حياة كسرد متقطِّع مختارات من شعر أمجد ناصر

♪♫.. الادارة..♫♪
رسالة sms : سيرى ببطئ ياحياة
لكى أراك بكامل النقصان حولى
كم نسيتك فى خضمك
باحثا عنى وعنك
وكلما أدركت سرا منك
قلت بقسوة
مأجهلك!!!!
ذكر
عدد المساهمات : 10336
الاٍقامة : وراء الأفق حيث لاشئ سواى وحبيبتى
العمل : مهندس
نوسا البحر :
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
2015-03-08, 5:07 pm

جروٌ صغير | أمجد ناصر

جروٌ صغير

ها أنتَ تجلسُ أمامَها، بلا مبالاةٍ،
تُبَرْطِعُ بذيلكِ مرةً
أو تُفَرْشِخُ ساقيكَ الطويلتين مرةً أخرى.
كلُّ شيءٍ عاديٌّ،
الوجهُ الفتيُّ المشدودُ على رخامٍ نادرٍ
تحصيلُ حاصلٍ،
اليدان الهاتفتان بعشرة ناياتٍ
أدعى إلى الضجر
منه إلى شيء آخر.

إنني في الكرسيّ الذي خلفُك
أراك بعينك ذاتِها بعد عشرين سنة.
يداك اللتان لا تقيمان وزنًا ليديها المتضرعتين على الطاولة
تتطوحان، بمللٍ، هنا وهناك . عيناك الفارغتان تتفرّسان بكلِّ الوجوهِ المحيطةِ في هذا البار الطنان إلا بوجهها وعندما تُخفقان في اصطياد علامةٍ من أيِّ اتجاهٍ تغطسُ في كرسيّك أكثَر فأكثرَ وهي تحاولُ، بكلِّ جوارحِها، أن تحركَ فيك ساكناً من دون جدوى.

الآنَ
في سنّكَ هذه،
في جهلكَ المتغطرس للمعجزات
التي تستعرضُ براهينها أمامك
لن تعرف أيها الجروُ الصغيرُ ماذا خسرتَ
إلا عندما تجلسُ في الكرسيّ الذي خلفك تماماً.

من ديوان "حياة كسرد متقطِّع"/ 2004

الفتى | أمجد ناصر


الفتى

(إلى زكريا محمد)

القصيدة
ولي، أن أتابعَ هذي الطيورَ التي
تتشربُ روحَ الفتى
قهوةً في الصباحِ المديدِ
وتسّتلُّ من دَوّحةِ القلبِ
نصّلَ القصائدِ
والطيّرَ،
والحجرَ الحيَّ،
والنسوةِ العاريات.
ولي،
أن أتابعَه
كاملٌ في العذابِ
دائرٌ في كؤوسِ الشرابِ،
مائلٌ باتجاه ذراعي
ولي،
أن أراهُ كما أبتغي:
صاخبٌ صاخبٌ في اندفاعاتهِ جهةَ
الشِّعر لكنّ ملامحه الخارجيةَ
لا تشيَ بذلك. ليس جميلا كما تظنُ صديقتُهُ
الأرمنيةُ التي تكوي ثيابها في الصبيحة تحت
النافذة، وقد اعترف باحدى قصائده المنشورة
في صحيفة "الشعب" الأردنية قبيلَ إغلاقها، أنه
نحيلٌ أكثر مما ينبغي لفتى في السابعة
والعشرينَ وربما يميلُ للدمامةِ،
لا يعرفه الكثيرون ولا يفخرُ
به أحدٌ خارجَ أحجارِ العائلةِ الكبيرةِ القطع.

متابعات

I
يحاذي الصباحَ المبكّرَ
في شارع "السلط"
يذرعُ أعضاء عمّان
باللمسةِ الباطنيةِ
بغتةً،
يأخذُ اللونَ
شكلَ القميصِ النظيفِ
ووجهَ الفتاةِ التي
ناولتهُ أصابعَها
ثم مفتاحَ شقَّتَها
والرضا في الملامه.
ويهبطُ مثل بلادي التي تهبطُ الآنَ
صوبَ براري الدمِ العربيِّ:
إنتهي رائقُ العيشِ
يا أيها البدو،
ردوا فتاكُم
وقولوا الذي خبأته الضلوعُ
وقولوا الذي حاورته الدموعُ
وقولوا الذي لا يقال.
أتابُعه،
ثم أهجسُ:
هذا الفتى حائلُ اللون
مشتبكٌ في الخطى
أتابعُه
ثم أهجسُ:
هذا الفتى ناقعُ اللون
محتدمٌ في الهوى
أتابُعه،
ثمةَ:
الوجهُ
والظلُّ
والمرأةُ الأرمنيةُ،
يمدُ يداً ساورتها الدماءُُ
إلى جيبِ ستّرتهِ
ويطلقُ عصفورةً من ورق
صوبَ نافذةِ في الجدارِ القريبِ من الكتف.

موت الاغنية

قال لي مرةً:
(نادراَ ما يقولُ)
الأغاني يداهمها التافهونَ
فتنأى عن القلبِ
طيراً من الرغوةِ المعدنية.
أقولُ لهذا الفتى:
(حائرٌ ما أقولُ)
تُرى، مالذي نفَّر الشِّعرَ منا
وأسلمَ كفَّ القصيدةِ للنار؟
أنا حائرٌ ما أقولُ
أتابعُ شكلَ اختلاطكَ بالناس والأتربه
أراكَ تحطُ الخطى،
وتشيلُ الخطى
وتذوبُ الخطى في شوارع عمّان
والشِّعرُ ينأى
وتنأي الأغاني
وينأى
الوطن.

بيروت
4/1978
من ديوان "مديح لمقهى آخر"


بنلوبي أخرى | أمجد ناصر

بنلوبي أخرى

ليلُ المسافرينَ
مُلاءةٌ من حسراتِ الفضَّةِ
تحوكُها سيّدةُ الانتظارِ
رجعتْ أغانيه تهزُّنا من الأحشاء.
الملثَّمون يلكزونَ رواحلهَم في مهبِّ اللذةِ الغامضةِ للخطر
ويتركون وجوههَم للندى الراشحِ من لهاثِ الأشجار
تحتَ سماءٍ شاهدة.
ليلُ المسافرينَ
سُترةٌ من ليلكٍ على كتفيّ سيّدةٍ
ظلَّتْ عشرين عاماً تحوكُ لهفةً صامتةً لرجلٍ بركبةٍ جريحةٍ
لم يصلْ.
لندن ـ 1989
من ديوان "وصول الغرباء"

نجوم لندن | أمجد ناصر

نجوم لندن

نفساً وراء نفسٍ تدفعني الأيامُ قُدُماً لكنَّ عينيَّ ظلتا ورائي تبحثان عن علامةٍ تراءتْ وأنا مستلقٍ ذاتَ ليلةٍ على سطح بيتِنا في "المفرق" أعدُّ النجوم وأخطئُ ثم أعدُها غيرَ مبالٍ بالثآليل التي تطلعُ في يدي وتنطفئ.
العلامةُ، التي تطاردُها عيناي مذاك تدلُ على ساقيةٍ تؤدي إلى نبعٍ ونبعٍ يقودُ إلى سفحٍ حيثُ غصنٌ وأفعى، تحتَ الغصنِ مفتاحٌ، المفتاحُ للغرفة التي نُهيتُ عن فتحها، الغُرفةُ مظلمةٌ، في الغرفة المظلمِة صندوقٌ به صدفةٌ في الصّدفة ورقةٌ مكتوبٌ عليها: لا تلتمسني في المِثْلِ أو الشبه فكلُّ من هو مثلي ليس أَنا وكلُّ من يُشْبِهُني هو غيري، لستُ بعيدةً ولا قريبةً، علامتي أقربُ إليكَ من حبل الوريد.
.........................
رأيتُ يوماً هذه الرؤيا ونسيتُ العلامةَ أو لعلني سمعتُ هذه الحكايةَ من عابرٍ يرمي إبرة من ثُقب أخرى باتَ ليلةً في بيت أهلي وراح في سبيله.
عبثاً أضعُ رأسي على المخدّة كلَّ ليلةٍ منظفاً عينيَّ من نوافلِ النَّهار وقلبي من أشناتِ الخفقانِ الكاذبِ مهيئأً كلَّ ما يلزمُ لاستدراج العلامة العنيدة.
.........................
في زمنٍ آخرَ، أو في حياة أخرى، كمغربيٍّ على الأغلبِ، سمعتُ في مقهى شعبيٍ بفاس القديمة رجلاً يقول لمجُالِسِه المهموم:
لا تبحثْ عن العلامةِ
لا تعترضْ طريقَها
دعكَ من الشقوقِ والخرائبِ
لا تتَّبع أنجماً ضللتْ قبلَك رعاةً وعاشقين
فالعلامةُ تأتيكَ من حيثُ لا تحتسب
أو يخطرُ لك على بال.
.........................
في لندن التي أقيمُ فيها الآن بقناعِ شخصٍ وهمي فارّاً من نبوءة أمي التي يرنُّ فيها اسمي الأولُ كذكرى مفزعةٍ "يا يحيى لن تعرفَ نَفْسُكَ الراحةَ" من الصعب، على كل حال، أن يستلقي المرءُ على سطحِ بيتهِ القرميديّ المائل ويعدُ نجوماً هجرتْ مواقعَها.
لندن - مطلع 2000
من ديوان "حياة كسردٍ متقطِّع" / 2004



سمكة باكونين | أمجد ناصر

سمكة باكونين

المرأةُ الفوّضويةُ،
التي تخضُّ الهواءَ عندما تتكلمُ،
التي تطلقُ شَعَرها
كحقلٍ من أجراس الفُلفل،
التي تحّدقُ بالرجل في غضبٍ،
وتقود حشداً من الأفكار المتطرّفةِ،
التي تنهضُ من بين فناجينِ القهوة،
وغيوم ِالتبغِ المنخفضةِ لتحَسمَ الحدَيثَ
في عنفٍ،
التي تحاوّلُ أن تشكَّ أسماكَ باكونين
المتوحشةَ بخيطٍ من السخريةِ العالية،
التي تأتي من معاقلَ الأيديولوجيا،
وتجعلُ لمنتصف القرن التاسعَ عشر
نافذةً من اليعاسيب.
المرأةُ الفوضويةُ
التي جاءت من غوتنبرغ
إلى تونس العاصمة،
صادفتْ نخلةً من الشرق،
فصارت حَبّةَ بلح.

نيقوسيا
12/1983





قليلاً، قليلاً | أمجد ناصر
قليلاً، قليلاً

آه لو أنني أطولُ قليلاً
أنحفُ قليلاً
أفتحُ بشرةً قليلاً
ذو عنق أرقَّ، أطولَ قليلاً
بشامةٍ سوداءَ عند طرف الأنف الأقنى
وعينين سوداوينِ وواسعتين قليلاً
كتفاي تستدرجان طيوراً مداريّةً
وتعتذران عن انحنائهما قليلاً
ليس مهمّاً أن يكون زندايَ مبرومَيْنِ أكثرَ
وما بين ساقيَّ أطولَ قليلاً
ولكن عندما أمشي أتركُ ورائي رائحةَ ليمونٍ
وعيوناً تتلفّتُ، بغبطةٍ أو حسدٍ، إلى الوراء قليلاً
لصرتُ الشخصَ الذي حَلُمْتُ ولم أصبحْهُ
حينما كان عمر الشريف معبودَ النساءِ
وكنتُ
أصغرَ
كثيرا.

من ديوان "كلما رأى علامة"

قمصان

هذا هو القميصُ.
قديمٌ بعضَ الشيءِ وفَضفَاضٌ،
يحتاجُ إلى ملامسة سريعة،
من يد امرأة مثلاً.
صحيحٌ، ثمة اهتراءٌ طفيفٌ في الياقةِ،
كالحٌ إلى حدٍ ما تحتَ الإبطينِ
لكنهُ، على أية حال،
لا يزالُ صالحاً للنزهة
صالحاً لِسَوقِ قطيعٍ من الماعزِ
في رياحٍ موُشِكة.

***
لا تذهبْ في الظّنِ بعيداً
فالقميصُ لا يمتُّ بصلةٍ ما
إلى الرجلِ المُقام نُصبُهُ في الساحةِ
وحيداً كإله الضّجر.
لا يأخذنّكَ الظنُّ بعيداً
هذا القميصُ له شَرفُ الخسَارةِ
لكنه ليس لذلك الرجل.

***

إنّهُ قميص!

***
عندما نبتدئُ صباحاتِنَا
بارتداءِ القمّصان المشجّرةِ،
فالأمرُ يعني توجيه تحيةٍ شاسِعةٍ
إلى الصباحات.

***
في كلِّ صباحٍ ننهضُ من أحلامنا المُغتالةِ
وعلى أفواهنا أحماضُ الليالَي،
وثمة في الشفتين رغباتٌ مهزومةٌ
وبقايا كلامٍ
نُهرعُ إلى الأدراجِ والمشاجبِ
وبحركاتٍ ملولةٍ
نُبعثرُ الثيابَ اليابسةَ
بحثاً عن قميصٍ مناسب.

***

أيُّ ريحٍ تُجفّفُ قُمصانَنَا
الغارقةَ في الشهواتِ؟

***
الفلاحونَ يزرعون القطنَ طويلَ التيلةِ،
لكنهم يرتدونَ الحراشف.

***
عندما إلينا يُصوّبُ الرّصاصُ
من المكامنِ اللائذةِ
يخترقُ قمصانَنا،
ويُحدثُ ذلك الصَّفيرَ الذي يدلُّ عليه الدم.
وعندما إلينا تُصَوّبُّ الأزهارُ
من الروابي والأيدي التي على وشكِ
النعاسِ تُحدثُ ذلك التوهُجَ الذي
تدلٌّ عليه القُبُلات.

***

في اللّيل تهيمُ القمصانُ
على وجوهها بحثاً عن المناكبِ
والأزرارِ المتساقطةِ.

***
يسألونكَ عن القمصان
قُل هي:
رايةُ الجسدِ
شراعُ الرَّغباتِ.

بيروت ـ نيسان 1980 / من ديوان "منذ جلعاد"

حذاءُ سندريلا | أمجد ناصر
حذاءُ سندريلا
(انطلاقا من لوحة ليوسف عبدلكي)
حتى الرسّام الذي رآها معلقةً على أحد جدران مكتبي ظنَّ أنها صورةٌ فوتوغرافيةٌ وليست رسماً بأكثر المواد خشونة. أعرفُ أنَّ هذا أسوء إطراء للوحةٍ لكنَّ فردةَ الحذاء النسائيِّ السوداءَ ذات الرباط الجلديّ الملتفِّ على الكاحل الضامر كأفعى صغيرةٍ كانت في أهبة الطيران بأكثر الأقدام خفّةً على الأرض. أعترفُ أنني لم أنصفك أيّها الفنان، فكلّما نظرتُ إلى هذه اللوحة نَسيتُ ضربات ريشتِك وفكّرتُ بصاحبة الحذاء الذي لم أر قدمَ امرأةٍ تخفقُ به من قبل.
تصوّرتُها راقصةَ باليه، عازفةَ كمانٍ، أو شاعرةَ تفعيلةٍ لا قصيدة نثر. فثمة إيقاعٌ مشحونٌ تركته وراءها قصيدةٌ غنائيةٌ مشبوبةٌ، ثمة مسحةٌ صنميةٌ، أيضا، ذكّرتني برغبة "غوته" أن ترتدي حبيبته في لقائهما القادم حذاءها الأصفر.
لكن لماذا راقصةُ باليه، عازفةُ كمانٍ، أو شاعرةٌ، وليس سندريلا
صاحبة هذا الحذاء المحسود؟


من ديوان "كلما رأى علامة"



أطراف النَّهار | أمجد ناصر
أطراف النَّهار
(إلى جميل حتمل)
I
لأنني ما نجوتُ من أملٍ حتى وقعتُ في غيره وما بشَّ لي قناعٌ إلاّ واتّخذتُه نجيّا فقد مِتُّ لا كما يموتُ الماشي مرَحَـاً بين أقرانه ولكن كمَنْ ماتَ كثيراً، فلما جاءَ الموتُ ضاحكاً تحت قنزعتهِ الخضراءِ وأسبل عينيَّ على شعاع الوداع الطفيف لم أصَدّقهُ فقد كنتُ أظنُ الموتَ جلجلةً، "صرخةً عظيمةً تودعُ كلَّ ما استسلمنا إليه فاغتنى وهجرنا" لا مجردَ غفوةٍ في سريرٍ قاحلٍ،
سريرٍ وحيدٍ
في عراء البياض.
هناك من يموتُ يأساً وأنا مِت لأن الأملَ ظلَّ يحجلُ حولي فالأملُ، صيّادُ النفوسِ الضعيفةِ،
يأخذكَ إلى أصلِ الماءِ ويعيدُكَ ظمآنَ،
يلعبُ بك لَعِبة البيضةِ والحجر.
لم أكنْ أعرفُ
أنَّ الأملَ
أزهقَ أرواحاً
بهذهِ الكثرة.
متُّ كثيراً وظللْت أُجَرْجِرُ نفسي تحتَ طائلةِ الوعودِ
فكلُّ من يعرفُني يعلمُ كيف يغدو الموتُ حلماً تزيِّن له أشرسُ الليالي فراشَها
تُبخِّرُ الشراشفَ
تناديه بألطف أسمائه
ولا يأتي.
ليس الموتُ سهلاً حتى نغويه بكأسٍ أو نرمي إليه قمراً بدَّدَ العُشَّاقُ تحت ضيائه ثروتَهم من الدموع
فمن رأى وجهه مثلي يعرفُ كم صعباً أن يعودَ الغائبُ إلى كفّ أمه ليشرَب.
فلا أحدَ يعودُ كما خرج
وليس للماء ذاكرةٌ لتحفـظَ أوجهَ الغائبين
ولا أحدَ يموتُ وقتَ يشاء.
لا تصدقوا المنتحرينَ الذين يَرمُون أنفسهم في الأنهار أو من فوق بنايات مأهولة بالنائمين
شيءٌ آخرُ غيرُ طوالعِهم استلَّ شَعْرَتهُ من عجائنِ الليلِ
وأرخى عليهم سُدوله.
فعلتُ كلَّ ما يفعلونَ ولم يضع مَنْ يلهو بالساعات ويطعمُ العقاربَ سُكَّرَ الغَفلةِ شيئاً في يدي. ابتلعتُ مرةً مئةَ حَبةِ مُنوِّمٍ، أكلتُ حتى بشمتُ من عنب الأفعى، طرحتُ طولي كلَّه على سكةِ المترو وحزّه الهديرُ من الوريد إلى الوريد، سدَّدتُ قبضتي إلى قلبي المعلقِ بخيطٍ
في فراغِ الجوفِ ورحتُ أشبُّ بكلِّ قواي؛
لكنَّ شيئاً لم يسقطْ من الغصن المنحني على طرف النَّهار،
الأوراقُ وحدُها اصْــفرتْ وتحنَّطتْ في خريف الأملِ الطويل.
II
ولما تعبتُ من جَرْجَرةِ نَفْسي بيَنكم نمتُ فرأيتُ عابراً مائلاً يشُبهني يغذُ الخطى في أصيلٍ بطيء.
حاولتُ أن أتبينَ وجهَهَ فلم أستطع
فكلما فعلتُ جعلتُ أغوصُ في عهنٍ منفوش؛ سمعتُ همهماتٍ ووقعَ خطى تتراجعُ وغامتِ الدنيا
في وجهي وراحتْ تطفىءُ مشاعلَ فوق قلاعٍ غامضة
وترفعُ دلاءً من آبارٍ غاضت مياهُها؛
أسمعُ صريرَ بكراتٍ
وحبالاً تُسْحَبُ
وطرطقةَ دلاءٍ فارغةٍ
جلبةً
خطى
نداءاتٍ
تتـ
لا
شى.
يبدو أنّني متُّ وإلاّ كيفَ أرى من وراء جفنيَّ المخيطين ولا أحرّكُ ساكناً في جبل القطنِ الذي انزلقتُ إليه.
فمي ناشفٌ تماماً وحلقي حِقُّ فلينٍ وما خلتُه صوتي كان صدىً يتردَّدُ في مجرى جافٍ، فما حاجتي، على كل حالٍ، للكلامِ في حِمى أبويَّ.
حَسْبي أن أنفضَ يديَّ مما كرهتُ فأفسدَ دمي
أو ممّا
دببتُ
على أربعٍ
كُرمى له.
أنا الآن بلا اسم لأنادى،
تركتُه ينهضُ بعبء نفسه؛
في برزخ الماء والتراب
لا يسألُ الظلُّ
عن أصله.
فليضعْ من يلهو بالساعات ويربّي العقاربَ تحت بروجٍ مشيّدةٍ أكبرَ عقاربِه في جفنةِ العنبِ، فالرِّيحُ تجمَّدتْ في قصبة الناي والريشةُ التي ظلَّتْ تسقطُ من طائر الأجلِ وصلتْ، فشكراً لكم إذ أرسلتموني ببزتي المقلّمةِ وقميصي الليلكي
إلى أبويَّ فقد كدتُ من فرط تأثري أن أشدَّ على أيديكم لولا أنني لا أعرفُ كيف تكونُ ملامسةُ أيدي الميّتين.
III
عارياً خرجتُ وبأفضلِ كسوةٍ عندي أعود.
أمي الرَّهينةُ نوِلِها تنتظرُ
فالأمهاتُ يحكْنَ انتظاراً لا مثيِل لأقطانه
وأبي، لاعبُ الأكروباتِ الفاشلُ، يؤرْجحُ السرطانَ، برهبةٍ، على أمتن حباله الصوتية.
أيامي نفدت في مدينةٍ يتناسلُ أهلُها
في حاضناتِ البرقِ ويتغذونَ بالوشائع.
جاء مرةً جابٍ
ووجدَ عدَّادَ
الكهرباءِ مفصولاً
ولم يفهمْ
كيف تنبضُ غرفتي
بالفولتات!
أحببتُ وخرجتُ من الجهة الأخرى بأكثرَ من ضلعٍ ناقصٍ، فالحبُّ ليس أقصرَ مخلباً من الأمل.
اسألوا قلبي الذي تركتُه
يصخبُ كعبدٍ تحرّرَ من زرد الليلِ
على طريق التي كلّما مزَّقتُ
من أجلها وريداً
أحبَّتْ سواي أكثر.
لم يبق حاجزُ "مترو" لم أقفز عنه
ولا شارع إلاّ تَخزَّنَ في ذاكرةِ قدميَّ، كتبتُ قصصاً عن الحبِّ والجنونِ لم تعجبْ أصدقائي المُتَطـلِّبين؟
فلم أكن مهتماً بالصنيعِ بل بتصنيفِ مراتبِ الخديعة.
ليس لديَّ ما أفعلُهُ هنا ولا في أي مكانٍ آخرَ، لذلك أتركُ لكم كتبي وحرائقَ الحصادِ في اللوحات المعلقةِ على جدرانِ غرفتي والأيامَ الموعودةَ التي لم تأتِ فاعطوها لعابرٍ مائلٍ بين ليلتين بلا نجوم.
الخريفُ فصلٌ مثالي لتوديع باريس.
زهرُ النَّردِ يتساقطُ، بغزارةٍ، على مربعات الصّدفة.
السائرونَ نياما يعودونَ إلى مضاجعهم.
الجبابرةُ يتحَرَّرونَ من صريفِ أسنانهم.
شَمسُ المصلِ تغمرُ مستشفى "كوشان" وفي الخارج أصدقاءٌ مجازيون يُدخّنونَ في ضجرٍ لا تخفيه وجوهُهُم المقطبةُ أو ينكثونَ الأرض برؤوسِ أقدامهم.
هناك ذئابٌ لا تُرى بالعين المجرّدة
تُقعي صامتةً في العطفات والنواصي وهناك من يسمعُ ما لا تسمعون.
غير
أنَّ
الحياةَ
سَرْجَ الأملِ الرَّخوِ على ظهر حصانٍ جامحٍ
تستمرىءُ وعودَها
تأخذُ
وتُعطي
من غلّةِ الريح.
لندن ـ شتاء عام 1995
إشارة: يوظف هذا النص شذرات من ريلكه، دانتي، سفر أيوب.
من ديوان "كلما رأى علامة"


ثلاث قصائد إلى سعدي يوسف

الشعر



إنني أبدأ الأغنيه
بالملامةِ
بالقليلِ من الخمرِ
أو بالتهكمِ من لهجتي البدويةِ
لم تبق للقادمينَ من الشعراء،
ولي،
غير نافلةٍ من كلامٍ
وشبرين من آخرِ الماء
أغلقتْ في وجهنا القنطره،
"فها نحن نشقى"
بأوجاعنِا اللغويةِ
نشقى لأن القصائدَ
لا تطفيءُ الأسئله
ونشقى لأن القصائدَ
لا تبلغ المرحله
وها ذي قصائُدنا ورقٌ ناشفٌ في الحلوق.



الرصاص


دائماً
مثلما تكتبُ الشِّعرَ
لامرأة في جنوبِ العراق
لها غرّة كالخيولِ الصغيرةِ
أنت قاسمتها حزنَها
والسجائرَ
في لحظة الاشتباك
مع السّفرِ المغربي
تجيءُ الرصاصاتُ
أقربَ للقلبِ
من جهةِ الانظمه:
تكونُ الرصاصاتُ
في شارع منتحٍ لليمين
تظللُه الخطواتُ التي لونُهُا
واقعٌ في الغموضِ
والرصاصاتُ في سترةٍ
أنت تعرفُ صاحَبها جيداً.


الذهب



بأيدٍ توهجَ فيها الذهب
يحملونُ الحقائبَ.
جلدُ الحقائبِ
ينبتُ فوقَ ظهورِ الجياد
وهم يقتلونَ الجيادَ
لصنعِ الحقائبِ والقبعات.

بيروت
3/1978
من ديوان "مديح لمقهى آخر" / 1979


_________________


حسن بلم
♪♫.. الادارة..♫♪
رسالة sms : سيرى ببطئ ياحياة
لكى أراك بكامل النقصان حولى
كم نسيتك فى خضمك
باحثا عنى وعنك
وكلما أدركت سرا منك
قلت بقسوة
مأجهلك!!!!
ذكر
عدد المساهمات : 10336
الاٍقامة : وراء الأفق حيث لاشئ سواى وحبيبتى
العمل : مهندس
نوسا البحر :
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
2015-07-14, 4:19 am

_________________


حسن بلم

حياة كسرد متقطِّع مختارات من شعر أمجد ناصر

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة

صفحة 1 من اصل 1
نوسا البحر :: فوضى الحواس(منتديات ثقافيه) :: مرتفعات أو سوناتا الكلام

حفظ البيانات | نسيت كلمة السر؟

عفاريت نوسا البحر google+ | عفاريت نوسا | مجلة الصور | مجلة عفاريت