإسمك
طيلة أرصفتها.

أرتاد
وأرتاد المقاهي التي مررت بها
حتى تحتل عيني
وأتركني تحت الأشجار
التي توقفت عندها
حتى تستوطن نظراتي.

أتعود على ألا تكوني هنا
أشعل الشموع أمام غيابك
كي يظل وجهه صافيا
وذهبيا.

كل صباح
أبحث عن جواربي
والمفاتيح
أضيعها كل مرة
وأقول لم أنس شيئا.

هكذا مبعثرا
مبددا
في كل مكان
طيلة أيام الأسبوع
سلسا وشفافا
أنحدر إلى معجم ألفاظك الصغير
إلى الدروب التي فتحتها
في الغابة
وأنواع الزهور التي جففتها
في الكتب
إلى خواتمك المفقودة خلف
الكومودينة
وماركتك المفضلة من أقلام الحبر
الناشفة
صالتك السينمائية المعتادة
ونوع الشمبانيا التي اخترتها كي نحتفل
بعودة السنونوات بعد أن عبرت
أفريقيا والبحر الأبيض المتوسط بسلام
سؤالك المتجدد عن أحوال الطقس
الخليج البري المنزوي
الذي وجدته أثناء نزهتك وحيدة
منسوخاتك للوحات البحرية
بالألوان المائية
وللطبيعة الصامتة
بالزيت
غضبك
وصمتك
أتمزق كخريف
وأندفع متقدما بسرعة فائقة
إلى المجد.

عمل طفل

أمشي على الذكريات
أدوس على المشاعر
أندم
الأعوام
الشهور
الأيام
الساعات
الدقائق اللحظات
ترمينني من الباب
ولا أنجح
كعادتي
في الرجوع
من النافذة.

أتلفن لك
أتلفن لصديقتك المفضلة
لرئيسك في الشغل
لزملائك
وحلاقتك كاتمة أسرارك
كل هذا لا يفضي إلى شيء
لا يقدم
ولا يؤخر
أبعث لك إيميلات
أرسل لك ملفات:
قصائد قصيرة
قصائد معلقة
قصائد هايكو لشاعر يتبع الموضة
مقاطع من نشيد الإنشاد
صورا تجدينني فيها
على حالي
كما تركتني
حتى ترجع إليّ كل إيميلاتي.

أبعث لك رسائل عبر الموبايل
أعاود بعث رسائل عبر الموبايل
من كافة أنواع الحنان
من كافة أنواع الرقة والدلال
حتى اليوم الذي أتلقى فيه
Wrong number

أبعث لك طاقة روحية
كل صباح
كل مساء
أقنع المعلم البوذي الأكبر
أن يصلي معي
نبعث لك نحن الإثنين طاقة روحية
يحاسبني بالسعر الذي للأصدقاء
أخذ إشتراكا
يسمح لي بأن أرسل لك
كل يوم ثلاثاء من الأسبوع
مدا من الطاقة الروحية.

أتابع حياتي
أنطلق بسرعة فائقة
مستمعا إلى أغنية لها عمري
أقول إنها حياة
لا ترد
ولا تعوض
ملابس أيام التنزيلات
يجب أخذها هكذا
بلا توجيع رأس.

مع رفيقتي في صيد السمك
تلك التي أتحدث معها
عن قصص حبي
أندفع بحماس منقطع النظير
لعمل طفل.

صاعدا نازلا

الأكياس العادية
لم تتسع لكامل كتبي
وملابسي
وأسطواناتي
وألبومات صوري
فاستنجدتِ ببكرة أكياس الزبالة السوداء
بأقل من نصف ساعة
نجحت في حشر كامل أشيائي
خارجا
ثم أغلقتِ الباب
وبعد أخذك حبوبا منومة
وضعتِ كاتمات الصوت
في أذنيكِ.

لن أتكلم
لا عما رأيتُ
ولا عما تخيلتُ في تلك الليلة
وما الذي يمكن أن يفعله رجل أمام باب مغلق
بعد الساعة الثالثة صباحا
مع هذا الكم الكبير من أكياس الزبالة السوداء
التي حشرتْ فيها حياته كاملة
كيفما اتفق.

لا كتبي
ولا ملابسي
ولا اسطواناتي
ولا حتى ألبومات صوري
ما حزّ في نفسي
الأفضل أن نغلق الصفحة
وألا نحكي بعد في هذا الأمر
بل بالأحرى
قضائي الساعات الأخيرة من الليل
صاعدا نازلا الدرج
أجمع صفحات دفتر الهواتف
الدفتر الذي لم أستعمله
ولو مرة واحدة
منذ وصولي إلى هذه البلاد
والذي يحتوي على أرقام أشخاص
ألتقيت بهم في المدن التي مررت فيها
أيضا
الأرقام المرمزة لعشيقاتي
والتي كنتُ أموهها
كيلا تكتشفها زوجتي في ذلك الزمن.

عند خيوط الفجر الأولى
نجحتُ في جمع الصفحات كلها
ثم وضعتها في كيس
ثم في كيس آخر
كي أضع الدفتر هذه المرة في الكهف
ممزقا كما هو
في الظلمة
هناك حيث بإمكانه أن يستريح بسلام
بكامل حمولته من الأسماء
بالقرب من النبيذ
ومجاديف القدمين
وأقنعة السباحة
والدراجة القديمة
وكتب اللغة الاسبانية
التي جربتُ تعلمها
ولم أفلح
وسائر الأشياء الأخرى
التي أسعى كي أتخلص منها
منذ زمن طويل
دونما جدوى.

شحاذو سكاكين

ترسلين إلي سكينا
أرسل إليك خنجرا
ترسلين إلي خنجرا
أرسل إليك سكينا
نعاود الإرسال من جديد
بحيوية أكثر من الإرسالية الأولى
ترسلين خنجرا
أرسل سكينا
أرسل خنجرا
ترسلين سكينا
ترسلين وأرسل
أرسل
وترسلين
وهكذا دواليك
بإندفاع أكبر
بنشاط أشد
بحماس نحسد عليه
ترسلين
وأرسل
والدم ينقط
على طول الذكريات
على طول الوعود
والكلمات الحنونة
على طول الأحلام
الصغيرة والمراهقة
وتلك التي قريبا
سترزق ولدا
على طول المضاجعات
في البيت
وفي الطبيعة
بالكَبّوت
ومن دون الكَبّوت.

بنجاح باهر
نقترب من النهاية
بنجاح منقطع النظير
في أقل من ثمان وأربعين ساعة
ننتهي
ولا يبقى أدنى أمل
بالعثور على أي علامة
في الميدان
لا نبضة
لا وجيب
لا اختلاج
لا رعشة
لا شيء.

وجوه مودلياني

أفكر بك
في الطريق
لأعرف كيف أهتدي
إلى البيت
لأسافر بطمأنينة
إلى المساء
وأصل سالما
إلى الصباح.

عابرا
صف الأيام الطويل
المائلة العنق
كوجوه مودلياني
أمر بالظهيرة
حيث الأسف يسطع
مثل زيتونة.

كلما أغمضت عينيّ
على رائحتك
أبصر اليد الصغيرة
للوردة
أفكاري تزرقّ
تصير طائرات ورقية
قلبي يشرد
أكثر من نافدة.
أفتح الباب
أدخل بهدوء
كي يتنزه نومك
كملاك.

محمد دريوس

من مواليد مدينة اللاذقية.
يعيش ويعمل فيها.
له عمل غير مطبوع بعنوان:

ثلم في تفاحة طافية.
الشاعر

في أحدِ الأيام أنتبهَ الشاعرُ
فوجدَ أنّه لمْ يبنِ حياته بعد
غضبَ
قلبَ بيتَ الشعر
أشترى حجارةً
وإسمنتاً
وبنائين
وصبياناً للعمل .
أقامتْ الحجارةُ تظاهرةً رافضةً العملَ لمساعدته
ذُهلَ
سألها:
ـ لماذا ؟
أجابتْ:
ـ لم تكوّن نفسكَ بعد .
نظرَ الشاعرُ إلى نفسه وجدها فارغةً
أستغربَ.
جَبَلََ كيسَ إسمنت
وملأَ نفسه
شبعتْ
أنبسطتْ
جفّتْ
صارتْ نفسُ تمثال .

مرض

نحنُ فتيانُ الحارات الأشقياء
منظمةُ الأحياء ِالمتقطّعة
استوطنا حيط الحكومة
صرنا نقفز عنه كلما عنَّ على بالنا
لنقطفَ لوزَ الحكومةِ
ورمّانها الحامض.
نكزُّ على أسناننا
نتلمّظ ونرتعشُ و... نواصلُ القطفَ .
أنا الولدُ الضعيفُ
أوصتني أمي ألاّ آكل من مزروعات الدولة
أوصتني أمي ونهاني الحزب .
أكلتُ
مرضتُ
أصابني مغصٌ من الدولة .
أخذني الرفاقُ إلى الحكيم أبو ايفان
فحصني
دقّقَ في رأسِ المالِ
ورأسِ ستالين .
قطّب جبينه:
ـ كنتُ أعلمُ أنّكَ ستصابُ بهذا المرض .
صرختْ المنظمة كلّها:
ـ شو.. أي مرض ؟
أجابَ بكلمةٍ واحدة:
ـ مرضُ اليسارِ الطفولي .
شهقتْ المنظمةُ كلّها
أبتعدَ الجميعُ عنّي
عزلوني كأني جربان .
أين كنتُ عندما تلقّى الحزبُ كلّه لقاحاً ضدّ هذا المرض ؟
بعد عشرين سنة لا أزال مصاباً بنفس المرض، ِولا يزال ذكرُ الحكومة يثير في نفسي الرغبة بالحكّ وينشرُ بثوراً حمراء على جلدي .

عزفٌ منفرد

خرجَ رجالٌ عن القانون ودخلوا منتدى .
القاضي طلّق الأول من زوجته، وعضَّ الثاني في عقله، وفركَ أذن الثالث وكلّه بالقانون.
قالَ الرجالُ:
ـ نحن خرجنا عن القانون فلا تصحُّ محاكمتنا به، هاتوا قانوناً مستورداً.
قالَ القاضي:
ـ القانون ليس طريقاً ضيقةً لتخرجوا عنها.
قال القاضي:
ـ القانون اوتوستراد، مرحرح، يسعُ الجميع .
عادَ الخارجون عن القانون ودخلوا فيه، وعمّروا بيوتاً ومشاريعَ ناجحة، وعمّروا طويلاً .
بعد مدّة صنعَ كلّ منهم قانوناً خاصاً به وأخذَ يعزفُ عليه لوحده.

الكتيبة في بلاد العجائب

دخلوا الغابةَ ودهسوا الأرنبَ ـ العكاريت ـ في صيفٍ جميلٍ وعنايةٍ إلهية .
السائقُ رفضَ تقاضي أجرة فابتعدتْ الكتيبةُ حاملةً نصفَ امتنان ـ لأنها جاءتْ دون دعوة ـ وفوق رأسها سحابة شكر .
العكاريت خربطوا الحدودَ، وكثيرا ضحكوا عندما تاهتْ أوسمةُ الضبّاط في حشيشةِ البقاع وعندما لم يجدوا عسلاً بالوا على العتبة.
الحياةُ المبلّلةُ تعفنتْ في الهواء، ِالرطبِ للكتائب ولا من يسمع في هذه الناحية من بلاد العجائب .
الذخيرةُ الحيةُ سقطتْ من عالي الشرفات، فأستقبلتها طناجرُ الألمنيوم، والصحونُ عاليةُ الحواف، أيضاً الأحضانُ المفتوحةُ لرئيسِ كوتشينة وعساكر يقاتلون حتى آخر بستوني .
كان الرئيسُ مرتاحاً وبقيَ مرتاحاً وعوضَ الخطاب دعا الجميعَ إلى خمرة ٍمجانية .

عنيد

بعد الحرب وغيرها ضاعَ الأملَ والنورَ .
جاءتْْ الشرطةُ
فتّشتْ في الماضي
في الحاضر
في المستقبل
دون فائدة .
الكلابُ المدّربةُ شمشمتْ
نبحتْ
أكلتْ أذنابَ بعضها
داختْ ولم تجدْ شيئاً.
ما العمل ؟
بلادٌ بلا أملٍ ونورٍ لا تساوي قشرةَ بصلةٍ بائتة .
رجلٌ اسمه عنيد ذهبَ لزيارة ِوالدته
قالتْ:
ـ أهلا، نوّرتَ يا بني .
الكلابُ شمّتْ نوره فوراً فقبضوا عليه وأتهموه بسرقةِ الإثنين: الأمل والنور .
أنكرَ
زعقَ
حلفَ على المصحف
لم يصدقوه
ركبَ رأسه .

قالوا له:
ـ أنزلْ يا عنيد.
رفضَ النزولَ والربُّ في السماء .
سحبوا إسمه
طحنوه
وأسموه مطيع .
قالوا له:
ـ أنزلْ يا مطيع، نزلَ مطيع عن رأسه وحبسوه في زجاجةٍ لينوّرَ الشعب.

فريق

كانوا يمرضون لرؤيتي حاملاً كتبَ الكبار، الأقرانُ الذين شكّلوا فريقاً لجَلْدِ عُميرة في ملعب الزيتون .
كانوا يتكهربون عندما تزورني رفيقة حاملةً وردةً ومشروعَ قبلة.
وعندما علموا أن أبي لا يضربني ظهرَ كلّ يومٍ وصباحَ كلّ مساءٍ ماتوا من الدهشة.
سرقتُ عشر ليرات ثمن القهوة وحملتُ قصائدي إلى المقهى ليراها الدكتور.
سألني:
ـ كيف " الفسيسة " معك ؟.
لم أفهمْ
فهمتْ
أستحيتْ.
أسيرُ من حيّ "علي الجمال" إلى "الشيخ ضاهر" لأسمع كلاماً بذيئاً.
استغربتْ.
لمْ أدفعْ ثمنَ القهوة وعدتُ بالبوسطة .
ذهبتُ لزيارة أبو مكسيم
أعطاني "نضال الشعب" و"ما العمل؟
لعنتُ الشعبَ ونضاله وثلاثةَ آباءٍ مكسيم ورحتُ ركضاً إلى الشيخ ضاهر لأرى الدكتور وشكّلنا فريقاً هامّا.

السفر إلى قبر

شرير لأنك سكبت البكاردي في الأكواريوم
ـ وتفاجئت ـ دون ريب
لرؤية الأسماك الذهبية
مقلوبة على ظهرها
ولم تدفع بخشيشا للنادل .

لكنك مثلي حقا
تضع كريما واقيا
وتنزع علامة made in china عن الملابس
وتطعن أي أحد
يمازحك في العتمة.
مثلي
جذل
لأن كاميرا HSBC صورت ميتسوبيشي بيضاء
وحانق لأنها لم تفعل غير ذلك.
تكره العمال المياومين والفيزا كارد
والصعود بجبالات الإسمنت في الرابعة صباحا
لبناء دور خامس
أو مئذنة بجبة خضراء لامعة
والآذان الطويل جدا وبعد الآذان الطويل جدا
وتجدّف بكثرة
ولا تستقيم .
أنا من الأشرار أيضا
هل نسيت ؟
قد تنسى نصف علبة تبغ أو ولاعة على مقعد في ساحل
مفاتيح سيارتك
كوبك المفضل
عيد ميلاد زوجتك
عيد الإستقلال اذا كان حسنا أن تفعل
لكن هل ينسى شرير مثلي ؟.
الشرير أيضا نعمة
أعني يعود ليقتل آخر مشهد في السيناريو .
خرجنا من الكونتينر خفية عن المشرقين
وجلسنا رأسا إلى رأس
وأنزلنا أقداما حانقة تحفي أشجار السرو الوقحة
لكن قبل أن تنزلنا العصافير رغما
عملنا شرا حقا
وعملناه طويلا على سيارات BMW
وأنتهينا معا
كأننا على موعد .
أتمنى داء الثعلبة لكل ذي شعر كثيف
أتمنى إنحلال الصواميل في كل سكة تفضي إلى دمشق
أتمنى فيروس يمحي كل ما له علاقة بالغناء الحديث
أتمنى ذلك
أتمناه حقا.
أتمنى أن أعرف شريرا حقيقيا في المرفأ
ثم يسافر الجميع إلى قبرص .

تلك الحياة

لا أحب
KFC
ولا أعرف
dite pepsi
لكني أعرف منذر مصري
وهذا كاف لأضاجع كأي أميركي
وأتجول عاريا في الغرف كما يفعلون.
أستطيع إثبات ذلك دوما
كأن كنت في غائب
ونحوت نحوا جميلا
ورآني الذين ضربوا صفحا عن الدهر
وسألوني إن كنت أملك شيئا ضد هذا الزمان
وأجبت بـ:
NO
وترمد رعبهم في الهواء
الذين عرفوا كم بطاقات البيسبول التي أحوي
ثم جاءت مقربات
وأطباء ثملون من رائحة المطهرات القوية
وهمهموا شيئا ما
فهمت منه قداديسا وشموع
وسمع الرب تكاسلهم نحوي
فبارك
وشكرت.

ماذا كنت أثبت بطرائفي عن العالم
وعن الحياة في منشأة لصنع البراغي والصواميل
آه
نعم
أخترت الغرفة الوحيدة في الموتيل التي ببابين ونافذة وحمام يحوي ماءا ساخنا
وشمعة لأثبت أني منشغل في هذه اللحظة
ثم صنعت ما أستطعت من قذارة
ولم أكتب قصيدة ما
لأوقّع تحتها ـ الجادة الخامسة ـ بروكلن مثلا
ولم أرسم لوحات يتداخل فيها القماش مع الرمل
كتبت رسائل فقط
وكتبت أني مشتاق
ولم أكن حقا مشتاقا
وفهم خطري الذين كانوا يتدافعون تحت المبنيين
وصنعت هذا على طاولة بيضاء في المطبخ
وأطلت أظفر خنصري الأيسر
لأقول شيئا لم أعد أذكر ماذا يعني معناه ؟.

آه
لقد بكيت لأجلها
كما لم أفعل من قبل
كما لم يفعل أحد أعرفه
بكيت بحرقة واستسلام
تلك الحياة التي خسرتها لأني لم أكن أمريكيا
ولم أذهب أبدا إلى نيويورك.

لقمان ديركي

من مواليد الدرباسية شمال سورية، عام 1966.
بدأ الدراسة في كليات مختلفة ولم يكمل.
ساهم في تأسيس مجلة: ألف، 1990.
عمل مخرجاً وكاتباً وممثلاً في المسرح والسينما والتلفزيون.
صدر له:

ضيوف يثيرون الغبار، شعر، 1994.
كما لو أنك ميت، شعر، 1998.
وحوش العاطفة، شعر، 2000.
الأب الضال، شعر، 2003.
شخوص الممالك الزائلة، شعر، 2006.
من سيرة الهر المنزلي، قصص، 2006.
قصائد

امنحيني بعض الوقت
إذا كنتِ ستمضين
بعض الوقت
كي ألمّ أوراقي كلها من حياتكِ
كي أعرف الفرق بين ألم الخيبة وألم الحب.
بعض الوقت
لأتذكر أصدقائي الذين نسيتهم وأنا معكِ
أو لأردَّ على رسالة منسية على طاولتي
لأعرف إذا كنتُ سأبقى وحيداً حقاً
وفي أي مكان.
بعض الوقت
كي أعرف الوقت الذي أحببتكِ فيه
والذي كرهتكِ فيه
والذي بلا مشاعر.
بعض الوقت
كي تكون النهاية حاسمة
لا يخالطها الألم عند ارتياد مكانٍ كنا فيه معاً
ذات يوم
أو عند اللقاء بصديق مشترك
عند صورةٍ لوجهكِ على كتفي
أو قطعة من زينتكِ منسية في حقيبتي
وأخرجي بعدها من حياتي
كما دخلتها
بعناد وإصرار
ولكن امنحيني بعض الوقت
لأجد مشجباً واحداً
أعلق عليه ثيابي آخر الليل
دون أن أشمَّ فيه رائحة ثيابكِ.

2

أربعون ألف متفرج
يشجعون الفريق الأحمر
وأنا وحدي أشجع فريقي الأخضر
أربعون ألفاً
يشهقون ويصرخون ويزمجرون
عند كل كرة ترتطم بعارضة مرمى فريقي
أو يلتقطها الحارس
عند كل فرصة لهدف أو هجمة خاطفة
وأنا وحدي لا أستطيع القفز
عند كل كرة خطرة لنا
ولا أستطيع أن أصفق
لهجمة حلوة أنجزها فريقي
ثم يحرز فريقي هدفاً
فلا أقفز ولا أصرخ خوفاً منهم
ونحرز هدفاً ثانياً
فلا أفعل
لأنهم أربعون ألفاً
يستطيعون سحقي لحظة غضب
ثم تنتهي المباراة
فيخرج الأربعون ألفاً مزمجرين
وهم يشتمون كل شيء
ويرفسون حجارة الطريق
بينما أبكي أنا
فيربتون على كتفي
وهم يعتقدون بأنني
أشدهم إخلاصاً لفريقهم الخاسر.
3

تطلب قلماً من أحد
ولا تطلب ورقة
أكتب على كفك
على وجه صديقتك
على الجدار
على بنطال امرأة بجانبك
أكتب على أي شيء
كأنما الصينيون لم يخترعوا الورق.

4

لم تعد هناك فائدة
ترجى من هذا القلب
فهو لم يعد يشعر بالحزن
ولا بالفرح
لم يعد يدق بقوة
من أجل حب مفاجئ
ولم يعد يخمد وينطفئ
عند كل خيبة
لا فائدة ترجى من هذا القلب
سوى أن يضخُ الدماء
إلى هذا الجسد البائس
الذي لا يريد أن يعيش.

5

نفسي
من أرى في المرآة
وإذا وقعتُ من طابقٍ عالٍ
لن يخاف علي أحدٌ
سواي
وإذا سقطتُ فلن يلتقطني
سواي
وإذا ملتُ ستسندني نفسي
وإذا بكيتُ ستمسحُ نفسي دموعي
ولن يبكي ـ علي بعد ذلك ـ
سوايْ
لأنني إذا دخلتُ في سباقٍ
لن أتمنى أن يسبقني أحد
سواي
وإذا خسرتُ أمام نفسي فلن يربت على كتفي
سوايْ
وإذا سكرتُ لن يوصلني أحدٌ إلى البيت
سواي
ولن ينام بجانبي أحدٌ
سواي
ما من أحد أدخل الدفء إلي
سواي
وما من أحد قال لي كلمة حب واحدة
سواي
لأنني إذا متّ لن يبكي أحد علي
سواي
وإذا أردت الموت فلن يقتلني
ســــواي.

_________________


حسن بلم
♪♫.. الادارة..♫♪
hassanbalam
رسالة sms : سيرى ببطئ ياحياة
لكى أراك بكامل النقصان حولى
كم نسيتك فى خضمك
باحثا عنى وعنك
وكلما أدركت سرا منك
قلت بقسوة
مأجهلك!!!!
ذكر
عدد المساهمات : 10441
الاٍقامة : وراء الأفق حيث لاشئ سواى وحبيبتى
العمل : مهندس
نوسا البحر :
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
2016-03-23, 5:56 pm
هنادي زرقة

ن مواليد اللاذقية، عام 1974.
بكالوريوس هندسة زراعية من جامعة اللاذقية 1998.
تعمل موظفة في مدينة اللاذقية.
صدر لها:

على غفلة من يديك، شعر،2001.
إعادة الفوضى إلى مكانها، شعر، 2006.
hanadizarka@yahoo.com

مدن ضائعة

بقرطٍ صغير
في أذني
وبدعوات أمي
خرجتُ من القرية
وعند باب المدينة
أضعتُ القرط
هززتُ جذع السماء
تساقطتْ
دعوات أمي
ومطر
غسل رائحة القشّ والتراب
من عيني.

فتاةٌ خائبة
فتاةٌ لاهثة
فتاةٌ جميلة
متى أحبّوني
انتبهتُ.

لم أنتبه
أفلستُ
ضاعت دفاتري القديمة
عشب يطلع من راحة يدها.

لم يكن قلقاً
ما يحرّك الأشكال
في سكونها
لم يكن ظلّاً
ولا زغباً
كان وقتاً
يسرح تحت السرير
وعشباً
ينبت
في راحة اليد.

إرث

كم أشبه بيت أمي
كلما غضب أحدهم
كسر زجاج نافذة
أو خلع باب.

هكذا يغادرون
أتلمّسُ ضلعاً مكسورة
أو جرحاً في زاوية العين.

حين
أقتسم إخوتي الإرث
قالوا:
هذا البيت لكِ
أعيدي إصلاحه كما تشائين.

اللاذقية

كانت مستعدةً
للقيام بأيِّ شيء
كأن تخترع طقساً جميلاً
مقاه
مواعيدَ
و
عشاقا
أو
أن تدَّخر حزناً
ومطراً خفيفاً
يليق بتسكِّعِنا.

وحيناً
وكأنه واجب عليها
أن تدرّب هواءها على أنوفنا
أن تمدَّ أرصفةً لأحذيتنا.

كان على أشجارها أن تحتمل
زفيرَنا
ورغبتنا
في حرق كلِّ ما هو
أخضر وحيّ.

كلُّ ذلك
لم يمنعنا
من مغادرتها
في
أول
حافلة.

عثرات

لم تتعلم أبداً
كلما أحبت رجلاً
تعثّرت.

لن تتعلّم أبداً
كلما تعثّرت
أحبت رجلاً.

الأوراق

نفضُّ بكارتها
ولا ندري
أهو الألم
الذي يجعلها
تمزّق صمتها
أوراق
تتبعثر حولنا
تميل علينا
لا نسألها
كم
كنَّا باردين
ويائسين
حين ولجنا
بياضها الصاخب.

صور قديمة
صغارٌ
يمسحون النوم
عن دمهم
يتسلّون بحرق قشِّ الذاكرة
في أيام جديدة,
فتطالعهم صور قديمة من الجدار
لهم الآتي من الزهر
لهم
ما ليس لنا
لهم
أن يكتبوا
ويمحوا
ما يشاؤون.
لهم البياض كلّه.
صلب
غزلت خيطًا
وتسلقت إلى السماء
وحدي
صدى لأيامي البعيدة
أتردد ظلاً لأصواتهم
صورتي تعبث بألوانها
أصرخ:
اتَّسعي
أيتها المدينة
اتَّسعي
خياناتي مدى
أريد شوارع أخرى
تستقبل قدمي
إستقبال الفاتح
و"المركب النشوان".

محمّد سَيدة

من مواليد اللاذقية، عام 1941.
توفي عام 2003.
بعد دراسة عدة صفوف ابتدائية، حال وضعه الإجتماعي من حصوله على أي درجة تعليم. عمل في محطة كهرباء اللاذقية حتى تقاعده.
صدر له:

أنذرتك بحمامة بيضاء، شعر بالإشتراك مع مرام مصري ومنذر مصري، 1984.
إذا كنت وردة حمراء، شعر، 2001.
سيف الكلمة الطيبة

لهفتي عليكِ
تاريخُ شاعرٍ صعد الحلبة
ونازل الهواء
بسيف الكلمة الطيبة .

انتظرتُ مجيئكِ في محطات الشتاء الباردة
على ساعدكِ معطف سميك
وخلفكِ حجرة نومٍ
يسيركِ إلَي
وَجهي الشاحب
وقلبي الذي قرع كل باب
وسألَ عنكِ .

على مرمى لفتة صغيرة

على مرمى لفتة صغيرة من نظري
تنمو وردة
غلفها الجمال بوشاحٍ من عبير
منسوجٍ بخيط من حريرٍ وخيطٍ من ذهب
في مزبلة تؤمُّها كلاب الصيد المبتذلة
بلا حساب .

قضيت أنا الذي كنتً أستطيع
بفركة مصباحٍ مسحور
أن أبني لها سلماً
بين
أناملي
و
أنفاسي
فصلاً من الإعياء الكامل
أكشُّ الذباب عن وجهها .

لكنها وقفت على جلد إنسانيتي
كبعوضة
كششتها آسفاً
لأحطِّمً غرورها .

الثوب الجديد

بالأمس فقط
رأيت رؤيةً واضحة
لم تحرق الهواجس المحمومة أطرافها
بأنه يتوجب علي أن أرتدي
الدرع فوق الدرع
وأن أسنًّ السيف تلو السيف
لأحاور القدر باللهجة الوحيدة
التي بات يفهمها .

سلسلة من الجبال

حين رأوك متلبسةً بحرير النوم
قربي
وتفيضين حناناً وبياضاً وقوَّة
رجموكِ بسلسلةٍ من الجبال
وهربوا .

أزهار من حجر

ماذا حين عرَّجَ بساقه المكسورة
كلَّ الفواصل السوداء
تقرَّباً منكِ
رأيت
أزهاره من حجر
وابتسامته
غابةً خرجت لتوِّها من الحريق .

عسى في خضم هذا الليل

إذا كنتِ
ستحترقين مثل شمعة
فسأحترقُ لأجلك
مثل غابة .

سأنفجرُ مدوياً
ككوكبٍ هائل
عسى
في خضم هذا الليل الطويل
أن تعرفي مكاني .

فمك المقفل كبرعم

أعرِفُ أعرفُ
بأن فمكِ مقفلٌ
كالبرعم الصلب
في وجه قبلتي
وأن جميع أمنياتك لي
بالدفء
لن تحول بلا موتي
من البرد
بدونك.

أعلى أبراج شفتي

في ليلة العيد
رفعت إسمك الراية
فوق رنين الأجراس
وإمتداد القبلات
وفوق غربة سفن تصفِّر في الميناء
وأعلى برج من أبراج شفتي.
لا تمطري فوق البحر
لا تمطري فوق الصخر
بل أمطري بكلِّ ما لديك
من سحب رائعة
على جسدي
وعسى أن ينبت بنا طفل
يرث مشاعري وجمالك.
لو لم أبدِّد بلا طائل أجنحتي
لوضعت شعرك في أصفى
هالات الليل أمانة
حتى لا يتصدع يومًا باللون الأبيض.

محمود السيد

من مواليد مصياف بحماة، عام 1935.
تلقى تعليمه في مصياف، وعمل في الصحافة والحقل الفني الصحفي.
صدر له:

مركبة الرّغوة، شعر، 1964.
مزامير ديك الجن، شعر، 1979.
مونادا دمشق، شعر، 1979.
تتويج العشب، شعر، 1998 .
سهر الورد، شعر، 1989 .
سهر الورد

تجليات السهروردي في الورد والدم

(مقطع )

تعال
أخرج من دمك
من وجع جسدك
وأدخلني
أنا العاشقة الوردة
أنا ديك لتمتلئ في نسغي.

هكذا
كما البنفسج يمتلئ بالصمت
هكذا
كما الصمت يمتلئ بالضوء
آه
ما أبلغه الصمت يسهر في الورد
فيقوض الخطابة والكلام
ما أبلغه الصمت يسهر في العشق
مبتدئا تلاوة النهار.

أنهرْ جسدي لئلا يغويك الضجيج
ثم أقرأني في الغضارة
تعلمني في الانخطاف
سلّم نفسك للورد
فيحفظ دمك الورد
لا تخف الظمأ فيحتلك الرمل
لا تخف الجوع فيبتليك الخنوع
لا تخف القتل فيذلك القاتل
وأعط جسدك للماء
يشربك الماء
فيتدفق
ماحيا صحارى العطش
أعط جسدك للتربة
تحتويك التربة
فتنطق الأشجار لغة ثمارك.
أعط جسدك للنار
فتبشر النار بزمن يدخل فيه الفقراء الفرح
أعط جسدك للوردة
فأناديك حبيبي
أستيقظ فيك
وأعلن على الملأ حضوري في حضورك
نخرج من الكلام
والفرار
من الأبهة
والإطمئنان
ونبتدئ اللغة غفي الصمت
نبتدئ الحياة بالموت.

في البذرة تتقدمني بدمك
في المطر أتقدمك بدمي
تحبني
وأحبك
ولا كلام يشوش الوله بيني وبينك
لا كلام يشوه دهشة جسدينا
وفي التألق جسدانا
لا في الدم.

عاليا يرتفع بنا الزنبق الجبلي
عاليا نرتفع بالسنابل
ونركض في الأطفال رحابة
لا حدود لتجليات
المسرة فيها
تقول:
يا حبيبتي
فأنتقل من اللوز إلى طعم اللوز
أنتقل من الورد إلى عبق الورد
فتسهر بي
يا سهر الورد على وجع النهار
يا سهر النهار على العاشقة المحاصرة
بكمائن الجند
ويا قاتلا أسماؤه لا تحصى في الإفتراس
أنذرك بميلاد الصباح من الجرح
العشاق من الفواجع
أنذرك بميلاد السوسن من البكاء
والورد من الدم.
﴿مرة واحدة يموت الجسد
وليس مرة واحدة
ينبت الدم.
يسري فيتوحد بالجذور.
وفي الجذور يتعلم لغة الصمت
فلا يمله الكلام
يتعلم لغة الفعل
فلا يمله الصمت﴾
الدم
ينبت
في العشب
وتسلكه البراعم
به يخرج الماء على الماء
ليسكن التغير والتحول
ولا تسكنه المرايا
والطواويس
لا وقت لديه للضجر
لا وقت للراحة
لأنه دائما في الفصول
في لهفة من لم يصل
لأنه دائما في الينبوع
في لذة من يعطي
ولا ينقص
من يأخذ
ولا يزيد
لأنه دائما يهاجر من ذاته محتشدا
وينبثق في الآخرين متفردا
لأنه دائما في الشوق
ويخاف على شوقه من دهشة الوصول.

تعال
دمك الطريق إلى الورد
وآن تتجه تتبرأ من نفسك
فيسقط عنك الظمأ
كل الظمأ
آن تتقدم تحتضنك العناقيد
يتصل جرحك بجرحي
فلا تتعثر
آن تتقدم يحتشد الليل ليصدك عن التقدم
لا تخف
ما أن تبدأ حتى يخرج نور منك
يخافه الليل
وعسكر الليل.

تعال
قبلما تستبيك الغواية
وفاجئني بك في النداوة تحت الشفة
وعلى اتساع التأهب في الجسد
فاجئني بأنك خارج الكلام
خارج الصمت
لأعرف
فيك
عاشقي
فاجئني بأن إشتياقك أعظم من أن يبرده جسدي
فاجئني بأن جسدي بين يديك يتحرر كما في الحلم
فاجئني بدمك في الورد
فأتعلم كيف بالورد تقوم لإستشهاد آخر وآخر؟
وكيف بالشهادة يحتفل العشق ؟.

أبشرك بي
فتبكي من فرح بالولادة
تبشرني بك
فأشتهر اشتهاء يليق بجسدك المتحرر
من الجسد
يتنفسك دمي
فتبتكرني القبل
شاسعة
تحتفي بشساعتي الأيائل
عالية تتسلقني العصافير
يتنفسني دمك
فأنتقل إليك
ما أجلّني
وأنا أبزغ فيك بالجنون
مبتدئة فيك النار والنهار
مبتدئة الماء والفصول

أقول لك:
من لا يسهر في الورد
يسهر في الرماد
وليس في الرماد غير كلام
والكلام من اللغة
مثل الرماد من الجمر.
أقول لك :
قبلك كنت في الرماد
كيف ضللوني فما عرفتك قبل الآن ؟
كيف أكلوا خبزي، وأوهموني بالشبع ؟
كيف تناهشوا لحمي، وأتخموني بالغبار؟
كيف قصفوا أجنحتي ؟
كيف فصلوا بيني وبين دمي ؟
بين دمي وبين الورد
بين الورد وبين العبق
بين العبق وبين الضوء ؟
فهبط ليل ثقيل
انهزمت منه اللغة
وساد الكلام.

كيف ؟
أقول لك :
قبلك كنت في الكلام، فيك أستعيد اللغة.
/ في اللغة الجسد خارج الجسد/
في اللغة أتوحد بك
بأقنوم النهار
ضد أقاليم الليل
هل تعرفني الآن ؟
أنا الآن لست أنا إلا بك
عارية بلا خجل
أطوق جسدك بالإشتهاء
هذا الضيق جسدي
كم هو رحب ولهاثك يستحم فيه
ألا فلتجهر بأني رحابة اشتهائك
ألا فلتجهر بأنك رحابة اشتهائي
وقبلني تستعد اللغة بكارتها
يسقط الكلام
وفحش الاحتشام.

سنية صالح

من مواليد مصياف، عام 1935.
توفيت عام 1986.
درست الأدب الأنكليزي في جامعة دمشق.
صدر لها:

الزمان الضيق، شعر، 1964.
حبر الإعدام، شعر، 1970.
قصائد، شعر، 1980.
غبار، شعر، 1982.
ذكر الورد، شعر، صدر بعد وفاتها، 1988.
صدرت أعمالها الكاملة في دمشق،2007.
البحيرات المدانة

البحيرات المدانة
تتدلى في فراغ الخريطة
كالخرز الأفريقي
تتأرجح بين الرياح العدوة
والصديقة.
يا ابنتيّ
أيتها المتعددات
يا حارسات البحر الصغيرات
هل ترقبان وجبة البحر المثلى ؟
عشاءه الرباني ؟
أيتها الصغيرتان المتعددتان
فوق الجسور المقشعرة
النمش المنتشر على الأنف وفوق الوجنتين
والقبلات الصغيرة تجعلني
حزينة كأبراج الكنائس.
كنت أنشئكن في سريركن البدوي
والعالم يقذف بمائه للمجهول
والقلب عاصمة للعنف
والطوفان يقضم الركب .

عصيّ الكلام

أضغط الجلد والعظم
لأخبئ العميق من نفسي
لكنه يفلت عنوة ويسير تحت مصابيح المطابع
وها حصانه يجمح
داخلا مغاسل التاريخ
وغرف السعال
مارقا تحت زهرة النضج العالية
أو من الأبواب السفلى لمدن مضت
دافعا أمامه بشرا يهبطون جوفي كالحجارة.
النافذة شاسعة بيننا
سوف تغص بعيون تقرص
وشفاه نافرة كالإبر
وسوف يترنح رأسي تحت عصي الكلام
وليس في يدي سوى ورود ابنتي
أهشهم بها.
أرى أسنانا حادة، ليست رماح الحروب أمضى
ومخالب تلتقطني من الأعماق
وليس غيرك ما يحميني أيتها الورود.

أين بهلوان النوم

كنت جبلا وصرت مرتفعا صغيرا
يطأه الجميع.
أفسدتنا الجراثيم وغدر بنا الهواء
وهربت النار الجميلة
ولم يبق لنا غير الرماد
وحفنة من بثور الرومانسية.
فأين بهلوان النوم ؟
سكين الفراق في القلب
ويانسون الغفلة يحشر في الفم
وأنت ترقص جميع الروائع من بعيد
حتى فقدت صواب الهزيمة.
أصغ إليّ
وأنت واقف على شفتي
لقد أفسدْنا الليل
وأعلنا الحرب على الصباح
أصغ جيدا لأخبرك
كيف تتسلق سوط الجلاد
لكن حذار أن تسأل:
من أنا ؟.

الطوفان

إنك من الزرنيخ يا سيدي
أفتح فمي كل صباح وأبتلع جزءا منك
ولم تنته.
قلت سيأتي يوم أتوحش فيه
وأفترسك ثم أستريح .

جميع أدوية العالم لن تمنحني
تلك الفرصة
لا أشنة البحار
ولا بخور الأولياء
وأديان العالم ؟.
هل نسيت حقا ؟
نسيت بغالك وسياطك
نسيت ذلك المسلخ العظيم
التاريخ
الذي يقال له شرفاتي
قرأت مجدك
وبالسياط ردت الصفحات
أطعمت كنوزك لحمي وعظمي
فلم تشبع.
وليلي ليل
ومصابيحي عجفاء
قلت:
أنهب الزيوت المقدسة
علها تعيد أبصارنا
لكنك امتطيت جوادك وطرت على الصحراء.

شجر يمشي في النوم

أيها الليل
تعبر فوق أنفاس المطابع
ولا تقتلع ذلك التاريخ الكسيح
قدمي المرتعشة هي التي تنتمي إليّ
لا أشجار الكتب العالية
سفينة من الغيم
يتبعها صراخ الحجر
تخترق الأنسجة في حرب خرافية
لا ظلام في العيون
لا خداع
كل شيء يتعرى
أزرق
أزرق هو التاريخ
ماؤه بارد
وشجره لا يزال يمشي في النوم
فم الأشجار وحده يغني في المعركة
انتهى عهد الفؤوس وصارت الحرب خرافة
ذات عيون فارغة وفم حازم
تصعد إلي الرفوف
وتهبط في دبيب النمل
لم يعد من صراخ في المدن والممالك
الفم المتذمر انتزع من الوجه
والشجر المنقرض يحني رأسه
ويختلس النظر
إلى تلك الطلقات الصغيرة من الزبد
ابتهاجا بعرس تاريخ كثيف.

رامبو الألف وبودلير العشرون

كان الشعراء يفكرون في الثلوج
على قمم كلمنجارو
في الرياح على ضفاف البحيرات
يحلمون بالأميرات النائمات مع قيثارتهن
تحت أشجار الأضاليا
أيها الشعراء
يا سائسي أعمارنا
النار الأولى تمنح من جديد
لأليات العصر ومواقده،
الكشف البدائي
رامبو الألف وبودلير العشرون
جميعهم يجرون في دمائنا
ونهجم في اتجاهات العالم كلها
جموعا تنهش وتفترس
وتستعيد الجوع الخرافي .

2

مساء الخير أيتها الحزينة
وحدك في الليل ومتعددة في النهار
تظهرين بشكلك الهندسي
يغطيك ِرماد الوحدة
أرقبك من نافذة المنفى
كي لا نفقد مجاذيفنا في الظلام
أعود إلى عصورك الأولى:
قلبي
شعري
وأحلامي
لا أجرؤ على عصيانها.

3

كان نشاط الحصادين في أوجه
في حركتهم اللائبة تحت شجر الخطيئة
والريح ترفعهم شيئا
فشيئا
يضمون رؤوسهم
يهمسون
أو
يصلون
يلوحون بأذرعهم في الفضاء
ثم يقذفونه للريح ؟
يكررون الحركة الباطلة
والريح ترفعهم
كي يقبضوا لها على الغيوم
أو ليغيبوا فيها
يا لذلك الحصاد !
بعيدا مضوا
أخذوا ظلالهم
ومضوا
تركوا حصادهم
ومضوا.

ثمة انقسامات كثيرة بين صفوف الغيم
الغيمة الواحدة تتناثر
فيخرج فراخها
ناقلين خبز الخريف إلى موائد الشتاء
أيها الخريف الزاني
هيا ندفن الحصاد الذي أهمل
هيا نجذب الذاكرة المجهولة
لتنساب خيوط العالم تخيط الجزر المشردة
لتصير القارة الوهمية
أو الوطن الآخر.

4

أيها المقنّعون بكل ما نحب
ونكره
لم لا تصغون إلي ؟
لساني الثقيل سيذهلكم
إذا ما أنطلق مرة واحدة
أيها الغامضون إذا مسستكم بسيفي
شطرت لسانكم إلى ألف
كل شطر يناقض الآخر.
أصغيت إلى الأعراب والخراسانيين
وبقيت أصغي
حتى تساقطت أذناي في حسابات الطرق
والمسافات
ولسعتني الهزيمة.

5

لو أن الكارثة تنشطر
وينبت عليها الشجر والعشب الجميل
لو أن الملائكة تخرج من الحجار
والأحباء من شفرة الفأس
لو تجري أعظم الأنهار فوق راحتي
لو يرتوي هذا الظمأ.

6

امتطت الآلهة جياد البوتاسيوم
المطهمة
وعندما توقفت على حافة نافذتي
دهشتُ
فجأة انفرط جسدي إلى نمل صغير
وأخذ من الرهبة يقرض بعضه البعض
ولما انتهى من كل شيء
أكملت الآلهة تجوالها الملكي.

7

خريف مبدع لكنه يدمر أنثاه
وعندما يستريح رأسه
يشرب من كأس أنوثتي
كأس من خريف المعدن
من غموض اللغة والشعر
كيف يشعل حروبه
وأنثاه تكنز ذلك المطر ؟.

8

نحن والذئاب ننام
ومثلها نموت
يا لهذه الشراكة! .

9

كيف تجيء النهايات ؟
كيف ينتهي الصباح ؟
كيف تنتهي الموسيقى ؟
كيف أصنع رأسا من تلك الصخرة التي
تعتلي منكبي ؟
كيف أروي تلك المساحات الشاسعة من الرمال
وأنا لا أملك إلا قطرة دم واحدة
منحني إياها جمع غفير من الأجداد
وأخبروني أنها سري
فانتابني نوع من الحيرة
كيف أدخلها جسدي ؟
لا لضيق المكان
وقلة الشرايين
بل لأنني لم أعتد على الوجود بعد.

رماد الحضارات

هكذا كان
في غمرة الأفراح الزائلة
والآلام الصاعدة
تحت ورق الخريف الذهبي
يعتلي المنصة كالضواري
ليتخلَّص من إنتمائه إلى تلك الأجيال
وذلك الوطن
إلى المرأة التي يحب
المرأة التي جعلتْه يجري وراء الخلود
بقدمين زجاجيتين
أصر أنه سيقول كلَّ شيء
فروعة الحزن أن يقال الآن
أن يُهدَر أول المعركة.

البحيرة

لأنه حزين
أرتدى الأجراس الملونة
قناعًا للفرح
أوثق نوادره على طرف لسانه
كي لا تخونه في اللحظة المناسبة
وسار بخفَّيه المرصعين
وحيدًا كالليل
ولا نجوم بانتظاره
سوى عينيَّ.
أيها الطائر المحلِّق عبر الآفاق
تذكَّر أن الرصاص في كلِّ مكان
تذكَّرني
أنا المسافرة الأبدية
طوال حياتي أغذ السير
وما تجاوزت حدود قبري.

خليل صويلح

من مواليد مدينة الحسكة، عام 1959.
يعمل في صحيفة: تشرين.
صدر له:

افتتاحيات، شعر، 1982.
هكذا كان المشهد، شعر، 1986.
اقتفاء الأثر، شعر،2001.
الفوضى إلى مكانها، شعر، 2006.
دع عنك لومي، رواية، 2007 .
khalil.s@scs-net.org

أكثر من غياب

أشياء كثيرة
لم تتغير في غيابك
فقط
ذلك الأصيص في الشرفة
نهض بأصابعه الخضراء
متلمساً
رائحة
أناملك.

حمّى الأرياف

سلالة منقرضة
بقايا بدو ُرحّل
استقروا أخيراً على كتف النهر
ولم يهنأ لهم بال
حتى قطعوا كل أشجار الصفصاف
سلالة ولدت في العراء
وتستحي من الشمس
أن تفضح رائحة الجسد والشهوة
لكنني ما أزال هناك
مصاباً بحمّى الأرياف
ورائحة البعر تملأ "خشمي"
أتذكر أصدقائي
لم يتخلصوا من عاداتهم القديمة
في مطاردة الحمير والأرامل
وبطح الفلاحات في سواقي القطن
أنفضُ الغبارعن محفظة القرآن
وأتمتمُ بصعوبة مفردات الفاتحة
أغفو في الظهيرة
ومذاق التمر في فمي.

أرجوحة

أرجوحة مهملة
تعبث بحبالها التذكارات السعيدة
بلاد ومساءات كالقرفة
تتأرجح شمال الشمال
وجنوب الجنوب
صامتة ككتاب في يد الموتى
غائمة كطقس أواخر أيلول
وأنتِ
زهرة الدفلى
في الشارع المجاور
أو في مزهرية قرب السرير الحزين
سريري
أنا العليلُ
العليل
بأمراض لا أسماء لها
مثل آفة الحب الأولى
وغموض عباد الشمس
وانتحار البجع.

تشكيل

رسامو الطبيعة الصامتة
عندما يرسمون زهرة
أو تفاحة
أو عنقود عنب
إنما يرسمون امرأة عارية.
................................
حسناً
فليكن:
الأحمر لون الشهوة
والأزرق لون السماء
لكنني عبثاً
أفتشُ
عن امرأة برونزية
فوق عشب بنفسجي
مائلُ إلى الموت.
................................
حتى الذين يرسمون بيوتاً قديمة
بنوافذ مغلقة
وشرفات مائلة
لا بد أن يتركوا آثار امرأة ما
في نهاية الزقاق.
................................
أعشقهن بجنون
ببرواز مذهّب أو في صفحة كتاب
نساء عصر النهضة بصدورهن العامرة
نساء بيكاسو النحيلات
نساء ماتيس مستلقيات على العشب
نساء غوغان التاهيتيات
نساء نذير نبعة بالأطواق والخرز
نساء جياكوميتي بأعناقهن الطويلة
أعشقهن بجنون
لأنك تشبهينهن جميعاً
بضربة فرشاة واحدة
من عينيك.

قاموس الرعاة

في وصف النساء
غالباً ما أقول:
هذه مهرة
وتلك غزالة
وتلك عنزة

عبثاً
أحاول تشذيب لساني
من قاموس الرعاة.

أعمى

أعمى بلا عكاز
يجوس وهادك الغامضة
وخيزران جبالك
يعوي مثل ذئب
في كهوف اللذة
راغباً أن يقع في حفرة
دون أن يغيثه أحد.

شؤون المرأة الصغيرة

تغادر المرأة الصغيرة
إلى شؤونها على عجل
تاركة رائحة تشبه القرفة في أصابعي
رائحة أحسها عند سياج مجاور
في صباح مبكر
أو حين أندسّ
في وحشة السرير.

تخاف المرأة الصغيرة
على قلبي من العزلة
توصيني أن أنتبه لنفسي
من الأشرار
وأنا أخاف الموت
بعيدا عن المرأة الصغيرة.

ثلاثة شتاءات
وأنا أعشق المرأة الصغيرة
أكتب لها الرسائل والقبلات
وآلام الليل
ثلاث شتاءات
المرأة الصغيرة
وأنا ذهبنا في نزهات كثيرة
هي مزقت حذاءها العسلي
وأنا اهترأ سروالي
من انتظارها في الحدائق.

رياض الصالح حسين

ن مواليد درعا، عام 1954.
توفي، عام 1982.
تلقى تعليمه في درعا.
تنقل في أعمال مختلفة في حلب، ثم ذهب إلى دمشق حيث أشتغل كموظف وعامل وصحفي.
كان مصابا بالصم والبكم ولم يكمل دراسته.
صدر له:

خراب الدورة الدموية، شعر، 1979.
أساطير يومية، شعر، 1980.
بسيط كالماء واضح كطلقة مسدس، شعر، 1982 .
وعل في الغابة، شعر، 1982.
دخان

كئيبا ومنفتحا كالبحر
أقف لأحدثكم عن البحر
مستاء وحزينا من الدنيا
أقف لأحدثكم عن الدنيا
متماسكا
وصلبا
ومستمرا كالنهر
أقف لأحدثكم عن النهر
وعندما يصبح للنافذة عينان تريان يأسي
وللجدران أصابع تتحسس أضلاعي
وللأبواب ألسنة تتكلم عني
وعندما يصبح للماء طعم الماء
وللهواء نكهة الهواء
وللحبر الأسود هذا رائحة الحبر
وعندما تهيئ المطابع الأناشيد للقراء بدلا من الحبوب المنومة
وتهيئ الحقول القمح بدلا من الأفيون
وتهيئ المصانع القمصان بدلا من القنابل
سأقف أيضا
سأقف لأحدثكم عني
لأحدثكم عن الحب الذي يغتال المراثي
عن المراثي التي كانت تفتح دفترها الملكي
لتسجل أسماءكم في قائمة القتلى
عن القتلى المتشبثين بالضماد والميكروكروم
الذي لم يأت
وسأقف أيضا
سأقف لأحدثكم عني
مثلما يتحدث الديكتاتور عن سجونه
والمليونير عن ملايينه
والطفل عن أمه
واللص عن مفاتيحه
والعالم عن حكامه
سأحدثكم بحب
بحب
بحب
بعد أن أشعل سيجارة.

اثنان

كانا اثنين
يمشيان معا
في الشوارع المهجورة
منه تفوح رائحة التبغ
ومنها تتساقط أوراق الليمون
وعند المنعطف
كنجمتين
سقطا.

كانا اثنين
أحدهما يغني
والآخر يحب الإصغاء
فجأة توقف عن هذا
وتوقفت عن ذاك
عندما انكسر المزمار.

كانا اثنين
أهدته قلما للكتابة
وأهداها حذاء خفيفا للنزهات
بالقلم كتب لها:
وداعا
وبالحذاء الخفيف جاءت لتودعه.

دائما

أنا الهواء في رئتيك
والأزرار في قميصك
أينما كنت ستجدينني
براحتيّ الدافئتين
وقامتي القصيرة
أنتظرك على الرصيف
أنتظرك في العمل
أنتظرك فوق السرير
واثقا بأنك ستأتين
لأنني معك دائما
أخلط أيامك بالقبل
ودمك بالأزهار
أنظر إليك من سمائي كإله
وأرفع يدي طالبا مغفرتك
أنا صرخة الألم في حنجرتك
والأغنية الجميلة التي ترددين
أنظر إليك من البعيد
وأخاف أن ألمسك
وحينما أمسك يدك
لا أستطيع أن أبتعد عنك
حيوانك المدلل أنا
وهوايتك المفضلة
بلادك النائية
ومستقبلك القريب
بقدمي الحافيتين
وقلبي المرتجف
أركض معك في الدروب الوعرة
أنا الغبار من حولك
والعرق الذي يسيل من مسام جلدك
أينما نظرت سترينني
على الطاولة
والكرسي
والمدفأة
في المكتبة
والحمّام
والباص
في الحقول
والمصانع
ومظاهرات الطلبة
أنمو كالأعشاب في شرفتك المشمسة
وأتدلى من سقف غرفتك كالمصباح
بأصابعي العشرة أحتوي وجهك
وبأصابعي العشرة أدفع المتاعب عنك
وبأصابعي العشرة أسندك
إذ توشكين على السقوط
أنا الوردة في شعرك الأسود
والدبوس في عروة سترتك
عندما تنامين
أندس بين أحلامك ولا أنام
أضحك وأبكي وأتألم
وأحارب أعداءك القساة
وفي الصباح
أتدحرج مع الماء على وجهك
وأجففه بشفتي
أنا التفاحة التي قطفتِ
والأرض التي طردتِ إليها
أنا اللوحة التي تزينين بها
جدار حياتك الأسود
والدم الذي يسيل منكِ
حينما يطلقون عليك الرصاص
يناديك النهار فألتفت
تبردين فيرتعش جسدي
بعيني تشاهدين الطيور
وبصوتك أطالب بالحرية
أما عندما تموتين
من الجوع أو الحب
فسأحاول ألا أموت معك
ذلك أن الموتى
بحاجة لمن يذكرهم
ولن يفعل ذلك أحد سواي.

يدك

خمس قارات مغلقة
تنتظر أصابع يدك الخمسة
خمس قارات مفتوحة تنتظرني
عندما أضم أصابع يدك الخمسة.

يدك في الشتاء
تراب مبلل بالمطر
ويدك في الصيف
سنبلة في حقل من الرماد.

لا تفتحي يدك
لا تفتحي يدك
فكل أغاني العالم ستنطلق منها
لا تغلقي يدك
لا تغلقي يدك
فكل أغاني العالم ستلتجئ إليها.

يدك الطرية الدافئة
كقلبي
كيف أتركها تضيع كطائر
في غابة مليئة بالصيادين.

المعجزة

أول كلمة في الصباح
هي لك
وآخر كلمة في المساء
هي لك أيضا
وما بين صعود الشمس من خلف الجبل
وسقوطها في البحر الأزرق
ما بين الخيط الأبيض والأسود
كتب وصحف وأقلام
سجائر وأوقات مبددة
أصدقاء وآلام
وما بين الصباح والمساء
تطيرين كفراشة
وتتبددين كعطر
وأنا أغطّ إصبعي في الماء
وأكتب على الورقة كلاما أبيض
وأنتظر المعجزة.

الخنجر

الرجل مات
الخنجر في القلب
والإبتسامة في الشفتين
الرجل مات
الرجل يتنزه في قبره
ينظر إلى الأعلى
ينظر إلى الأسفل
ينظر حوله
لا شيء سوى التراب
لا شيء سوى القبضة اللامعة
للخنجر في صدره
يبتسم الرجل الميت
ويربت على قبضة الخنجر
الخنجر صديقه الوحيد
الخنجر
ذكرى عزيزة من الذين في الأعلى.

من؟

من سيفتح لي صنبور الحياة لأشرب
إذا جف قلبي تحت هذه السماء الخائنة ؟
من سيغني لي أغنية في المساء لأنام
إذا وضعوا بين جفني صخرة مدببة ؟
من سيخرجني من هذه البئر العريقة
لأرى أشجار الصفصاف تحت ضوء القمر؟
من سيحل لي هذه المسألة البسيطة:
(إذا كنا نرتدي النار
كيف نستطيع أن نخلعها ؟)
من سيشتري كفنا للشمس إذا ماتت ؟
من سيفتح للقتيل الباب
إذا جاء لزيارة صديقه بعد منتصف الليل ؟
من سيذهب معي إلى السينما
ومن سيمشي معي في هذا السجن الطويل ؟.

لينا الطيبي

من مواليد دمشق، عام 1963.
ساهمت في تأسيس مجلة الكاتبة في لندن.
عملت في الصحافة في لندن.
صدر لها:

شمس في خزانة، شعر، 1989.
صورة شخصية، شعر، 1994.
هنا تعيش، شعر، 1996 .
أهز الحياة، شعر، 2002.
linatibi@hotmail.com

لو متّ

لو مت
لا تدعوه يراني
غطوني بسحابة من بنفسج
وأذهبوا.

لو مت
لا تدعوه يرى روحي دخانا
في وحدة الغرفة
ذروا الرماد على القبلة.

لو مت
أغلقوا عيني
وأضحكوا
أضحكوا كثيرا
لئلا يسمع وقع خطاي في الغرفة الأخرى.

في المطر

سأترك الأشياء التي تركتُ دائما
وأخطو إلى يباس
الماء يتسلل إلى الخزائن
والروح مدينة تغرق
واجفة أنظر إلى المطر.

شمس في خزانة

كلما جاء الصباح
أسدلنا الستائر
وخبأنا الشمس في الخزائن
هو صباح الأيام كلها
وصباح الشموس التي أحصينا
شموس صغيرة بحجم الكف
ولدينا ما يكفي من الأبواب
لنبقيها خارجاً.

مساء رجل

وهو يصعد
أكل الرجل درجة
أكل أكرة الباب
أكل في الصحن ربطة عنقه
أكل الصحن
أكل الشوكة والملعقة والسكين
أكل الرجل كثيرا
تعب
أكل الرجل زوجته ونام.

مساء ثان لرجل

برأسه الحليق
وجناحيه الكسيرين
يجلس ويبدّد الغيوم
يريح قدميه
ويكور غيمة أخرى
وقبل أن تحترق أصابعه يطفئ سماء
ها هو يتثاءب.

نوم

إلى جدي

لسوف يؤجل نومكَ الطويل
قهوة الصباح
ولن يكون في وسعنا أن نتأمل زرقة عينيك
بينما تغفو
وتستيقظ مراراً
سريركَ سيظلُّ دافئاً
لكن الوسادة لن يبللها رضابكَ.

سنسمع عنك القصص الكثيرة
نحن الذين سهرنا المساءات
نستمع إلى حكاياكَ عن العفاريت
والقطط
والجدات
ولن تبدلنا الأيام كثيراً
إذ أن حنوك سيظلّ فينا
نحن الذين أكلنا مراراً من تعب يديكَ
ومراراً شاغلتنا بأزهار شرفتنا والحبق
ونحن الذين أحببناكَ.

غداً عند الصباح
سيأتي الصباح
ينشغل الجميع
وتبقى أنتَ في نومكَ
لن يوقظكَ أحد
إذ أن المارة
لن يلحظوا خفة العين
وهي تذرف دمعها
ولن تكفكفَ أنتَ ما تساقطَ
إذ أن أصابعك تتوضأ بأزرق البرد.

حياة

بحياة صغيرة
حياة يتيمة وجائعة
و
بحياة لم تولد بعد
حياة أختزنت في ضحكتها موتها
بحياة طرية
أستأذن لأختبئ وراءها
هي الحياة
التي سأقتني بقدمين من خشب
وفم وحيد
وراية
أقبلُ عليها لأشهد ولادتها.

إكتشاف

أترك أشيائي الجميلة
مفاتيحي وصوتي
أتركُ المطر الذي تعجل بي.

أترُكُ النسيان في غرفتي
أتركُ ابتساماتي التي وزعتها على المرايا
شغفي بالخزائن والشموس
والستائر التي تكسر الضوء.

أتركُ ضحكتي
أتركُ ما أحببتُ كثيراً
ما كان في ميلانه خافقاً
ما تدللّ بين يدي.

أتركُ كتبي
ودفاتري
وأوراقي المطوية
أترك أحلام يقظتي
والشجرة ذابلة عند شباكي
أتركُ ما أحببتُ كثيرا
لأنني دائما ما أُُكتَشَفُ في غيابي.

أهز الحياة

أنا لا أؤرِّخ
لكنني أكتب سيرة تنتزعني
وأدلق البياض لأتطهر من كلِّ إثم
أرسم ذكرياتي على جدار كبير
لأمحو كلَّ ما مضى
لأستقبل الآتي بنشوة الحلم
وبالماء والماء والماء
أزيِّن فوضى الرفوف
وأهبط
لأكتب من جديد:
هذا التاريخ أنت
صنعتَه وصنعتَني
وحفرتَ به الألم
وأنهضتَه بالسطوع
وواريتَني.

_________________


حسن بلم
♪♫.. الادارة..♫♪
hassanbalam
رسالة sms : سيرى ببطئ ياحياة
لكى أراك بكامل النقصان حولى
كم نسيتك فى خضمك
باحثا عنى وعنك
وكلما أدركت سرا منك
قلت بقسوة
مأجهلك!!!!
ذكر
عدد المساهمات : 10441
الاٍقامة : وراء الأفق حيث لاشئ سواى وحبيبتى
العمل : مهندس
نوسا البحر :
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
2016-03-23, 5:57 pm
نعناع الأهل

من بعيد نهتدي بالأهل
نشمُّ روائحهم
كأنا ما غرفنا من ثوابٍ
غير أصواتهِم في حناجرنا.

من بعيدٍ نهتدي بالصوت، بحَّةٌ تردُّ الصدرَ إلى الصدرِ، نبكي تلهينا عن بكائنا، وننخطف خلسةً لنكون يد الأهل.

نهتدي بالظلال التي وارينا
بمواسم زرع وحصاد
وبعرق لم نستمهله فينا.

من بعيد ترسم الزرقةُ أنهارَها
تنحو إلى ماضينا؛
وكأنما ننهضُ من غبارٍ لنستعيدَ سيرةَ الغبار
نصعقُ للشجرة التي توالدت مرارا
فما أثمرتْ غير ثمرتها الأولى.

الصوتُ والملاعب، الأرجاء تلك ودهاليز الضحك، الولع بالنسيان، والولع بالتذكّر، النار وخمودها، أيضا الصور الكثيرة، (...) كل هذا العشب وطأناه.

وما كان من بعيد غير صوتنا فينا
نهضنا
وأشعلنا في الفتائل زيت البيوت الجديدة
قُلنا ابتنينا أرجاءنا
ضحكنا في صور جديدة
تزيّنا بالابتسامات
وغالبنا المرايا على سماتنا.

الأهل يأتون بالهال
بالرائحة وقمحها
ولما يكبر الموت فينا
الأهل يحصدون بمناجلهم جبال ظهورنا.

من بعيد يأتون، يستدرجوننا بالآمال، فنرتفع إليهم وننحفر على امتداد حبالهم، هكذا نتعرف على تاريخ بصمتنا.

الآخرُ فينا آخر وبعيد
ميتٌ قبل أن يصحو
حجرٌ قبل أن يبللنا المطر
سمتٌ وعتمةٌ
وترتيلة غريبةٌ لمعبد قديم
الآخر فينا غريب قبل أن نشتاق صوته.

الأهل يأتون بالضحكة
يهنأوننا على حكمة لم تراودنا
يكنزون فينا العويل
وسنطقون صدورنا في الصراخ.

الأهل يطلقون بكاءنا
يدانوننا برعشة الصدور؛
ولما تمتدُّ أياديهم لتمسح عن جباهنا أقواس الألم
ينهض الأهل فينا
تنهض الزرقة سماء في فجوات أصابعنا.

الأمل في شمس الأهل.

من بعيد أصواتهم
الترجي والبكاء
الدمعة وملامات الشوق
نحن وقع خطاياهم
نحتُ أناملهم
والصعقةُ التي تتمرأى في أعينهم
نحن الرجاء الذي لم يعتنقهم.

الأمل في ضحكة الأهل.

وبعد الأهل، من ذا يشعلُ في قميص المساء غرفة الكستناء ؟، من ذا يُطوِّفُ بخور الورد في أسَّرة الليل ؟، من ذا يقطف الزهرة عن شرفة الدار ليزيّن بحبق الأصابع ولادة الصباح ؟، من ذا ينوِّمنا عند ترتيلة ويوقظنا على الهالِ ؟، من ذا بعد الأهل يزرعُ في تُربتنا الضحكة التي أستبَقتنا ؟.
الأملُ في ضحكة الأهل.

أصواتهم تَحفر
وتحفر
أصواتهم تأخذ أيادينا وتمرُّ على أيادينا
أصواتهم تهبُّ
يقينٌ عذبٌ وجرحٌ في التاريخ ينهضُ.

نهضنا بالذي فينا.

الشاي يملأ ضحكتنا، ونعناعٌ، نعناعٌ كثيرٌ في السكَّر، والرائحةُ، لله تلك الرائحة، أصابعنا تفركُ النعناع.

ألاهل في أصواتنا
في دمعتنا
في إشتياقنا، وعند اليأس.

الأهل في التاريخ
في تساقط الروزنامة
وفي ذبول الزهرة
والأهل عند نومنا.

الأهل ينخرطون في مهام أحلامنا.

ينهض الأهل فينا، يتناسلون في دمعة أعيننا، يربتون على ألواح أكتافنا، ويأخذوننا في أعينهم ننام في نومنا، وعلى نومنا جيادٌ تصهل وتأخذ أجنحتنا إلى نوم الأهل.

عاليةٌ أصواتهم
ينسلون الغبطة من كؤوس ساخنة
يرتقون ثقوب أصابعنا
ويأتوننا بتواقيعنا

نحن الذين أفترقنا في الوسائد
وفررنا بحيواتنا
تنصلنا من سمعة أياديهم
وهدهدتنا الأمسيات السعيدة
نحن الذين قتلنا الأهل.
الأهل في البعيد يستعيدون ذكرياتنا
يستنطقون الحجر في غيبة أصواتنا.

نحن في بعيد الأهل.

أهتدى القمر ونزل إلى صلواتنا
وتلمسنا من بعيد البعيد
صوت اللمسةِ
فارتجفنا
وكأنهم ما عرفوا غير خطواتنا على صدورهم
مرروا الأيدي على طلل الصدور
وندهونا بالصوت
تلمستْ شفاهنا عرق الصوت.

الأهل يتنادون ليجمعوا أشلاء خطوتنا.

سقط حاضرنا في حديقة الماضي
ونامت أحلامنا في عصفِ الليل
الطلل يُرحلنا إليه
نحن ربيبو الأهل.

مرّر المرج أعيننا على أجنحة عصافيره.

بندر عبد الحميد

من مواليد مدينة الحسكة، عام 1947.
حائز على إجازة في اللغة العربية من جامعة دمشق.
أمين تحرير مجلة: الحياة السينمائية، الصادرة عن وزارة الثقافة السورية .
صدر له:

كالغزالة كصوت الماء والريح، شعر، 1975.
إعلانات الموت والحرية، شعر، 1976.
احتفالات، شعر، 1978.
كانت طويلة في المساء ـ قصيدة حب، شعر، 1980.
سقوط التفاحة، شعر، 1992.
لضحك والكارثة، شعر، 1994.
حوار من طرف واحد، شعر، 2002.
الطاحونة السوداء، رواية، 1994.
زهرة مصياف

التقيت برجل
في يديه سلة عنب
وفي وجهه حكمة من الحياة
تحدثنا عن الزراعة
والحب وتاريخ القرامطة
وموسم التبن
قال إن حياتنا فارغة هذه الأيام
كنا نشرب القهوة
ونلف الدخان بعد منتصف الليل.

في فندق زهرة مصياف
حيث الراحة التامة
أشعل عود كبريت
وقال:
أنظر، إن حياتنا قصيرة وفارغة
كنافذة تطل على جدار
كان يضحك
وكنت أضحك
ونحن نلف الدخان والقهوة.

في فندق زهرة مصياف
حيث يلتقي المسافرون
ويتحدثون عن ذكرياتهم
ويضحكون
لليلة واحدة
لليلة واحدة فقط.

جدي

جدي الذي يضحك
زارني في المدينة المتسخة
وحدثني عن أحلامه في المستقبل
لم يكن خائفا مما يحدث
ولكن له آراء خاصة
بالنساء
أعترفت له بأخطائي
وأشتريت له ألعابا وأدوية
وكتابا ملونا
ثم أرسلته في سيارة كبيرة
إلى القرية
لم أستطع أن أبكي
لأن جدي كان يبتسم
عبر زجاج النافذة
وهو يلوح لي بيده
التي تشبه المعول!.

الغريب

في المحطة الأولى
التقيت برجل ضاحك
قدم لي شايا ساخنا
وسألني عن الأشجار في الأرض البعيدة
كان يتحدث برشاقة
في السياسة الدولية والجنس والمسرح
كان يبتسم وينثر أصابعه كإشارات استفهام
ويهز رجله اليمنى وهو ينظر من النافذة
إلى الأرض التي يهجرها القطار
لم نتحدث عن الحرب
لأن الوقت كان قصيرا
بين الساعة التاسعة والساعة الحادية والعشرين
في المحطة الأخيرة كان يبتسم ويقول:
إسمي فلان إنني لا أعمل شيئا في الوقت الحاضر
ولكن الحياة لا يمكن أن تستمر دون عمل
أنظر لقد وصلنا بسهولة
إلى مكان بعيد.

اعتراف

عليّ أن أعترف بما حدث
أنا وحبيبتي كنا نركض
لا نفهم شيئا ولا نخاف الوحوش في الغابة
دخلت شوكة في يدها الصغيرة
لمست يدها فاهتزت ونظرت إليّ بذهول
أصابنا صداع الحب الأول
وتساقطت فوقنا كل أوراق الشجر
نمنا ثمانية آلاف عام
ثم أستيقظنا لنتعلم
الفيزياء والرقص والرسم.

كانت طويلة في المساء

في الليل
تلتف حبيبتي بأوراقها الخضراء
وتنام
لا أعرف كيف تطوي أصابعها
وتغمض عينيها الصغيرتين
كعيني وحش حزين
مرة قالت إنني أتعذب
وأختفت
وحينما اكتشفتها
كانت تنتظرني
لتحكي لي أسرارا شخصية
أنظر
إنهم يعذبونني
ناديتها بأسماء البحيرات
وهي تركض
كانت تلبس قميصا مخططا
مشينا إلى مقهى بعيد
وفي الطريق
ألتقت أصابعنا بسرعة
وأبتعدت بسرعة
قلت لها:
أنظري إلى العاصفة
تهز وجهك العذب
كشجرة وحيدة في طريق الصحراء
قالت:
إنهم يعذبونني
هل أحبها بجنون
أم أقول لها نحن أصدقاء ؟
أنني وحيد
كما كنت عام 1959
أشرب شايا دافئا
وأستمع إلى أحاديث الفلاحين
وعواء الذئاب.
2

كانت طويلة في المساء
وأنا مشرد تحت المطر
سأحبها بجنون
سأحبها بقوة
وليكن الطوفان
على الأرض القديمة
هذه حياة صغيرة
وأجنحة صغيرة
دم صغير وقلب صغير
لفراشة نتعلم منها
الحب والطيران.

صمت

ثلاثة رجال يحملون السلاح بصمت
في مواجهة المرتفعات الثلجية
في الليل البارد
يتذكرون الأغاني العاطفية
وكؤوس الشاي الساخن
يقفون على طرف صخرة عالية
ينظرون إلى الأفق الفضي الأسود
وفي جيوب معاطفهم
علب سردين ورسائل خاصة
وأمشاط متسخة
وعلب كبريت وأقلام رصاص
وأزرار مقطعة
ومجلة قديمة.

الأجراس

صوت الأجراس في المدرسة الابتدائية
يزورني
في آخر الليل
أنهض
إنه موعد الدرس الجديد
أركض في الوحول
وأمسح عن وجهي آثار المطر
إنه صوت الأجراس
ووجوه الأصدقاء الصامتين
سافر بعضهم بعيدا
ومات بعضهم عند حدود الوطن
وتحول آخرون إلى ببغاوات ومهربين
وأنا لا زلت أمشط شعري
وأقرأ دروسي
وأنتظر صوت الأجراس
في المدرسة الابتدائية!.

حوار من طرف واحد

دائمًا هناك حقيبة
شبه فارغة
في سَفَر غامض
قميص وأقلام ملونة
رسائل حب وأوراق بيضاء
وأدوات حلاقة
جواز سفر
يصدر بصعوبة دائمًا
وعلى ارتفاعات عالية
فوق ممرَّات النسور
يمكن أن يحدث حب
من نظرة خاطفة
وأنا أغرف الثلج من الغيوم
وأراقب السفن الحربية
و الصحون الطائرة
وليس معي سوى أوراق
وقميص مخطط
وأطول قبلة في التاريخ.

التوازن مع الرعب

كنا نلعب ونكتب
وراء الأبواب المفتوحة دائما
عشنا حكايات حب عاصفة
ومغامرات حب من طرف واحد
وبين يوم وآخر
كنا نمشط شعورنا بأيدينا
ونختفي
نكتشف أنواعا مجهولة
من الجلود البشرية
والكتب الخطرة
ولم نكن بعيدين أبدا
عن طنين الدبابات
ودخان الحروب الخاسرة.

2

منذ سنوات طويلة
ونحن نعيش حياة مستقرة
في هذه الحظيرة الواسعة
نغني بصمت
ونرقص في الظلام
نأكل قشور البطاطا مع الوحل
على إيقاع الأغاني الوطنية
ولا نعرف ما يحدث حولنا
في العالم المجنون
ضاعت سنوات جميلة
من أعمارنا
ونحن ننتظر المطر
لم نزرع شجرة
لم نبن كوخا
كنا مشغولين دائما
بالتوازن مع الرعب

حازم العظمة

من مواليد دمشق، عام 1946.
درس في بريطانيا وفرنسا.
يعمل طبيبا متخصصا في الأمراض الصدرية.
صدر له:

قصائد أندروميدا، شعر، 2004.
طريق قصيرة إلى عراس، شعر، 2006 .
hazem-al@scs-net.org

عشبٌ طريٌ بحفرةِ دبّابةٍ

بعد هذا
كنا نعودُ
من شاعرية أننا نثمل ُفي حفرة دبابةٍ
أن َّعشباً طرياً هناكَ
بحفرة دبابةٍ
أن ْ أغرقها الرملُ
أنْ تركها في الخطوط الخفيفة
ـ لحربٍ لم تأت ـ.

هناك بعد النثار ُالشاحبِ
لسنابل الشُوفانِ
بعد أن تُمدَّدَ من الليلِ
من الحفيفِ الخشنِ
من الانحناءاتِ الخفيضةِ
من ارتعاشٍ سريعٍ
بأعشابَ يابسةٍ.

ليس من دليلٍ
يسمح باشتباه كسورٍ
تُمدَّدُ من حفرٍ قديمةْ
من بيادر قشٍ
تُركتْ مائلة ًـ هكذا ـ، تحت النجومْ.

من مقاطع حجرٍ أبيضَ
تُبهر رجلاً يَسوقُ أحزانه ُ
حتى حوافِ التلالِ
حيث تمضي
تتبعكَ الحروفُ الحادةُ
من مقاطعِ حجرٍ تشحبُ
من حفرة دبابةٍ
من حوافها
من ارتعاشٍ سريع بأعشابَ يابسةٍ.

ذرق الطيور عليها تضيئه النجوم

لم تكن المياه تناثرتْ بعدُ
ـ كما في النبوءة السوداء ـ
والصخور كانت تترسبُ ما تزالُ
وفي الصيف الطيور القليلةُ تعبرُ من فضاء المدينةِ
وثمة طيوفٌ من مياهٍ وهواءٍ
والشمسِ
أو في متحف الصابونِ
حيث الحياةُ تلمع من النوافذ.

ممتلئاً شعراً
وتنحدر ببطءٍ من الطاحون والهديرُ الرتيب من الظهيرة
مبدداً هدوء الأشجار والأرصفةْ
وثانيةً وراء الخندق الذي يمتد بعرض نهاراتٍ لم ترها
وكانت السحب الخفيضة في الخندقِ، والخزائنُ الرهينةُ يتعثر بها النهار.

ليس ما يدل على نهاية ما
تتبعُ الأصوات، وملمسَ الصناديقِ، وأعواد النباتات العاريةْ
بينما تقول لك أنكَ عُدتَ من غرفةٍ بخزف أزرقَ على الجدرانِ، ومنحوتاتٍ، وزخارفَ زرقاء وبساطٍ بلون الفيروز
وهؤلاء غيرُ يومٍ تهشم من منتصفه، كأنك تعرفُ تهشم من منتصف الهواء ثقيلاً يجر النهار مهشماً إلى نهايته ما أفضى إلى هذا العبث الأفقي وبعده من بينِ صخبٍ حادٍ ونادرٍ
أو في الشاحناتِ تراها تبتعدُ
بينما تفتتها الريحُ
كان الجفاف يستولي على الأقاليمِ
بالأسمالِ
بالخرداواتِ
بصِبيةٍ ينحتون النفاياتِ، وألوانها تلمع من فجرٍ سريعٍ ومُهملٍ
من منتصف النهار كأنما من بين ِأعمدةٍ هوتْ في أحلامها
ثم يحلمون أنهم بالأكتاف يسندون الأعمدةْ
وذرقُ الطيور عليها تضيئه النجومُ
ثم يمضون يائسينَ.

ستهوي ثانية في الغسق الثاني
والصلة مقطوعةٌ
بكل شيءٍ
بأي شيءٍ.

نافذة

كنتَ تنظرُ عبر الزجاجِ
ـ وراءكَ كانت الصحراءُ ـ
غير بعيدٍ أمامكَ
كانت الجوقةُ
والبهاليلُ يرتجلونَ نهاراً خفيفاً
وأَكَلةُ اللهبِ
والمغنّونَ
بين
جرارِ النبيذِ
والطرائدُ
بين
الذرةِ
بين
الممراتِ
وغيومٌ معلقةٌ
كمظلاتٍ بيضاءَ .

كنتَ تملأ للمغنينَ الكؤوسَ
وتجلسُ عند جدارٍ خفيضٍ
أمام المنصّةِ ـ الرملِ
ثم لا تعرفُ في أية جهةٍ أنتَ من النافذةْ.

من بعيدٍ
ماتزالُ هناكَ
وحدكَ
وراء زجاجٍ بنافذةٍ تعكسُ الرملَ.

مدن

لا نعود لشيءٍ سوى للحياةِ
كنا نعودُ بعد العصرِ
من الطرق السريعةِ للمدن الكبرى
أو نعودُ من نومٍ خفيفٍ
إلى الضواحي الرثةِ
بينما تبتعدُ الجبالُ
تبتعد حقول الذرةِ.

ثم يرسلون العويلَ
في الحقول اليابسة ْ
أو في علبٍ يسمّونها
نمرُّ من علبٍ
من أبنيةٍ
من مقالع حجرٍ
تُركت هكذا في العراءِ
كجُرحٍ عميقٍ في الصُخورِ
لا أحد يرانا
مُخلصينَ لهذا الخَرابِ.

تلك خُطوطنا أيضاً
كماناتٌ وناياتٌ
لا نراها
بينما تتساقط ألوانُها في الخنادقِ
في العُلب الفارغةْ
تلك خطوطنا :
على الوجناتِ
على الساعدينِ
في الكفين.

في الحقولِ
نتركها تتذهّبُ كالذُّرةِ
بينما نعبر من ممرات الزهورِ الشمعيةِ
للمساء الشمعيّ
أو من بساطٍ يتدلى من الشرفةِ
ثم يرفُّ قليلاً
ويتركُ ذلك الأثر الملونَ في الهواءِ.

من شرفاتٍ في التلالِ
ترفُّ بحبال غسيلٍ أبيض َ
من ظلالٍ لأيلول مائلةٍ
من المدنِ
حيث تعودُ العصافير رمادية ً
والراقصاتُ يتأففنَ
من الرُتبِ والأحذيةْ
من طرودٍ في الأعيادِ
من بطاقاتٍ بحروفٍ ذهبية.
ليس خفيفاً
ولا أزرق َ
ليس انحناءً من رمالٍ
ليس ثابتاً
أو متتابعاً
أو كموجٍ على صخرةٍ.

جارحٌ وحسبُ
كالفِناءاتِ
كالساحةِ.

مقالع حجرٍ تُركت هكذا في العراءِ
كجرحٍ عميقٍ في الصخورِ
كماناتٌ وناياتٌ
لا نراها
بينما تتساقط ألوانها
وهكذا.

سيرة الشاعر

واقفاً في العشب ِ
أو
واقفاً في الصباح ِ
كأن من دقيقتينِ وصلت َ
مضاء ًمن غيوم ٍ
بسقوفٍ بيضاء.

واقفاً في الجوزاء ِ
مضاء ًمن يراعاتٍ زرقاء
أو من الوسَطِ
كشخوصِ "تاسيلي"
بأطرافٍ محروقه.

والأشجارُ واقفة ٌ
والهواء ُبظلالٍ نهديـّه.

دُوار

بينما لا أراكِ
ذاهباً في شتاء بربريْ
إذ أكون بعيداً
بين بُصرى وحجرٍ أبيضَ
في دُوارِ السقوطِ من المدرج القديمْ.

كانت الواحدةُ والثلاثونْ
من صباحٍ بعينيكِ
بحزنٍ خسرتُ
مذابحهُ الحجريةَ
في الطريق إلى بُصرى
لا جدوى إذن.

عََتَبة

حينَ تفتحُ بابَكَ
إنما تفتَحهُ على الصحراءِ.

حينَ تفتحُ الصحراءُ بابَها
ـ هو نفسه ـ
تذهبُ في شفقٍ ورديٍ
تُمددُهُ لسنين
من ذُهولكَ.

امتداد

كأننا في المنبسط الرملي
كأن الغيوم كانت هنا.

لكانَ عليّ أن أحفرَ في هذا الامتدادِ
لتبقى الظلالُ للرملِ
لكِ
للفصولِ
الأيامِ الأكثرُ ارتعاشاً.

من الركبتينِ
من هذيانٍ ليليٍ
من توهج القمحِ على البساطِ.
بكؤوس نبيذٍ مهملةٍ
بكؤوس النبيذِ مُراقةً في الليل
كأنْ :
لا فضاءَ هنا
إلا لمدنٍ تتناثر ثانيةً
دونكِ.

محمد فؤاد

من مواليد مدينة القامشلي، عام1961.
حاصل على شهادة جراحة عامة .
ويعمل طبيبا جراحا.
صدر له:

طاغوت الكلام، شعر، 1990.
المتروك جانبا، شعر، 1998.
قال بيدبا، شعر، 2004.
mfouad61@gmail.com

أجزاء الحيوان

الطحال

الصامتُ
تطبخُ الأسرار في الزاوية النائية
ما الذي تدبّره في العتمة ؟
ما الذي تهيأ لمقتلي ؟
فكرْ بالكبد
شبيهكَ الداكن
فكرْ ما الذي يعنيه أن تكونَ مستوحداً
لا طريقَ إليكَ
لا مخرج منك
مقبرةُ الدم
الذاهلُ عن سواك
ناقصُ الجثة
من بعض الحيوان
كأنك نسيان متخثر
لا ترى نفسكَ
إلا على خِلْقَة المقتول.

الترقوة

لو لم أكنْ من العظم
لأخترت الريش
أبداً مربوطٌ بسواي
على حافة الجلد
لكنني لا أرى
لا منفذ لي إلا أحلامي
أن أكون الريش
الذي على حافة الهواء
في الزرقة الواسعة
للسماء الواسعة
سوى أنني مربوطٌ بسواي
عظم مربوط بسواي
وجاهز للكسر.
الأم الجافية

من حقي أن أكون
من حقي أن أنزع عني سمعة الغشاء
وأرى أختي معي في سرير واحد
لستُ من القسوة كما يبدو
هي فكرة الأسماء
خطأ اللغةِ
ما أوقعني في الفخ
وليس هناك ما يشير
أنني سأهرب من وطأة العظم
حتى في الظهور الأول لي
لا أبدو
على
أحد.

الإثنى عشري

بعد أن فتحتُ الكتاب
على الصفحة التي توهّمتُ أنها السر
دَلقَ الدمُ غزيراً من قُرحة الرجل
ليس ثمة من سبب لاسمي
ربما كنتُ فيما مضى
روزنامة صفراء ممحية
والسيد الذي تولى الأمر
عاد بأولاده على رأس الحكم
وهكذا تعاقبتْ علينا السنون
وسئمنا من الوراثة
وحلمنا بأننا ارتحنا من الناس
وبقينا في الصور
أنا
منذ ذلك الوقت
معبرُ العصارات الحامضة.

سائل اللمف

لا أغارُ من الدم
لا أبتذل لوني لأصير على الرايات
لا أنسفح سريعاً لأعرفَ
أمضي بين العُقَدِ
أسهل عليّ أن أصيرَ الشبح
أن أساير حديث العهد
وحطام الخلايا
أن أتشبّه بالحليب
وأقبل أن أكون التابع
أن أحمل الأنقاض للبالعات
أن أمشي في الخلال
في البَيْنَ بَيْن
دونما عروق واضحة
دون من يشير إلي
ويسألني ما أريد
بنيتُ حياتي على حجة الطبائع الأربعة
وها أنا أنهيها بمثالٍ سيءٍ.

الدم

يقدّرُ صنعي
جمهورُ الشعراء
والبنات في الثانوية
نزهةٌ طويلة قطعْتُها
وأنا أنظرُ بعين واحدة
إلى حياتي القصيرة
لم يقل لي أحدٌ ما الذي أفعل
لو خرج لي الذئب
وسرق السفرطاس ؟
أضحكُ لأنني في المصل والصفيحات
أغذي أمةً بأكملها
مهدورٌ على المحارم والأعلام
ضحكوا عليّ
فصرتُ في الثورات
ما هو أقل من هذا يكفيني.

غالون صغير بخمسة ليترات
يلوث بحيرة
الشغفُ أيضاً
ينسكبُ على الطاولات
خذْ عني هذه الحكمة
لا أرى أصلح من الفيبرين
ليلعب دور القاتل.

الحبل الشوكي

الرائحةُ محروقةٌ من أصلها
انتبهَ الأولادُ على الحكاية الناقصة
والجيران غطسوا في القوام الرخو
روحُ الأجداد هي هي:
محاولةٌ يائسةٌ استمرتْ ألف عام
منذ ذلك
تقبع الذكريات في الأسفل
كأنها ندم متواصل
الذي تسرب من الفتحة البيضوية
خيطٌ
رفيعٌ
مجدولٌ
من
الألم.

جبل الزُهرة

الأكيدُ الأكيد
تُصنعُ الشهوةُ من مادة النَفَس
وتنمو كالنبات في حجرة معتمة
وتدبر أمرها باللعاب
ليس الملمسُ للجلد
للعَرَق حصتُه أيضاً
والغدة وحدها
لا تصنع جنساً
تلزم الأعضاءُ
والفم
والذكريات
الأكيدُ الأكيد
تُصنع الشهوةُ من مادة الرطوبة
الرائحةُ
والسرةُ
والزغبُ على البطن
لعواء الذئب في آخر الليل.

عمر قدّور

من مواليد مدينة حلب، عام 1966.
لم يكمل دراسته الجامعية.
متفرغ للكتابة وللصحافة.
صدر له:

إيضاحات الخاسر، شعر، 1992.
ظل مائل في الظهيرة، شعر، 1999.
حوافّ خشنة، رواية، 2000.
أسماء للنسيان، رواية، 2007.
om_kaddour@maktoob.com

الغيظ

لا أحد سواها
يفعل هذا بي
لا أحد
ـ على هذه الدرجة من الإتقان ـ
يملأ رأسي بالشرّ
هكذا
دونما توقّع
تجعلني أرتجف في غرفة مظلمة
إسمها:
النقمة.

القسوة
وأحياناً الكراهية

لم أجد اللؤلؤ
في ذلك العمق
كان وحش الكراهية
يقتات مني
ويعلّمني أن نتبادل النظرات بحقد
على عادة العشّاق
حين يتبادلون التذكارات الأليمة.

الغيرة

لن تغفر لي
أنني لم أعرفها من قبل
ولن تتسامح مع الوردة
التي قدّمتُها لفتاة أخرى
في ماض بعيد
وأدرك أن لا شيء يشفع لي
أمام حكمتها المفضّلة:
الأصدقاء يسامحون
لكنّ العشّاق لا يفعلون ذلك.

أخيلة

في البدء سأقطع أصابعكَ
لا
أعني سأفرمها إصبعاً
إصبعاً
لنقل إن أحداً رسمك
بلا يدين
ثم سَمَل عينيك
أو وضع على عينك اليسرى
عُصابةَ القرصان
ما الذي سأفعله برجل
بعين واحدة ؟
آه
لقد نسيت رجلك الخشبية أيضاً
أما أنا فأصدّقها تماماً
عندما تغرز أظافرها في ظهري
على هذا النحو.

المربّية

وبحسب ما تقول
فأنا دائم التقصير
يطيب لها أن تقرّعني
على تلك الليلة من شهر حزيران
وأن تهزّ رأسها بأسف
في كلّ مرة أعتذر فيها عن الخطأ ذاته
يروق لها أن أركع أمامها
على رجل واحدة
وأن أردد:
إنني سيء وغليظ القلب
فتسعفني بالنعوت المناسبة
وأُفاجَأ بنفسي على هذا القدر
من اللؤم والبلادة والمكر
ثم أشكر القدر
لأنه خصّني بهذا الألم.

العناد

أقرّ بأن البحر صحراء
وبأن الأسماك تعود إلى أصلها
على أنها نباتات منزلية
وبمحض مشيئتها
يمكن للعصفور والثعلب أن يترافقا
كما في لوحة
وربما تزدهر الأرض
بكائنات من نسج خيالها
وتثبت أنّ الطبيعة
لا تصحّح أخطاءها دائماً.

المدلَّلة

من الغريب
أن تعزف أحياناً
عن مطالبتي بشيء
أي شيء
وأنها
حينها
لا تنتظر مني أن أثبت لها
ما عرفتْه دائماً
وقد تتغاضى لبرهة
عن حقوقها
التي هي واجباتي
وتتركني مستنفراً
بلا شيء أفعله.

الأميرة النائمة

يحلو لها النوم
وأنا أقصّ عليها حكاية الأميرة النائمة
وأسأل
دون أن تجيب:
من يحرس نوم الأميرة ؟
ما الذي يجعل نومها نديّاً
وفمي جافّاً ؟
تنام الأميرة
لأن من عادة الأميرات
أن ينمن
وأن لا يعرف السهارى كيف
ومن أين
تستيقظ الأميرة ؟.

وبخلاف ذلك كله

لا أحد يضاهيها
عندما ترسم اللهفة
على هيئة الشفتين
أو تتصلّب أصابعها
بشكل غامض
وإذ تدنو
تتبعها قوارب من الهند
وتماثيل مقطوعة الرأس
لفاتنة الإغريق
فتملأ رأسي
كما زهر البرتقال
في هواء ساكن.

هي لا تقول
بل تومئ
وأعجز غالباً
عن فهم الإيحاء
أو أرفض أن أعي الفارق
بينها
وبين ما يشبهها
فتصمت
وأصمت
ونعجز كلانا عن تفسير الغامض
بما هو أقلّ غموضاً.

وفي الحقيقة
لا وجه للشبه بين ملمسها
وفراء الدبّ
ولا دراية لي
بالنباتات الاستوائية
لأتحدث عنها
كما لو أنها غابة
لكن لها صبر الناقة
لتغفر لي
وأنا أعكّر صفاءها
بالمجازات.

ليس الحبّ
ما أعنيه
ليس على وجه الدقّة
هو شيء أفكر فيه
شيء يجعل مني
هواية مفضّلة
لها.

إيضاحات الخاسر

إنّه الرجل الخاسر
دمعةٌ تكفي لكلّ الحروب
دريئة من القصب
تميل إلى طلقة مقبلة
رجلٌ تغتاله أحلامه
ويبكي عليها.

يدخل الميدان وحيداً
ولا تحميه الأسلحة
ويخرج مثل نهر تخنقه الضفاف
ثمّ لا يهذي
بالشجر.

لم تكن حرباً
أن يسمّي العالم بطالعه المكسور
فيقول للفراشات:
محترقة
للأغصان:
تسقط الأوراق

وللنهر:
"كطفل يحرق قطّة"
كطفل يرمي إليه بالحصى
وعندما ينده إليها:
يا فراشة
يا نهر
وبكلّ الأسماء المسروقة من أشيائها
تتركه لأسمائه
هو الذي لم يعرف أن يناديها:
يا امرأة.

ملك الخسارات
يسقط من البيت
كدرج مؤبّد
كدرج
إلى الأسفل
ثمّ لا تطالعه سوى شوارع
تبحث عن أسمائها في الزحام.

فوتوغراف

إنه رجل
يمكننا أن نضيف إليه
مقعدا في الحديقة
وبعضا من الكآبة والانتظار
ولا بأس بشيء من الخريف
والمارة.

إنه رجل
وهذا يكفي تماما
لتذكر امرأة تنسى دائما أن ترد
شعرها إلى الخلف
دائما
قبل أن تنفض ثيابها
من عناق عابر.

قصائد الوردة

لن أهمس لك
مثلما تفعل الأعشاب
عندما تنزعين عنها الشقائق
ولا أعرف تماماً
ما الذي فقدتْه الأزهار
قبل أن آخذها منك
لكنّني تذكرتُ شيئاً لم أقله لك
لعلّكِ ذهبتِ مسرعة
ولعلّك الآن تفكرين بما نسيتِ أن تقوليه
بينما أدخن وأفكر:
الأزهار النائمة على الطاولة
بحاجة إليك
وأنا أيضاً.
...............
هذه الأزهار لك
لم أفكر بأنك تأخّرتِ قليلاً
فأنا أحبّك كما تعلمين
لكن دعي يدك في يدي
لِنَرَ ماذا يحدث
عندما تشرب الورود هذا العناق ؟.
...............
لقد جمعتُها لك من أيدي الأصدقاء
وجئتُ مبكراً قليلاً
وأنت لن تبتئسي لأنّ الجوريّة البيضاء
أعطيتها لصبيّ يطارد فراشة
وهي لا تسمعه
لو تعرفين
كم كان حزيناً ذلك الصبي.
................
الوردة المتكئة على حافة الكأس
تحلم بالعصافير
وأنت لعلّك لا تذكرين:
رأسك ملقى على كتفي
مثلما يكون آخر التعب
وكأنّه يكفي أن أحرّك يدي
كي تسقط أحلامك
ورقةً
ورقةً
في تلك الظهيرة البعيدة.
.................
ما الذي تفعله الوردة في يدكِ ؟
إنّها حتّى لا تحسن الوقوف
وما إن ترتخي الأصابع
حتى تهرع غزالةً من التوثّب
إلى يد "عاشق سيء الحظّ".

سيرة يوم

كلّ يوم
أتفقّد طحالب السأم
حيث ذلك الرجل
يرمقني بغموض
ويلفحني بردُ الزئبق
صباحاً
عادةً
أعكّر صفو الماء
وأخدش الزجاج.

البحر بعيد
وأكبر
كما يُظنُّ
خلف الزجاج
تلتهم أسماك الزينة بعضها
وتذكّر الأشنيات
بحكمة الأمس
على صفحة اليوم.

إنه نهار يشبه المجاملة
يومٌ خريفيٌّ وكأنّه ربيع
التثاؤب يتجول بين الغرف
القدم اليمنى
تهتزّ على غير موسيقى
الأجفان مسدلة بسكينة
وثمّة من يقلّب الأوراق
كأخ غير شقيق
للفطنة.

.... 4 / 1 /

أن ترمي شباكك
فتصطاد جرّة الملح.

أن تلبس الهواء
فتصفّق الجمهرة
للحرير الملكيّ.

أن تضرب أبنوستك
في اليمّ
أو ترفّ روحك
على الزرقة.

أن تعلّق مصباحك
في ذيل فرس
وترى العالم
بعين ورباء.

لا أن يرعى خيالك
عشبَ الحقيقة الجافّ.

مجدلية

تاركة إياي أمضي
لا شأن لي
سبيلي مشهد
أعلى من نبع
ورجائي نذر قديم.
لقد فرَّقتِ أيامي من منتصفها
دون أن تشدي الشرائط جيدًا
لم تكترثي بالتي هيأتْ جراحي
لزيتك
بالنساء اللواتي قطعْن العمر
كسباق التتابع.

لعلكِ ما فكرت
سوى بالغفرانات الذهبية
للمصلوب بيننا
غيرعابئة بروحي
ما هدهدتِها تمامًا
روحي المبهمة
مثل بُكْلة سوداء
على شعر أسود.

فايز مقدسي

من مواليد دير الزور، عام 1946.
يعمل في إذاعة مونت كارلو.
صدر له:

سيمياء ـ أبجدية الأفعى، شعر بالعربية والفرنسية، 1973.
الحبل بلا دنس، شعر، 1987.
زايرجة، شعر، 1999.
الأصول الكنعانية للمسيحية، دراسة تاريخية، 1995.
قصائد وملاحم أوغاريتية، ترجمة، 2000.
fayez.makdessi@mc-doualiya.com

إيقاع

لا نصر
ولا هزيمة
العالم مصالحة من ذهب
من ياقوت
ومرجان
أنظرْ البحيرة التي لا تفرطّ بمياهها
أنظر الجبال التي تفتدي صخورها.

الذي خدع الفقراء

لقد كنت رغيفاً ساخناً شهياً
فخاً منصوباً للجائعين
وجاء الفقراء الملهوفون إلى طعام
فسحرت نفسي
فمروا وما رأوني
وفاتهم أن يأكلوا.

الذي وقع في مغارة الكنوز

لقد وقعت ُ في مغارة الكنوز
وبهذا الذهب بوسعي أن أسحرُ العالم
وأن أتزوج المجرُة
حتى أمّي سوف تحبني وكل أخوتي.

طوطم

تفاجأت بمفاجأة المفاجئ
فتفاجأ بمفاجأتي
لم يجيء يفاجئني فتفاجأت
ولو جاء يفاجئني لما تفاجأت
جاء
جال من أجل جلو رغابي
درى أني أداري
دوّى
ما تود
رددتُ
أود القطب
فقطّب جبينه
دخل غابة من الألفاظ تدخلها فتدميك
فكيف تتلفظ.

وهوت بنا أهواؤنا
هوى الأهواء أن أهوي فتهواني الهوة
فأهوى هوتها وهواي في هواها يهوي كتهاويّ
في هوتها الهاوية وهي هائمة في هواها.

وهمنا
أهواها في المهاوي وتهواني في الهوة
أهواؤنا في هوة المهاوي تتهاوى
وتهنا.

وهدتْ هدانا وهدمت هدمنا فانهددنا
وتهدمت أهواؤنا الولهى كوله اللاهي في لهوه
تفوهتُ في لهوي فهوى فيّ تفوهي
هوينا في ملهاة لاهية
لهونا في تهاوينا
هبّ اللهبُ فالتهبنا
أهواؤنا هوت بنا.

حصان

حصان يطوّح بالإنقراض
يفترس خلاياه
ويضمحل
يدوس عشبا ناريا
يلعنه الماء ويحلم
به الهواء.
يتعب الموت بالموتى حتى تعرق القبور
ويبتل تراب الأرض.
يمطر جسد الحصان توقا لإثم أكبر
لموبقة تنفي التوب
لإضمحلال في جنوحه يطوّح
بالتكفير حتى يصير قديسا.

قبل موته
أشار إلى قبره
هناك توج نفسه وأمتشق حصانه.
قبل ظهوره أرسل دلائله وأمتد
يتلوى وجسده يجورعلى التنائي
ويغطي الاتساعَ بالفطر.
الحصان الجموح
يدخل الإسطبل السرمدي
ويقلقل كالرغبات العذارى في سكون
العالم المجنح.
يُملي كتابات مهووسة ويعتري
الأطوار الغريبة
ويرتاد مياها مخيفة
مهجورة ومميتا سكونها
يفترس يقينه
وفي صهيله يستوثِقُ اضمحلاله
ويتوارى وئيدا في تماثُل.

الحبَل بلا دَنَس

شمس آفلةٌ ومجرّةٌ مكتئبة
نساءٌ في حقلٍ ممتدٍّ كالموت
أجسادهن عذاب المحبة
والليل يكحّلُ عيونهنَّ
أردافٌ ثقيلةٌ ونهودٌ عامرةٌ
حسن أشبه ببئر
تفوح من مخادعهنَّ روائح الجنة
صبوراتٌ كالبحر المحيط
ضنيناتٌ بالحب الرهيب
ومشاقِّه العجيبة
يتعففن لاله ميت
يُبعثُ في أحلامهن
كريح عميقة من قبر
أو يخرج كالقيء من حلوقهن
والأطفال من فروجهن
الحبَل بلا دنس
في هذا الحقل الممتد كالموت
تحت شمس آفلة ومجرة مكتئبة.
ـــــــ
الشعراء يكتبون في أوقات مبلبلة
أو في لحظات مترفة
انما ما يفصلُ البلبلة عن الترف
كالله
يظل عصياً على التعريف
المدونات الاجمالية كذلك
أما التفاصيل
فجهد
لا الشيطان يلهم ولا الملاك
الشعر حيوات اخرى لاتتشابه
القصيدة وحيدة الخلية
الشاعر خُنثى.
ـــــــ
قمرٌ وحيدٌ
في مدن مظلمة
وامرأةٌ سحاقية
هل أشتهت "رابعة" الله ؟
هل عرفَ "أبو العلاء" ؟
بصراً أرقى فأدّعى العمى
الله أمر هين
إنما مَنْ هذا "الأنا
الذي يلازمني كظلي
أو كما تلازم سحاقية أخرى.

عادل محمود

من مواليد عين البوم بصلنفة، عام 1946 .
يعمل في الصحافة.
صدر له:

قمصان زرقاء للجثث الفاخرة، شعر، 1978.
ضفتاه من حجر، شعر، 1981.
مسودات عن العالم، شعر، 1983.
استعارة مكان، شعر، 2000.
حزن معصوم عن الخطأ، شعر، 2003.
إنتبه إلى ربما، شعر، 2006.
لا بأس

أيها الشرطي
أيها الشرطي العزيز
أرفع هذه المشنقة إلى أعلى
إلى أعلى قليلا
قليلا إلى أعلى
إلى السماء الزرقاء
فأنا
رجل
طويل !.

القصب

رجل قتلوه
عندما كان المساء رماديا.
رجل قتلوه
وحيدا في البيداء.
قال:
ستصير حنجرتي مزمارا
ويصيح
في البراري يصيح
يظل يصيح
حتى يحفظ صيحتي القصب.
منذ الرجل المقتول
وحيدا في البيداء
عندما كان المساء رماديا
وأشجار القصب
كلما هبت الريح
تصدر هذا الصوت
الذي تعرفون.

حواجز

ليس لدينا مساء
فنحن لا نوافذ عندنا
ولا فسحة أمام الدار
لا نسكن البراري
ولا نزرع الحبق في المساكب
ليس لدينا مساء
لكي ندعوكم إلى منظر الغروب
غروب السنوات
ولذا :
تعالوا نخرج كراسي القش
وأكواب الشاي إلى الرصيف
نجلس (هكذا... كما لو أن المدينة لنا)
ونقول للمارة :
"مساء الخير"
أيها الناس المجهولون
أيتها المرأة العابرة
"مساء الخير".

الرغبة

محال أن تكون في الوادي
إني تركتها تتسلق جبلا من الصوان.
محال أن تكون في الأنهار
إني تركتها على شاطئ المتوسط.
محال أن تكون في الحقول
إني تركتها في الربع الخالي.
محال أن تكون في هذا الزمن
إني أغنيها حتى آخر يوم من عمري.
محال
محال
محال
تلك صورتها متوسدة هذا الليل
جامحة
كالخيول في بدء النهار.

قبر لعمي ايفان

عمي ايفان
بياع الورد
الذي يحب الخمر الرديئة
والنساء الجميلات
قبل موته
في الفراش الثلجي
على الخريطة الزرقاء
وزند امرأته المذهولة
أهداني نهرا
و
سفينة !.

2

عمي ايفان
بياع الورد
الضاحك مثل السرو
الذي يخبط الطاولة
بيده الكبيرة
ليؤكد:
أن مئة عشق ممكن
ومائة يأس ممكن
ومائة موت ممكن.
لو
ـ بين صدغيك اليائسين ـ
وضعت شمسا صغيرة
وأغنية تنكش بها أسنانك
عمي ايفان
في آخر موت له
قال :
"ذاك نهر وتلك سفينة
أرحل صوب القطب".

كانون أول 1980

إن تجدي في الكأس ماء باردا
فأنا من وضعه على يمين السرير.
وإن تجدي لوزا
وبرتقالا
وزجاجة نبيذ
أنا من أدنى الدوالي إلى شباك نومك
والحقول.
وإن تجدي أمام طاولة الكتابة
دفترا
وأقلاما ملونة
كلاما مبعثرا
وصدى
للصراخ
والأغاني
والينابيع
فأنا الذي
أنا الذي.
.......
ولكن ما يفيدك من كل أشيائي المبثوثة
كأرواح فوق مقبرة
إن ظل يعلوها غبار الخطى المبتعدة ؟.

كانون ثان 1980

تدفق ماء كثير في بردى
مذ رحلت
تحطم عشب كثير تحت أرجل الفيلة
وأزهرت أشجار اللوز
ومضى إلى غير عودة
صوت الناي في احتفال مرير
.....
مذ رحلت
لا شيء يتوقف عن النمو
حتى زهرة قلبي اليابسة.

استعارة مكان

في أعمق مكان
في أبعد نقطة
تكونَّا معًا
من ذلك الصلصال
الحنون والذهبي
جئنا إلى صدامنا كنيزكين في الفضاء الرحيب
مشعَّين جسورين
وهما يهويان
ومنذ ملايين السنين
مازالا يهويان
في أعمق مكان
في أبعد نقطة
أخبِّئ حطامنا الحارق
أخبِّئ سرَّك
في سذاجتي.

_________________


حسن بلم
♪♫.. الادارة..♫♪
hassanbalam
رسالة sms : سيرى ببطئ ياحياة
لكى أراك بكامل النقصان حولى
كم نسيتك فى خضمك
باحثا عنى وعنك
وكلما أدركت سرا منك
قلت بقسوة
مأجهلك!!!!
ذكر
عدد المساهمات : 10441
الاٍقامة : وراء الأفق حيث لاشئ سواى وحبيبتى
العمل : مهندس
نوسا البحر :
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
2016-03-23, 5:57 pm
مرام مصري

من مواليد اللاذقية، عام 1952.
درست الأدب الإنكليزي في كلية الآداب دمشق.
صدر لها:

أنذرتك بحمامة بيضاء، شعر، بالاشتراك مع محمد سيدة ومنذر مصري، 1984.
كرزة حمراء على بلاط أبيض، شعر، ترجم إلى الفرنسية، والإنكليزية، والاسبانية والايطالية، والكورسيكية، 1997.
أنظر إليك، شعر، ترجم إلى الإسبانية والفرنسية، 1997.
قُلْ لي، شعر.
mona.maram@wanadoo.fr

واحدة من سكان الأرض

أتيتك
لا أتعطر برائحة
ولا أتزين بحلية
أتيتك
على حقيقتي
دون إطار
دون زيف
أتيتك
واحدة من سكان الأرض.

الغول

لا تذهب بعيداً
أبق قربي
الغول ذو الأنياب الطويلة
ربما كان امرأة
امرأة جميلة
تخطفك مني.
/
ابق قربي
لا لا تذهب بعيداً
فالغول ذو الأنياب الطويلة
ربما
ربما كان رجلاً
رجلاً طيباً
يخطفني منك.

دموعي ما زالت مالحة

سرقتني الأرض
من البحر
لذا ترى شفتي من رمال
وكلماتي صخوراً معشوشبة.
/
سرقتني الأرض من البحر
لذا تري عيني
سمكتين
ونظراتي صامتة
ورغم أن حدقتيّ ليستا زرقاويين
لكن دموعي مازالت
مالحة.

غشّ

لكَ أنا
وأنت للجميع.
/
يا حبيبي وحبيب أختي وصديقتي
أطبشْ كيلتي بخنصرك
غشّْ بالميزان
وانتقيني.

ألم يكونوا...؟

ألم يكونوا مشردين
فآويتِ
جياعاً
فأطعمتِ ؟
ألم يكونوا خائفين
فأسبلت على قلوبهم
الطمأنينة
وأنتِ تعلمين
أنهم
كالعواصفِ عابرون ؟.
/
دعيهم يقبلون فوق جمالهم
مؤمنين بالرؤية
يهتدون بنجمة.
/
الأبواب الموصدة
ستُفتح
عندما يسجدون
بتواضع الملوك
ليقدموا عند سريرك
صلواتهم.

لا ترمي كراتكَ على نوافذي

أذهب بعيداً
لا تقلق بحيرتي
لا تعبث كالأطفال
في حديقتي
ولا ترمي كراتك
على نوافذي.
/
هيا تنح قليلاً
عن دربي
إنكَ تحجب الرؤية عني
وأنا على عجلةٍ من أمري
علي أن أطهو الطعام لأطفالي
وأعدَّ السرير لرجلي.
/
ما بالك تجوس صامتاً
حول منزلي
تمنعني أن أثبت
عرى حياتي.
/
أيها الماضي
ميت أنت
فكيف هربت من صندوقي
ووجدت طريق العودة إليّ ؟.
/
كما لا أودّ زجرك
لا أريد أن أفتح لك بابي
ولكن قلْ لي
ما حاجتك إلي
فلدي الآن
حلمٌ آخر
يشدُّني وراءه.
/
أيها الماضي
صه
حيٌّ أنت
وطعامي يحترق.

قتلتُ أبي

قتلتُ أبي تلك الليلة
أو ذاك النهار
لم أعد أذكر
هاربة بحقيبة واحدة
ملأتها بأحلام دون ذاكرة
بينها صورة لي
معه وأنا صغيرة
يحملني على زنده.
/
في كلِّ مرةٍ
أفتح حقيبتي
يخرج غبار.

وحيد

من وقت لوقت
يفتح الشبابيك
ومن وقت لوقت
يغلقها.
/
من وراء الستائر
يذهب ويعود
يقترب ويبتعد
ظله يفضحه.
/
يرفع صوت الحاكي
يملأ بالموسيقى وحدتَه
موهماً الجيرة
بأن كل شيءٍ كالمعتاد.
/
نراه يمر مسرعاً
طارق الرأس
ويعود
حاملاً خبزه
إلى حيث
لا أحد ينتظره.
/
أريد أن أحرك
صمتكَ الثقيل
الذي يتدلى
كفخذ
خارج كرسي خشبي.
/
ما مر على جسدي
وترك أثراً
سوى الوقت
السعادة
ما خلفتَ أنتَ.
/
أمسكُ بعشبة يدِكَ
كي لا أسقط
جارحةًَ بأصابعي
صدر
الهاوية.

نتركه يذهب

لم نعد نبكي لأجله
نتركه يذهب
دون أن نتمسك به
دون أن نهدده بالموت إن لم يبق.
/
نتركه يذهب
دون أن نصطحبه إلى الباب
كضيف عزيز.
/
نراقبه من خلف النافذة
وهو يجرجر حقائبه
ملقيا علينا نظرة من يرغب
أن نهرع
ونسقط تحت قدميه.

/
نتركه يذهب
دون ضجة
بضعة آهات مكبوتة
بضعة عضات على شفاهنا
وبضعة دمعات مكبوحة
تليق بنا نحن ضحاياه.
/
نتركه يذهب
وكأننا أدمنّا هجره.

بينلوبي في الكافتريا

مررت بالقرب من غرفتنا المهجورة
لم أستطع أن لا أتوقف هذه المرة .
/
رأيت بينلوبي تحيكُ على مغزل انتظارها
وددت لو أنها توقف حركتها الدائبة
وتهدأ قليلاً
ثم تخرج للعالم
وتأخذ فنجان قهوة في كافتريا
أو
أن تذهب
لحضور فيلم في السينما.
/
(لن يأتي)
قلت لها
لم تسمعني
كانت تنصت لما يقوله لها
قدرها.

النساء مثلي

النساء مثلي
لا يعرفن الكلام
الكلمة تبقى في الحلق
كالشوكة تؤلمهن
ويفضلن بلعها.
النساء مثلي
لا يعرفن إلا البكاء
البكاء المستعصي
الذي فجأة
ينهمر نقطة
كالشريان المقطوع.
النساء مثلي
يتلقين الصفعات
ولا يجرؤن ردها
يرتجفن من الغضب
إلا أنهن يكبحنه
كأسد في قفص.
النساء مثلي
يحلمن بالحرية.

الإبتسامة

أتذكر
كل صباح
حين كنت آخذ طريق المدرسة
المار من أمام المرفأ
والملتوي
قرب "قهوة الشباب" التي يتجمع فيها عادة
كل شيوخ الحي
قلبي يغص.
أتذكر القهوجي القصير
الذي يتوقف عن العمل
ليرنم لي أغنيه
أو
يتنهد بآهه
فأخبئ ابتسامتي في محرمتي
أو
أرميها في البحر
والابتسامة في بلادنا عيب.
أتذكر مساءً
الكورنيش والساعة السادسة
ساعة الحشد
وملتقى أقدام وأحلام
صبايا وصبيان اللاذقية.
أتذكر
وجوهاً وأسماء
أتذكر
زواريب وطرقات.
أتذكر
وأبكي.

محمد الماغوط

من مواليد سلمية محافظة حماة، عام 1934.
توفي عام 2006.
درس في السلمية وحماة.
يعتبر أحد الأوائل الذين كتبوا قصيدة النثر العربية في شكلها المتبلور.
صدر له:

حزن في ضوء القمر، شعر، 1959.
غرفة بملايين الجدران، شعر، 1960.
الفرح ليس مهنتي، شعر، 1970.
العصفور الأحدب، مسرحية، 1963.
المهرج، مسرحية، 1960.
كاسك يا وطن، مسرحية.
ضيعة تشرين، مسرحية.
شقائق النعمان، مسرحية.
الحدود، سيناريو سينمائي.
التقرير، سيناريو سينمائي.
المسافر، سيناريو سينمائي.
سأخون وطني، نثر، 1987.
سياف الزهور، نثر، 2001.
شرق عدن ـ غرب الله، نثر، 2005.
الأرجوحة، رواية، 1991.
أغنية إلى باب توما

حلوة عيون النساء في باب توما
حلوه
حلوه
وهي ترنو حزينة إلى الليل والخبز والسكارى
وجميلة تلك الأكتاف الغجرية على الأسرة
لتمنحني البكاء والشهوة يا أمي
ليتني حصاة ملونة على الرصيف
أو أغنية طويلة في الزقاق
هناك في تجويف من الوحل الأملس
يذكرني بالجوع والشفاه المشردة
حيث الأطفال الصغار
يتدفقون كالملاريا
أمام الله والشوارع الدامسة.
ليتني وردة جورية في حديقة ما
يقطفني شاعر كثيب في أواخر النهار
أو حانة من الخشب الأحمر
يرتادها المطر والغرباء
ومن شبابيكي الملطخة بالخمر والذباب
تخرج الضوضاء الكسولة
إلى زقاقنا الذي ينتج الكآبة والعيون الخضر
حيث الأقدام الهزيلة ترتع دونما غاية في الظلام.

أشتهي أن أكون صفصافة خضراء قرب الكنيسة
أو صليبا من الذهب على صدر عذراء
تقلي السمك لحبيبها العائد من المقهى
وفي عينيها الجميلتين
ترفرف حمامتان من بنفسج
أشتهي أن أقبل طفلا صغيرا في باب توما
ومن شفتيه الورديتين
تنبعث رائحة الثدي الذي أرضعه
فأنا ما زلت وحيدا وقاسيا
أنا غريب يا أمي.

تبغ وشوارع

شعرك الذي كان ينبض على وسادتي
كشلال من العصافير
يلهو على وسادات غريبة
يخونني يا ليلى
فلن أشتري له الأمشاط المذهبة بعد الآن
سامحيني أنا فقير يا جميلة
حياتي حبر ومغلفات وليل بلا نجوم
شبابي بارد كالوحل
عتيق كالطفولة
طفولتي يا ليلى
ألا تذكرينها
كنت مهرجا
أبيع البطالة والتثاؤب أمام الدكاكين
ألعب الدحل
وآكل الخبز في الطريق
وكان
أبي لا يحبني
يضربني على قفاي كالجارية
ويشتمني في السوق
وبين المنازل المتسلخة كأيدي الفقراء
ككل طفولتي
ضائعا
ضائعا
أشتهي منضدة وسفينة
لأستريح
لأبعثر قلبي طعاما على الورق
في البساتين الموحلة
كنت أنظم الشعر يا ليلى
وبعد الغروب
أهجر بيتي في عيون الصنوبر
يموت
يشهق بالحبر
وأجلس وحيدا مع الليل والسعال الخافت داخل الأكواخ
مع سحابة من النرجس البري
تنفض دموعها في سلال العشب المتهادية
على النهر
هدية لباعة الكستناء
والعاطلين عن العمل على جسر فكتوريا
هذا الجسر لم أره منذ شهور يا ليلى
لا أنت تنتظرينني كوردة في الهجير.

سامحيني
أنا فقير و ظمآن
أنا إنسان تبغ وشوارع وأسمال.

حزن في ضوء القمر

أيها الربيعُ المقبلُ من عينيها
أيها الكناري المسافرُ في ضوء القمر
خذني إليها
قصيدةَ غرامٍ
أو طعنةَ خنجر
فأنا متشرّد وجريح
أحبُّ المطر وأنين الأمواج البعيده
من أعماق النوم أستيقظ
لأفكر بركبة امرأة شهيةٍ رأيتها ذات يوم
لأعاقرَ الخمرة وأقرضَ الشعر
قل لحبيبتي ليلى
ذاتِ الفم السكران والقدمين الحريريتين
أنني مريضٌ ومشتاقٌ إليها
إنني ألمح آثار أقدام على قلبي .
دمشقُ يا عربةَ السبايا الورديه
أنا راقدٌ في غرفتي
أكتبُ وأحلم وأرنو إلى الماره
من قلب السماء العاليه
أسمع وجيب لحمك العاري .
عشرون عاماً ونحن ندقُّ أبوابك الصلده
والمطر يتساقط على ثيابنا وأطفالنا
ووجوهِنا المختنقةِ بالسعال الجارح
تبدو حزينةً كالوداع
صفراءَ كالسلّ
ورياحُ البراري الموحشه
تنقلُ نواحنا
إلى الأزقة وباعةِ الخبزِ والجواسيس
ونحن نعدو كالخيولِ الوحشية على صفحاتِ التاريخ
نبكي ونرتجف
وخلف أقدامنا المعقوفه
تمضي الرياحُ والسنابلُ البرتقاليه.

وأفترقنا
وفي عينيكِ الباردتين
تنوح عاصفةٌ من النجوم المهروله
أيتها العشيقةُ المتغضّنة
ذات الجسد المغطَّى بالسعال والجواهر
أنتِ لي
هذا الحنينُ لك يا حقوده.

قبل الرحيل بلحظات
ضاجعتُ امرأة وكتبتُ قصيده
عن الليل والخريف والأمم المقهوره
وتحت شمس الظهيرة الصفراء
كنت أسندُ رأسي على ضلْفاتِ النوافذ
وأترك الدمعه
تبرق كالصباح
كامرأة عاريه
فأنا على علاقة قديمة بالحزن والعبوديه
وقربَ الغيوم الصامتة البعيده
كانت تلوح لي مئاتُ الصدور العارية القذره
تندفع في نهر من الشوك
وسحابةٌ من العيون الزرقِ الحزينه
تحدقُ بي
بالتاريخ الرابضِ على شفتيّ .

يا نظراتِ الحزن الطويله
يا بقع الدم الصغيرة أفيقي
إنني أراكِ هنا
على البيارقِ المنكَّسه
وفي ثنياتِ الثياب الحريريه
وأنا أسير كالرعد الأشقرِ في الزحام
تحت سمائك الصافيه
أمضي باكياً يا وطني
أين السفنُ المعبأةُ بالتبغ والسيوف
والجاريةُ التي فتحتْ مملكةً بعينيها النجلاوين
كامرأتين دافئتين
كليلة طويلةٍ على صدر أنثى أنت يا وطني
إنني هنا شبحٌ غريبٌ مجهول
تحت أظافري العطريه
يقبعُ مجدك الطاعن في السن
في عيون الأطفال
تسري دقاتُ قلبك الخائر
لن تلتقي عيوننا بعد الآن
لقد أنشدتُكَ ما فيه الكفايه
سأطل عليك كالقرنفلةِ الحمراء البعيده
كالسحابةِ التي لا وطن لها .

وداعاً أيتها الصفحات أيها الليل
أيتها الشبابيكُ الأرجوانيه
أنصبوا مشنقتي عاليةً عند الغروب
عندما يكون قلبي هادئاً كالحمامه
جميلاً كوردةٍ زرقاء على رابيه
أودُّ أن أموتَ ملطخاً
وعيناي مليئتان بالدموع
لترتفعَ إلى الأعناق ولو مرة في العمر
فإنني مليء بالحروفِ
والعناوين الداميه
في طفولتي
كنت أحلم بجلبابٍ مخططٍ بالذهب
وجواد ينهب في الكرومَ والتلال الحجريه
أما الآن
وأنا أتسكَّعُ تحت نورِ المصابيح
انتقل كالعواهرِ من شارعٍ إلى شارع
أشتهي جريمةً واسعه
وسفينةً بيضاء
تقلّني بين نهديها المالحين
إلى بلادٍِ بعيده
حيث في كلِّ خطوةٍ حانةٌ وشجرةٌ خضراء
وفتاةٌ خلاسيه
تسهرُ وحيدةً مع نهدها العطشان .

في المبغى

من قديم الزمان
وأنا أرضعُ التبغَ والعار
أحبُّ الخمرَ والشتائم
والشفاه التي تقبّلْ ماري
ماري التي كانت اسمها أمي
حارّة كالجرب
سمراء كيومٍ طويل غائم
أحبُّها
أكره لحمها المشبعَ بالهمجية والعطر
أربضُ عند عتبتها كالغلام
وفي صدري رغبةٌ مزمنه
تشتهي ماري كجثة زرقاء
تختلج بالحلي والذكريات.
من قديم الزمان
أنا من الشرق
من تلك السهول المغطاةِ بالشمسِ والمقابر
أحب التسكعَ والثيابَ الجميله
ويدي تتلمس عنقَ المرأة البارده
وبين أهدابها العمياء
ألمح دموعاً قديمةً تذكرني بالمطر
والعصافير الميتة في الربيع
كنت أرى قارةً من الصخر
تشهقُ بالألم والحرير
والأذرعِ الهائجة في الشوارع
فأنتم يا ذوي الأحذية اللامعه
والسلاميات المحشوةِ بالإثم والخواتم
ماذا تعرفون عن ماري الصغيرةِ الحلوه
ذات الوجه الضاحك كقمرٍ من الياسمين
ماذا تعرفون عن لحمها الذي يتجشَّأُ العطر والأصابع
حيث الشفاهُ المقروءةُ الخائفه
تنهمر عليها كالجراد
وهي ترنو إلى الطرقات الحالكه
بعد منتصف الليل
والنوافذ المفروشة بالزجاج والدم
قابعة كالحثالة في أحشاء الشرق
تأكلُ وتنام
وتموت قبلةً إثر قبله
تحلم بملاءةٍ سوداء
ونزهةٍ في شارع طويل
ممتلئٍ بالضجَّة والدفاتر والأطفال
وثغرُها الطافحُ بالسأم
يكدح طيلة الليل لتأكل ماري
الأفران مطفأةٌ في آسيا
والطيورُ الجميلة البيضاء
ترحل دونما عودة في البراري القاحله.

المسافر

بلا أمل
وبقلبي الذي يخفقُ كوردةٍ حمراءَ صغيره
سأودِّع أشيائي الحزينةَ في ليلةٍ ما
بقع الحبر
وآثار الخمرة الباردة على المشمّع اللزج
وصمت الشهور الطويله
والناموس الذي يمصُّ دمي
هي أشيائي الحزينه.
سأرحلُ عنها بعيداً
بعيداً
وراء المدينة الغارقةِ في مجاري السلّ والدخان
بعيداً عن المرأة العاهره
التي تغسل ثيابي بماء النهر
وآلاف العيون في الظلمه
تحدق في ساقيها الهزيلين
وسعالها البارد يأتي ذليلاً يائساً
عبر النافذةِ المحطَّمه
والزقاقُ المتلوي كحبلٍ من جثث العبيد.
سأرحلُ عنهم جميعاً بلا رأفه
وفي أعماقي أحمل لك ثورةً طاغيةً يا أبي
فيها شعبٌ يناضل بالتراب
والحجارة والظمأ
وعدة مرايا كئيبه
تعكس ليلاً طويلاً
وشفاهاً قارسةً عمياء
تأكل الحصى والتبن والموت.
منذ مدة طويلة لم أرَ نجمةً تضيء
ولا يمامةً تصدحُ شقراء في الوادي
لم أعدْ أشربُ الشاي قرب المعصره
وعصافيرُ الجبال العذراء
ترنو إلى حبيبتي ليلى
وتشتهي ثغرها العميقَ كالبحر.
لم أعد أجلس القرفصاء في الأزقه
حيث التسكع
والغرامُ اليائس أمام العتبات
فأرسل لي قرميدةً حمراء من سطوحنا
وخصلةَ شعرٍ من أمي
التي تطبخ لك الحساء في ضوء القمر
حيث الصهيلُ الحزين
وأعراسُ الفجر في ليالي الحصاد.
بعْ أقراط أختي الصغيره
وأرسل لي نقوداً يا أبي
لأشتري محبره
وفتاه ألهث في حضنها كالطفل
لأحدثك عن الهجير والتثاؤب وأفخاذ النساء
عن المياهِ الراكدةِ كالبول وراء الجدران
والنهود التي يؤكل شهدُها في الظلام
فأنا أسهرُ كثيراً يا أبي
أنا لا أنام
حياتي
سوادٌ وعبوديةٌ وانتظار.
فأعطني طفولتي
وضحكاتي القديمة على شجرةِ الكرز
وصندلي المعلَّقَ في عريشة العنب
لأعطيك دموعي وحبيبتي وأشعاري
لأسافرَ يا أبي .

جنازة النسر

أظنُّها من الوطن
هذه السحابةُ المقبلةُ كعينين مسيحيتين
أظنُّها من دمشق
هذه الطفلةُ المقرونةُ الحواجب
هذه العيونُ الأكثر صفاءً
من نيرانٍ زرقاءَ بين السفن .
أيها الحزن
يا سيفيَ الطويل المجعَّد
الرصيفُ الحاملُ طفله الأشقر
يسأل عن وردةٍ
أو أسير
عن سفينةٍ وغيمة من الوطن
والكلمات الحرّة تكتسحني كالطاعون
لا امرأةَ لي، ولا عقيده
لا مقهى، ولا شتاء.
ضمني بقوة يا لبنان
أحبُّكَ أكثر من التبغِ والحدائق
أكثر من جنديٍّ عاري الفخذين
يشعلُ لفافته بين الأنقاض
إن ملايين السنين الدمويه
تقف ذليلةً أمام الحانات
كجيوشٍ حزينةٍ تجلس القرفصاء
ثمانية شهور
وأنا ألمسُ تجاعيد الأرضِ والليل
أسمع رنينَ المركبة الذليله
والثلجَ يتراكمُ على معطفي وحواجبي
فالترابُ حزين
والألمُ يومضُ كالنسر
لا نجومَ فوق التلال
التثاؤب هو مركبتي المطهمةُ
وترسي الصغيره
والأحلام
كنيستي وشارعي
بها أستلقي على الملكاتِ والجواري
وأسيرُ حزيناً في آواخر الليل .

اورخان ميسر

من مواليد اسطنبول،عام 1914.
توفي في 1965.
قي سن الرابعة عشر انتقل مع أهله الى حلب.
ثم الى عاليه بلبنان، ودرس في الجامعة الوطنية، وبعدها في الجامعة الأمريكية ببيروت.
درس في البداية الطب، لكنه تركه ليدرس الفيزياء والعلوم.
كان يتقن العربية والانكليزية والفرنسية والتركية.
شغل منصب مدير للعلاقات في وزارة الإعلام السورية حتى وفاته.
صدر له:

سريال، شعر، بالإشتراك مع علي الناصر،1947، ثم أعيد طبع العمل من جديد، 1979.
قبور

لم تكن لي معاول في الماضي
فكنت أحفر القبور بأظافري
وكنت أضع في هذه القبور
لهاث المدى
وكنت ما بين لحظة وأخرى
أعود إلى مقبرتي فأجد
ما بين حفرة وأخرى
حفرة لم تصنعها يداي
غير أني في تجوالي هذا
أحسست كأنني لم أنتقل
من قبر إلى آخر .

بيرل هاربر

شفتاك اللتان أغفت عليهما شواطئ استوائية
تعبق أجواؤها بأنفاس قضبان القصب والأعشاب اللاهثة
في آفاقهما الممتدة إلى أضلاع الكون امتداد توق، تقطعه بحة، وتمزقه غصة
أساطير غامضة لحنين الأرض اللاهبة
إلى سديمها الحالم بأكوان ما زالت خطوطها رفة في خاطر الغيب
شفتاك
اليوم
بيرل هاربر.

سباق

الوقت ليس نهارا
الأضواء تصفع عيني الذاهلتين
سباق أخيلة عجيبة
تمور فيها الألوان
وتتلاشى الخطوط في التواءات ضامرة حينا
منتفخة حينا آخر
سباق أخيلة
يتقلص في مداه الأوقيانوس
ويمتد الجدول ويتسع.

انطلاق

شاقها الإنطلاق
فراحت تدور حول خطوط عرض الكرة
حيث الحياة انتفاضة بلهاء
في اجترار واحة وهمية
وفي عثرة جناح
تراءى أفق لكون جديد
لكون يبدع أنفا لمخلوق غريب.

ماكس ارنست

جسده الملفوف بالكفن الحجري يتلوى
فوق مياه البحيرة الهادئة
التي تتردد بين لفظه وابتلاعه
صرخات الرعب والهلع تختنق في رئتيه المتصلبتين
وتتلاشى بين دفقات اللهاث
النجدة ـ
مسوخ شريرة جائعة
أجوافها ممتلئة
أصداء قهقهات.

منذر مصري

من مواليد اللاذقية، عام 1949.
يحمل إجازة في العلوم الاقتصادية من جامعة حلب، ودبلوم في الإقتصاد الاجتماعي من معهد الاسكبيس في وارسو بولونيا.
أقام عدداً من المعارض الفردية في دمشق وحلب واللاذقية.
وحاليا يتشتغل موظفا.
صدر له:

آمال شاقة، شعر، 1978.
بشر وتواريخ وأمكنة، شعر، 1979.
داكن، شعر، 1989 .
مزهرية على هيئة قبضة يد، شعر، 1997.
الشاي ليس بطيئاً، شعر، 2004.
صدرت مختارات من قصائده بالفرنسية :

Les Gens de la côte, traduit Claude Krul aux éditions Alidades, 2005.
monzermasri@hotmail.com

نَظَرَاتُهُ قَد تَغَيَّرَت

نَادوهُ
إلى حَيثُ يُطَبِّلونَ وَيُزَمِّرون
وَلم يَجِدوا لَهُ عُذراً
عِندما فَتَّحَ عَينَيهِ قَليلاً
ثُمَّ
عَادَ إلى النَّوم.
/
فَهُم لَم يُلاحِظوا
أنَّ نَظَراتِهِ قَد تَغيَّرَت
وَأنَّ حَماسَتَهُ القَديمَة
تَنقَعُ قَدَميها
بِالماءِ الفَاتِر.

أندَمُ عَلى جَرائمي دونَ أن أرتَكِبَها

لو رَسمتُ صُورتي عاشِقاً
لَكُنتُ على شَكلِ زهرةٍ عِملاقَة
شَديدَةِ الزَّغب .
/
طَوَّحتُ بِكُلِّ ما لَدَي
عَلى الطَّريق الَّذي سَمَّاهُ الآخرونَ
حُبَّاً
تَوقاً إلى مَعنى مُثقَلٍ
ومُرهِق .
/
أنا الَّذي مَضيتُ دونَ تَحَسُّبٍ
إلى الألم
بقُوَّةِ العاطِفةِ التي تَطيحُ
بكُلُِّ ذَنب .
/
كانَ عَلى غَرائزي أن تَصبُرَ دَهراً
حتَّى تُثمِر
كانَ عَلَيَّ أن أتلهى بفَضائلي القليلَة
حَتَّى يَتَوافَقَ
حَشدٌ مِن الصُّدَف .
/
ذلكَ الكأسُ النُّحاسي
المليءُ بالدَّمِ والخواتم
كان عَليَّ أن أدلُقَ ما يَحتَويه
ثُمَّ أُطوحَ بالكَأس بَعيداً
كانَ عَليَّ قَبلَ تَركِكِ
ـ لو استَطَعتُ ـ
كَرهُكِ وقَتلُكِ
كي لا يكونَ لي سَببُ عَودة
كَي لا يكونَ لي مآب
كانَ عَليَّ أن أندَمَ عَلى
جَرائمي
دونَ أن أرتكِبَها.

بِشِفاهِ الآخَرين أستَطيعُ تَقبيلَكِ

لَم يَكُن بِوُدِّي أن أُحَدِّثَكِ عَن أشياء
ـ ماذا يُجدي ذَلِك ـ
كُنتُ أُريدُ أن تُحَدِّثَكِ الأشياءُ
عَنِّي
أن أستَعيرَ شِفاهَهَا لأقولَ لَكِ
حَتَّى أنَّهُ مَرَّ في خاطِري
بِشِفاهِ الآخَرين
أستطيعُ تَقبيلَكِ .
/
أفهَمي هَذا بِشُعورٍ مُرهَف
كظَلامٍ يَزحفُ عَلى بطنِهِ
في قاعٍ عَكِرٍ
لا قُدرَةَ لي بِمَلكاتي الطَّبيعيَّة
عَلى رَصدِهِ ومُتابَعةِ تَغَيُّراتِه
وهو يُحَوِّلُ أظافِرَكِ إلى شِفاه
إذا رَغِبتِ
أو بالعكس
حينَ يَتَبدَّلُ عُضوُكِ
مِن وَردَةٍ تَخجَلينَ مِنها
إلى شَوكَةٍ تُدمي .
/
كانَ خَطأي
أنَّني لَم أعِرف كَيفَ أنظُرُ إليكِ
كَقَمَرٍ نَهَاري
يَذوبُ في ضَوءٍ قَويّ
كُنتُ أراكِ
بعَينِ الألَم .
/
لا يَلزَمُني البَتَّةَ
أن أقِفَ على حافَّةِ سَطحٍ عالٍ
وأنظُرَ إلى الأسفل
مُتَخيلاً كَيفَ سَيكونُ
سُقوطِيَ الحُرّ
أو أن أذهبَ إلى مَكانٍ فيهِ ضَجيج
وأصرَخ
لأتمالَكَ نَفسي وأستَعيدَ قُدرتي
على التَّحَكُّمِ بِتَفكيري
(فَلَقَد أحبَبتُكِ أحبَبتُكِ
وتلَوثتُ)
وصارَ ذلِكَ صَعباً حتَّى
عَلى
الدُّموع .
/
ذِلِكَ أنَّي آثَرتُ مَعَكِ اِنهزاماً مَجيداً
عِوَضَ مُجَرَّدِ اِنتصارٍ
لَن يَسمَحَ لي أحدٌ أن أدَّعيهِ لَنَفسي
حينَ لَمَستُ الكَأسَ
أمامَ كُلِّ مَن يَراني
وأزَحتُهُ مِن مَكانِهِ عَشراتِ المَرات
ولم أُفَكِّر أن أرفَعَهُ
وَقَد جَفَّ فَمي
وأشرَبَ مِنهُ
قَطرَة .

أجابَني الصَّدى اِسماً آخَر

بَقَيتُ
لأنَّكِ طَلَبتِ مِنّي
لَيسِ بنظرتِكِ القانطةِ فَقَط
بَل بِصَوتِكِ الواهِن
أن أبقى .
/
ثَلاثُ أصابِعَ على فَمِك
ونافِذَةٌ مَملوءَةٌ بِالفَراغ
الَّذي حَلَّقَّت بِهِ عُيوننا
هذا ما كانَ بَيننا .
/
سُرعانَ ما أحسَّ كُلٌّ مِنّا بِبَلاهَتِه
فَتَبادَلنا اِبتِسامَةً مُقتَضَبَة
وَعُدنا لِتَفَقُدِ ما تَطالُهُ أيدينا
الأقلامَ الجَافةَ الَّتي لا تَكتُب
الخَواطرَ الَّتي تَضيع
الأحاسيسَ الحائرَة
بَين مََزهريةِ الأعشابِ البَّريَّة اليابسَة
الَّتي عَلى هَيئَةِ قَبضَةِ يَد
وَمِنفَضَةِ السَّجائرِ البَيضاء
الَّتي عَلى هَيئَةِ راحَةِ
كَفّ .
/
عِندَما فَهِمتِ خِلافَ ما كُنتُ أُقولُهُ
وِوافَقتِ عَلَيه
ثُمَّ أعِدتُهُ عليكِ وأفهَمتُكِ ما أعنيه
على الوَجهِ الصَّحيح
وَوافَقتِ عليهِ أيضاً
كَأن أُخبِرَكِ:
(وَقفتُ عَلى حافَّةِ وادٍ
وَصِحتُ اِسماً
فأجابَني الصَّدى
اِسماً آخَر).

الخاطرُ الذي بُحتُ لكِ به

سَوفَ تَذكُرين
كُلَّما أطفأتُ الأضواء
وأغلَقتُ البَابَ بالمفتاح
أعودُ وَاَبحَثُ عنِ المفتاحِ في كُلِّ جُيوبي
لأفَتَحَ البابَ وأُضُيءَ النُّور
وآخُذَ الشَّيءَ الذي كنتُ
حَريصاً على أن لا أنساه
وَنسيتُه .
/
سَوفَ تَذكُرين
أيَّ أحمَقَ أنا
عِندَما في وَسَطِ الدُّموع
كُنتُ دائماً أعرُضُ ابتسامَتي
لِذَلِكَ الخاطِرِ الذي بُحتُ لَكِ بهِ
إنَّ اللَّه جَبَلَ الإنسان
مِن طينَةِ الرَّمادِ والدُّموع
دُموعُ مَن ؟
سَألتِني .
/
تَذَكَّري أنَّهُ حتَّى في غِيابي
سَوفَ لن يَمنَعني أيُّ شَيء
بل سَوفَ يساعِدُني كُلُّ شَيء
أن أتَدَبَّرَ
على ذلكَ النَّحوِ الغامِض
بَهجتي أن أكونَ
في ذاكِرَتِك.

رَجُلٌ ضَلَّ الطَّريقَ مِراراً

في الرَّابِعَةِ وَالسَّبعين
بَدا أشَدَّ حيرَة
وَأقَلَّ إِيماناً بِما لا يُقاس.
في التَّاسِعَةَ عَشَرَة
كانَ عَلَيَّ ألاَّ أفعَلَ ذَلِك.
أمّا في الثَّلاثين
فَقَد كانَ عَلَيَّ ألاَّ أفعلَ ذَلِكَ أيضا
كانَ عَلى عادَتِهِ المَرذولَة
لَم يُقَرِّر بَعد:
(أُريدُ أن أعودَ لِلصِّفر).
/
في الرَّابِعَةِ وَالسَّبعين
لا يُكَلِّفُ المَرءَ الكَثيَرَ مِنَ الوَقت
أن يَتَماسَك
وَلو فَقَط أمامَ حاسِدِيه
لَكِنَّهُ بَدا لِلجَميعِ
أقَلَّ حَجماً وَأشدَّ إِثارَةً لِلشَّفَقَة
وَمِن جَديد
كانَ بِوُدِّهِ لَو يَنسى:
(كُلُّ ما فَعلتُهُ في حَياتي
حَماقاتٌ مُتَكَرِّرَة).
/
في الرَّابِعَةِ وَالسَّبعين
كَرَّسَ مَجدَه
فاشِلاً خالِداً
ما بَناهُ عالياً في السِّنينِ الأخيرَة
ألقى بِنَفسِهِ مِنهُ
كَما فَعَلَ تَماماً بِما بَناهُ عالِياً
في السِّنينَ الماضِيَة .
/
رَجُلٌ
ضَلَّ الطَّريقَ مِراراً
فَوَصَلَ إِلى قَلبي.

كِتابٌ يَتَدَلَّى نِصفُهُ مِن حافَّةِ الطَّاولِة

التُّحَفُ الرَّخيصَةُ ما زالَت عَلى الرَّف
الغُبارُ نائم
الكَنَباتُ الثَّلاثُ تجلِسُ صامِتَة
المِرآةُ عَلى الحائطِ تَنظُر .
/
قَلَمٌ وأوراق
وَكِتابٌ يَتَدَلَّى نِصفُهُ
مِن حافَّةِ الطَّاوِلَة .
/
كُلُّ شّيءٍ في مَكانِهِ
لا شَيءَ تَبَدَّل
كَتَفاصيلِ صُورَةٍ شاحِبَة
اُلتُقِطت مُنذُ زَمَن
لَكِنَّ قَلَقاً تَجَمَّعتِ الأدِلَّةُ ضِدَّه
يَمشي فَوقَ بَلاطِ الغُرفَةِ
ذَهاباً وإياباً
حافِيَ
القَدمين.

فِنجانٌ كَسَرتِ طَرَفَه

حَتَّى ما لا حاجَةَ لَكِ بِه
جَمَعتِهِ كَيفَما اتَّفَق
في حَقيبَةٍ قَديمَةٍ
لِتَرمي بِها مَع كُلِّ ما تَحتوَيهِ
بَعيداً.
/
غادَرتِني
وَبِحِرصٍ لَم أعرِفهُ فيكِ مِن قَبل
لَم تُخَلِّفي وَرَاءَكِ أثَراً.
/
أبقيتُهُ
ذِكرى مِنكِ
فِنجانيَ الَّذي كَسَرتِ
طَرَفَه.

غِربانٌ عَلى مَرمى حَجَر

وَكَأنَّما وِلِدتُ
وَأنا أعلَمُ كُلَّ ما كُتُبِ عَلَيّ
لَم أُدهَشْ
وَلَم أحسُد أحَداً.
/
سِوى غِربانٍ سَوداء
حَطَّت مِراراً
عَلى مَرمى حَجَرٍ مِني
وَكِلابٍ
تَنبَحُ وَتركُض
بِلا أطواق.

غِربانٌ تَفرُدُ
وَتَطوي أجنِحَتَها

الغِربانُ السَّوداء
عَلِمَت
أنَّ الكُوَّةَ الَّتي يُقذَفُ مِنها
فُتاتُ الخِبزِ وَبَقايا الطَّعام
يَقبَعُ في عَتمَتِها
عَينانِ بَشَريَّتان
تَرقُبانِ مَجيئَها وَرَواحَها.
/
الغُربانُ الماكِرَة
تَختالُ بِمَشيَتِها العَرجاء
فوقَ الثَّلج
تَفرُدُ وتَطوي أجنِحتَها
مُباهيَةًً
بِبَريقِ سَوادِها.

عينا أليعازر

عندما
كريح لفحتِ قبره.
عندما
كعاصفة كسرتِ شاهِدَتَه
وهدمتِ جدرانه.
عندما
كقدر وطئتِ جثته
ودستِ على أحشائه.
عندما
كقيامة
سقطتْ نقطةٌ من رضابك
على صفحة خدِّه
وانسلَّتْ في بطء
إلى زاوية فمه
ثم إلى رأس لسانه
ثم إلى
قلبه
وفجأة
فتح عينيه ورآك
رآكِ بعينيه العمياوين الدفينتين
اللتين رأتا كلَّ شيء
رآكِ بعينيه الميتتين
اللتين رأتا تحت التراب
ما لم تَرَه عينا حي
فأحسَّ في أعماقه
من قاع موته
شيئًا ينتش
شيئًا يتفتق
شيئًا يشق قشرته
ويبزغ برأسه وينبت
ثم رآه ينمو ويكبر
كعمود من دم
كجذع من لحم
كنخلة من شهوة
وراح يرمي ثماره
على
بطنك
أي روح أنت ؟
أي رب
أحببته ؟.

علي الناصر

من مواليد حماة، عام 1894.
توفي عام 1970 .
درس الطب في الأستانة.
أقام في مدينة حلب حتى مقتله بالرصاص في عيادته، لم يعرف قاتله.
صدر له:

قصة قلب، شعر، 1928.
الظمأ، شعر، 1931.
البلدة المسحورة، شعر، 1935.
سريال، شعر، بالاشتراك مع أورخان ميسر، 1947.
دن الدموع، شعر، 1954.
هذا أنا، شعر، 1961.
اثنان في واحد، شعر، مع لوحات عدنان ميسر، 1968.
كما أعلن في نهاية مجموعته الشعرية: اثنان في واحد، عن قرب صدور أربع مجموعات شعرية لم يعرف عنها شيئا بعد مقتله هي: قصة أيام، قصة الكون الثاني، الأغوار، المطاف الأخير.
أصدرت وزارة الثقافة السورية أعماله الكاملة، 2007 .
حشرجة

إن هذه الكأس
وهذي الدمعة الخجلة
وهذه الآلهة الحبيسة
وهذا الخفوق
ليست كلها سوى محاولة فاشلة
لتقنع نفسك أنك حيّ.
ما الفائدة من سراك في متاهات الأغوار؟
أكانت أغوارا حقا
أم أخاديد حفرتها أظافرك الضجرة ؟!
أيها القلب قل لي:
من سخّرك
لتكون أعظم مرتل كنسي قانت
لأعظم إله موسيقي ساخر؟!
نزيف دمائك استشهاد في سبيل لا شيء.
أيها الحب
أيها الثعبان الجميل
المنتقم
الجبان
الذي لا يجرؤ على قتل فريسته بطعنة واحدة
أفتخر بنزعي الطويل
وأطربْ لحشرجة ذليلة توجب الغثيان.

حصان عربي أصيل

حصان تحت حمل ثقيل
يكاد ببطنه وعراقيبه يمس الأرض تحت هذا الحمل
إنه أصيل لا تزال عيناه تقدحان الشرر
وأذناه المؤللتان حربتان تمزقان صدر الهواء
ومنخراه كشدقي أسد ثائر
وذيله كشراع مركب خرافي
لا يزال متنه ينتظر السرج المذهب والأمير الحمداني
وينتظر قرع الطبول لتجنّح قوائمه
إنه الآن كـــ: بيكاس، بيد صاحبه الفلاح الخشن
حمله الجائر الثقيل
وسائقه الجهول الغليظ
لم ينقصا من عنفوانه
لأنه أصيل يتحمل غدر الزمن بثبات وإزدراء
إن المصائب والأهوال لا تزعزعه
عيناه تقدحان الشرر
وأذناه تمزقان صدر الهواء
وهو لا يزال ينتظر قرع الطبول
طبول بني حمدان!.

_________________


حسن بلم

نوارس سوداء,مختارات شعرية لكبار شعراء قصيدة النثر

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة

صفحة 1 من اصل 1
نوسا البحر :: فوضى الحواس(منتديات ثقافيه) :: مرتفعات أو سوناتا الكلام

حفظ البيانات | نسيت كلمة السر؟

هوانم نوسا | عفاريت نوسا البحر google+ | عفاريت نوسا | مجلة الصور | مجلة عفاريت