تحميل كتاب فيتامينات للذاكرة pdf لبلال فضل

♪♫.. الادارة..♫♪
avatar
رسالة sms : سيرى ببطئ ياحياة
لكى أراك بكامل النقصان حولى
كم نسيتك فى خضمك
باحثا عنى وعنك
وكلما أدركت سرا منك
قلت بقسوة
مأجهلك!!!!
ذكر
عدد المساهمات : 10368
الاٍقامة : وراء الأفق حيث لاشئ سواى وحبيبتى
العمل : مهندس
نوسا البحر :
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
2015-12-14, 7:44 am
فصل من كتاب فيتامينات للذاكرة لبلال فضل

(1)
في مساء 22 يوليو/ تموز 1957، كانت قد مرت خمس سنوات على وعد ضباط ثورة يوليو 1952 المصريين بتحقيق حياة نيابية سليمة، من دون أن تشهد البلاد مجلساً نيابياً يعبّر عن إرادة شعبها الذي تتحدث باسمه الأغاني والمقالات والأفلام، معبّرة عن ولاء الشعب للقائد الضرورة الملهم جمال عبد الناصر، الذي تجسّد فيه الشعب، والذي شاءت إرادته، بعد حوالي أربع سنوات من سيطرته على البلاد، ومصادرته العمل السياسي والحزبي والصحافي، أن يكون للشعب، أخيراً، برلمان، تمت تسميته مجلس الأمة.
ليلتها، وقبل ساعات من الانعقاد الرسمي لأول جلسات المجلس، المعبّر عن الحياة النيابية السليمة، استقبل حرس المجلس إشارةً إلى زيارة عاجلة سيقوم بها مسؤول كبير، تم إعلان حالة الطوارئ بين صفوف الحرس، وبعد نصف ساعة، وصل إلى بوابة المجلس جمال عبد الناصر في سيارة عاديةٍ، لا ترافقها حراسة، لكي لا يتعرّف عليه المواطنون في الطريق. كان الزعيم الملهم قادماً لكي يتفقد البرلمان، الذي سيراقبه ويحاسبه، ويحكم باسم الشعب على قراراته وسياساته. دخل عبد الناصر قاعة المجلس، وصعد على المنصة، وسأل مرافقيه عن عدد الميكروفونات واتجاهها واختبر قوتها، ثم طاف بالبهو الفرعوني الشهير الذي كان يراه أول مرة، وخلال تجوّله في أنحاء البرلمان، رأى تماثيل كان قد تم صنعها لزعماء مصر قبل الثورة، فأمر بتخزينها فوراً، لكي تتحقق القطيعة الكاملة مع الماضي الذي قامت الثورة من أجله، لتبقى التماثيل في المخازن إلى الأبد، وليبقى معها حلم الحياة النيابية السليمة الذي ظل حتى الآن وهماً لم تشهده مصر.
(2)
كانت أولى أزمات المجلس النيابي "السليم" معبّرةً للغاية، عن مدى سلامته وعن مستقبله أيضاً، فقبل أن يذهب النواب إلى المجلس أصلاً، نشرت صحيفة الأهرام صباح يوم الافتتاح خبراً عن انتخاب عضو مجلس قيادة الثورة، عبد اللطيف البغدادي، رئيساً لمجلس الأمة بالإجماع، كما نشرت اسمي وكيلي المجلس المنتخبين، اللذين كان أحدهما عضو آخر لمجلس قيادة الثورة، هو محمد أنور السادات، كان الأمر مستفزاً حتى لأعضاء المجلس الذين لا ينتمي أحد منهم إلى فئة "أعداء الشعب". ولذلك، تسبب ذلك الخبر في أزمة حادة تحت قبة المجلس، كما يكشف المحرر البرلماني المخضرم محمد الطويل في كتابه (برلمان الثورة تاريخ الحياة النيابية في مصر 1957 ـ 1977) ـ والذي بدأ كتابته عقب مقتل السادات عام 1981، مطلعا على 750 مضبطة برلمانية، متحرياً الوقائع غير المسجلة بالاتصال بشهودها الأحياء.
بدأت الأزمة، بعد أن انتخب المجلس لرئاسته المؤقتة أحمد صبحي الهرميل، أكبر أعضائه سنا، الذي دعا الأعضاء إلى انتخاب رئيس المجلس ووكيليه، وأعطى الكلمة لأول من طلبها، وهو
"كان الزعيم الملهم جمال عبد الناصر قادماً لكي يتفقّد البرلمان، الذي سيراقبه ويحاسبه، ويحكم باسم الشعب على قراراته وسياساته"
الدكتور عبد الغفار متولي، الذي أدلى بكلمة غاضبةٍ، طلب فيها من رئيس المجلس أن يوجه نظر الصحف إلى عدم سبق الحوادث، معترضاً على الخبر الذي نشرته "الأهرام" عن انتخاب عبد اللطيف البغدادي ووكيليه بالإجماع، قبل أن ينعقد المجلس، معتبراً أن ذلك يمكن أن يجعل الشعب يسيء فهم المجلس، ويتصور أن عليه إملاءات، ويبدو أن السادة الأعضاء قرّروا أن يؤكدوا سوء الفهم ذلك، فتجاهلوا ما قاله زميلهم كأنه لم ينطق به، بل على العكس تماماً، صاح العضو محمود العتال، من دون حتى أن يطلب الكلمة رسميا، مطالبا بترشيح عبد اللطيف البغدادي لرئاسة المجلس، ليصيح عضو آخر مطالبا البغدادي أن يقف، ويقول اسمه بالكامل. وقف البغدادي فوراً، وردد اسمه بالكامل، فدوّى المجلس بتصفيق حاد، تخللته أصوات تعلن الموافقة على ترشيحه بالإجماع، ولكي يزداد طين الإجماع بلّة، وقف العضو شوقي عبد الناصر، شقيق جمال عبد الناصر طبعاً، ليعلن أنه طالما كان المرشح لرئاسة المجلس واحداً، فلا ضرورة لإجراء الانتخاب على مقعد الرئيس، ليكون بالتزكية، وحين اعترض العضو محمود جلال، رد عليه شوقي عبد الناصر بحماس شديد، وأيده العضو محمد علي قاسم، فصفّق المجلس لهذا التأييد، ويبدو أن إصرار محمود جلال على التعبير عن رأيه، والذي دعمه بمواد من لائحة المجلس، أربك الجميع، خصوصاً أن أداء محمود جلال كان قوياً، بفضل تمرسه السابق في العمل النيابي، حيث كان عضوا ثماني سنوات في برلمانات ما قبل الثورة. ولذلك، قرّر المعنيون بالأمر تغيير "البروغرام"، ليتقدم مرشحون لمنافسة البغدادي على رئاسة المجلس، لتكون نتيجة "الانتخابات" كالآتي: البغدادي 332 صوتا، محمود فهمي أبو كرورة 7 أصوات، محمد رشاد الحاذق صوت، إبراهيم الطحاوي صوت، ليعلن البغدادي رئيساً للمجلس وسط تصفيق حاد، صاحب كلمته التي أعلن فيها سعادته بانتخابه رئيساً لأول مجلس نيابي يقوم في عهد الثورة المجيدة.
وبعد أن استمع الأعضاء إلى كلمةٍ، ألح في طلبها محمود جلال العضو المتسرّب من حياة نيابية سابقة، ذكّرهم فيها بتاريخ العمل النيابي في مصر، لكي لا يتصوروا أنهم يجلسون في ذلك المكان من فراغ، وطالب رئيس المجلس وقادة الثورة بإتاحة الحرية للمجلس، ليكون خير ممثل للشعب حقاً وصدقاً. وهنا، جاء الرد على كلامه بشكل عملي ومعبّر، حيث قرر العضو محمد فوزي أبو سيف، في كلمته، أن يوجه التحية "إلى السيد الرئيس العظيم جمال عبد الناصر ورفاقه الذين كان لهم الفضل على الشعب المصري الذي أيّدهم في ثورتهم، وسيكون المجلس، بل ونحن لهم جميعاً، درعاً نضحي بحياتنا في سبيل هذه الثورة وأبطالها".
عندما رُفعت الجلسة للاستراحة، اكتملت المهزلة بتوجه العضو إبراهيم الطحاوي إلى رئيس المجلس في غرفته، يعتذر عن مبادرته لترشيح نفسه، ويطلب سحب ذلك. وحين عاد المجلس للانعقاد، أعلن البغدادي طلب الطحاوي سحب ترشيحه، واعتبار الصوت الذي أعطي له باطلاً، ليدور جدل عقيم حول ذلك الأمر، وتكتمل مسرحية انتخاب وكيلي المجلس اللذين سبق الإعلان عنهما قبل انعقاده، وتظهر بعد ذلك نفحات النفاق والتملّق كما وصفها محمد الطويل، حيث طلب العضو إسماعيل كامل عثمان أن يقوم مجلس الأمة بتكريم سيادة رئيس الجمهورية وزملائه أعضاء مجلس قيادة الثورة، ليزايد عليه العضو محمد فوزي أبو سيف، ويطالب بمنحهم عضوية مجلس الأمة الذي يفترض به أن يراقبهم. وترفع الجلسة الأولى للبرلمان بتلك الاقتراحات النفاقية على أساس أن تعود في مساء اليوم نفسه، لسبب لا أظنك ستستغربه، هو الاستماع إلى أول خطاب للزعيم الملهم أمام برلمانه، الخطاب الذي جاء بالأمس ليراقب جودة الميكروفونات التي ستذيعه.
(3)
لم يكن حرص ضباط يوليو 52 على اختيار لفظ "سليمة"، لوصف الحياة النيابية التي يسعون إليها، منفصلاً عن سعيهم إلى توصيف الحياة النيابية التي قضت عليها الثورة بأنها كانت فاسدة
"نجحت "دولة يوليو"، عبر مناهج التعليم والأذرع الإعلامية والثقافية، في أن تنشر بين المصريين، روايتها المعتمدة والوحيدة عن الفساد الكامل للحياة النيابية قبل الثورة"
ومعيبة، ولم يكن فيها ما يستحق أن يبكيه الشعب، ولأن "الدوي على الودان أمرّ من السحر"، فقد نجحت "دولة يوليو"، عبر مناهج التعليم والأذرع الإعلامية والثقافية، في أن تنشر بين المصريين، جيلاً بعد جيل، روايتها المعتمدة والوحيدة عن الفساد الكامل للحياة النيابية التي كانت لديهم قبل الثورة، وأن الديمقراطية الحزبية التي شهدتها مصر لم تكن سوى أكذوبة لإلهاء الشعب عن مشكلاته الحقيقية، وأن مجالس النواب التي سبقت الثورة كانت كلها تقوم بعمل تمثيليات سياسية، يتواطأ فيها الجميع مع الملك. وفي مقدمتهم حزب الوفد الذي كانت الأغلبية الشعبية تؤيده. ولذلك، لا خير في حياةٍ نيابيةٍ تقوم على التمثيل الحزبي والتنافس الانتخابي، بل على الانتخابات أن تتم بين من يثبت أنهم ليسوا من أعداء الشعب، ومع أن أغلب هؤلاء كان قد تم رميهم في السجون أو نفيهم إلى خارج البلاد أو حتى إعدامهم "بأمر الشعب"، إلا أن الأمر لم يسلم من غربلة دقيقة لكل المرشحين، تتم تحت سمع وبصر وبطش الأجهزة الأمنية التي تم تطوير أدائها القمعي، لتجعل من أسطورة القلم السياسي المرعب أضحوكة.
وفي ظل بحار من الطنطنة والتهليل والزعيق المستمر في الشعب أن "يرفع رأسه بعد أن مضى عهد الاستعباد"، غرق المصريون في أكاذيب عدم جدوى الحياة البرلمانية القائمة على المنافسة الحزبية والديمقراطية وحرية التعبير، وسلّموا أمورهم للبرلمان المعقّم، الخالي من أعداء الشعب والمواد المعارضة، والذي لن تدخله أبداً قوى "ظلامية رجعية مناهضة لأحلام الشعب المصري، كما يجسّدها، ويعبّر عنها، الزعيم جمال عبد الناصر". ولذلك، أدينت الحياة النيابية والحزبية قبل الثورة، من دون أن يتم تقييمها بشكل عادل ومنصف، فيعرف المصريون أن قصور الأداء النيابي لتلك البرلمانات والأحزاب، كان سببه تدخل القصر الملكي في العمل السياسي بالحل والمصادرة والقمع، ما لم يتح لتلك البرلمانات والحكومات المنبثقة عنها أن تمارس دورها على أكمل وجه، بدليل أنها حين كانت تأخذ فرصتها في العمل، كانت تحقق نتائج مهمة، سرعان ما تثير غضب القصر الملكي، فيلجأ إلى حلها وتعطيل عملها. وبالتالي، لن يكون الحل، أبداً، بمصادرة إرادة الشعب من جديد، بحيث يلعب الرئيس القادم من الجيش دور الملك، بل أن يتاح للآلية الديمقراطية أن تعمل بكامل طاقتها، وليس أن يصور عسكر يوليو للشعب أن العيب لم يكن في تفاصيل إدارة العملية السياسية، بل في العملية السياسية نفسها وآلياتها الديمقراطية والنظام الحزبي كله، وأن الحل يكمن في إلغاء ذلك كله، وتحويل الانتخابات النيابية من صراع سياسي على برامج مختلفة، إلى تنافس بين أناس يتفقون تماماً في الفكر والسياسة والتوجهات، على أن يسمح لهم بالاختلاف على التفاصيل فقط، لتتحوّل المجالس النيابية إلى مجالس محلية، تصب جام غضبها على الوزراء المستجدين، والمسؤولين المساكين الذين لا يرتبطون بعلاقات قوية بالرئيس ومراكز القوة المسيطرة على البلاد.
(4)
بالطبع، لم يكن في مصلحة عسكر يوليو أن تقوم وسائل الإعلام التي سيطرت عليها الدولة بالكامل، قبل أن تؤمّمها بالكامل عام 1961، بتذكير المصريين بالنضال السياسي الذي خاضه آباؤهم وأجدادهم، من أجل تأسيس حياة نيابية ديمقراطية، تجعل الشعب يحكم نفسه بنفسه، وتضع "الحق فوق القوة والأمة فوق الحكومة"، وهو ما جعل مصر تشهد بين ثورتي 1919 و1952 تسعة برلمانات، كان من بينها ما تم إنشاؤه بالتزوير والقمع وإدارة البوليس السياسي، وكان من بينها ما جاء عبر انتخابات حقيقية أقبل عليها الشعب، والأخيرة تعرّضت كلها لحرب شعواء من القصر الملكي، سواء بمعاندة ما يصدر عنها من قرارات، ومحاولة إفراغها من محتواها، أو بالتضييق على نوابها النشطين، أو بتعريضها لقرارات الحل والإلغاء، بتهمة أنها تتجاوز حدودها، وتنازع الملك في سلطاته.
كان ترتيب تلك البرلمانات كالآتي: الأول الذي جاء عقب صراع سياسي طويل، استمر سنوات عقب ثورة 19، تم افتتاحه في 15 مارس/ آذار 1924. ومع ذلك، تعرّض للحل في
"كان مستحيلاً أن تسمح دولة يوليو بتذكير الشعب المصري بأن الدعوة إلى الثورة على الملكية بدأت، أصلاً، من داخل البرلمان في عدة مواقف تاريخية، أعلنها عدد من النواب"
بداية دورته الثانية في نوفمبر/ تشرين الثاني من سنة 1924، بفضل ثغرة تم زرعها في دستور 1923، ليستغلها الملك فؤاد في إحكام سيطرته على البلاد، لكن هذا البرلمان الذي استمر عدة أشهر فقط كان أسعد حظاً من البرلمان الثاني الذي تم حله في يوم افتتاحه، أي أن عمره لم يتجاوز ساعة واحدة، لأن الانتخابات جاءت ببرلمان وفدي اعتبره الملك صورة طبق الأصل من برلمان 1924. وبعد ذلك، جاء ائتلاف حزبي بالبرلمان الثالث في نوفمبر/ تشرين الثاني 1926، وقد تولّى فيه زعيم الأمة ورئيس حزب الوفد، سعد زغلول، رئاسة مجلس النواب، تاركاً رئاسة الوزارة لعدلي يكن، خصمه السياسي اللدود وزعيم معارضيه، ومع أن ذلك المجلس قام بخطوات تشريعية ورقابية مهمة، فقد تم حله في بداية 1928، بسبب انتهاء الائتلاف الحزبي واستغلالا لوفاة سعد زغلول.
في نهاية سنة 1929، جاء البرلمان الرابع، لكنه لم يُعمّر أكثر من خمسة أشهر، ليعلن قرار حله بعدها، ثم يتم إلغاء دستور 1923، ويعلن الطاغية إسماعيل صدقي، المدعوم من الملك، دستوراً آخر جاء ببرلمان خامس، تمت صناعته على عين إسماعيل صدقي، وبدعم أجهزة أمنه، وبعد نضال شعبي مبهر وملهم استمر سنوات. وفي 1936، عاد دستور 23 من جديد، وأقيمت انتخابات شعبية حرة، جاءت بالبرلمان السادس الذي سيطر عليه حزب الوفد الذي كان زعيمه مصطفى النحاس قد تحوّل إلى أيقونة شعبية، ليتم حل ذلك البرلمان في إبريل/ نيسان 1938، ويعقبه البرلمان السابع الذي تم حله عقب أزمة 4 فبراير/ شباط 1942 الشهيرة، والتي وصلت بالخلاف بين "الوفد" والقصر إلى منتهاه، وأتاحت الفرصة لكثير من أحزاب الأقلية أن تصطاد في المياه العكرة، وتستغل دعم الإنجليز مصطفى النحاس في مواجهة الملك، بتصوير "الوفد" بأنه خان الوطن والشعب، في الوقت الذي كان النحاس قد تبنى فيه رأياً بأن الخطر الحقيقي على الأمة المصرية، يكمن في إلغاء الملك إرادتها، وأنها لن تتحرّر من الإنجليز إلا إذا قامت بحماية الدستور الذي يضمن حكم الشعب المصري نفسه، لتبقى البلاد في خضم تلك المعارك السياسية من دون برلمان، حتى جاء البرلمان الثامن الذي تم انتخابه في يناير/ كانون الثاني سنة 1945، وهو البرلمان الوحيد الذي أكمل دوراته الخمس إلى نهاية سنة 1949، ثم جاءت الانتخابات في يناير سنة 1950 ببرلمان هو التاسع الذي ظل قائما حتى أطاحته ثورة يوليو 1952.
كان مستحيلاً أن تسمح دولة يوليو بتذكير الشعب المصري بكل ما صاحب تلك المسيرة من نضال حقيقي، ولا بأن الدعوة إلى الثورة على الملكية بدأت، أصلاً، من داخل البرلمان في عدة مواقف تاريخية، أعلنها عدد من النواب من مختلف الأحزاب، ولا أن يتم تذكير الشعب بقوانين مهمة حققها البرلمان الوفدي الوحيد الذي أكمل دورته في مجالات التعليم والري والتموين والصحة والسياسة الخارجية، على الرغم من أن ذلك تم في ظل تعرّض الوفد نفسه لأزماتٍ كثيرة، بعد انشقاق عدد من قادة "الوفد" المهمين، وتغوّل جناح فؤاد سراج الدين داخله. ومع ذلك، ظل النحاس قادراً على المناورة والمبادرة، وتجديد دماء الوفد بضم عناصر يسارية ومتمردة عديدة إليه، لكن ذلك كله لم يؤتِ ثماره بسبب احتكام الأزمات السياسية التي تسبب فيها الملك فاروق وحاشيته، والتي أوصلت البلاد إلى طريق مسدود، كان ينذر بانفجار شعبي حاشد، أجهضه قيام العسكر بحركتهم التي وصفها المصريون بالمباركة، لأنها حققت أحلامهم في الخلاص من الملكية الفاسدة.
ومع أن الجيش كان قد وعد الشعب بأن يعود إلى ثكناته فوراً، ليترك لممثلي الشعب تحقيق أهداف الثورة وأحلامها، إلا أن الأمر انتهى نهاية حزينة، بعد تواطؤ "الإخوان المسلمين" وقانونيين منتمين لأحزاب الأقلية، على تحريض قيادات الثورة ضد "الوفد" وغيره من الأحزاب الكبيرة، ومطالبتهم على طريقة "كمّل جميلك" بأن يقوموا بتطهير الحياة السياسية من تلك الأحزاب التي تم تحميلها كل خطايا العهد السابق، وإهالة التراب على سنوات من النضال السياسي والشعبي، ليظهر وكأن تاريخ الحرية والكرامة بدأ مع مجيء العسكر إلى الحكم، ولينتهي الأمر بتخلّص العسكر من "الوفد" وغيره من الأحزاب، ثم بتخلّصهم من "الإخوان" والقانونيين الذين ساعدوهم، ثم بتخلصهم من قوى اليسار المتناحرة والسيطرة على النقابات والصحف، وخنق المجال السياسي، ليصبح الأداء السياسي المسموح به متاحاً فقط تحت قبة مجلس الأمة الذي ذهب الزعيم الملهم ليتفقده قبل افتتاحه.
(5)
كان مجلس الأمة الجديد، كما رأينا، ومنذ افتتاحه، مصنوعاً على مقاس دولة الضباط، وطبقاً لمواصفاتهم السياسية القياسية. ومع ذلك، تسرّب إليه أعضاء خرجوا على النص، كان أشهرهم
"كان مجلس الأمة الجديد، ومنذ افتتاحه، مصنوعاً على مقاس دولة الضباط، وطبقاً لمواصفاتهم السياسية القياسية"
النائب أبو الفضل الجيزاوي الذي قدم سؤالاً حول أوضاع المعتقلين السياسيين، رد عليه زكريا محيي الدين، وزير الداخلية وعضو مجلس قيادة الثورة بشراسة، نافياً وجود أي معتقلين سياسيين في مصر. وعلى الرغم من أن النائب راوية عطية حاولت مساندة زميلها الجيزاوي في سؤاله، إلا أن القضية أقفلت بالتجاهل، ليعود المجلس إلى دوره المرسوم، بإقرار القوانين التي كان يحتاج عبد الناصر إلى إصدارها عبر المجلس، بدلاً من أن يعلنها بنفسه مسبوقة بعبارته الأثيرة (باسم الشعب)، ومع أن المجلس لم يخذل زعيمه الملهم في كل ما طلبه من قرارات، إلا أن ذلك لم يمنع الزعيم من إصدار قرار جمهوري بحل المجلس في أغسطس/ آب عام 1958، لتختفي أي مظاهر نيابية، حتى لو كانت صورية من مصر، سبعة أعوام، حيث لم تعد إلا حين قرر عبد الناصر في مارس/ آذار 1964 أنه بحاجة إلى برلمان ديكوري جديد.
وربما لو كان البرلمان الذي أعاده عبد الناصر، في منتصف الستينات، يمثل كياناً شعبياً سياسياً حقيقيا، لقام بمحاسبة عبد الناصر ومراقبته وإيقاف مسؤولين كثيرين عند حدودهم ومنعهم من العبث بالبلاد، ولكان صعباً أن تشهد مصر تلك الهزيمة المذلّة في 1967، لكنه كان برلماناً صورياً مصنوعاً بانتخابات كرتونية، تتحكّم فيها الأجهزة الأمنية، تماماً ككل البرلمانات التي أعقبته في عهدي السادات ومبارك، حيث بدأت تتزايد شيئاً فشيئاً المساحات المسموحة لنواب المعارضة، لكي يضفوا شرعية على القوانين والقرارات التي تخرج دائماً حاصلة على الأغلبية الساحقة الماحقة، ومطابقة لرضا ولي النعم وطلبات حاشيته.
(6)
حين عادت البلاد ثانية إلى برلمان الصوت الواحد في عام 2010، حيث لم يسمح حتى
"لو كان البرلمان الذي أعاده عبد الناصر، في منتصف الستينات، يمثل كياناً شعبياً سياسياً حقيقيا، لقام بمحاسبة عبد الناصر ومراقبته"
للمعارضة الكرتونية بأن يكون لها مكان تحت القبة، جاءت ثورة يناير لتطيح حسني مبارك وحكومته وبرلمانه، وشهدت مصر بعد الثورة برلماناً منتخباً حقيقياً لأول مرة منذ حكمها العسكر. لكن المؤسف أن الفائزين فيه، والذين كان أغلبهم من أعضاء جماعة "الإخوان" والتيارات السلفية، حوّلوا جلسات البرلمان إلى مسرح هزلي، ينشغل بأشد القضايا هامشية وإثارة للجدل الشعبي، ورفضوا تمرير قوانين مهمة، كان يمكن أن تساعد على محاكمة المسؤولين المتورطين في القتل وإعادة الأموال المهرّبة وتحرير الإعلام من سطوة الأجهزة السيادية. وساعدت مواقف كثيرة، اتخذوها بالتنسيق مع المجلس العسكري، على إشعال نار الاستقطاب السياسي، وتخييب الآمال التي عقدها كثيرون من شباب الثورة على المجلس، من دون أن يدركوا عنصر الوقت الحاسم، خصوصا عقب الثورات، ليرتبط العمر القصير لذلك المجلس، قبل حله، بقرار من المحكمة الدستورية العليا بشعار "وزير الداخلية قال ما فيش خرطوش يبقى ما فيش خرطوش"، الذي رفعه رئيسه سعد الكتاتني، دفاعا عن "الداخلية" والجيش خلال مذبحة شارع محمد محمود. ولذلك، لم يأسف عليه كثيرون من شباب الثورة والمشاركين فيها حين تم حله.
في الوقت نفسه، وفي ظل عجز المشاركين في الثورة عن تشكيل تنظيماتٍ سياسية قوية تفرض مطالبها بشكل واضح، استغلت أجهزة الإعلام المدعومة من الجيش والأجهزة الأمنية، كل الممارسات الغريبة والصادمة التي قام بها قادة تيارات الشعارات الإسلامية، تحت قبة ذلك المجلس قصير العمر وخارجه، لشن هجوم شرس على الديمقراطية والعمل النيابي والحزبي، وظل ذلك المنطق الكريه يكتسب أرضاً شعبية مع كل قرار خاطئ يقوم به الرئيس الإخواني، محمد مرسي، ومع كل تصريح منفلت، يصدر عن أي مسؤول إخواني أو حليف سلفي. وبعد أن تم عزل مرسي عن الحكم، وجاءت لحظة طلب التفويض الشعبي التي قفز فيها عبد الفتاح السيسي على السلطة، ليصادر على مطلب الانتخابات الرئاسية المبكرة، كان لا بد أن تعود لاءات "لا حرية لأعداء الشعب ـ لا للأحزاب الكرتونية ـ لا لعملاء الخارج ـ لا صوت يعلو فوق صوت المعركة" لتدوي في سماء الوطن، ويتم إخراس وتخوين كل من يطالب بمناخ ديمقراطي سليم تبتعد أجهزة الأمن والاستخبارات عن التدخل فيه، وتشويه كل من يطالب أجهزة الإعلام بعدم تجاوز القانون بناءً على طلبات من يدفع لها ومن يحرّكها، ليبقى المجال السياسي، في النهاية، حكراً على من ينالون رضا الأجهزة الأمنية، ليُصنع من هؤلاء مشروع برلمان على مقاس الزعيم الملهم، لتعيد مصر ذلك الفيلم الهابط من جديد وبحذافيره، على أساس أنه يمكن أن يفضي إلى نهايةٍ سعيدة هذه المرة.
إزاي؟ ما تفهمش!

_________________


حسن بلم
♪♫.. الادارة..♫♪
avatar
رسالة sms : سيرى ببطئ ياحياة
لكى أراك بكامل النقصان حولى
كم نسيتك فى خضمك
باحثا عنى وعنك
وكلما أدركت سرا منك
قلت بقسوة
مأجهلك!!!!
ذكر
عدد المساهمات : 10368
الاٍقامة : وراء الأفق حيث لاشئ سواى وحبيبتى
العمل : مهندس
نوسا البحر :
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
2016-01-10, 1:36 pm
هل ثبت فعلاً أن للظلم نهاية؟



هل مرّ على ظهر هذه الأرض، حقاً، من رأى ذلك اليوم المعلوم الذي “تترد فيه المظالم، أبيض على كل مظلوم، إسود على كل ظالم؟”، أم أن الأمر كله ليس سوى اشتغالة كبيرة يخدع بها الناس بعضهم بعضاً، ليحافظوا على بصيص الأمل اللازم لاستمرار الحياة بأقل خسائر ممكنة؟


بعد قراءة هادئة لما استطعت إليه سبيلاً من وقائع التاريخ، قراءة متجرّدة من العواطف والشعارات و”الكلام الكبير”، ستدرك فعلا أن “الظلم لا يدوم، وأن لكل ظالم نهاية”. لكن، ربما كان لُبّ المشكلة، في هذه الحياة الدنيا، أننا أيضا كبشر لا ندوم، ولذلك لا نشهد نهاية الظلم، إلا إذا كنا محظوظين، وهو ما يجعل التحدي المطروح على كل من يقاوم الظلم، أو حتى يرفضه من دون مقاومة، أمراً لا علاقة له بتفاؤله أو بتشاؤمه، ولا ببحثه عن النهاية السعيدة أو يأسه من مجيئها، وإنما مرتبطاً بقدرته على مقاومة الظلم أو رفضه، من دون أن يربط ذلك برؤيته لنهاية الظالمين على حياة عينه، ومشاهدته العدل وهو يتحقق في الكون، إن سلمنا جدلاً أن هناك إمكانية لتحقق عدل كاملٍ، قبل أن تتوقف الأفلاك عن الدوران.

لم يكن الشاعر المصري الشعبي، ابن عروس، مبالغاً أو متحمساً أو متمنياً للمستحيل، حين قال قولته التي صارت عزاءً للمظلومين عبر السنين: “لا بد من يوم معلوم.. تترد فيه المظالم.. أبيض على كل مظلوم.. إسود على كل ظالم”، لأننا سندرك من مطالعة وقائع كثيرة في التاريخ أن هناك نهاية تعيسة تحل بكل ظالم، بشكل أو بآخر، إما في حياته أو بعد مماته بسنين أو قرون، لتمنع تخليده بالشكل المشرق الذي تمناه، لكن تلك النهايات، على اختلاف أشكالها، لا يشهدها سوى المحظوظين من المظلومين، وهم قليل على أية حال، لكن العدالة، في كل الأحوال، سواءً جاءت في موعدها المرتقب، أو بعد فوات الأوان، لم تهبط على الأرض منحة مجانية من السماء، بل تحققت حين سعى إليها من قاوموا الظلم، ورفضوه وأنكروه، أو حتى حافظوا على الذاكرة التي ترفضه، ولا تتسامح مع تبريره. وبدون ذلك، لم يكن ممكناً أن تتحقق نهاية ما للظلم، وبذلك أيضاً أصبح لحياة الذين قاوموا الظلم معنى، حتى ولو لم يشاهدوا بأعينهم، كيف احتفت الأجيال التي تلتهم بمقاومتهم الظلم، وجعلت منهم نماذج للاحتفاء والتقدير، وقد كان ذلك أفضل لهم من أن يعيشوا عمراً طويلا في حياةٍ لا معنى لها، خصوصاً وهم يعيشون في أوطان لا تضمن البهجة والسعادة والرخاء، لمن يسكت عن الظلم ويبّرره ويؤيده، فهي تجعل أنصبة الشقاء والتعاسة محفوظة ومضمونة للكافة.

وإن شئت أمثلة على ذلك، ستجد في السطور التالية غيضاً من فيض، لا يسعى إلى أن يمدّك بالأمل، بل إلى تذكيرك بعبثية انتظار الأمل، إن كنت تدافع حقاً وصدقاً، عن قيم ومبادئ تتمنى لها أن تغير حياة بلادك إلى الأفضل، كما تغيرت الحياة قليلاً أو كثيراً، في بلاد كثيرة يئس أهلها من تحقق العدالة أبداً:

دعنا نبدأ من تركيا مثلا، ولعلك إن سألت فيها أي مواطن على قدر من الاطلاع والثقافة، عن

“هناك نهاية تعيسة تحل بكل ظالم، بشكل أو بآخر، إما في حياته أو بعد مماته بسنين أو قرون، لتمنع تخليده بالشكل المشرق الذي تمناه”
أشهر وأهم شاعر في تاريخ تركيا الحديث، لأجابك، على الفور، إنه الشاعر الكبير ناظم حكمت، الذي كان من أشهر الذين أفنوا حياتهم في مقاومة الظلم، من دون أن يدركوا نهايته، وحين وافته المنية عام 1963 كان يبدو أنه قد خسر المعركة تماماً، فقد مات غريباً عن بلاده، محروماً من جنسيتها التي لم تتم إعادتها إليه إلا بحكم قضائي بعد نصف قرن من موته في المنفى، الذي عاش فيه سنوات لم يتجاوزها في العدد، إلا السنوات التي عاشها سجيناً في معتقلات اسطنبول وأنقرة وبورصه، ولم تخرجه من سجنه إلا الضغوط الدولية المتوالية التي جعلت عسكر تركيا يقرّرون نفيه إلى خارجها، للتخلص من الصداع الذي سببه لهم حبسه المستمر، مع حرصهم على منع أشعاره ومصادرتها وتجريم كل من ينشرها أو يحملها، ولم يبدأ بيعها بشكل طبيعي في المكتبات التركية إلا في عام 1990.

لكن نفي ناظم وحبسه ومصادرة كتبه لم يمنع أشعاره من الوصول إلى الناس، فقد كان عشاقه ينسخون أعماله في دفاتر صغيرة، كان الآلاف يتناقلونها خفية بأعداد مهولة. واليوم أصبحت تلك الدفاتر المهرّبة وثائق تاريخية، تحتفظ بها أربعة مراكز ومتاحف تحتفظ بأعمال ناظم حكمت، وتخلد سيرته، أحدها في اسطنبول التي مات محروماً منها، وثانيها في موسكو حيث عاش سنوات، فصار منزله متحفاً يجاور مقبرته التي دفن فيها حسب طلبه، وثالثها في العاصمة الهولندية أمستردام، حيث يحتفظ المعهد التاريخي الإجتماعي بوثائق عديدة تخصه، وفي مقدمتها ملفاته في المخابرات السوفيتية التي لم تكن تثق فيه أبداً، بالطبع لأنه شاعر، ورابعها في مركز في باريس، أودعت فيه صديقة ناظم ومترجمة أعماله، غوزين دينو، كل وثائقه الشخصية، في حين لا ترد أسماء القادة العسكريين والأمنيين الذين اعتقلوه ونفوه، وجعلوا حياته جحيماً، إلا واقترنت بالخزي والعار، وهو أمر إن لم يجعل حياة ناظم حكمت أسعد ولا أقل عذاباً، فقد بات بالتأكيد يعني الكثير للأجيال المتعاقبة التي تحفظ أشعاره، وتستلهم سيرة نضاله حتى الآن، ليس في تركيا وحدها، بل عبر العالم كله.

من تركيا إلى ألمانيا التي ظهر فيها فيلم جديدـ يحكي قصة مقاومين للظلم تأخرت نهايتهم السعيدة طويلا، يقدمه المخرج الألماني أوليفر هرشبيغل، الذي سبق له أن قدم فيلم “داون فول” الشهير عن الأيام الأخيرة للزعيم النازي، أدولف هتلر، في فيلمه الجديد يحكي هرشبيغل سيرة مجموعة من معارضي النازية، كان يقودهم جورج ألسر، حاولوا عام 1939 اغتيال هتلر بعبوة ناسفة، لكن هتلر ترك المكان قبل 13 دقيقة من الإنفجار، ليتم القبض على ألسر الذي كان عمره وقتها 42 عاما، ويتم قتله في معسكر اعتقال داشاو، وعلى الرغم من هزيمة هتلر ونهاية الحرب، بقي ألسر في الظل فترة طويلة، حتى اعترفت الدولة الألمانية ببطولته في عام 2003، حين وضعت صورته على طابع بريدي، بصحبة عبارة تقول “أردت أن أمنع حدوث الحرب”، ولم يكن جورج ألسر المعارض الوحيد الذي أعيد له الاعتبار رسمياً بعد رحيله، فقد أقيم، في عام 2009، نصب تذكاري للجنود الألمان المنشقين على هتلر وقياداته، والذين تم وصفهم بالخيانة وقتها، ودفعوا حياتهم ثمناً لذلك الإنشقاق، ليتضح أنهم كانوا أكثر وطنية من الذين صفقوا للسياسات النازية المجنونة التي دمرت ألمانيا، وجلبت لها الخزي والعار. ولعلك تتأمل كيف أن الإحتفاء العالمي بصورة المواطن الألماني الذي رفض أن يؤدي تحية النازية وسط قطعان المهللين لهتلر، والمفوضين له، أصبح مدعاة للإحتفاء الدائم بسيرة المواطنين الألمان الذين دفعوا حياتهم ثمناً لرفضهم سياسات هتلر، وكان من بينهم طالبة اسمها صوفي شول، تم قطع رأسها بسبب توزيعها منشورات ضد الحرب وضد هتلر، وكانت كلماتها الأخيرة قبل المقصلة “يا للحزن، يوم بهذا الجمال، وبهذه الشمس، ويكون علي أن أغادر”.

في مشروعه لإحياء الذاكرة البشرية ضد الظلم والقمع، قام كاتب الأوروغواي العظيم إدواردو غاليانو في العديد من كتبه، برواية سير العديد من مقاومي ومقاومات الظلم عبر التاريخ، الذين لم يُكتب لهم أن يعيشوا ليروا، كيف صاروا نماذج بشرية ملهمة، لا يجرؤ عاقل على التقليل من عطائها وتضحياتها، خذ عندك مثلا الأيقونة الثورية روزا لوكسمبورغ التي تم اغتيالها في برلين عام 1919، حيث تم تهشيم عظامها بأعقاب البنادق، وألقي بها في مصرف مياه، لتسقط فردة حذاء من إحدى قدميها، لكن ما بقي منها كما يقول غاليانو، لم يكن فردة حذائها فقط، وهو ما حدث قبلها بحوالي خمسمائة عام، وبالتحديد في 30 مايو 1431، حين قررت الملكية الفرنسية والكنيسة الكاثوليكية إحراق جان دارك التي كانت في التاسعة عشرة من عمرها، في محرقة نصبت في السوق القديمة بمدينة روان، يومها ألبسوها قبعة كبيرة جدا كتبوا عليها “هرطوقية مجرمة مرتدة وثنية”، وبعد إحراقها، ألقي رمادها في نهر السين من أعلى أحد الجسور، على أمل أن تتبدد ذكراها إلى الأبد، لكن سيرة جان دارك عاشت أضعاف السنوات التي عاشتها صاحبتها على الأرض.

في عام 2009، تقدمت الحكومة البرازيلية باعتذارٍ إلى المواطن باولو فريير الذي يلقبه غاليانو بـ “نبي التعليم التعاوني”، لكن باولو لم يكن حياً لكي يقبل الإعتذار الذي حاولت به الحكومة المنتخبة أن تعتذر عن جرائم الديكتاتورية العسكرية التي سجنته سنوات عديدة، وبعد ضغوط دولية، طردته من البلاد ومنعته من العودة، وذلك كله لأنه قرّر أن يرتكب جريمة شنعاء، هي محو أمية الآلاف من عمال السكر في مدينة بيرنامبوكو، “لكي يكونوا قادرين على قراءة العالم والمساعدة على تغييره”، بادئاً تلك الدروس تحت شجرة مجاورة للمصنع، قبل أن يتعاظم تأثيرهاـ ويصبح مزعجا للعسكر ودليلاً على فشلهم، ليقرّروا طرده من البلاد التي يوجد فيها الآن 340 مدرسة برازيلية تحمل اسمه. وفي بيرو، لم ينجح العسكر في محو السيرة العطرة التي حظي بها هوغو بلانكو، أبرز ناشط لمناصرة حقوق السكان الأصليين، والذي كانت جريمته هي تنظيم نقابات للفلاحين، ليدفع ثمن ذلك الإختيار الإضراب والتعذيب والسجن والمضايقة من “المواطنين الشرفاء الموالين للعسكر”. وأخيراً النفي، وحين نظّم، في إحدى فترات سجنه، 14 إضراباً عن الطعام، وساءت حالته الصحية، ولم يعد قادراً على تحمل المزيد، أرسلت إليه الحكومة المتأثرة لحاله هدية لم تكن سوى تابوت خشبي، ولا أظن أن الجنرال الذي أرسل له التابوت كان يتصور، وهو غارق في ضحكه وقتها، أن تصرفه ذلك سيصبح مثارا للعناتٍ لا تنتهي، ومدعاة لفخر لا ينتهي بهوغو بلانكو إلى الأبد.

في الأرجنتين، قرّر قادة الديكتاتورية العسكرية التخلص من أطفال الأمهات اليساريات بشكل رأوه جذرياً وحاسماً، فتم تطبيق “الخطة كوندور” التي أرسلت فيها الأمهات الحوامل من الأرجنتين إلى أوروغواي، حيث كان يتم قتل الأمهات بعد الولادة، وإهداء المواليد إلى المحاسيب، ليتم اعتبار أكثر من 500 طفل جرى توزيعهم غنيمة حرب، بعد قتل أمهاتهم الذين لم يعلم أحد هل تم دفنهن، أم أنهن انضممن إلى آلاف المفقودين الذين تم إغراقهم في مياه البحر. وفي 14 يونيو/ حزيران 1982، خسر جنرالات الأرجنتين الحرب مع بريطانيا، على الرغم من حملات الكذب الإعلامي الرهيبة، ووقتها لم يكن أحد يصدّق حتى معارضو الجنرالات، أنه سيأتي اليوم الذي سيرون فيه قادة البلاد خلف أقفاص المحاكمة، بتهمة اخفاء آلاف المواطنين، كان من بينهم الطالبة سيلفيا برودي التي اتهمها البوليس بأنها “محتجة مشاكسة”، سيسيليا أقرب صديقاتها تقدمت لتدلي بشهادتها في المحكمة عام 2008، متحدثة عن التعذيب الذي تعرضت له في ثكنة عسكرية، معترفة أنها هي من أعطت العسكر اسم سيلفيا، بعد أن لم تعد قادرة على تحمل مزيد من التعذيب طوال الليل والنهار، وعند خروج سيسيليا من المحكمة، اقترب منها صحفي، وسألها “وما الذي فعلته لكي تبقي على قيد الحياة بعد ذلك”، فردت عليه “ومن قال لك أنني على قيد الحياة”.

لم يطو النسيان اسم سيلفيا برودي، بل بُعِث إلى الحياة من جديد، ومعه أسماء آلاف الشباب

“نفي ناظم وحبسه ومصادرة كتبه، لم يمنع أشعاره من الوصول إلى الناس”
والشابات الذين اختفت آثارهم تماما، والذين يروي لنا غاليانو قصة أحدهم، وهو أوسكار لينيرا الذي كان سجيناً في ثكنة عسكرية، مع صديقه بييرو دي مونتي الذي كان له حظ البقاء حياً، ليروي أن كلمات أوسكار الأخيرة قبل اقتياده إلى الغرق في البحر كانت “لدي ما أقوله، أتعلمون شيئا، أنا لم أمارس الحب قط، وهم سيقتلونني الآن، من دون أن أكون قد عرفت هذا الشيء”، لتؤدي تلك المحاكمات إلى إصدار سلسلة من الأحكام على ضباط سابقين تورطوا في قضايا قتل وتعذيب، من دون أن يتوقف القضاء عند كون بعض المتهمين في تلك القضايا يبلغون 84 عاما و81 عاما، كما حدث، على سبيل المثال، في قضية قتل باحثة ألمانية كانت متعاطفة مع المعارضين، حيث تم سجن الضابطين الذين قتلوها هي وعدد من المعارضين في السجن نفسه الذي شاركا فيه بتعذيب 2500 معارض بين عامي 1976 و1978، في حكم نزل برداً وسلاماً على كثيرين ممن تخيلوا أن العدالة لن تنزل على سماء الأرجنتين أبدا.

قبل شهرين فقط، أصدرت محكمة بوينس آيرس حكما بالسجن المؤبد على أربعة عسكريين قاموا، في سبعينات القرن الماضي، باختطاف وتعذيب ثلاثة فنانين معارضين هم إكتور أوستريلد أشهر رسام كاريكاتيري في تاريخ الأرجنتين، والكاتب الروائي أرولد كونتي، والسينمائي ريموندو جليثير، ضمن أكثر من مائتي معارض سياسي تعرضوا للخطف والاحتجاز بمركز اعتقال سري يقع خارج العاصمة، أما الجناة الذين أدانتهم المحكمة فهم مأمور مركز الاعتقال السابق، وثلاثة من العسكريين سيبقى اثنان منهما تحت الحجز المنزلي لأنهما تخطيا السبعين عاماً، ويمرّان بظروف صحية سيئة. ومع ذلك، لم تعفهم العدالة من مواجهة تبعات أفعالهم الوحشية. وفي الفترة نفسها، نُشر في البرازيل، وبعد طول انتظار، تقرير لجنة الحقيقة التي تم تشكيلها عام 2011 للتحقيق في انتهاكات حقوق الإنسان خلال الحكم العسكري للبرازيل من 1964 إلى 1985، والذي لم يكتف بتوصيات لذر الرماد في العيون، كما يحدث في تقارير لجان “تخصّي” الحقائق لدينا، بل حدد 377 مسؤولاً تورطوا في الانتهاكات في تلك الفترة، ودعا إلى محاكمتهم جنائياً، في تحدٍ واضح لقانون العفو العام الذي صدر في ظل حكم العسكر عام 1979، ليضمن حماية مستقبلية للمسؤولين عن تلك الجرائم.

في الولايات المتحدة الأميركية، وفي أواسط القرن التاسع عشر، قام المواطن الأبيض جون براون، بتصرّف جعله يعتبر خائناً لعرقه وطبقته، حين سطا على ترسانة عسكرية في ولاية فيرجينيا، كي يقدم أسلحة لعبيد المزارع، وحين قامت فرقة عسكرية بمحاصرة براون والقبض عليه، تم ترقية قائدها الكولونيل روبرت لي إلى رتبة جنرال، ليقود، بعد فترة قصيرة، الجيش الذي دافع عن العبودية خلال حرب الجنوب الطويلة ضد شمالي الولايات المتحدة، وحين انتهت الحرب بالهزيمة، تم تسريح الجنرال لي من الخدمة، ليموت في فراشه مجللاً بالعار، هو وكل من حاربوا في تلك الحرب التي كانت تبدو بطولية لهم بالتأكيد. أما براون صديق العبيد، فقد أدين لهجومه على ترسانة السلاح بتهم القتل والتآمر وخيانة الدولة، ومات مشنوقا عام 1859، في يوم أصبح بالمصادفة يوما لمناهضة العبودية، يحتفل به الملايين بفضل جون براون والآلاف من أمثاله الذين لم يستسلموا لرغبات الجموع، وقرّروا أن يدافعوا عن مبادئهم أيا كان الثمن.

بعدها بأعوام، وفي 19 نوفمبر/تشرين ثاني 1915، أعدم رميا بالرصاص في مدينة سالت لايك سيتي، المواطن جو هيل الذي تم اعتباره محرضاً أجنبياً، لأنه اقترف خطيئة تأليف الأغنيات التي ترافق المظاهرات العمالية في الولايات المتحدة، ولم يجد جو هيل ما يرد به على تهمته المميتة، سوى أن يطلب في ليلته الأخيرة من رفاقه ألا يضيعوا الوقت في البكاء عليه، كاتباً هذه الكلمات الملهمة: “رغبتي الأخيرة سهلة القول، لأني لم أخلف ثروة يمكن اقتسامها، حريتي هي كل ما تبقى، فالحجر المتدحرج لا تتوالد عليه الطحالب”. بعدها بأعوام، وفي 19 ديسمبر/كانون أول 1919، تم نفي 250 أجنبي من الولايات المتحدة، بعد اعتبارهم أشخاصاً غير مرغوب فيهم، كان من أهمهم المناضلة إيما جولدمان التي سجنت مرات قبل نفيها، لتنظيمها إضرابات وتوزيعها وسائل منع الحمل، ولمعارضتها الخدمة العسكرية الإجبارية، بكلماتٍ قالت فيها “الحروب جميعها هي حروب بين لصوص جبناء جدا لا يصلحون للقتال، فيرسلون آخرين ليموتوا بدلا منهم”، وعلى الرغم من كل هذه السنوات لا زالت إيما جولدمان وكلماتها حاضرة في وجدان أجيال من الأميركيين الرافضين للحروب التي تشنها حكوماتهم في مناطق متفرقة من العالم، وما زالت إيما قادرة على أن تكون ملهمة لأعمال فنية وأدبية عديدة، من أشهرها مسرحية (إيما) التي كتبها المؤرخ الأميركي الشهير هوارد زن، وترجمت إلى العربية قبل سنوات.

في غواتيمالا، كسرت الحكومة عام 2004 ولأول مرة قانون إفلات السلطة من العقاب، حين اعترفت رسمياً بأن الباحثة ميرنا ماك قد اغتيلت بأمر من رئاسة البلاد، لأنها توغلت في الأدغال، لعمل بحث مع السكان الأصليين الناجين من المجازر العسكرية، ليصدر أمر بقتلها طعنا بالسكاكين. وبعدها بسنوات في 2011، لم تفلح القوانين المصممة بعناية، في مساعدة قادة الخمير الحمر على الإفلات من المحاكمة، بسبب ارتكابهم جرائم ضد الإنسانية، سقط بسببها آلاف القتلى، من 1975 إلى 1979، كان أكبر القادة الذين تعرضوا للمحاكمة سناً وهو وزير خارجية النظام، قد بلغ عمره، وقت بدء المحاكمة، 85 عاما، ومع أنه لم يقتل بيديه، لكن المحكمة المدعومة من الأمم المتحدة، اعتبرته متورطاً سياسياً في كل ما جرى، بل وحاكمت معه زوجته البالغة 79 عاماً، والتي كانت تشغل منصب وزيرة الشؤون الإجتماعية، كما حوكم أيضا منظر التنظيم ونائب زعيمه السفاح بول بوت، وكان عمره 84 عاما، وكذلك وزير الداخلية السابق البالغ 79 عاما، وقد حوكم جميعهم مع أنهم لم يقتلوا بأيديهم مباشرة، لكن مجرد وقوع تلك الجرائم تحت مسؤوليتهم السياسية جعلهم خاضعين للمحاكمة الجنائية.

في كولومبيا، وخلال محاكمات فتحت ملفات الحكم العسكري، اعترف ضابط برتبة كولونيل أن وحدته قتلت، في سنوات الحرب التي شهدتها البلاد، 57 مدنياً، ثم ألبست جثثهم أزياء عسكرية للإدعاء أنهم متمردون قتلوا في مواجهات عسكرية، من أجل الحصول على مكافآت مالية، أعلن عنها الجيش لمن يقتل أكبر عدد من المتمردين، الكولونيل لويس بورجا يقضي عقوبة السجن 21 سنة، وقد سبقه إلى السجن ثمانية جنود يقضون الآن عقوبة بالسجن ستين عاما، لقتلهم أربعة مزارعين ثم إلباسهم ثيابا عسكرية، بينما يواصل المدعي العام الكولومبي، وعلى مدى سنوات التحقيق في 1400 حالة مماثلة، حصلت في الفترة من 2002 إلى 2010. أما في هولندا فقد صدر في عام 2011 حكم قضائي بات اعتبر أن الدولة الهولندية مسؤولة عن قتل ثلاثة مسلمين هربوا مع المئات من مذابح سيربيرنتسيا التي كانت تقوم بها قوات الصربي راتكو مالديتش في 11 يوليو 1995، ولجأوا إلى معسكر قوات حفظ السلام الهولندية التي أجبرتهم على الخروج من المعسكر، ليتم قتلهم هم وثمانية آلاف شخص في أسوأ مذبحة شهدتها أوروبا منذ الحرب العالمية الثانية، ليلجأ بعض ذويهم إلى القضاء الهولندي الذي أثبت، بعد تحقيقات طويلة، أن القوات الهولندية كانت مخطئة بعدم حمايتها المدنيين، ما يلزم الدولة الهولندية بدفع تعويضات لذويهم، وهو ما يفتح الباب لسلسلة قضايا تشمل كل المتضررين مما جرى يومها.

في المجر، تمت قبل سنوات إحالة رجل عمره 97 سنة إلى محكمة خاصة في بودابست، لاتهامه بإرتكاب جرائم حرب تسببت في مقتل 36 يهودي وصربي عام 1942 في أثناء الحكم النازي لمدينة نوفوساد الصربية، وطالبه المدعون عليه بمعاقبته بالسجن، وأصر المتهم أنه لا يعرف شيئاً عن تلك الاتهامات، ولم يتم الدفع بكبر سنه ولا بتدهور صحته، بل خضع لمحاكمة عادلة برأته المحكمة على إثرها. أما في كينيا فقد حصل 4 عواجيز كينيين في عام 2011 على موافقة من المحكمة العليا برفع دعاوى قضائية على الحكومة البريطانية التي يتهمون ضباطا منها بتعذيبهم في أثناء تمرد الماو ماو الذي وقع في الخمسينات من القرن الماضي، وهو ما يفتح الباب لسيل من الدعاوى التي سيرفعها كينيون تعرّضوا للتعذيب بل وللإعتداءات الجنسية والإخصاء، أعجبني تعليق على هذا الحكم، قاله الأسقف الجنوب أفريقي ديزموند توتو الذي اعتبر أن إنصاف هؤلاء الضحايا ليس انتصاراً قانونياً، بقدر ما هو انتصار أخلاقي وسياسي، تحتاجه أفريقيا وكل شعوب العالم الثالث.

في المكسيك، كانت السنين كفيلة بتبديل الطريقة التي يتذكّر بها الناس راهباً وجنرالاً، الراهب هو سيرفاندو تيريسا دي ميير الذي صدر عليه حكم بالإدانة الأبدية في عام 1794، أصدره مطران المكسيك ألونسو نونيث، لأنه ألقى موعظة نارية، رفض فيها اضطهاد اليهود في محاكم التفتيش، ودافع عن الإستقلال المكسيكي، فدفع الثمن تجريده من لقبه ومنعه بصورة أبدية من التدريس، وتلقي الإعترافات وإلقاء المواعظ، وحكم عليه بالنفي إلى أسبانيا، وتم سجنه سبع مرات، ليهرب من السجن سبع مرات، ولتعيش، حتى الآن، سيرته مناضلاً حارب من أجل استقلال بلاده، وكتب أبحاثا جادة حول مشروع جمهورية حرة من القيود الاستعمارية والعسكرية الإسبانية، لتستفيد منها أمته المكسيكية حين تصبح سيدة نفسها. أما الجنرال فهو أرتورو دوراثو الذي كان يقود الشرطة المكسيكية، وكان يقبض، في نهاية كل شهر، رواتب ألفي شرطي ممن ماتوا أو لم يولدوا من أصله، وكان يتقاضى عمولة عن كل غرام كوكايين أو هيرويين يمر عبر البلاد، وكان يبيع رتب الضباط بمليون ونصف مليون بيزو مكسيكي لرتبة الكولونيل، وكان يهدي رتبة كابتن لمطربيه المفضلين، ويمتلك عددا من البيوت في مكسيكو والعالم، يمتلك كل منها أسلوبا مختلفا في الأثاث. وفي عام 1982 حصل على دكتوراه فخرية، لتنشر كل الصحف صورته، وهو يرتدي الرداء الجامعي، لكن المطاف لم ينته به في بيوته العديدة، بل في السجن، مجللاً بالعار والخزي، ومع أن المكسيك لا تزال تحارب من أجل تطهير شرطتها من الفساد، ومن أجل أن تعيش في جمهورية حرة من القيود التي أصبحت تفرضها طبقة أصحاب المصالح، إلا أن سيرة الراهب سيرفاندو والجنرال أرتورو لم تعد تُقرأ بالطريقة نفسها التي كانت مفروضة على الكل بالحديد والنار.

…..

تتعدد الوقائع، بحيث يضيق عن حصرها المجال. لكن، يبقى الاختيار، في نهاية المطاف، أخلاقيا وشخصيا يخصك أنت وحدك: هل تختار رفض مساندة الظلم، حتى ولو لم تشهد نهايته؟ أم تشارك في نصرة الظلم، ولو بالتبرير يأساً من أنك لن تشهد نهايته؟ سيكون عليك أنت وحدك أن تختار، لأنك وحدك الذي ستدفع ثمن اختيارك، حين يكون ذلك الاختيار مدعاة للفخر أو للعار، في حياتك، أو حين تنتهي حياتك، بعد عمر طويل.

_________________


حسن بلم

تحميل كتاب فيتامينات للذاكرة pdf لبلال فضل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة

صفحة 1 من اصل 1
نوسا البحر :: فوضى الحواس(منتديات ثقافيه) :: المكتبة الشاملة

حفظ البيانات | نسيت كلمة السر؟

هوانم نوسا | عفاريت نوسا البحر google+ | عفاريت نوسا | مجلة الصور | مجلة عفاريت