تمثال رملي فتحي عبد السميع

♪♫.. الادارة..♫♪
رسالة sms : سيرى ببطئ ياحياة
لكى أراك بكامل النقصان حولى
كم نسيتك فى خضمك
باحثا عنى وعنك
وكلما أدركت سرا منك
قلت بقسوة
مأجهلك!!!!
ذكر
عدد المساهمات : 10336
الاٍقامة : وراء الأفق حيث لاشئ سواى وحبيبتى
العمل : مهندس
نوسا البحر :
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
2014-12-07, 5:55 pm
تمثال رملي

فتحي عبد السميع
(مصر)

الأعواد الصغيرة

فتحي عبد السميعنَكْرَهُ أفواهَكم
نحْنُ الأعوادُ الصغيرةُ
سَئِمْنَا مِن تَنظيفِ أسنانِكم بِنَا .

لا تتحدَّثوا عن السِّلْكِ الكهربائي العُرْيَان
أحدُنَا ماتَ مصعوقا.
لا تتحدَّثوا عن القضبانِ الحديديةِ والفَلَنْكَات
أحدُنا نَطَحهُ القَطارُ ، فَطَارَ، وَحَط ،
وامتلأتْ أعضاؤُه بالزلَط .
لا تتحدَّثوا عن الفراغ
أحدُنَا جَدَلَ مِنه حَبْلا
وصارَ يَتأرجّحُ حتى أنزلْنَاه
وهَشَشْنَا عن عينيه الذبابَ الملوَّن .

تَختلِطُ علينا السُّبُل
فَنُطِلُّ على أصابعِكم
لنَذْهَبَ باطمئنانٍ وثِقة
إلى عَكْسِ ما تُشيِرونَ إليه .

لا تُحدِّثونا عن فَضيلةٍ حتى لا نشتمها
احتَرِموا مُقدَّساتِكم
لماذا تفردونَها أمامَ أحذيتِنا ؟!

كيف نُصغِي إليكم
ونحْنُ مَنهمِكونَ في نَفْضِ دُودٍ
يَتطايرُ مِن حَناجِرِكم
ويَلتصِقُ في وجوهِنا
وأرواحِنا المكشوفة ؟

نَعرفُ أننا مُغفَّلونَ
يا مِن عَضَّتكم الحياةُ مثلَنا
وسَرَى سُمُّها في نفوسِكم .
حُكمَاءُ وتَعرِفون كلَّ شيء
سِوَى أنَّكُم مُغفَّلون .

يُمكِنُ أن نَتفِقَ
على حُرمةِ الطريق
وغضِّ البَصَرِ عن عوراتِ الآخرين .
افْعَلوا مِثلَنا وتَجاهَلونا
حتى لا نَفرمكم بدرَّاجاتِنا الناريةِ
ونحْنُ نَفِرُّ إلى الخلاء.

صَدِّقونا
لا نُفكِّرُ إلا في وضْعِ بَصَمَاتِكم
على سِلكٍ كهربائي عُرْيَان .
لا نَحلُمُ إلا بِرَصِّكُم فوْقَ الفَلَنْكَات .
ولا نَشتهي سِوَى النَّظَرِ إليكم
وأنتُمْ تتأرجحونَ إلا مالا نهاية
وكلما امتدتْ أيادينا
ـ لِتَهُشَّ الذبابَ عن عيونِكم ـ
قَطعْنَاها .

المرماح

1 ـ الخيول

تَجري ولا تَربَحُ أرْضَا
خيولٌ أصيلةٌ مَكسوةٌ بالغالي
تُربَّى مِن أجْلِ اللعِب .
وأخرى مُهانَةٌ تَجُرُّ الحناطيرَ
هي أيضا تَقفُ شامَخةً بعْدَ السباق
كما لو كانت محلولةً للتَّوِّ
مِن عربةٍ على معبَدِ الكرنك .
الكدماتُ على عجيزتِها العجفاء
تبدو متورِّدَةً
مثلَ ابتسامةٍ مكسوفةٍ لعذراء .

2 ـ المزمار البلدي

الفَمُ المنفوخُ قُبَّة ٌ
والمِزْمَارُ مسلَّةٌ صغيرةٌ بثقوب
خيولٌ تتزاحَمُ في الحلْق
ومَخرجٌ واحدٌ لا يَكفي .

حُرٌ لا يَعزِفُ بيْنَ الجدران
ثقيلٌ على مَن أفنَوْا حياتَهم في الغُرَف
يَحتاجُ إلى آذانٍ كَبرَتْ في الحقول
ولعبتْ كثيرا مع البراح.
عنيفٌ كَضَوءِ الجنوب
ورقيقٌ حدَّ استخراجِ رقصةٍ
مِن روحِ الحصان .

سَحرَنا المِزمِارُ البَلَدي
فأمسَكْنَا أطرافَ جلابيبِنا
حَرَّكْنَا حوافِرَنا ورَقَصْنَا
دونَ أن تَسقطَ مِن شواربِنا
هَيْبَة ُ الرجال .

3ـ الزانة

صياحٌ وغُبَار
الأرضُ طَبلَةٌ تَقرعُها الحوافر
حربٌ ، لكِنَّ اللحم الآدمي مصانٌ بقوةِ اللعِب .
لا سيف ، لا حربة ، لا معدن .
زانةٌ شبعانةٌ مِنَ الماءِ والشمس
طويلةٌ ولا تَعرفُ الأذى
طويلةٌ مِثلَ قلوبِ الزُّهَّاد .
يَدُ الفارسِ أرجوحةٌ
والزَّانَةُ في الأعالي مَرَّة
وأخرى تَحفرُ خَطَّا في التراب .

قال الراوي :
لم أشاهِدْ رَجُلا يَمشي وفي يدهِ زانة
الناسُ يُفضِّلونَ الشومةَ والنبوت ،
يُفضِّلونَ الأقْصََرَ والأكثرَ غِلْظَة
يَمشونَ في الأرضِ وكأنَّ الوليَّ لم يَقْلْ لَهُم :
الحياةُ مِرمَاحٌ لا أكْثَر.

4ـ الفارس

يَحكي للحصانِ
عن التيجانِ التي يَضعُها الوليّ
على رؤوسِ الفرسان .

يَجرشُ الحُمّصَّ والفولَ السودانيَّ ويَضحكُ
بينما أطوفُ حوْلَ أسنانِه
كي أسْرقَ اللغةَ التي يُكلِّمُ البهيمَ بها
اللغةَ الحنونَ المملوءة بالشعيرِ والسُّكَّرِ والأسرار.
يَخرُجُ في زَفَّةٍ
و يعودُ في زفة
لا يَسفِكُ قطرةَ دَمٍ واحدةً
ولا يَعرفُ الهزيمة
يصولُ في المِرْمَاح
لا يَتقَّدُم شِبْرَا
ويَرجعُ ـ دائما ـ ممتلِئا بأرضٍ جديدة
قال الراوي :
الأرضُ التي وَعَدَ الرحمنُ بها
لكننا نموتُ دونَ أن نَضعَ أصابِعَنا عليها
وربطها بأرواحِنا في هيئةِ أملاكِ العالم.

هامش:
المرماح : سباقُ خيولٍ شعبي ، يُجرَى بمصاحبة المِزمَار البلدي ، بِقُرْبِ ضريحِ وليٍّ مشهور، ويتم بمعرفة المحتَفِلين بمولدِه ، يبدأ بعد صلاة العصر، وينفضُّ بتكبيرات المغرب .

تمثال رملي

تَقَدَّموا بهدوء
ولا تَميلوا عليّ
لا أريدُ لأحدٍ أن يَنهارَ بسببي
أريدُ أن أبْقَى حتى النهايةِ
بريئا مِن كلِّ انهيار.

زعقةٌ صغيرة
يُمكِنُ أنْ تُحْدِثَ فَجوةً في صدْري
لا بازلت ولا جرانيت
هشٌ كأرملةٍ تَضُمُّ صغارَها وتَبكي
هشٌّ ولا أدلُّ على خلود
بل أقودُكم إليه .

لا الماضي ولا المستقبَل
أنا الآنَ
أنا سريعُ الزوال
التَقَطَني طِفلٌ مِنَ الهواء
وراحَ يُطعِمُني رَمْلا
ويَكسوني رَمْلا
نَقِيٌ ولا فَرْقَ بيْنَ لحمي وقميصي
الأزرارُ هي ذاتُها عِظَامي .

لم يَلْمَسْنِي إزميل
ولم تُحلِّقْ حوْلي مِطْرَقة .
ما مِن فرعون قَرْقَعَ بالسياطِ
حتى أكون جاهزا
في عيدِ انتصارِه على شعبِه.

تَقَدَّموا بهدوء
والتَقِطوا صورا مَعِي
بوسْعِكم أن تُبصِروا أرواحَكم
وهي تَلمَعُ في ظِلالي
أنْ تبْصِروا ظهورَكم
وهي تَمتَدُّ في البحرِ إلى ما لا نهاية .

تَقَدَّموا الآنَ
قبْلَ أنْ أذوبَ في موجةٍ
فلا يَبقَى أمامَكم سِوَى الرمْل .
أحدِّثُكم وأنَا أتلاشَى
فلا تَسمعونَنِي
أَنْشُبُ أظفاري في أحداقِكم
ولا يَرتَبِكُ لكم جفن
أنَا الأوانُ الذي يفوت .

لساني للعالم

أَمُدُّ لِسَاني لكلِّ شيء
وأقفِزُ ضاحِكا
ألاعِبُ الهواءَ والحَصَى
ولا أمشي في شارعٍ مرتَيْن .

كلما عثرتُ على كلامٍ
يَعبُرُ غيْرَ معتمِدٍ على حنجرة
أضعُ ذراعَه على كتفي
ونَمضى معا .

ما الذي يَجرحُ بائعي الخضار
عندما أحكى مع الهواء
أو أجمَعُ الحَصَى في كُمِّ جِلبِابي ؟
ما الذي يَجرحُهم
حتى يقذفوني بالثمارِ المعطوبةِ
ويخَتبئونَ في النداءِ على الزبائن
تاركينَ ضَحِكَاتِهم تَنزلِقُ مِن سراويلِهِم ؟

لا شيءَ يُزعِجُني
سِوى صوتي الأجشِّ
حين يَبْتَلُّ فجأةً
بأغنيةٍ لم أسمَعْهَا منذُ سنوات .
كأنه كان غائبا
عندما دفنتُ ذاكرتي
بيدَيّ هاتَيْن
عندَ الساقيةِ المهجورة .
كأنه لم يَكُنْ مَعِي
حين قَفَزتْ مثلَ قرموط
ودُسْتُ عليها بِحذائي
قبْلَ أن تَهربَ في جِذعِ شجرةٍ
أو منقارِ عصفور .
كأنه لم يَكُنْ مَعِي
وأنا أمشى سعيدا بنواةِ النسيان
وهى تذوبُ في فَمِي .

لا أسيرُ في شارعٍ مرتَيْن
ولا أنامُ في موضِعٍ مرتَيْن
ما حاجتي لسريرٍ يبوحُ بأحلامي
عندَ أولِ صفْعَةٍ مِن مُخْبِر ؟
ما حاجتي لبيتٍ
تَصطادُني الأشباحُ فيه
ما دُمتُ أَمُدُّ لِسَاني
لكلِّ ما يُقتَنَى ؟
ما حاجتي لبيتٍ
ما دُمتُ لا أنوى استضافةَ آدَميينَ
يُخطِّطونَ لِخيانتي
بينما أُعِدُّ لَهُم أكوابَ الشاي ؟

أَمُدُّ لِسَاني
لبائعي الخضار
لأولادٍ يَصنعونَ عُرْسَا مِن مُروري
للنسوةِ في الشُّرُفَاتِ
وهُنَّ يَحلُمْنَ بِغَسْلِ جِلبَابي
للزمنِ الذي يتبعني
محاوِلا أن يِفهمَ
كيف أعثُرُ في كلِّ خطوةٍ
على أفقٍ ومَسرَّة
كيف أَمُدُّ لِسَاني للعالم
دونَ أن يَنجحَ في وأْدِ ابتسامتي ؟

مسرة بلا سبب

أُغَنِّي أيَّ شيء
وألاطِفُ كلَّ شيء
مثلَ عاشقٍ مِنَ القرونِ الوسْطَى
التَقَطَ للتَّوِّ منديلا يَحمِلُ اسمَه
سَقَطَ مِن مشربيةٍ بعيدة.

أتراقَصُ في الشارع
لا لأني فرْحَان
بلْ لعُِطْلٍ غامضٍ في المُخ.
أحاوِلُ التشبُّثَ بِصَرامَتي فلا أستطيع
أطلبُ تكشيرة
فيناوِلُنِي المُخ ابتسامة .
أطلبُ زاويةً أتقرفَصُ فيها
فيناوِلُني رقصةً وشارعا .
بِلُعبَةٍ صغيرةٍ يَقذِفُني في النقيض
أَسكُتُ حين أرجو الزعيق
وأهدَأُ حين يَلزَمُ الغَلَيان.

حين لا أقْوَى إلا على الفَرَح
أدْخُلُ في اللعبةِ
وأحتَفِي بِمَسَرَّةٍ هَبَطتْ بلا سبب
سعيدا بوجوهٍ
طالما فكَّرتُ في تحطيمِها .

الحرب يا سلامه

يَجولُ في ميْدَانِ سيدي عبد الرحيم*
وكلما ارتاح َإلى وجْهٍ
أوْصَاهُ بالصمود
وبَشَّرَهُ باقترابِ النصر .

كأنه يتَثاءبُ
وهو يُنشِدُ (كيْفَ أتخلَّى)**
بفَمٍ مِعْوَج
قَفَزَ اللعابُ منه
ولم يَسقُطْ على الأرض .

يَجذِبُ شحمةَ الأُذُن
ويَميلُ بِجذْعِهِ ـ قليلا ـ على نسمةٍ عابرة
يُصغِي لطَبْلٍ وزحْفٍ بعيد
وعاليا في يَدِه الأخرى
يَنتفِضُ السلاحُ الخَشَبي
ـ : اللهُ أكبر .

يأخذُ شَهقةً طويلة
ـ كأنه يَتمخَّطُ للداخلِ
بأنفٍ يَحتاجُ إلى عَمْرَة ـ
ويُتَابِعُ أدخنةً توشِكُ أن تَتَصاعَد
مِن بيوتٍ تَنهَار
ولحمِ أطفالٍ يَحترق

يَجمَعُ في كيسِهِ
كلَّ ما يَخشَى مكْرَهُ
مِن طوبٍ أو ورِقٍ أو أيةِ أشياء
لا يدري نيّةَ مَن ألقاها .

يصرخُ حين يُمسِكُ خِرقةً ملوثةً بِدَم
يَعرِضُها علي المارة
وهو يحكي عن خرابِ الدنيا
بلعنةِ التفريطِ في حرمةِ الدم ،
يُطمْئِنُها وهو يدفنها
ـ للهِ جنودٌ سِرِّيون
يأخذونَ الثأرَ لكلِّ مسفوك .

ـ مَتى تَنتهي الحربُ يا سلامة ؟
يَحُكُّ جَنْبَهُ ، ويَزُمُّ شفتَيْهِ
ـ مَتى يا سلامة ؟
يشيرُ للفَرْقِ بيْنَ الحربِ وطاجنِ الفتَّة
ثم يَجري وراءَهم مُمْسِكَا بندقيتَهُ مِنَ الفوَّهَةِ
لا يتوقَّفُ حتى يَضرِب أحدَهم على مؤخرتِه .

كلما رأى حوذيا عاريَ الصدْرِ
يَقطُرُ الماءُ مِن سروالِه
غَمَزَ له غمزةً عسكرية
ومَضَى سعيدا بزميلٍ سِرِّي
يَغسِلُ بغلتَهُ في الترعةِ
كي يُضلِّلَ أعينَ الأعداء
عن لحظةِ الصفر .

بلطجيُّ الميْدَان
غَافَلَه مَرةً وألقَى سلاحَه في الترعةِ
لكنه انتَبَه سريعا وأنقَذَه
تَفَقَّدَ الأشرطةَ وأسماءَ الأولياء
قَبَّلَ أثَرَ أصابعِه في عنقِ البلطجي
وبَكَى
طالِبَا العفوَ عن غفلتِه
واستعدادِه لاختبارٍ جديد .

مِن أسفلِ القَنْطَرةِ
خَرجَ مَرةً صارِخا
ـ اثبت ْ مَحلَّك
وقَفَ عُمَّال الشادِرِ
بينما فَرَّ كلامُهم
عن جَشَعِ التجارِ
وآلامِ الكتفين .
دعوه لينصرِفَ إلى حالِه
فأصَرَّ على اصطحابِهم للقائدِ
مَنَحَهم فرصةً
لينتقِموا مِنَ الدنيا على قَفَاه
مَنَحوه فرصةً
ليَحكي ـ مَزْهوَّا بِرُضوضِه ـ
عن كمينٍ سَقَطَ فيه
وحوَّلَهُ الوليُّ إلى كرتونةٍ فارغة .

اثبَتْ مَحلَّك
غريبٌ وقَفَ هذه المَرَّة
ـ نَزَل مِن القِطارِ مؤجِّلا مَصالِحَهٌ
حتى يزور صاحبَ المقام ـ
طاوَعَ بندقيةً في ظَهْرِه
ومَشى

زارَ الرَّجُلَ وعاد
وسلامةُ في مكانِه
يَبحثُ عن القائدِ .

انتفَضَ على يَدٍ ترتاحُ على كتفِه
وتَطلبُ الدعاء
ـ اثبَتْ مَحلَّك
ابتسَمَ الغريبُ ووقَفَ
لكن سلامة نَكَّسَ البندقيةَ
لا لأنَّهُ شَعَرَ بطيبةِ الأصابعِ
وهي ترتاحُ علي كتِفِه
نَكَّسَهَا ليُدَاري
إخفاقَه في العثورِ على القائد .

لم يَترك الجاسوسَ
حتى أقْسَمَ بدينِه ومعبودِه
على أن لا يعودَ ثانيةً
مُذَكِّرا إيَّاهُ بِكَمَّاشةٍ
سوْفَ تَلقطُ بَيْضَتَيْهِ .

مَدَّ الغريبُ يَدَهُ بجنيهاتٍ
رَفَضَها سلامةُ مبتَسِما
وبعْدَ خطواتٍ نَادَى على الرَّجُل
أوْصَاهُ بأنْ يُخبِرَ قومَه
بأننا طيبون
لديْنَا أطفالٌ ومَرْضَي
وبيوتُنَا لا تَستحِقُّ الخَرَاب .

* ميدان في قنا نسبة للولي الشهير
**(كيف أتخلى ) مما ينشد أمين الدشناوي

رشف الشاي

أُحِبُّ آخِرَ قطراتٍ في كوبِ الشاي
تَلْتَفُّ على سِرٍّ
يَحظَى باهتمامي ولا أفهمُه.

كأنني أناوِرُ مِن جرعةٍ إلى أخرى
كي أصِلَ إليها
أيكونُ التوْقُ لمناوَرةٍ ناجحة
ٍتعويضا لمناوراتٍ أخرى
خمدتْ خلالَها يَدِي
في لحظةٍ كان يَنبغي أن تَنقَضَّ فيها ؟

هل لكونِها أخيرة
تَتشنَّجُ روحي
لفرْطِ ما عَوَّلَتْ على الغدِ
ولِفَرْطِ ما مَرَّتْ سنوات
دونَ أن يتحققَ جزءٌ مما تمنيتُه
ودونَ أن أبالي بانتقامِ أمورٍ صغيرة
عزمتُ على القيامِ بها
ولم تَسمحِ الظروف ؟

لا بُدَّ وأن شيئا مِن فمِي
يذوبُ على جرعات
وينتظرني في القاع
ألِهَذا لا تكون القطراتُ الأخيرةُ شايا ؟
أتكونُ نفسي
ما أحاوِلُ سَحْبَهَا
وأنا أُحَدِّقُ في شريطٍ مِنَ الثُّفْل
يَمتَدُّ بِطولِ الكوبِ ويوشِكُ أن يَجِف
بينما يُحدِّقُ الزملاءُ
في رَشْفَةٍ صاخبةٍ
لا تريدُ أن تَنتهي ؟

عينان بلا جسد

أَمْشِي
ولا أثَرَ لي فوْقَ التراب
أمْشِي
وللمَطرِ وَقْعُ المسامير
أُسَلِّمُ على جاري
ـ وأنا أحرِّكُ مفتاحَ الباب ـ
فلا يَرُدّ .
لا يَشعرُ أبدا
بأني أحرِّكُ المفتاح
وأدخلُ دافِعا البابَ بِكَعبي .
لا يَشعرُ أبدا
بأن شَقتي ليست مهجورة.

جاري معذورٌ
عينايَ وحدَهما
تَجعلاني أعتقدُ بأني حَيّ
فكيف يَقتنِعُ الجارُ
بأن شقتي مسكونةٌ
لِمُجَرَّدِ أن بها حَدَقَتَيْن؟.
حتى الماء الذي يَتسرَّبُ
مِن عُقْبِ الباب
لا يمكِنُ أن يقودَ مُخيَّلَتَه
إلى أن في الشقةِ رَجُلا يَبكي.

يَنبغي أن لا أَغضَبَ مِن جاري
وأن لا أتمَنَّى قَتْلَه
يَنبغي التسليمُ بأن الشارعَ
أمينٌ في تسجيلِ بَصْمَةِ كلِّ عابر
وأن المطرَ
لم يَكُنْ له في يومٍ مِن الأيام
وقْعُ المسامير.
يَنبغي أيضا
أن لا أيأَسَ مِنَ الدنيا
وأن أعتنيَ بعينَيَّ
كما يَعتني جاري
بِنَبْتَةٍ في شُرفتِه .
ستكبُرانِ بلا شكٍّ
وسوْفَ يَصيرُ لهما شوكٌ
وأزهار
أليس لبعضِ الناسِ
أجسادٌ هزيلة
وأعينٌ تُخشَى ؟
كمْ حَكَتْ جَدَّتي
عن أعينٍ يَصطَفُّ في شبكيِّتِها
ألْفُ فارسٍ وفارس.
وأخرى تَمتَدُّ فيها أودية ٌ، وأنهارٌ، وبيوت .
مَن يَدري
ربَّمَا صارَ لي مثل هذه الأعين.
أنْظُرُ للمطرِ
فَتَقِفُ كلُّ قطرةٍ في مكانِها
أنْظُرُ للشارعِ
فَيَقِفُ رافِعا صورتي
فوْقَ كومةِ أسماءِ الذين عَبَروا
أنْظُرُ إلى جاري فَيبادِرُني بالتحية .

وجه في قعر الكوب

أريدُ أنْ أموتَ شيخا مخرِّفا
بتجاعيدَ تَهتَزُّ كالنهودِ الذابِلَةِ
على وَقْعِ عُكَّازِه .

أشْرَبُ في كوبٍ مِنَ الصاج
كي أتملَّى وجْهِي
وهو يَسطَعُ في قَعْرِ الكوب.

يُكلِّمونَني عن الأسعار
فأكلِّمُهم عن خاتمٍ ضاعَ مِنِّي
يكلِّمونِني عن ظُلْمِ الحكومةِ
فأخبرُهم كيفَ عَثَروا على السَّمْكَريّ الوحيد
بعْدَ أيامٍ مِن موتِه .

أقْصِدُ المستشْفَي
لأُغازِلَ المُمَرِّضَات
وأشتُمَ الجزَّارين .

وحيدا بِلا وَرَثةٍ
يُجبِرونَني على الكلامِ حين أصمتُ
وعلى الصمتِ حين أتكلَّمُ .

أجْمَعُ الجيرانَ مُستغِيثا
مِن نارٍ هَبَّتْ في بيتِنا
عندما كنتُ طِفلا يلعبُ بالكبريت .

أصرخُ كي يَنتبِهَ صديقٌ
دَهَسَته سيارة
ونحْنُ عائدونَ مِن الكُتَّاب .

أمُدُّ حَصيرتي أمامَ بيتي
ولا يُجالِسُني إلا الأطفالُ
والموتَى الحقيقيون .

مُتظاهِرا بالبأْسِ
أرْفَعُ عُكَّازي المرتَعِشّ.
لأتْفَهِ الأسباب
أعارِكُ المارَّةَ مُحتمِيَا بتجاعيدي.
لا أهينُ أحدا حين أشتمه
أنتقِمُ مِن آخرين
فاتَني شَتْمُهم في شبابي
أرْبِكُ الجميعَ
سعيدا بأيادِيهم
وهي لا تأخذُ فَمِي مأْخَذَ الجِدِّ
وكأنها تَدري أنني لا أشتم
بل أودِّعُ الحياة .

أُضَحِّي بأوجاعِ الشيخوخةِ
أُضَحِّي بأمنيةٍ الموتِ مبكِّرا
أُضَحِّي باكتشافِ جُثَّتي بعْدَ أيام
أُضَحِّي بأشياءَ كثيرةٍ
مِن أجْلِ أن أعيشَ شيخا مخرِّفا
ولوْ لِيَوْمَيْن
لِيَوْمَيْنِ لا أكثر
بذاكرةٍ مثقوبة
تَسقُطُ مِنها كلُّ الوجوه
ولا تَظهَرُ أبدا
في قَعْرِ كوبٍ مِنَ الصاج
أرفعُهُ إلى فَمِي وأشرب .

أرى وجْهِي بأكملِه
أراهُ مَرةً وأموت .

لاصق طبي علي فم الشاعر

أعْجَبَني شاعرٌ رَديء
أعْجَبَتني الحُمَّى
وهى تلتَفُّ على حروفِه الزاعقةِ .
أعْجَبَني قلْبُهُ ولم يُعجِبْني فَمُه .

دونَ أن يَدري هو
أو الجمهور
وضعتُ على فَمِه لاصقا طبيا
ومكثتُ أُصغِي إلى جسدِه .

ظِلالُ يدَيْهِ فوْقَ قميصِه الأبيض
ترسمُ أشكالا
لا بد أنها كانت تفورُ في دَمِه
لكنَّ كلماتِه لم تَصِلْ إليها :

صَدَفةٌ غريبة
مما تُستَخْدَمُ منفضةً للسجائر.

قَرْنَا غزالٍ يَنتَصِبان
وكأنهما يتأكدانِ مِن موتٍ
اشتَمَّا روائِحَه
ولا يَدريانِ مِن أيَّةِ جهةٍ سوْفَ يُقبِل.

فيل ٌمقلوبٌ على ظَهْرِه
ولعلَّهُ خِرْتِيت

فَمُ ذئْبٍ يختفي لِيَظْهَر
وكأنه لمبةٌ سوداءُ
تُضِئ وتَنطَفِئ .

طائِرٌ بِجَناحَيْنِ مَضمومَيْن
يَغرِزُ منقارَه في الأرض .

أشكالٌ أخرَى
تَظهَرُ فوْقَ قَميصِ الشاعر
صغيرة ومجهولة الهوية
تتناثرُ مِن يديه
وهُمَا تَنقبِضَان وتَنْبَسِطان
تَرتَفِعَان وتَهْبِطَان
تُلَوِّحَانِ كمَا في لعبةِ التحطيب
أوْ تَخْبِطَانِ صدْرَه
كمَا لو كان بابا لا يريدُ أن يَنفتِحَ .

أعْجَبَني الشاعرُ
أعْجَبَني ظِلُّ يديْهِ على قميصِه
ولم يُعجِبْني فَمُه .

حكاية فيروز والأسطي نبيل النجار

أتَى الدمياطيُّ اللعين
وفَتحَ ورشةً أمامَ بيتي .
صرختْ فيروز
لا أقْبَلُ همسةً في حفل
فكيفَ أُغنِّى لكَ وحدَك
وسْطَ كلِّ هذا الخَبْط ؟
صاحتْ كَمَنْجَةٌ
وهي تَكشِفُ ظهْرَها لأطالِعَ الرضوضَ
ـ انْظُرْ ما فَعَلَ النجَّارُ بِنَا ؟

أتَى الدمياطيُّ
لينْزِعَ مِن نِقمَتِي كلَّ شيء
ويَستخلِصَها لنفسِه .

كلما نَصبْتُ له فَخّا في البلدية
جاءت كمَّاشةٌ ونزَعَته.

عندما انهارَ بيتُه
وأخرَجوه على مراحلَ
أيقَظَني كَمَانٌ
وفَسَّرَ المَنامَ
بصفقةٍ كبيرةٍ يربَحُها الدمياطي .

كثيرونَ تَشاجَروا مَعَه
لمواعيدِهِ المثقوبةِ ولِسَانِه المُستَفِز
قعْقَعوا مثلَ شكماناتٍ مجروحة
دونَ أن يَنجحوا في خَتْمِ شِجَارٍ واحدٍ
بِقُفْلٍ يَنام إلى الأبد
فوْقَ بابِ الورشة .

مع الدَّبَّةِ الأولى لأيِّ خلاف
يَنزِعُ العمامةَ كي يَكشفَ عن إزميلَيْن
نَبَتَا في صلعتِه .
يلوذُ بقمطةٍ حديدية
ويلوِّحُ بها لا أكثر
يُداري غربتَه أمامَ عمائمَ
تشيرُ إلى عشائرَ ونبَابِيت
سأنزِعُ غربتَه مِن نِقمَتي
عليَّ أن أحنوَ على شَبيهي .

سأنزِعُ أيضا هباءَ الورشةِ
وأتركَه يَمضي بسلامٍ إلى رِئَتي
أو يتراكم فوقَ أوراقي وكُتُبي
معَ أوجاعٍ وخسائرَ أخرى.
يَكفي أنه شَجَرٌ
لا يَنبغي وَسْمُهُ بالإثم
لأنني تمنيتُه حديقة ًحوْلَ بيتي ولم يَكُن
أوْ لأن بَلطَةً نَزَعَته مِن بلادِه وصارَ فُتَاتا .

سأنْزِعُ مِن نِقمَتي أيضا جلبابَه اليتيمَ
وعودتَه مِن صلاةِ الفَجْر
أتُرَاهُ القُطْبَ جاءَ في هَيئةِ نَجَّارٍ دمياطيّ
كي يأمُرَني بالرحيلِ إلي ما لا أدري؟
لماذا لا يُحدِّقُ في عيني ويقولُ كلمتَه ؟
لماذا يردِّدُها بـ (الشاكوش) آلافَ المَراتِ يوميا؟

نَجمَةٌ أمامَ شُبَّاكي
بذلتٌُ مَجهودا حتى سَرَى الكلامُ بَيْنَنَا
لكِنَّ الدمياطيةَ البدينةَ زوجةَ الدمياطيّ الناحل
سألتني عن عددِ النجومِ وانفجرتْ في الضحك .
ارتبكتُ واختبأتُ وعندما عدتُ
كانت نَجمَتي قد ضاعتْ إلى الأبد.
هل أستبْعِدُ الدمياطيةَ هي الأخرى
لمجردِ أنها شَعَرتْ بالندم
وصارتْ تَختبِئ كلما رأتْنِي في الشُّبَّاك؟

ماذا يَبْقَى
بعْدَ استبعادِ كوْمةٍ مِن اللحمِ
يَجري الدمياطيّ عليها؟
ماذا يَبْقَى
وقدْ رضيتْ فيروزُ بالغِنَاءِ على خبْطِ الشواكيش
وأخْبَرَتْنِي كَمَنْجَةٌ
بضرورةِ العزفِ مهما كانت الظروف .

ثأر الخنفساء

أبي أمامَ البيت
يَستندُ على شومَتِه
بِقلْبٍ مُنقبِضٍ
يَنظرُ للبعيد .

يَدُه الحانيةُ
لم توقِفْ صَرْخَتي
مِن حَجَرٍ شريرٍ
كان يَعدو نحْوِي .

قال : إنَّها خُنْفُسَاء ، فلم أهْدَأ .
لوَّحَ بالشومةِ في الهواء
وحَلفَ بجلالِ اللهِ
أن لا يترُكَني حتى أسحقَها .

حين انفجرتْ تحتَ حذائي
ارتجفتْ أسناني .
كأنني أمضغُ قِشرَتَها السوداءَ
وأبتلعُ بطنَها اللزجْ
ارتجفتْ أسناني
وأنا أسهرُ في انتظارِ انتقامِها
تَجُرُّ أضلاعِها المهشَّمَةَ
وتُشيرُ إلىَّ ببطنِها المسكوب
وقد بَنى له قشرةً مِن التراب .

أَفحَصُ الشقوقَ وأُقَلِّبُ الحجارة
بحْثَا عن الخَنِافِسِ الغافلةِ
الأولادُ يقشعرونَ مِن حذائي
كلما خطوتُ في مشاجرة .

صِرْتُ رَجُلا يا أبي
أرفَعُ مِطوَاتي وألاعِبُ العالَم
دُسْتُ عليه كما علَّمْتَني
لكنَّهُ كان أثقَلَ مِن أن يَشعُرَ بي
وكلما جَرحتُه سالَ دَمِي .

لي أصدقاءُ يَضحكون
كلما تَذكَّروا حِذائيَ القديم .
لي قهقهةٌ مَريرة
كلما تذكرتُ مِطوَاتي
ونَصْلَهَا الحالم .
لي أطفالٌ يَصرخُ أحدُهم
فترتَجِفُ أسناني
وحين أجِدُ السببَ تافِهَا
أظَلُّ ملتَفَّا لساعاتٍ طويلةٍ
في ظِلِّ مصيبةٍ
قُمْتُ للترحيبِ بها ولم أجِدْهَا .

الخنفساءُ التي سَحَقْتُهَا
لأنكَ كنتَ قلِقَا عليَّ مِن العالَم
تَعرِفُ أنك لم تَكُنْ تَقصِدُها
تَجُرُّ أضلاعَها المهشَّمَةَ
وتَبكي على رجالٍ
عاشوا واقفينَ أمامَ بيوتِهم
يودِّعونَ مصيبةً ويَنتظِرونَ أخرى.

تَجُرُّ أضلاعِها وتَبكي
على حَجَرٍ بِحَجْمِ الأرضِ
سَينفَجِرُ مِن تلقاءِ نفسِه
ويُغرِقُ كلَّ شيءٍ
في بطنِهِ المسكوب .

لظلِّي أطوارٌ غريبة

ظِلِّي أمامِي
عتمةٌ صغيرةٌ
لا تَحيا إلا في النورْ
برهانُ وجودي
ومعناي الوحيدْ
أتركُ كلَّ طريق
لا أرى ظِلي يمتدُّ فيه .

أضَعُ أمامَ المصباحِ قبضتي
أَتركُ ظِلَّهَا يكبُرُ بالقَدْرِ الذي يَكفي
لتحطيمِ هؤلاءِ الذين يُفسِدونَ حياتي
وعندما أنجَحُ في البكاءِ
أكمِلُ سهرتي
صانِعا بظِلالِ يدَيَّ فوْقَ الحائط
حيواناتٍ وزخارفَ .

لا أطفِئُ المصباحَ
وأقطعُ نوْمِي عدةَ مراتٍ
كي أتأكَّدَ مِن أنَّ ظِلي تحْتِي .
الموتَى وحدَهم
ينامونَ عَرَايَا
وظِلالُهم ليست تحْتَ ضلوعِهم .

***

الطريقُ إلى موعدِها
لم تَكُنْ مستقيمةً
وكان ظِلِّي يَسبِقُني بشارِعيْنِ أو ثلاثة .
وضعتُ أصابعي على أصابعِها
وصرختُ :
ظِلُّ يَدَيْنَا ليس متطابِقَا
حضنتُها على الفوْرِ
لأتِيحَ لظلِّهَا فرصةً أخيرة
كي يَتطابَقَ مع ظِلِّي .

في طريقِ العودةِ
كان الشارعُ خاليا
إلا مِن ظِلّيْنِ حزينَيْن
يَميلُ كلٌّ مِنْهُمَا إلى جهة .

***

مرَّةُ أتْلَفْتُ منْجَلا
لفَرْطِ إصراري
على قَطْفِ قطعةٍ مِن ظِلِّ شجرة
أَتْلَفْتُ منْجَلا
كي أقتنِعَ إلى الأبد
بأن الظِّلالَ لا تُقطَعُ أو تتألم
كيفَ أنظُرُ الآنَ
إلى الثقوبِ التي يَمتلِئ بها ظِلِّي ؟
كيفَ أنظُرُ لصراخِهِ وقَفْزِهِ
كلما اصطدمَ قلبُهُ
بحَصَاةٍ أو عُلبَةٍ فارغة ؟

***

لِظِلِّي أطوارٌ غريبة
خطواتُه
لا تَنسَجِمُ أحيانا مع خطواتي
لا أفهمُ أبدا
لماذا يَمُدُّ رقبتَه
مثلَ ماسورةٍ
ويُكَوِّرُ باقي جسدِهِ
مثلَ دِبشك ؟
لو طاوعتُهُ
ودُسْتُ على الزناد

***

مَرَّةً سألتُ جَدَّتي
أيْنَ ظِلُّ النهرِ ؟
حَدَّقتْ في الزراعاتِ ولم تُجبْنِي
ماتتْ جَدَّتي لكنها
تزورُني في النُّعَاس .
أسْحَبُها مِن يَدِهَا
انْظُري يا جَدَّتي
الأولادُ يَسْبَحونَ في ظِلِّي
البناتُ يَغسِلْنَ فيه الملابِسَ والمواعين
أمَّا الرِّجالُ
فيُرْسِلونَه في المواسير
إلى الصحراءِ والأدوارِ العالية .

***

خمسَةٌ وثلاثونَ عاما
تَكفي بالكَادِ
لكي يَنتَبِهَ المَرءُ إلى ظِلِّه
لستُ نادِمَا على أعوامٍ
عَبَرْتُهَا خلْفَ ظِلالِ الآخرين
لقدْ غفرتُ لنفسي كلَّ شيء
إلا تَبَوُّلِي في الخلاء
بِلا اكتراثٍ
بأنَّ ما أبولُ عليهِ
ليْسَ سِوَى ظِلِّي .

قصيدة الحَر

نِسْوَةُ الصعيدِ يَعرِفْنَنِي جَيدا
يَنتَظِرْنَ إحدى مَوْجَاتي
ليمررْنَ أصابِعَهُنَّ في صدورِ الرجال
حَكَّةٌ خفيفةٌ وتتفاقَمُ الإهاناتُ الصغيرة
أو تَشتعِلُ الرغبةُ في الثأر
تقومُ البندقيةُ مِن تحْتِ التراب
ويفوحُ البارودُ في اللحْمِ الحَيّ .

تَمشونَ في ظِلِّي
بعيونٍ مُسبِّلَةٍ ، وخُطَى ذابِلة
يُعجِبُني نَشيدُ السخطِ
وهو يدورُ بين أسنانِكم .

تَهرُبونَ في الحجرات المكيَّفَةِ .
تَحبِسونَ أنفسَكم بأنفسِكم
بينما أنتظِرُ أمامَ الباب
لأنفُخَ في وجوهِكم مثلَ تِنِّين
وأضْحَك .

شيخُ طريقةٍ أنَا
حَمَلَ الصحراءَ في جيوبِه وجاء
سعيدا بالبَشَر
وهُم يَتذمَّرونَ مِن النهار
ويراهِنونَ على الليل
يَذكُرونَ بالخيرِ
شَجَرَ الأرضِ المقطوعَ
ويفكّونَ الأزرارَ كي يتخفَّفوا مِن مَلابِسِهم
لماذا لا يَتقدَّمون خطوة
ويَنزِعونَ خيشا على قلوبِهم ؟

أشدُّ جِلْدي حولَكم
فَتَصِيرونَ طَبْلةً هائلةً وأقرَعُهَا
أقودُكم إلى فراغٍ بيْنَ الضلوعِ
وحنينِ الأرواحِ إلى دنيا أخرى
فتُغمِضونَ أعينَكم
وتُعلِّقونَ بهجَتَكم على ذِهَابي.

أَجُرُّكُم للشكِّ في جدرانِكم
فَتَحْمِلونَها مَعكم إلى الشواطئ
وتحتَ الشماسي
تُخرِجونَها مِن حقائِبِكم وتَلتَفُّونَ بها
فيما تَحسبونَ أنفسَكم عَرَايَا
تُبصِرونَ زُرْقَةً وموْجَا
ولا تُبصِرونَ بَحْرَا .

ستكونونَ أفضلَ
في أيِّ مكانٍ لستُ فيه ؟
حَسَنا
سألُمُّ شَوْكي مِن حلوقِكم وأذْهَبُ
ماذا ستفعَلونَ بأرواحِكم
وقدْ عادتْ تَتنفَّسُ بِلا ضغوطٍ
لا يَفضحُها العَرَق
ولا تَمشي بزجاجاتٍ لتضلِّلَ العطش
تواجِهَ الشمسَ وجْها لِوَجْه
ولا تَعتمِدُ إلا على ظِلالِها ؟

بعيدا أشتمُكم
أغسِلُ جِلْدِي مِن روائحِ أجسادِكم
أرتِّقُ ما شَرَكَتْهُ أظافِرُكم
حين تَشَنَّجَتْ وحاولتْ خَنْقي
بعيدا ، أبْكي عليكم
وأنتُمْ تَشعرونَ باختناقاتٍ
ولا تَجِدونَ حَرَّا تَتهِمُونَه .

******

فتحي عبد السميع

مواليد قنا في 10/5/1963
شاعر وناقد ، وباحث في الموروث الشعبي
ـ عضو مجلس إدارة مركز التراث اللامادي بجامعة جنوب الوادي
ـ أمين عام مؤتمر أدباء مصر ـ دورة ( المشهد الشعري الراهن ) ـ عام 2009
ـ أمين عام مؤتمر إقليم وسط وجنوب الصعيد الثقافي 2011 /2012
ـ منسق مهرجان الجنوب للشعر العربي 2012 .
ـ شارك في الكثير من المهرجانات والمؤتمرات ، ومثل مصر في فعاليات اجتماع اتحاد الكتاب العرب ـمسقط 2013

* ـ صدر له :

1ـ الخيط في يدي ـ هيئة قصور الثقافة ـ1997
2ـ تقطيبة المحارب ـ كتاب حتحور ـ 1999
3ـ خازنة الماء ـ المجلس الأعلى للثقافة ـ 2002
4ـ فراشة في الدخان ـ الهيئة المصرية العامة للكتاب 2008
5ـ تمثال رملي ـ الهيئة المصرية العامة للكتاب 2012
6ـ الموتى يقفزون من النافذة ـ الهيئة العامة لقصور الثقافة 2013
7ـ الجميلة والمقدس (نقد) ـ دار الهلال 2014
8ـ القربان البديل (طقوس المصالحات الثأرية في جنوب مصر) ـ الدار المصرية اللبنانية 2014
وله عدة مجموعات وكتب تحت الطبع

* ـ شارك بأبحاثه في عدد من المؤتمرات ومنها :

1ـ المكان و تجليات الموروث الشعبي في شعر العامية ــ مؤتمر جماليات المكان ـ المنيا ـ 2002
2ـ الوعي الشفاهى والوعي الكتابي ـ مؤتمر : العامية لهجة إبداع ـ أسيوط 2003
3ـ المروى له فى الخطاب الروائي ـ مؤتمر: الإبداع وقضايا الحرية ـ
أسوان 2005
4ـ أزمة الهوية العربية ـ مهرجان حورس الأدبي ـ أسوان2006
5 ـ تقنيات السرد وأفق الدلالة ـ مؤتمر : إقليم وسط وجنوب الصعيد ـ المنيا 2007
6ـ سينوغرافيا النص السردي ـ مؤتمر أمل دنقل ـ قنا 2007
7ـ الهوية المعلقة ـ مؤتمر إقليم وسط وجنوب الصعيدـ أسوان 2008ـ
8ـ ثقافة الثأر ـ مهرجان طيبة الدولي 2009
9ـ الشعر والأسطورة ـ مهرجان طيبة الدولي 2010
10ـ مفهوم الثورة الثقافية ـ مؤتمر ( الثقافة المصرية وتحديات التغيير ) ـ اتحاد كتاب مصر ـ القاهرة 2011
11ـ ( ثقافة القبيلة ومستقبل الديمقراطية) مؤتمر جنوب الصعيد الأول ـ 2013

_________________


حسن بلم

تمثال رملي فتحي عبد السميع

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة

صفحة 1 من اصل 1
نوسا البحر :: فوضى الحواس(منتديات ثقافيه) :: مرتفعات أو سوناتا الكلام

حفظ البيانات | نسيت كلمة السر؟

عفاريت نوسا البحر google+ | عفاريت نوسا | مجلة الصور | مجلة عفاريت