امتحان الحنين مختارات من بيروت قصيرة بحجم راحة اليد pdf

♪♫.. الادارة..♫♪
رسالة sms : سيرى ببطئ ياحياة
لكى أراك بكامل النقصان حولى
كم نسيتك فى خضمك
باحثا عنى وعنك
وكلما أدركت سرا منك
قلت بقسوة
مأجهلك!!!!
ذكر
عدد المساهمات : 10336
الاٍقامة : وراء الأفق حيث لاشئ سواى وحبيبتى
العمل : مهندس
نوسا البحر :
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
2014-04-16, 1:02 pm
مختارات أمجد ناصر
بيروت قصيرة بحجم راحة اليد


لستُ راعي الذكرى ولا مُدبِّر شؤون الحنين

ليست بيروت مسقط رأسي ولكنها، أيضاً، لم تكن مجرّد مدينة مررتُ بها بين مكانَين. هناك أماكن أخرى أقمتُ فيها أطول مما فعلت في بيروت (قبرص مثلاً) ولم تترك عليَّ أثراً يُذكر. أكاد لا أتذكّر، بيقينٍ كافٍ، أمر إقامتي في الجزيرة التي يحلو لها أن تنتسب إلى أفروديت. يخيّل إليّ أنني يوم غادرتها كنت كأنني أغادر مكاناً ميزته الوحيدة قربه من بيروت.

ففي قبرص كنتُ في عداد حشد من الغرباء الذين طردتهم دبّابات «سلامة الجليل» صيف 1982 إلى شواطىء قريبة وأخرى بعيدة. أجسادنا، فقط، كانت في الجزيرة أما أرواحنا فظلّت في بيروت. كأن شواطىء قبرص وجبالها لم تكن سوى مرصد نحاول أن نطلّ منه على حياتنا في البرّ الآخر. في الفردوس المفقود. بيروت، بهذا المعنى، وشمٌ حمله كثيرٌ من الذين تنفّسوا هواءها وشربوا ماءها ورفَّ لهم جناح في فضائها يوم كانت مدينة المدن العربية طراً. صار وشم بيروت دليل الكثيرين إلى أنفسهم ودليل الآخرين إليهم. كأنه وشم قبيلة خطرة أدرك الجميع ضرورة نبذها في الآفاق وفعلوا. وقد صار لي هذا الوشم، شخصياً، شارةً تردَّني إلى مكان ولدتُ فيه، بإرادة صنعتها قوّة الأحلام.

جئتُ إلى بيروت، أول مرّة، بلا اسم تقريباً (مع أنني كنت أحمل اسم نبي يدعى «يحيى» خلعه أهلي عليَّ كيما أهتدي بالكتاب، ولم أفعل) وبلا قوام أو هيئة، فمنحتني اسمي وكتبتُ شهادة ميلاده في الصحيفة وعلى غلاف الكتاب الأول وشكَّلت، بيدَين لم تفرِّقا كثيراً بين عابر ومقيم، هيئتي وقوامي. بفضلها صار لي اسم بين المتخاطبين. ولي وحدي يعود أمر تربيته وتدبُّر شؤونه.

إلى هذه البيروت أعود بعد أربعة عشر عاماً من غياب مأهول بعيش متقطّع هنا وهناك، وبذاكرة متطلّعة إلى حيث واريتُ الثرى اسمَ النبي الذي أُعطيَ الكتاب وحملتُ اسم الإنسان الذي أخذه بتردُّد ووجل.

ومن غريب التدابير أن يبلغ غيابي عن بيروت الزمن نفسه الذي بلغه غيابي عن بلدي الأردن.

أربعة عشر عاماً غبت فيها عن الأردن وأربعة عشر عاماً أخرى عن بيروت أدركت، في الأخيرة، مغرب الشمس وبحر الظلمات. فأيّ قسمة عجيبة للزمن؟ وأيّ عدالة لهذا الغياب الذي ساكنني حياتي؟



في خطى الأربعين

أستقلّ الطائرة التابعة لـ«طيران الشرق الأوسط» بنفس خفقة القلب والتوتّر اللذين عرفتُهما عندما دلفتُ الطائرة الأردنية عائداً، بعد غياب طويل، إلى الوطن.

فالعودة إلى بيروت هي، أيضاً، نوع من عودة إلى وطن كان فيه للغرباء، أمثالي، مطرح وأخوة وأحلام جسور. كنت أخشى أن أفوز بالخيبة نفسها التي فزت بها عندما عدت إلى عمّان. كنت أخشى أن لا تقع العين على ما ألفت، وأن لا يعثر متخطّي الأربعين على صدى صيحة عشرينه. ولكن ما الذي يخشاه مَن كان فوزه الوحيد هو المنفى، من كانت الخيبات مكافأته على الأحلام متروكة الحبل على الغارب؟

ألم أعلِّق، منذ زمن بعيد، قول قسطنطين كفافي تميمةً في عنقي: «مَن خرَّب حياته في هذا المكان فهي خرابٌ أنّى حلّ»؟

إذن لأذهب إلى بيروت خفيفاً، ما استطعت، من الذكرى، بأقلّ ما يمكن من لجاجة الأشواق. عليَّ أن أقرّ أن الزمن العربي سال بفداحة وأن الحنين يطوّر أمكنة لا وجود لها، ربّما، إلا في أعالي سكراته.

فلأعطِ الخيبة بعض ما تستحقّ من وجاهة، ولأوطّد النفس على تقبُّل كفاح الأيام ضدّ مطارح الألفة وما أنجزته أيدي اللاعبين بالمصائر ضدّ مواضع الحنين.

فلست وحدي من يحمل وشم بيروت. كثيرون غيري يحملون الوشم نفسه. ولست راعي الذكرى ولا مُدبِّر شؤون الحنين. فلأذهب إلى بيروت سائحاً، هكذا، مثل هؤلاء الإنكليز الذين يستقلّون الطائرة معي متخفّفين من المقاصد الباهظة فرحين، ربّما لأول مرّة، أنهم لن يكونوا، كمواطنين سابقين لهم، هدفاً للخطف على السحنة والهويّة.

وليهدأ هذا القلب الطائش الذي لا تعوزه الأسباب ليخفق.

***

لاحت لي أكثر من فرصة لأذهب إلى بيروت من قبل ولم أفعل. كنت أؤجِّل، تحت رجفة القلب، هذه الزيارة. فهي استحقاق لم أستعدّ، على ما يبدو، لمواجهته. فالمكان العربي لا يصمد على حال. إنه دائم التغيّر والانقلاب. تخرج من حيِّك وبلدتك وتعود بعد بضع سنين فلا تكاد تتبيّنهما. من منّا يستطيع العودة إلى البيت الذي ولد فيه؟ من منّا لا يزال بمقدوره الاهتداء إلى جغرافيا طفولته؟ قلّة من العرب يمكنهم أن يزعموا، اليوم، أمراً كهذا.

بيوتنا الأولى، حتّى تلك التي تعتصم بزمن الريف المتثائب، عرضة للبلدوزر وخلاّطات الإسمنت التي زحفت على الأخضر واليابس والخلوي المتطرّف من الأرباض والدساكر فمسحت القديم بأسنانها الفولاذية ورمت محلّه قضبان الحديد والحصى والإسمنت. إن عائلة مكوّنة من تسعة أبناء، مثل عائلتي، أنجبت، تقريباً، كل واحد أو اثنين من أبنائها في منزل ومكان مختلفَين. فليس لنا ذاكرة طفولية واحدة. هناك تسع ذاكرات وتسع طفولات كل واحدة منها تشخص إلى بيتها الأول الذي... لم يعد موجوداً. وبيروت تمتلك، أكثر من غيرها، أسباباً كافية لمحو الخطى والأثر. فالحروب التي دارت عليها وفيها تكفي لأن تقوِّض أحياء برمتها وتُنهض، بالإسمنت المرتجل، أحياء جديدة منبتَّة الذكرى.

والأمكنة، أياً كانت عبقريتها، لا توجد من تلقاء ذاتها ولا تكتفي بنفسها. ولا هي شيء خارج وشائج التاريخ وأنواله الكبيرة. تحتاج إلى تاريخ تصنعه ويصنعها. وتحتاج إلى نسغ وروح لتنبض. لتوجد. وأنا أعرف كم جفَّ نسغ بيروت بعدما تغذَّت منه حروب الأهل والاقليم، وأعرف كم تراكم غبار تبدّل المصائر والعمران على روحها. تلك سيرة بيروت التي دمّرها غزاة مرّة، وهدمتها زلزلة مرّة أخرى، وأنهضتها، من عثراتها، همَّة أهلها.

أعرف أن المدينة التي جئتها في مستهلّ العشرينات من عمري بـ«نعال من ريح» ليست هي نفسها التي أعود إليها بخطى الأربعين المتثاقلة. أعرف ما يعرفه عقلي وجسدي: أن دولة لحلم ما دالت فيها. وأعرف، أهمّ من ذلك، أن أحداً من أصدقائي الغرباء لم يعد موجوداً في المدينة التي تحاول أن تكفَّ عن كونها مسرحاً للأحلام المكلفة. الأحلام التي استنقعت بالدم. فلن أجد هناك غسان زقطان ولا زكريا محمد ولا ميشيل النمري ولا عماد الرحايمة، ولا غالب هلسا ولا سعدي يوسف ولا رسمي أبو علي ولا علي فودة ولا شاكر لعيبي ولا سليمان صبح ولا الصافي سعيد ولا بشير البكر ولا هاشم شفيق ولا ربعي المدهون ولا محمود النوايسة ولا حيدر حيدر ولا سليم بركات ولا أحمد داود ولا سيد خميس ولا علي حسين خلف ولا يحيى يخلف ولا جميل هلال ولا يوسف الناصر ولا عماد عبد الوهاب ولا آدم حاتم ولا فيصل حوراني ولا رشاد أبو شاور ولا محيي الاشيقر، ولا بسام أبو شريف ولا ليانة بدر ولا جليل حيدر ولا ناتاشا المعاني ولا الطيف الشبحي لجميل حتمل متنقّلاً بين بيتي في محلّة أبو شاكر ومقرّ مجلّة «الموقف العربي» في نزلة أبو طالب و«دار ابن رشد» في البربير.

لا أحد من هؤلاء الغرباء وغيرهم بقي هناك.

بل إن بعضهم لم يعد موجوداً على قيد الحياة.

أعرف كل هذا وأضعه نصب عينيَّ المتطلعتَين إلى الأفق البعيد.



امتحان الحنين

هناك نفرٌ من الأصدقاء علمَ بأمر ذهابي إلى بيروت، منهم الشاعر الأريتري زرسناي أبراها الذي سبق وتنبّأ لي بامتحان مؤلم للحنين عندما عدت إلى الأردن أول مرّة. وكانت نبوءته قاسية. لم يقل أبراها شيئاً هذه المرّة، لأنه سيدّخر ذلك إلى حين عودتي. أما الشاعر اللبناني عيسى مخلوف الذي قدَّمني، بكلمة ضافية الكرم، في حفل توقيع كتابي «سُرَّ من رآكِ» في باريس قبل ثلاثة أيام من سفري إلى لبنان، فاتصل بي قائلاً إن بيروت ستستقبلني ببضعة شوارع نظيفة وأعلام على طول طريق المطار!

كان عيسى مخلوف يُشير، ساخراً، إلى الترتيبات التي قامت بها الحكومة اللبنانية لاستقبال أول رئيس جمهورية فرنسي يزور لبنان منذ استقلاله.

ويبدو أن مفاوضات شاقّة أجرتها حكومة رفيق الحريري مع «حزب الله» بغية رفع صور قادة الثورة الإيرانية المعلّقة على جانبَي طريق المطار كي لا يلتبس الأمر على جاك شيراك فيظنّ أن طائرته حطّت في طهران بدلاً من بيروت.

وقد أصاب عيسى مخلوف كما سيتّضح، لي، لاحقاً.

كان على متن طائرة «طيران الشرق الأوسط» التي أقلّتنا إلى بيروت، وهي من طراز «جامبو»، فوجٌ سياحيّ إنكليزي إلى جانب اللبنانيين والعرب. وكان ذلك أمارة تدعو إلى التفاؤل. فبيروت التي قطعت عنها الحروب المتعاقبة كل ملامسة مدنيّة مع العالم الخارجي تتأهّل، ثانيةً، لتكون مكاناً صالحاً للزيارة، خصوصاً من قبل الأوروبيين الذين ارتسمت صورتها في أذهانهم كمسرح للتصفيات البدنية العنيفة والاختطاف.

فلمَّا تزل صور المختطفين الغربيين بسحناتهم المعذّبة، التي دأبت على بثّها القنوات التلفزيونية البريطانية المختلفة، ماثلة بقوّة في الذاكرة. ولـمَّا تزل الكتب التي أصدرها بعضهم عن تجربته المريرة في ظلمة الأسر موجودة في الأسواق. فبمجرّد أن يفكّر هؤلاء السيّاح الإنكليز بزيارة بيروت فذلك يعني أن محنة مواطنيهم تيري ويت وجون مكارثي وجاكي مان وبرايان كينان أصبحت في ذمّة بيروت أخرى. بيروت كاتم الصوت والعصبة التي تغطّي العينَين والمصير المجهول والأقبية الرطبة.

وعلى متن الطائرة لفتَ نظري، أيضاً، وجود عدد من العرب الذين يظهرون في سمت رجال الأعمال تدلُّ عليهم أزياؤهم وحقائبهم وهواتفهم النقّالة وامتعاضهم الصامت من جيرانهم الآسيويين الذاهبين بلحى غير مشذّبة ودشاديش بيضاء قصيرة إلى الحجّ.

ها هي بيروت، إذن، تجتلب المواطن العائد والسائح الأجنبي ورجل الأعمال العربي والعابر إلى وجهة أخرى والمقتفي خيط حنين مثلي.

لم تكن سماء بيروت صافية تماماً عندما اقتربنا منها. كانت هناك غيوم لكنها ليست رمادية داكنة ومتراصّة كغيوم لندن بل سمحة، متراخية على خلفية سماء عميقة الزرقة. بدت رنّة من الأسف في صوت كابتن الطائرة الذي أبلغنا نبأ الطقس الغائم لكنه استدرك قائلاً إنه بإمكاننا، مع ذلك، أن نرى بيروت من الجوّ.

لاحت المدينة منضغطة، بكثافة، بين الجبل والبحر. ليس لبيروت عمق منبسط، فالجبل من ورائها والبحر من أمامها وليس لها إلاَّ أن تنفلش على امتداد الرقعة الضيقة التي يتنازعها هذان الحدَّان. وهي تلوح لمن يراها، من فوق، هضبة مندفعة على شكل لسان يمتدّ نحو عشرة كيلومترات داخل البحر. كأن ضغط الجبل هو الذي دفعها على هذا النحو اللافت في زرقة المتوسّط.

فرصةٌ ثانية!
أمجد ناصر
العدد 27 - أيّار 2010

هذا خاتَمٌ آخر. خاتمٌ مختلفٌ. ولتكن قاعدته من فضَّةٍ مُغْبرَّةٍ، وليكن مفلطحاً بعض الشيء، غير أنك متفائل بحجره الخام الذي قطعه صانعٌ لم يعد يشمّ، أغلب الظن، رائحة القهوة التي تشمُّها، الآن، في مقهى يضجّ بأصوات ما تني تتلاشى. كلا، ليس الخاتم القيرواني الذي كاد جهلك بطغرائه يوردك مورد الهلاك، إنه خاتمٌ آخر. خاتمٌ مختلف. ترى في حجره الأزرق الكابي صورةً جانبيةً لامرأة مقرفصة على هيئة غزالة مُعَمِّرة، وتسمعُ، ما إن تحكّه بردن قميصِِك، رَجْعَ وعودٍ لم تُنجَز قط، يمكنك، كذلك، أن تلمس على سطحه المخشرم تكويناً لدمعة ما تلبث أن تصبح قبَّرةً تطير بلا أجنحة. هذا خاتمٌ آخرُ. خاتمٌ مختلفٌ، اشتريتَه من بائعةٍ جوَّالةٍ قالت لك إنه استفتاحٌ كريمٌ: خُذه ولن تندمَ.



I

في قلب هذا الجفاف الوطيد تذكَّرتُكَ. عرفتُ، بنزلةِ شمسٍ خفيفةٍ، من أين جاء وجهُكَ. ولمن تنتمي نظراتك الحبيسة في تلك الأقفاص الخضراء! أن تكون هناك لا يعني أنك هناك بالضبط. ليس بخارطة الأنفاق يمتلك المرء مكاناً ولا بجلوسه في طبقة عُليا لحافلة حمراء يصبح مواطناً تلقائياً للمطر والهدير، إذ ثمة شيءٌ يبقى في الوجه. في لمعة العين. في خطوط اليد المبسوطة على المائدة. ثمة شيءٌ يخبِّئه اللسان تحت جملة أجنبية دارجةٍ قد يكون كلمة السرّ!

لم تتأكّد مما عنََته الشاعرةُ المتحدِّرةُ من بطنٍ عربيٍّ قديم عندما كتبتْ إليك تلك الكلمات، أثناء زيارتها للبلاد التي غادرْتَها، خلسةً، وعدتَ إليها بجناح تساقط منه ريشٌ كثير. قد يكون ذلك تعريضاً مبطناً لم تلتقطه وفات أوانُ الردِّ عليه، أو لعلها مجازات الشعراء التي لا يُعوَّل عليها كثيراً في فصل القمح عن الزؤان؟ أو ربّما هو، حقاً، ما رأته فيك عينُ الشاعرة التي كأنّها قالت إن أسلافها ينتمون إلى قبائل الصحراء. وجهُها، على ما تذكر، طالعٌ من حقل شعير. قد تكون سمراء. ذلك الوسم الشمسيّ المطبوع على الزند والترقوة. ولها، إن أردتَ ردَّ التحية بالمثل، نظراتُ قبَّرةٍ حبيسة. أهي نظرات الكائن البشري في المدن الكبرى المطوَّقة بالكاميرات وأنصال الليزر والخوف من الغرباء، أم النظرات التي تبحث عن فضائها الأول الضائع دون جدوى؟ أنتَ، فعلاً، لا تدري. فالشاعرةُ المتحدِّرة من بطنٍ عربي قديم لم توجد تقريباً. وتلك الرسالة لم تصلك إلاّ في حلم أو ما يشبهه، وليس صعباً على ثلاثة، أو أربعة، يعرفونك أن يردُّوا حيرةَ كلماتِها إليك.

لم تفكّر طويلاً بمغزى تلك الكلمات التي تشبه الشِّعر واللغز والحياة. احتفظتَ بها، هكذا، كطِلَّسم في رأسك. كوقعٍ خام. كحلمٍ شمسيٍّ مراود. ستعاودك، بنبرتها الملتبسة، كلَّ مرة تبدو فيها تلك الأرض، من نافذةِ طائرةٍ تبدأ هبوطها التدريجيَّ، بحراً من الصُّفرة قلما تتخلله بقعة زرقاء أو خضراء. فها هو الجفاف الذي تذكَّرَتْك، في طقطقة هوائه وتحت لفحِ شمسه، شاعرةٌ في حلم، أو ما يشبهه، لا يزال على حاله. ولكن هل تغيَّرتْ، تحت هذا الجفاف الوطيد، الكائناتُ والأشياءُ والاعتباراتُ؟ ما الذي تبقّى من ذلك البيت، من جوارٍ قديم، من البداوة والصحراء و«الأصالة» في أزمنة تُوَحِّدُها، عنوةً، علاماتٌ مسجّلةٌ صارت أيقوناتٍ طائرةً لعصرك اللاهث؟ أكانت تلك الصحراء، التي انحفرت طبوغرافيتها المضلّلة في أقدام طفولاتٍ حافيةٍ، صحراءَ فعلاً؟ بلا أثر لحيواتٍ قديمةٍ في مدى يبدو لمن يراه، أول مرّة، غير قابل للحياة والسُّكنى؟

ستحاول، هنا، أن ترى وتتذكّر وتحلم، فمن يعرف مونولوغاتك الطويلة سيتوقّع، بلا شكّ، روائحَ كامنةً وأشباحاً متراقصةً في خلفيّتها. سيتوقّع طرقاً وأبراجاً وبيوتاً مشرعة الأبواب وشاياً ونعنعاً وبرندات وحَبَّ هالٍ وبناتٍ في مراييلَ مقلَّمة وبناطيل شارلستون وقمصاناً مشجَّرةً وأشجار كينا وأغنياتٍ تقطع نياط القلوب ومراهقين مضحكين وآباء قساة ومروءاتٍ مفتعلة، ورائحة صابون معطَّر ورسائل لم تُقرأ وأخرى لم تصل. إنه أمرٌ سيءٌ، لا أخفيك، أن تكون متوقَّعاً إلى هذا الحدّ، بلا مفاجآت تُذكر. لكن لا تتزعزع كثيراً. حافظ على شيء من رباطة الجأش في وجه ملاحظةٍ مُحقَّة لا تخلو من خُبثٍ تعرف مصدره جيّداً.



لتلك الأسباب، ولأخرى أقلّ وضوحاً في ذهنكَ، لن تعزلَ الماضي عن الحاضر ولا ما خبرتَه شخصياً عمّا سمعته من الناس أو قرأته في الكتب. ستترك للذاكرة أن تتداعى وللعين أن ترى، وقد تحلم في رابعة النهار. قد تطول جملتك وقد تقصر، ربّما ستثرثر أو تصمت، لكنك لن تطوف في طول البلاد وعرضها بحثاً عن اسم ضائع أو معنى مطمور، فإن كان لا بدَّ من خطّ يقود خطاك ويستحثّ بصرك، هناك واحد ستسلكه بتعرُّج. خط - طريق له أسماء بعدد أغراضه، وأحياناً باسم عابرين لم يولدوا هنا. ذلك هو «خطّك» الذي أمضيت العشرين السنة الأولى من حياتك بالقرب منه، ولم تعرف سوى أنه مكان للعب أو الهرب من المدرسة أو رصد حركة الحيوان، أيّاً كانت فصيلته، ما إن تدبّ على الأرض، وليس جادة كونية وقف على حجارتها المرصوفة، في إتقانٍ، ملوكٌ ورسلٌ حفظ الحجرُ أسماءهم، وبشر عاديون لا تحفل بخطاهم المبعثرة، عادةً، سجلّات شهرة كهذه. إنه خط القوافل والغناء والغارات والعزلة والقصور والآبار وهسيسِ الريح وعجلات الطنابر، يخترق المكان، كعمود فقري، من الشمال إلى الجنوب تاركاً على جانبيه مدناً وقرى ودساكر وآثار تُجَّار وحجَّاجاً وغزاةً وشعراً وعُملاتٍ وحمّاماتٍ ومعابد.



اذهبْ إلى البارحة وقل لمن تتراءى في عينَيه أطيافٌ لم تتجسَّدْ بعدُ:

فكِّر مرَّتين قبل أن تلتقي رجلاً بشاربَين كثَّين صبغهما التبغُ بصفرته

يتأبَّط كتاباً وينتظر، كقََدَرٍ أو صُدفةٍ مُدبَّرة، إلى طاولة مقهى جانبية

خطوَ الطريدةِ بقدمَين مسرعتَين إلى الفخّ.



هناك بداياتٌ عديدةٌ لتعقُّبِ خيوطٍ فلتتْ من أنوالٍ ظلَّت تدورُ بقوّة الدفع:

البيت ذو الروائح السبع، ساحة اللعب الترابية بين أباريق الوضوء ومطارق الأعمام الرفيعة،

أعمدة الكهرباء التي قرأتَ تحت نورها العموميِّ رواياتٍ عن السفر والموت حبَّاً على قدم واحدة،

النافذة ذات الدرفتَين الخشبيتَين التي تتمشّط أمامها بنتٌ ستخرج عمّا قليل بمريول مخطّط بالأخضر وذيل فرس، الأرملة الشابة التي تتفقّد صلابة نهدَيها تحت ثياب حداد إجبارية، صديق الطفولة والفرار من المدرسة الذي يحفظ أغانيَ أكثر من جدول الضرب، جامع أعقاب السجائر المزدهي بتشكيلته الفريدة من الروائح العطنة، كشَّاشُ الحَمَام الأفَّاق الذي يدرِّب طيراً جارحاً على التخفّي كحمامة وديعة،

المهووس بالرقائم والذهب الذي يخرج بفانوسه السحريّ ما إن ينام الناس ليقلّب عظاماً نخرَتْها القرون، القارىء النهم الذي يتقمَّص شخصيات الكتب يكون يوماً «روبنسون كروزو» ويوماً آخر سندباداً بحرياً يمتطي طائراً بحجم غمامة، إلخ إلخ. لكن البدايةَ التي تلوِّح لك الآن بقميص مشجَّر تركتَه يجفُّ على حبل غسيل ممدودٍ بين سروتَين كالحتَين كامنةٌ هناك: في بيت تغيّرت هندسته المرتجلة وتناقص قاطنوه مع دوران عقارب ساعة أكثر دقّة من «بيغ بن». ترى، الآن، كأن هناك من يمنحك فرصةً ثانية، امرأةً ترتدي «شرشاً» أسود بلا تطريز من أيّ نوع، فهو ثوب العمل وليس الخروج من البيت، مع أن الفارق بين الاثنَين لا يُلحظ تقريباً. رأس المرأة ملفوف بـ«طفخة» سوداء. بين النحر وفتحة الثوب «ملفع» أسود أيضاً. امرأة نحيلة في الأربعين. أطول قليلاً من جاراتها، وتلك ميزة أورثتها، بزهوٍ مضمرٍ، لبعض بناتها، فجهةُ الأب، قصيرةُ القامة، وقفت لذرّيته بالمرصاد. المرأة في حوش البيت. أمامها صاجٌ فوق أثافيه الثلاث، بجانبها مِعْجَن ألومنيوم كبير مغطّى بشاشة بيضاء. تحت الصاج الحديديّ جمرٌ متوهّج. ثمة شمسٌ تصعد بعزم من شرقٍ أصفرَ مترامي الأطراف. نسمةُ صباحٍ باردةٍ تخفّف وهجاً ينداح على شكل دوائر سراب صغيرة، لكن، مع ذلك، ثمة احمرار طفيف على خدَّي المرأة الحنطيَّين. المرأة التي تُبسمل بشفتَين برتهما الأدعية والصلوات تمدُّ يدها إلى المِعْجن الكبير. تكشف الشاشة البيضاء. ثمة عجين فائر. بيدَين تدرَّبتا باكراً على استدراج البَركة تُمدِّد قطعةً لدنةً بحجم قبضة فتصبح قرصاً شفّافاً يستقرّ على حدبةٍ ملتهبة. لا يطول الوقت حتى يحمرّ. تنزعه بيدها الأتوماتيكية. تضعه على مفرشٍ يسمّى «الثفال». عشرات الأرغفة تتكوّم على قطعة قماش قادمة مباشرة من «المعلّقات»، ولكن من دون أن يلصق أحدها بالآخر، وتلك مهارةٌ يقال إنها حَكرٌ عليها. الرائحةُ التي تهبُّ من هناك تتأرجح بخفَّة على إفريز الصباح، الرائحةُ نفسها التي سمَّتها جدّتك ألذّ اللذيذ، أما أشدُّ الشديد فتركته لرفسة البغل أو غدر القريب. المرأة المقرفصة على هيئة غزالة مُعمِّرة، تنهض حاملة «الثفال» إلى بيت تدبُّ فيه جلبةُ فريق كرة قدم. تشمُّ، الآنَ، كأنَّ هناك من يمنحك فرصةً ثانية رائحةَ خبز تتغلغلُ في أركان البيت، وتصل إلى إخوتك التسعة تحت لحف القطن المجعّدة. بعد رائحة الخبز هناك روائح أخرى تؤذن ببداية نهارٍ عاديٍّ سيعبرُ، بلا تلكؤٍ، أطواره الثلاثة.



لهذا الوصف، الذي لا يتبرَّأُ من شبهة الحنين، أو الندم، أن يكون نموذجياً للصباحات التي عشتَها، أو يخيَّل إليك، بالقرب من جادةٍ حسبتَ «خراباتها» مكاناً للعب والهرب من المدرسة وربّما مسكناً آمناً للعفاريت. غادرتَ في سفرٍ لم تعرف، لحظتها، كم سيطول، لكنَّ عمرك الذي قطع الخمسين كسهم طائش، يخبرك أنه تجاوز الثلاثين، عاماً بعد عام بعد عام، وبلداً بعد بلد بعد بلد. تمكن إضافة صورة أخرى إلى المشهد النوستالجي المستعاد من ذاكرة حرونٍ كي يبلغ الندمُ أقصاه: المرأة نفسها جالسة على الأرض. أمامها «شكوة» بحجم خاروف ابن ثلاثة أعوام أو أربعة. يداها تخضَّان الجلد المنفوخ. يُسمَع منه صوتُ سائلٍ حامضٍ يرتطم بانتظامٍ في الداخل. يدان منهمكتان في إقامة الأَوَد. عينان غائمتان. هيئة شاردة على هيئة غزالة معمِّرة. لا تعرف بِمَ تفكِّر. التربية التي تعتبرُ العاطفةَ عيباً تمنعك من سؤالها. لا تسأل. لا تعرف. فات أوان السؤال، فمَن كان عليك سؤالها عن محتويات صندوق رأسها المغلق لم يعد ذلك ممكناً.



دسكرته ليست معروفةًً بالرمّان ولا بشيء آخر سوى أنها نورجٌ للقيظ والغبار ولكن عابثاً إلهُ الريح والمطر فَرَكَ كعبَه هناك فطلعت شجرةُ رمّانٍ كُتِبَ على حبَّاتها ألاّ تكبر أو تصغر قطف لي منها حبَّةً قبل أن يصعد السلّم الحجريَّ درجتَين درجتَين إلى القصر المهجور، لم يعلم أنني أنا سليلةَ إله الزراعة ذات الزندَين المتموِّجَين بحرائق الحصاد علَّقتُ رمّانته الشقراء تذكاراً من اليد التي تلمَّست صدري العاري على الجدار جاهلةً بما ستنفخُ فيه من صورها الأحلامُ.



II

هات «الثفال». خذ «الثفال». وين «الثفال»؟ إنه صوت أمّكَ وهي تطلب منك، أو من أحد إخوتك، إحضار ذلك «الشيء» الملازم لكل وجبة طعام، حتّى هبَّتْ لدائن البترول، فأغرقتكم ببلاستيكها العجائبي الملوّن. اختفى «الثفال» وحلَّ محلّه «المشمّع»، ولكنَّ ذلك لم يحدث إلا بعد وفاتها. بسبب «الثفال»، وغيره، عرفتَ، من أول خطوة لك في الشارع، أنك مختلفٌ، بعض الشيء، خارج البيت، بعيداً عن بيوت الأقارب المتراصّة كجسد من طين وتبن يتنفّس بمئة رئة. اللغة هي التي دلَّتك إلى ذلك. لغة البيت. تحديداً، لغة الأم. في بيتكم «لغة» ليست «لغة» المدينة. الكلمات دلّتك إلى «أصلك» بسبب لسان أمك الذي لم يخضع لـ«التطبيع». الذي ظلَّ محتفظاً، حتى آخر لحظة، بغربة تتضاعف مع اطّراد تمدين محيطها. لم تكن البداوة في بعض البيئات التي عشتَ فيها صغيراً موضع احتفاء، أو حتّى شارة اختلاف. كانت أحياناً سبّة: ولك يا بدوي، يا مصدّي! كنت تعرف أنك تتحدّر من تلك الأرومة المذمومة، ولكن أين الصدأ؟ كثيراً ما أحرجتك «لغة» أمّك عندما كانت تتكلم إلى زملاء دراسة يزورونك في البيت، فلم يكونوا يفهمون، غالباً، ما تقول، فتضطر إلى «الترجمة». كانت أمّك أكثر بداوة من سائر أفراد عائلتها. أكثر عزلة. والدك احتكَّ، في العمل، بأشخاص من أصول ومنابت مختلفة، أنت وأخوتك كنتم تذهبون إلى المدارس، تلعبون في الشوارع، تعيثون فساداً في الخرائب، تتسللون إلى السينما، تبادلون زبدة بلدية أو «جميداً» بعلب من السردين، بينما هي تلازم البيت. تغيّرت «لغتكم» مع احتكاكم بـ«العالم الخارجي»، وبقيت «لغة» أمّك داخل شرنقتها الأولى. لم يكن «الثفال» هو الفارق الوحيد بينك وبين الآخرين. ثمة سلسلة طويلة من الألفاظ والمجازات ظلّت تتلكأ على لسان البيت فيما انقرضت في لغة المدرسة والشارع، وربّما لم تُسمع قط. ستعرف، عندما أخذت اللغة تتجاوز، عندك، دور العراك أو الشتيمة، أصل عدد من الألفاظ التي أرَّقت طفولتك... ولكن ليس «الثفال». إنه مجرّد لفظٍ بدويٍّ غريبٍ، مُنفِّرٍ، لا معنى له!



في دربٍ للمشاة أشبه بخطوطِ متاهةٍ ملتفّة وسط حقول مقاطعة «كِنْت» الإنكليزية الخضراء، كان صاحبك محمّد يخبرك عن توصّله إلى الموقع الجغرافي الذي يرد في هذا البيت من معلّقة طرفة بن العبد:

كأنَّ حُدُوجَ المالكيّةِ غُدْوَةً

خَلايا سَفينٍ بِالنَّوَاصِفِ مِنْ دَدِ.



فهمتَ منه أن الموقع المذكور في البيت الثالث من معلّقة الشاعر الذي قتله لسانه هو «جبل داد» في الإمارات. قام محمّد، لهذا الغرض، بزيارة الموقع والتحدّث إلى المسنّين هناك عن أصل تلك التسمية، فوجد أسباباً وجيهةً، برأيه، تؤكد علاقة الجبل بالمُعَلَّقة. لا تدري كيف دخل عمرو بن كلثوم على الخط. سمعتَ، وأنت شارد الذهن بعض الشيء، أبياتاً يتوعَّد فيها، بنبرة فخرٍ مجلجلة، خصمَه عمرو بن هند:

أبا هند فلا تَعْجَـلْ علينا

وأَنْظِـرْنَا نُخَبِّـرْكَ اليقينا

بأنَّا نُوْرِدُ الراياتِ بِيضاً

ونُصدرُهنَّ حُمْراً قد رُوِيْنا.



إلى أن وصل الترنّم بالرويِّ المفتوح على فضاء التباهي الفاضح إلى هذين البيتَين:

متَى نَنْقُل إلى قَومٍ رَحَانَا

يكونوا في اللقاءِ لها طحينا

يكون ثِفالُها شرقيَّ نَجْدٍ

ولُهْوتُها قُضَاعَةَ أجمعينا.



أكثر من مرّة قرأتَ معلقة عمرو بن كلثوم. كانت مقرَّرة عليك. كان ينبغي المرور بهذا الذهب المعلّق على أستار الكعبة الأدبية. فَتَنك الإيقاعُ أولاً. فتنتكَ المبالغة في الوصف إلى حدّ الكذب المُبهر. ثم، لاحقاً، شدَّتك الدراما بين العَمْرين أكثر مما فعلته قعقعة كلام لم يعد لديه ما يفعله في التجمّعات العشوائية لمدن مرتجلة. مدن الإسمنت والصفيح والأنفاس المكوّمة فوق بعضها. فقد صرت ترى الكلمات على نحو مختلف. لم يعد ممكناً لك أن تطيق التباهي الصاهل بعد أن كان يُسكرك. لكن مع ذلك لم تستوقفك، مرّة واحدة، كلمة «الثفال» التي كانت تطرق سمعك في البيت كل يوم. في الدرب الملتفِّ كمتاهةٍ في حقول مقاطعة «كِنت» الخضراء كنتَ كمن يسمع ذينك البيتَين للمرّة الأولى. رنَّت كلمة «الثفال» في رأسك كجرس. استرجعتَ صورة أمّك مقرفصة، على هيئة غزالة مُعمِّرة، في حوش البيت. عدتَ إلى «لسان العرب» تستقصي أصل الكلمة ومعناها، فكان ما يلي: الثفال (بالكسر) هو الجلد الذي يُبسط تحت رحى اليد ليقي الطحين من التراب. لم يرد «الثفال» عند عمرو بن كلثوم وحده، بل، أيضاً، عند زهير بن أبي سلمى في حديثه عن الحرب (وكان الرجل شاعر السلام) حيث يقول:

فَتَعرُككمْ عَرْكَ الرحى بثفَالِها

وَتَلْقَحْ كِشَافاً ثم تُنتَجْ فَتُتْئِمِ.



تعرف أن زهير بن أبي سلمى يتحدّث عن حرب «داحس والغبراء» التي دارت بين عبس وذبيان، بسبب فرسَين واستمرّت، كما يقال، أربعين عاماً، ولكن هذا موضوع آخر تتركه، مختنقاً بغباره الذهبيِّ، في كتابك المدرسي القديم. ما يهمّك، هنا، هو لفظة طفولتك الغريبة: «الثفال»، التي عادت إليك في دربٍ مُلتفٍّ كمتاهةٍ في مقاطعة «كنت» الخضراء على لسان شاعر مفتون بـ«المعلّقات». اللفظة نفسها. والمعنى نفسه عند عمرو بن كلثوم وزهير بن أبي سلمى. فماذا بشأنها عند أمّك فضّة العويِّد التي لم تذهب إلى مدرسة قط، ولم تعرف شيئاً عن «المعلّقات»؟ إنها قطعة القماش المربّعة التي قد يكون أصلها ثياباً بليت وأعيد إنتاجها مجدّداً، يوضع عليها الطعام الذي كنتم تتناولونه متلاصقين، كتفاً لكتف ومتربّعين على الأرض. إنها، أيضاً، قطعة قماش أخرى مثلها يُلفّ بها الخبز ليُحفظ طرياً، وهي نفسها التي توضع تحت الرحى ليقع عليها ما «يجرشه» الحجران بفكَّيهما الأسودَين. «ثفال» أمّك هو، نفسه، «ثفال» عمرو بن كلثوم وزهير بن أبي سلمى، هو نفسه بلفظِه وفِعلِه ظلَّ يجرجرُ أطرافه المهترئة حتّى جاء البلاستيك بأعاجيب غيّرت، في سرعة البرق، أدوات حياة وأسماءها عاشت قروناً بين الأيدي وعلى الألسن.



تعرف أن اللغة تتغيّر. إنها الأفعى التي تبدّل جلدها، أو الحرباء التي ترتدي ألواناً وبراقع،

لكنك لم تعرف أن الكلمات، وربّما الأشياء أيضاً، يمكن أن تموت برحيل امرأةٍ بدويةٍ،

غالباً ما شوهدتْ مقرفصةً، على هيئة غزالةٍ مُعمِّرة، في حوش بيتٍ تناقص قاطنوه بالتدريج.



ليس «الثفال» وحده هو الذي اختفى برحيل فضّة العويِّد،

هناك أشياء أخرى حفظها التلكّؤ بأملاحٍ قويّة لن تصمد طويلاً في

مواجهة أدلّةٍ دامغةٍ على تملّصها من الاستحقاق.

وها هي القائمة التي عبرت، سريعاً، ذهنك من دون ترتيب مقصود:

- الشِّرش.

- الطفخة.

- الشويحية.

- الدامر.

- الملفع.

- الجرن.

- طاسة الرعبة.

- المِروَد.

- شعير المولد.

- الجِدر.

- الشنبر.

- العرزال.

- التراكي.

- الدقة.

- الزليّة.

- الخزام.

- العصبة.



تسمعُ، أيضاً، حفيفَ مريولٍ مدرسيٍّ مخطَّط بالأخضر يخفقُ على فخذَين تنفضان زغباً بكورياً مالحاً، وترى ولداً ممسوساً يُمسِّد شَعره الطويل بيده. لا تعرف إن كانت تلك إشارة العاشق المرابط كجنديٍّ شاكي السلاح على جبهة الوَلَه، أم مجرّد حركة عصبية؟



III

بقدمَين مسرعتَين إلى الفرار من البيت تعبر الطريقَ الدولية التي تمرُّ بها حافلات الركّاب وناقلات السِّلع القادمة إلى البلاد، أو التي تعبُرها إلى العراق والخليج. تكون وضعتَ أول خطوة لك في مدى مفتوح قد لا تصادف فيه، إن دأبت تمشي، شجرةً ولا تجمُّعاً بشرياً كبيراً وصولاً إلى حدود بلا أسيجة أو أسوار. حدود مرسومة على خرائط مديريات المساحة والجمارك ومُودَعة، بإحكام، في أدراج الأمم المتحدة. ترى قناطر ترابية، كحبّات كَمَأ عملاقة يتكوكب حولها السراب في قلب الصحراء. رجال قلائل في حُللٍ كحلية أنيقة تلمع على صدورهم نسورٌ نحاسية يدخلون، أو يخرجون، من تحت قوس كبيرة. تلك هي القاعدة الجويّة ومهاجع طائراتها الحربية. ترى بضع مفارز للجيش أو قوّات البادية ترابطُ عند نقطٍ محدّدة، فالمنطقة، بحكم تقاطعها مع حدود ثلاثة، مسرحٌ طلق للمهرّبين.



لكن هذا لا يعني أنك لن تصادف مضارب مبعثرة لـ«أفخاذ» أو «بطون» من قبائل كانت تتحرّك، من قبل، في شريط صحراوي يبدأ بـتدمُر وينتهي في هضبة نجد، مروراً بهذه المنطقة من البادية الشمالية، غير أنها لم تعد تفعل ذلك بعد تحوّل السجلات المدنية والجوازات ودفاتر العائلة إلى قيد. وتد في مكان بعينه لم يعرفوه من قبل يسمّى «المواطنة». صار لـ«الهجيني» مجاله الوطني. الرحلة ممكنة، فقط، بين حدَّين مخفورَين بالجنود. يمكنك أن ترى، فجأة، في هذا المدى القاحل المفتوح أجَمة ملتفَّة من أشجار الحَور والسرو والكينا تحيط منشأة تهدرُ، موتوراً يـدقُّ، في وقـعٍ ميكانيكيٍّ رتيب، في صمت الصحراء. إنها محطّة لاستخراج المياه الجوفية تدعى «الزَّعَتْري». ثمة حارس على باب المحطّة. تحت ظلّ شجرة. أمامه منصّة إسمنتية. ماسورة ضخمة ترشح ماءً. الحارس يشرب شاياً ويدخِّن. تمشي أكثر. تتعرّق. ترى، من مبعدة، أرضاً مغطاة، على مدّ النظر، بحَيْضٍ أسود، يبدو كمرايا حجرية تتلامع في الصهد. خلاء بلا علامات كهذا، لا يُمشى إليه بالأقدام تحت عين الشمس المحدقة، أو في هبوب ريح شرقية تقصُّ المسمار. قصارى ما يمكنك الوصول إليه، مطالع «خِرْبة» كحلية. لا بدّ أن تتلفّت في كل اتجاه، لعلّ سيّارةً قادمة من محاسن الصُّدف تقلّك في طريقها.



تقطع ألف متر من أرض مربّعة، جنوب بيتكم، تناثرتْ عليها بضعة بيوت فتكون أمام الكنيسة الأرثودكسية التي تكالَبَ الغبارُ على حجارتها البيضاء وصليبها الحديدي الأسود وزجاج نوافذها المعشّق. الكنيسة لا تقرع أجراسها الخافتة إلاّ يوم الأحد، فترى جيرانكم يدلفون إليها، بثياب فلاحية، فتتذكّر أن لهم نبياً آخر. تتجاوز الكنيسة. ترى أثر خطوة فتى مربوع سبقك إلى التيه يدعى «ميشيل»، سيتبعه طائرٌ غامضٌ أينما حلّ، يدندنُ أغنية لسميرة توفيق. ينفتح السوق، أمامك، على شكل حوانيت مصطفَّةً ومتقابلة في أربعة شوارع طويلة تخترق «المدينة» من بدايتها عند «مخفر الشرطة» إلى نهايتها بالقرب من محطّة سكّة حديد الحجاز حيث القطار الأسبوعي طنبرٌ نزقٌ لا يتردّد في رمي أي حملٍ زائد على الطريق. قلب السوق هو «الحِسبة» التي تتغيّر أشكال خُضَرها وبَقولها وفواكهها بتغيّر الموسم من دون أن تتغيّر نداءات باعتها المرحة. تمضي جنوباً مئة خطوة، أو أكثر قليلاً، فتجد «المكتبة العامة» تظلّلها أشجار كينا باسقة. ليس هناك روّاد كثر في المكتبة في أيِّ وقت من الأوقات. ثمة شابٌ مولعٌ بالكتب والكتابة، لكنه لم يصبح كاتباً، يجلس إلى مكتب خشبيّ عتيق وأمامه كتاب في الجدل الهيغلي وكاسة شاي لا تفرغ. إنه أمينها الذي تخرَّج من قسم الفلسفة في جامعة دمشق ويرغب في تكوين جمعية صغيرة من محبّي الكتب تحضّ الشبان على جعل المكتبة موعداً ميؤوساً منه بين فورتَين لهرموناتهم الذكورية.



حتى صلاة الظهر تنشط الحركة في الشوارع القليلة المتربة. أغلب المتسوّقين قادمون من البادية. تعرفهم من وجوههم حادّة التقاطيع، دشاديشهم البيض، شماغاتهم الحمر، عُقُلهم السود وسيّاراتهم «البيك آب» المجللة بغبار أصفر ناعم. عندما يمرّون بك تفوح من ثيابهم رائحة أنعام وتبغ. إنهم «دينامو» السوق. من دونهم لا بيع ولا شراء تقريباً. قليل منهم يذهب إلى الجامع عندما يرفع مؤذّن الجامع الوحيد آذان صلاة الظهر. غير معتادين على أداء الشعائر. فليس في باديتهم، التي سيعودون إليها عما قليل، محمَّلين بمؤونة أسبوع أو أكثر، جامع أو مؤذّن. سيُفاجأ من يظن أن البدو يوارون «حريمهم» في مضاربهم ويأتون إلى «المدينة» وحدَهم، بشاباتٍ يرتدين ثياباً مطرّزة بألون زاهية وعلى رؤوسهن مناديل ملوّنة يهبطن من سيّارات الدفع الرباعي نصف النقل المتداعية ويملأن السوق حركة ونظرات جريئة لا تردُّد فيها، لهن رائحة صابون معطّر أو عطور رخيصة.



القادمون من شرقي الطريق الدولية بسيّارات الدفع الرباعي المكلّلة بالغبار يعرفون حوانيتهم. فهم زبائن دائمون. معظمهم يشتري أغراضه دَيْـناً. التجّار الذين يبيعونهم يسجّلون ديونَهم في دفاتر مستطيلة مسطَّرة. الدفعُ آخر الشهر. أو حينَ مَيْسَرة. وأحياناً مقايضة. سلع الحوانيت التي يحتلّ بعضها أرصفة مهدّدة، دائماً، بأعمدة غبار لولبية تصل الأرض بالسماء، مخصَّصة، تقريباً، لهم. يتبادلون، مقرفصين، أحاديث وشكاوى وسجائر مع تجّار يعرفونهم بالاسم. يعرفون أسماء أبنائهم وبناتهم، وربّما عدد البهائم التي يقتنونها. تجّار ماكرون يزيّنون للقادمين من شرقي الطريق الدولية بضائع جديدة. يحضّونهم على الشراء أكثر، فتتراكم الديون في الدفاتر المستطيلة المسطّرة. أمام كل اسم ديونه التي يمكن تسديدها، أيضاً، بالثغاء.



تتجاور المواد الغذائية في الحوانيت مع أدوات الحياة البدوية ومعدّاتها: بيوت الشَّعر، الحبال الليفيّة، قِرَبُ الكاوتشوك، بُسُط، دشداشات للرجال وأغطية رأس نسائية ملوّنة، حطّات بيض، عُقُل، شماغات، أسرجة، لجامات، خروج للخيول والحمير، تنكات حلاوة، أشولة تمر مفتوحة، سكّر، قُطين، شاي، تبغ بنوعَيه الناعم والهيشي (الخشن)، ألواح صابون مربّعة، علب راحة، ملح خشن، زيوت نباتية، جميد. الحركة التي ملأت السوق تهمد ظهراً. يعود القادمون من شرقي الطريق الدولية إلى مرابعهم. تكاد تخلو الشوارع الأربعة. في العصاري تعود المدينة - البلدة إلى سكّانها. قلما يقترب أحد من تلك السلع الصحراوية. عليها أن تنتظر صباح اليوم التالي لتجد يداً تقلِّبها، أنفاً يشمّها، عيناً تفحصها بتشكّكٍ مطبوع.



مساءات الآباء والأمّهات، أبناء العمومة وبناتها، المرشوشة بمياهٍ متقشّفة أمام البيوت مكرَّسةٌ لتداول أحوال النهار، النميمة المنعشة، الذكريات المصحوبة بتنهّدات طويلة، الحكايات التي يلعب الخيال، أو الكذب، طلقاً في جنباتها. الأصغر سنّاً لا تُغريهم مجازات الطاعنين ولا حسراتهم الذهبية. لهم هدف آخر. الكلُّ يعرف أنه وقت يرى فيه الشبّان، من مسافة متواضع عليها، شابات يمشين، ثلاثاً أو أربعاً، متشابكاتٍ، يتلفَّتنَ، بخفرٍ كاذب، إلى الوراء حيث تلمع عيون الذكورة المهتاجة. ثمة صالة سينما تلفظ أنفاسها على إيقاع أفلام الكاوبوي وفريد شوقي وتوفيق الدقن ورشدي أباظة وفاتن حمامة وشادية وزبيدة ثروت وأحمد رمزي. ليس هناك مقهى يمكن أن يجلس فيه شبّان بدأوا يقرأون كتباً تصف التحوّلات العاصفة في مدن الصناعة والتجارة وصراعات العمّال مع رأس المال. لكنَّ منزلَين أو ثلاثة لمخضرمين، على هذا الصعيد، كافية ليقع قرّاء تلك الكتب على أشباههم في أحلام اليقظة.



من ظلّوا هنا لم ينتبهوا. صاروا جزءاً مما حدث. أنت الذي غبتَ طويلاً وعُدتَ تقلِّب دفاتر قديمة رحت تسترجع، عن ظهر قلب، علامات تبدَّدت ولم تُخلِّف عِبرة أو أمثولة. اختفت الطريق الدولية التي جعلت المكان مفرقاً للطرق ومحطةً إجباريةً لعابري البلاد من الشمال والشرق، اختفت الشاحنات والحافلات التي كان يترجَّل منها ركّاب متعبون في الاستراحات الرثّة ليأكلوا ويشربوا، أو ليخفّ إليهم، في حافلاتهم، صبيانٌ بسندويشات ومشروبات غازية محلّية الصنع لم يجهدوا لطرد الذباب عنها. واختفت، مع أولئك: اللهجات العراقية، السورية، اللبنانية، السائقون الأتراك بشواربهم الضخمة، السيّارات التي تحمل لوحاتٍ أجنبيةً كان الصبيان يحارون في معرفة أصولها، القصص التي يرويها العابرون عن مدن بعيدة وباردة يمكن لأيِّ وجهٍ لوَّحته الشمس أن يصطاد حورية بيضاء بغمزة، أو لكزة كوع.



البيوتُ، هنا، كالعائلة تكبر وتصغر. ثمة من تأخذه الوظيفة إلى بيتٍ آخر

وثمة من يوسّع رقعة المقبرة، لكن، أيضاً، ثمة من يولد تحت رقم مُركّب.

الحوانيت المتقابلة لما تزل مفتوحة على بعضها، غير أنها لم تعد هي

نفسَها يوم كنتَ تغنّي «شكل تاني» بفمٍ قَبَّلَ، خلسةً، فماً رطباً في الظلام.

_________________


حسن بلم
♪♫.. الادارة..♫♪
رسالة sms : سيرى ببطئ ياحياة
لكى أراك بكامل النقصان حولى
كم نسيتك فى خضمك
باحثا عنى وعنك
وكلما أدركت سرا منك
قلت بقسوة
مأجهلك!!!!
ذكر
عدد المساهمات : 10336
الاٍقامة : وراء الأفق حيث لاشئ سواى وحبيبتى
العمل : مهندس
نوسا البحر :
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
2014-04-16, 1:05 pm
وقع هذا الحدث الهائل، المنسيّ اليوم، قبل ثلاثين عاماً. فعلى نحو كاسحٍ، سريعٍ، وضارٍ وبكميات نار غير مسبوقة بدأ الاجتياح الاسرائيلي الثاني للبنان في صيف 1982. امتدَّ مسرح رقصة الدم والنار من 'رأس الناقورة' في الجنوب إلى 'المدينة الرياضية' في بيروت الغربية.
ضربات اسرائيلية عنيفة ومتواصلة تتجاوز الانتقام.
ضراوة وكثافة نيران ترميان إلى الإفناء أو التركيع أكثر من أيّ شيء آخر.
هستيريا من الانفجارات.
عنفٌ ملحميٌّ في قلب مناطق مأهولة بالسكان.
لن يعرف أحدٌ كيف تضيق الأرض وتتحول السماء إلى صفيحٍ ملتهبٍ يلامسُ الرؤوس، ولن يدرك معنى أن تصبح الحياة مجرد مصادفةٍ سعيدةٍ إلاّ الذين كانوا هناك: في بيروتَ صغيرةٍ بحجم راحة اليد.
في منتصف شهر حزيران (يونيو) عام 1982 كنا قد تجرَّعنا هول الصدمة الأولى لزحف آرييل شارون الذي أحكم الطوق على بيروت من كل جانب، وجعلنا سياج النار نصدِّق ما كان يتعالى على التصديق حتى ذلك الوقت: الحصار الاسرائيلي لعاصمة عربية!
كثيرون لم يصدقوا، في خضّم الاندفاعة الأولى للاجتياح، أن قوات 'يوشع بن نون' الجديد ستحكم الحصار على 'أريحا الجديدة' وستعصف بها من كلِّ صوبٍ أمام ذهول العالم وصمت الأقربين والأبعدين. لقد نُسِيَت 'خطّة الأكورديون'، التي تحدَّث عنها 'أبو عمار' في مطلع ذلك العام، ولن يتم تذكّرها إلا بعد الوصول الفنتازي لشارون إلى مكتب الرئيس اللبناني الياس سركيس! كان هذا هو العنوان الرهيب لذلك الصباح الحزيراني. عنوان بالصورة الفاضحة والمعاني الذليلة: ارييل شارون في 'قصر بعبدا'!
هنا طائفة من اليوميات التي كتبتها أثناء الحصار، صدرت، للتو، في كتاب بالعنوان نفسه عن الدار الأهلية في عمان.
5 تموز
منذ الساعة الثالثة من صباح البارحة والقصف العنيف متبادل. القصف اشتدَّ ظهر اليوم بشكل مكثَّف. سمعنا عن ابادة سرية مشاة اسرائيلية وتدمير عدد من الآليات، كما تم' صدَّ محاولات تقدّم على محور المطار، واسقطت طائرة استكشاف فوق 'المدينة الرياضية'. المعنويات بيننا عالية. المقاتلون يفضلون أن يبدأوا بشنِّ هجمات على القوات الاسرائيلية بدل رخاوة الوضع في ظل وقف اطلاق النار. توقف إطلاق النار في الساعة الرابعة. بوابات العبور مغلقة تماماً أمام المواد التموينية، الكهرباء والمياه مقطوعتان عنا. لم يطرأ جديد على الوضع السياسي، أما المقترحات الفلسطينية لحل وضع بيروت فلم تلق استجابة من فيليب حبيب والاسرائيليين على ما يبدو.
عرفنا ذلك من 'أبو عمار' الذي زارنا (في الاذاعة الفلسطينية) فجأة. سألناه عما يجري في جبهة المفاوضات فأخبرنا أنَّ المقترحات المقدمة الى 'فيليب حبيب' للحل السلمي تمثل الحدّ الأقصى لما يمكن قبوله ولكن المهم هو الصمود. بالصمود والمقاومة تتغير المعادلة، كما تحدَّث، من دون أن يدخل في تفاصيل ما يجري على خط التفاوض، عن دور الإذاعة في المعركة وقال بإنها من الأسلحة الثقيلة، وإن دور الكلمة لا يقلُّ أهمية عن دور البندقية. ثم أرسل 'أبو عمار'، الذي بدا عليه بعض الانزعاج، أحد مرافقيه لاحضار 'العقيد أبو موسى'، أحد القادة العسكريين الفتحاويين، وفعلاً وصل 'أبو موسى'. وهذه أول مرة أرى فيها هذا القائد العسكري الفلسطيني، الضابط السابق في الجيش الأردني، لكن اسمه معروف وذائع الصيت بيننا. فقد تصدى مع مقاتليه للجيش السوري الذي اقتحم 'صيدا' في عام 1976 وتمكَّن، بوصفه أحد أبرز القادة العسكريين لـ 'فتح' في الجنوب، من الحاق هزيمة منكرة بمقدمة الجيش السوري الداخل الى صيدا. وقد رأيت بأمِّ عيني الدبابات السورية المعطوبة بالقرب من 'ساحة النجمة'.
لم يجلس 'أبو موسى' بجانب 'أبو عمار' بل اختار الجلوس على أحد كراسي طاولة الطعام الموجودة في الصالون. سأله 'أبو عمار' عن وضع 'القوات المشتركة' في المناطق التي يحاول الاسرائيليون التقدم نحوها أو قضمها، فقال 'أبو موسى' إنهم ينفذون خطة الدفاع عن تلك المناطق وإن 'غرفة العمليات المركزية' تتابع الوضع عن كثب، ولا شيء يدعو إلى القلق على هذا الصعيد. كان 'أبو موسى' الذي يرتدي زيِّاً عسكرياً زيتونياً يتحدث إلى 'الختيار' ولكنه ينقِّل نظره إلى الموجودين كأنه غير واثق من أن هذا المكان مناسب لمناقشة خطط
بين حين وآخر تسري شائعات عن وصول باخرات سوفياتية إلى بيروت لكسر الحصار. شائعات يائسة يبدّدها عدم تحرك جسم من أيِّ نوع في بحرٍ مسيَّج بالبوارج، بحرٍ أصبح مخيفاً، يصعب التحديق إليه. أكثر الساخرين من هذه الشائعات 'ميشيل' (النمري) الذي يرى أنَّ السوفيات تحركهم المصالح لا المبادىء. موقفه من موسكو يشبه موقف الحزب الشيوعي الايطالي الذي حذف ديكتاتورية البروليتاريا من برنامجه. أحياناً أشعر أنَّ 'ميشيل' يحبُّ أن يتخذ مواقف مغايرة للخط العام من أجل المناكفة أو المخالفة، مثل موقفه المناهض لدخول القوات السوفياتية الى أفغانستان الذي يسميه غزواً، وكان بذلك يختلف عن موقفنا في اليسار الفلسطيني.
'قمرٌ بفضَّة كابيةٍ يوشي سماء بيروت.
لكن لا عشاق على الكورنيش.
حراس المدينة يترصَّدون الذئاب على الخطوط الأمامية.
كلُّ الأفكار الكبيرة توضع على المحك.
والقلوب والإرادات أيضاً.
6 تموز
أصرَّ 'غالب' (هلسا) على أن يلبي عزيمة على 'الملوخية' في منطقة محاذية لـ 'برج البراجنة'. هناك موقع عسكري متقدِّم لـ 'الجبهة الديموقراطية' تتواجد فيه 'أمل' صاحبة المطعم الذي نتردّد إليه في 'الفاكهاني' وهي عضوة في 'الجبهة الديموقراطية'. ذهبنا 'غسان' (زقطان) و'ميشيل' (النمري) و'غالب' وأنا في سيارة 'ميشيل' ومررنا بمواقع عديدة للمقاتلين الذين يتحصَّنون وراء سواتر رملية. كان الوضع هادئاً نسبياً بعد وقف اطلاق النار. ولكنها نصف ساعة فقط أمضيناها مع المقاتلين الذين يتواجدون وراء 'دشمة' ويصوبون رشاشاتهم في اتجاه القوات الاسرائيلية على الجانب الآخر، ثم فجأة راح القصف المدفعي يتوالى خارقاً وقف اطلاق النار، فتفرقنا. تلطينا في جانب بناية مجاورة للموقع العسكري. لكنَّ القذائف التي تحاول، كما فهمنا، تغطية محاولة قضم اسرائيلية جديدة على الأرض، لم تتوقف وصارت تتطاير حولنا، فطُلب إلينا أن نلوذ بالبناية. قال 'ميشيل' إن علينا المغادرة ما إن يهدأ الوضع وإلى الجحيم بـ 'الملوخية' فأيدناه 'غسان' وأنا بشدَّة، لكنَّ 'غالب' أصرَّ على البقاء. بعد نحو ساعة تراجع القصف فغادرنا تاركين 'غالب' مع المقاتلين، وما إن وصلنا الى 'حي أبو سهل' حتى صرنا نضحك بشكل هستيري. لقد كادت 'ملوخيته' الموعودة أن تقتلنا. عندما التقيت 'غالب' مساء في الإذاعة أخبرني أننا تعجّلنا في الرحيل لأن القصف توقف بعد مغادرتنا وأن 'الملوخية' أُعدَّت فعلاً وكانت لذيذة!
هناك كلام عن ارسال اسطول أمريكي لنقل المقاتلين الى الخارج، ولكن مثل كلّ الكلام الذي يروج في أوقات وقف اطلاق النار، والبلبلة السياسية التي تسود اثره، لا يمكن الوثوق به. إنَّه نوع من الحرب النفسية التي لا تقل خطورة على معنوياتنا من المواجهات المباشرة مع جيش الغزاة. غادرت الإذاعة ليلاً مع 'غالب' إلى بيته القريب وكانت معنا 'سلوى'. أعدَّ 'غالب' الشاي وقال إن لديه بعض الخبز والجبنة إن أردت الأكل فشكرته. لم أكن جائعاً. 'غالب' ليس يائساً من تحرك الجماهير العربية. قال إن ما يجري في بيروت سيمتدُّ الى العواصم العربية وإن المعركة، بعيداً عن تكتيكات القيادة اليمينية، هي نموذج للحرب الشعبية المسلحة التي تقاتل فيها الجماهير دفاعاً عن مصالحها في مواجهة الحلف الصهيوني الامبريالي الرجعي العربي، لكن لم نر، 'سلوى' وأنا، ردود فعل كبيرة في البلاد العربية على ما يجري في بيروت كي تبشر بثورة تخوض غمارها الجماهير الشعبية لأن الأنظمة العربية تكبّل الناس بالأمن وتجعلهم يلهثون وراء الرغيف المر. ليت لي تفاؤل 'غالب' الثوري.
رجعت قبل منتصف الليل إلى شقة 'غسان' في 'الحمرا سنتر'. أخبرته أن 'غالب' لم يخرج خالي الوفاض من الخطوط الأمامية فقد حصل فعلاً على 'الملوخية' التي قال إنها راحت علينا! ضحكنا. قال 'غسان' إن 'غالب' شخص عجيب. سألني عن حقيقة ما يروج حول الاسطول الأمريكي والرحيل فقلت له نقلاً عن 'نبيل' (عمرو) إنَّها شائعات وحرب نفسية لا أساس لها من الصحة.
7 تموز
الهدوء يخيِّم على بيروت الغربية بعد قصف مدفعي وصاروخي متبادل استمر متقطّعاً حتى التاسعة والنصف من هذا الليل. اليوم بفضل تدخّل 'المستر ريغان' و'الملك فهد' و'فيليب حبيب' وسائر الفعاليات الوطنية والاسلامية اللبنانية عادت الكهرباء والمياه التي تتحكم فيهما اسرائيل بعد الظهر. ابتهج المواطنون بذلك. نحن ابتهجنا أيضاً. لقد مرَّت علينا أيام طويلة بلا ماء أو كهرباء. فقدنا عادات كثيرة منها الاستحمام والغسيل وسقي النباتات والوضوء لمن يصلّون، لكنَّ الامدادات الغذائية لا تزال منقطعة. فالاسرائيليون لم يسمحوا بدخولها. قرارهم واضح: تجويع وتعطيش المدينة حتى ترفع الأعلام البيضاء. ولكن لا أحد رفع علماً أبيض، بل قلة هم الذين غادروا بيوتهم في اتجاه 'الشرقية'، وكانوا يعودون إليها بين وقت وآخر. عندما أفقت صباحاً لم أجد قطرة ماء واحدة كي أغسل وجهي وأنظف أسناني.. حتى عبوات مياه 'صحة' التي نحصل عليها بصعوبة من بعض المحال كانت فارغة. وجدت بقايا مياه في بعض العبوات البلاستيكية، جمعتها وشربت. ندمت على أني لم انتهز فرصة وجود المياه لاستحم. لا أعرف متى ستعود ثانية.
هناك حكايات وقصص عن الحصول على الماء. مَنْ تمكَّن من الحصول على كرتونة مياه 'صحة'، مَنْ استعار تنكة ماء من بيت صديق أو جار، مَنْ ذهب الى فندق في 'الحمرا' كي يستحم.. بل هناك من فكَّر بجنون أن يستحم في البحر المسيَّج بالبوارج.
كم يبدو هذا السائل الذي لا نفكر فيه كثيراً في الأحوال العادية ثميناً جداً وعزيزاً هذه الأيام. أكثر المحظوظين، على هذا الصعيد، هم الصحافيون الأجانب الذين يتخذون من فندق 'الكومودور' مقراً لهم. لا يزال ممكناً هناك الاستحمام والغسيل وحلق الذقن باستخدام مياه الحنفية وليس من عبوّات مياه 'صحة'، كما أن الأكل وفير. يبدو أن هناك تحييداً لهذا الفندق، لا بدَّ أن هناك اتفاقاً مع الدول الأوروبية وأمريكا على عدم قصفه من قبل اسرائيل، لذلك يلجأ إليه بعض المسؤولين الفلسطينيين أيضاً، خصوصاً أولئك الذين يمتهنون التصريحات. رأيت هناك 'بسام أبو شريف' يدلي بأحاديث للصحافة العالمية عن مجريات أحداث تبلغه بالشائعة أو يقرأها في الصحف على الأغلب.
لم أذهب إلى بيتي منذ عشرة أيام، فمقر غرفة التحرير التابعة للإذاعة في 'ساقية الجنزير'، وأنا أنام مرة عند 'طاهر' (العدوان) ومرة عند 'غسان' وأخرى عند 'ميشيل'.. باختصار متنقل. لا مكان ثابتاً لي.
سهرت اليوم مع 'ميشيل' و'طاهر' في بيت الأول. 'ميشيل' استفاض بالحديث عن مجريات الأمور في اليومين الأخيرين والاحتمالات المطروحة على المقاومة، و'طاهر' مقتضب في الكلام. كلامه من نوع ما قلَّ ودلَّ. يدير العمل في الإذاعة بصمت وصلابة. لم أكن أعرفه من قبل ولكن عملي في الإذاعة والحصار قرباني منه كثيراً. قال 'طاهر' إن الوضع السياسي يزداد بلبلة مع اعلان أمريكا أنها على استعداد لارسال قوات 'المارينز' الى لبنان لفضِّ الاشتباك بين المقاومة والجيش الاسرائيلي وحماية عملية اجلاء المقاتلين.. لكن الاقتراح رفضته القيادة الفلسطينية. 'ميشيل' يرى أن استخدام المفاوضات كورقة ضغط على اسرائيل من جهة ولتمرير الوقت حتى تظهر معطيات جديدة من جهة أخرى مفيد ولكن الصمود هو الذي سيغير المعادلة لصالحنا، وليست المفاوضات، فقلت له إنَّ هذا ما قاله لنا 'أبو عمار' قبل يومين، ويبدو أنه الخطة المعتمدة: صلابة في الموقف ومرونة في التكتيك.
8 تموز
اليوم الذكرى السنوية الرابعة لزواجي. إنه يوم استشهاد غسان كنفاني، حتى لو نسيت فإن اقتران زواجي بيوم استشهاد 'غسان' كفيل بتذكيري. هناك تقليد سنوي لزيارة قبر 'غسان' في مقبرة الشهداء يقوم بها أعضاء في 'المكتب السياسي' للجبهة الشعبية. لا أدري إن كانت تمَّت الزيارة في ظل هذا الوضع. فالمقبرة تكاد أن تكون على الخط الأمامي. بالصدفة عرفنا، 'هند' وأنا، أننا نعقد قراننا في بعلبك في يوم استشهاد غسان. كان ذلك التوقيت غريباً، خصوصاً وأنا أعمل في 'الهدف'، مجلة غسان كنفاني الذي لم أره إلا في صوره المعلقة على جدران مجلة 'الهدف' ولكني أشعر بوجوده يتخلل الهواء. أشعر أنه يقف خلفي وأنا أكتب على مكتبي بجسده النحيل وسيجارته التي لا تنطفىء. هذا الرجل المصاب بالسكري، كان شعلة من الابداع والحركة. يكبرني الآن باثني عشر عاماً عندما استشهد. كيف استطاع أن يكتب قصصاً وروايات ودراسات ويرسم ويصمّم ويصدر صحفاً ومجلات ويناضل ويحبُّ في ثمان وثلاثين سنة؟ الصدفة جعلت يوم زواجي يقترن بذكرى استشهاده.
أربع سنين مرَّت على زواجي. حدث ذلك بسرعة. تزوجنا بسرعة وأصدرت ديواني الأول بسرعة، وأنجبنا 'يارا' بسرعة، وصدر ديواني الثاني بسرعة، وجاء الحصار بسرعة. لكنَّ الحصار نفسه لا يتعجَّل الذهاب. الألم لا يمضي سريعاً، الفرحة هي التي لا نكاد أن نتبيَّن أثرها. لم أكن أعرف عندما كنت في عمان أن شيئاً من هذا سيحصل لي. كنت أعرف أن بيروت مكان خطر. أعرف أن فيها حرباً ولكنها لم تكن هذه الحرب ولا على هذه الشاكلة، فمن كان يتصور أن عاصمة عربية ستتعرض للحصار الاسرائيلي طيلة شهر كامل، وتنصبُّ عليها أطنان من البارود والنار والحديد؟ قبل أربع سنين في مثل هذا اليوم تزوجت في بعلبك عند القاضي الرفاعي، القاضي السنيَ !، أنا الذي لم يعرف شيئاً عن هذه الأمور إلا في لبنان.. يا الله كم يبدو ذلك اليوم بعيداً؟'
9 تموز
عشر ساعات بلا توقف من القصف الهستيريِّ. كأنَّ من يفعل ذلك يعاني غلاً شخصياً علينا فرداً فرداً، كأنه بلطجي معتدٌّ بزعرنته وعضلاته المفتولة يقول لمن هم أصغر منه: سأكسر رؤوسكم! سوف أمسحكم عن وجه الأرض! وإلا كيف يمكن تفسير هذا 'الافراط' في القوة. في الضرب على الأطراف والرأس والبطن. الضرب خارج كل القواعد المتعارف عليها. لكن مع اسرائيل ليست هناك قواعد. ليست هناك خطوط حمر. أخبرنا 'نبيل' أن 'شارون' يعاني من عقدة شخصية مع العرب، الفلسطينيين تحديداً. فقد اغتصبه راع فلسطيني عندما كان مراهقاً. كان، حسب تعبير 'نبيل' الساخر، ولداً أبيض، ممتلىء الجسم، رآه ذلك الراعي الفلسطيني خارجاً من المستوطنة فاستدرجه واغتصبه! سألنا 'نبيل' إن كانت هذه حكاية حقيقية أم من اختراعه. ضحك وقال إنه سمعها فعلاً ولا يستبعد أن يكون ما يفعله الآن بنا منطلقاً من تلك العقدة!
هرعت بعد اشتداد القصف الى الطابق السفلي حيث وجدت عائلات بأكملها تتواجد هناك. أناس يتكوّمون في مساحة ضيقة. رجال ونساء وأطفال وروائح خوف. لم أستطع البقاء. عدت وصعدت الى الطابق الرابع عشر من البناية . من هناك رأيت جحيماً من القذائف الفسفورية. حفلة جنون كاملة. لهب وأضواء يطفوان على وجه بيروت. يمتدان في كل اتجاه. من المستحيل القيام بأعمال الانقاذ في ظل تواصل أنفاس التنين. لم نعرف حتى الآن حجم الخسائر البشرية ولكنه، على الأغلب، كبير. كأنَّ ذلك لا يكفي. هناك الشائعات التي تسري عن اتفاقات ونفي لهذه الاتفاقات. الاذاعات الأجنبية تسهب في الحديث عن موقف ليِّن لقيادة المقاومة في موضوع الخروج. 'نبيل' يقول إن قيادة المقاومة تماطل لكسب الوقت ولكسر حدة الهجوم الاسرائيلي وابطال مفعوله على الأرض. سورية أعلنت اليوم أنها لن تستطيع استقبال قيادة المقاومة. هناك من يقول إن الموقف السوري هذا هدفه دفع الامريكييين للتفاوض مع دمشق في هذا الخصوص.. نشعر بحقد كبير على النظام السوري وفي حال الخروج من بيروت هناك من يفضّل الذهاب الى مصر 'كامب ديفيد' بدلاً من سورية! لا نعرف ماذا نكتب في مثل هذا الوضع. فنحن نكتب للإذاعة عن الصمود والتصدي ودحر الاحتلال وفكّ الحصار. نكتب عن كيف تتحول الأرض جحيماً تحت أقدام المحتلين، نستعين بالتراث والحداثة، نستعيد 'أبو ذر' و'علي بن أبي طالب'، ونتكلم عن حصار 'طروادة' و'لينينغراد'. هناك من يكتب عن 'بيروتغراد'. ولكن الحقيقة إننا مللنا من كتابة وجدانيات الصمود. البطولة. لا شيء أدعى إلى الضجر من أن تتكرر الكلمات نفسها والتعابير ذاتها. ولكن ما يعزي أن هناك خسائر فعلية تكبدها الجيش الاسرائيلي. هناك أخبار عن حركة احتجاج واسعة داخل اسرائيل نفسها على هذه الحرب.
11 تموز
الجحيم انفتح على مصراعيه اليوم. قصف مجنون وعشوائي طال كل أنحاء المدينة. الدمار في كل مكان. لا حركة في الشوارع إلا لبعض المقاتلين. الدويّ لا يتوقف. خرج الناس الى الشوارع ليلاً من بين غبار القذائف والردم. بيروت تبدو ماضية في تحديها لهذا القدر المرير. هذه المدينة لن تستسلم كما يُدبَّر لها. أيُّ أناس هؤلاء الذين يطلقون النكات بعد لحظة من توقف القصف؟ عدت مساء من العمل برفقة 'طاهر' الى شقته في 'الحمراء سنتر'. انتهزت فرصة عودة المياه فغسلت ثيابي التي اتسخت وتراكمت في الأسابيع الماضية وأخذت حماماً بدا لي ترفاً لا يمكن الحفاظ عليه بسهولة. آخر مرة ذهبت فيها الى بيتنا كانت منذ عشرة أيام. 'الطريق الجديدة' صارت في الخطوط الأولى.. هجرها معظم سكانها.. كان البيت، المواجه تماماً للمنطقة الشرقية، في حالة مزرية. الزجاج مهشَّم، الغبار في كل مكان. ألقيت نظرة على النباتات والأزهار التي كانت خضراء وريانة قبل الحصار. إنها الآن ميتة تماماً. من يرى البيت سيظن أن عاصفة هوجاء ضربته فقلبت أحواله رأساً على عقب.
اليوم نشرت 'المعركة' قصيدتي 'جزائري من القلعة'. إنها عن مقاتل جزائري كان من بين آخر المنسحبين من المعركة الضارية التي جرت بين قوات المقاومة والجيش الاسرائيلي في قلعة 'أرنون' في الجنوب اللبناني. المقاتل يدعى 'عبد القادر' حضرت له قبل أيام، بالمصادفة، مؤتمراً صحافياً مصغراً عُقد في صحيفة 'العودة' التي يصدرها إعلام 'الجبهة الديموقراطية'.
كنت في زيارة لـ 'غسان' عندما انعقد المؤتمر الصحافي الذي تحدث فيه المقاتل عن معركة 'أرنون' التي نجا منها قلة من المقاتلين كما قال، ولكن التي تكبّدت فيها اسرائيل خسائر في أفضل وحداتها العسكرية. شدتني حركة يديه وهو يشرح.
الساعة الآن الحادية عشرة والنصف تقريباً. 'طاهر' يغطُّ في النوم، أحسده على ذلك، بينما أكتب هذه السطور. سأنام بعد قليل. من يدري ماذا سيحصل؟'
12 تموز

لحسن حظي أني لا أتعرَّق كثيراً، بل تقريباً لا أتعرَّق. قد يكون ذلك بسبب نحولي وجلدي البدويِّ الجاف. الماء والكهرباء لعبة حقيرة تديرها اسرائيل من 'المنطقة الشرقية'، عقاب في أبسط احتياجات الانسان. بيروت الغربية ليست مقاتلين فقط يمكن أن يُفهم هذا الإجراء العقابيّ ضدهم بل معظم سكانها مدنيون. عادت المياه مرة أخرى. أخذت حماماً سريعاً. أعددت شاياً لي ولـ 'طاهر'. إنَّه يتابع ما يُبثُّ في الإذاعة حتى وهو في البيت. تركته يستمع للراديو وذهبت إلى الغرفة التي أنام فيها عنده. أخرجت البومات الصور ورحت أقلّب أيام حياتي السابقة. بدت الصور الجامدة كشريط حيّ متحرك. مشاعر قويّة انتابتني وأنا أرى صور 'يارا' الأولى التي التقط بعضها 'باولا' وبعضها 'أحمد' شقيق 'هند'. تذكرت صرختها في مستشفى 'الترك' حيث ولدت وكان معي 'عماد' (الرحايمة) و'مريم' ينتظران مثلي بترقّب خلف باب غرفة الولادة. سمعت صوت الحياة القادم من وراء بابٍ موصدٍ أقف خلفه في قلق. خرجت الممرضة من غرفة الولادة ولم ترد أن تخبرني عن جنس المولود، فقد ظنت أني لن أكون سعيداً لو أخبرتني أن 'هند' وضعت بنتاً. لا 'حلوان' لمن يزفُّ هكذا خبر!
كانت 'هند' قد أحسّت بقرب الولادة عصر ذلك اليوم بعدما أعدّت لنا 'التبولة' وكنت أشوي لحماً في شرفة البيت الصغيرة لضيفيَّ 'حيدر' ( حيدر) و'سعدي' ( يوسف). قالت لنا إنها ستنزل الى الدكانة المجاورة وتعود. هبطت أدراج طوابق البناية كلها، فالمصعد كان معطلاً، وعادت حاملة معها أغراضاً للولادة. ثم قالت لي إنها تشعر بقرب الولادة. تركت 'حيدر' و'سعدي' في البيت واستقللنا سيارة الى مستشفى 'الترك' حيث كانت تتردَّد أثناء الحمل. ولدت 'يارا' في ليل العشرين من 'نيسان'. في ليلٍ ربيعيٍّ بديع انضمَّ إلى العالم كائن صغير، جميل، وكان اسمها حاضراً قبل ولادتها، فقد اخترنا بضعة أسماء مواليد للذكور والإناث. كان اسم 'يارا' على رأس اللائحة. اخترناه من قصيدة لـ 'سعيد عقل' غنَّتها 'فيروز'. لكنَّ 'يارا' لم تكن شقراء الشعر كما تقول الأغنية بل ذات شعر أسود كثيف. لا صور لي من أيام الأردن. كلُّ الصور في بيروت وبعد زواجي. ولا صورة واحدة لي قبل الزواج. غريب. كأنَّ الصور شأن عائلي. فمن يلتقط صورة لنفسه؟ كما أني لم أكن أهتم بهذا الأمر. مع مجيء 'يارا' أخذت الصور تتكاثر وتملأ عدداً من الألبومات الصينية التي أحضرتها معي من عدن عندما كنت طالباً في 'معهد الاشتراكية العلمية'.
أرى صور الماضي ولا أعرف ماذا سيحصل اليوم أو غداً ناهيك عن المستقبل، فهذه أول مرة أواجه فيها مسألة المصير، الحياة والموت.
أنا عموماً نحيل، لكني الآن أنحل مما أبدو في صور الأشهر الماضية، أو العام الماضي. ربما لا يتجاوز وزني الآن خمسة وخمسين كيلوغراماً. لاحظت أني صرت أشدّ حزام البنطلون أكثر على وسطي كي لا يسحل. القصف والحصار وعدم الرغبة في الأكل والحرارة والتدخين الشديد عوامل لعبت دورها.
20 تموز
وقف إطلاق النار لا يعني الهدوء أو التقاط أنفاس قبل أن يعود القتال من جديد، فقد تحلُّ محل القصف غارات وهمية للطيران الاسرائيلي. أحياناً، تكون الغارات الوهمية أسوأ من الغارات الحقيقية لأننا لا نعرف أولاً إن كانت الطائرات سترمي حمولتها أم لا، وثانياً لأنها تمارس ضغطاً نفسياً شديداً علينا وتذكرنا أنَّ السماء يمكن أن تمطر حمماً في أيّ لحظة. أكره الطائرات. لا شيء أكرهه الآن أكثر من هذا الهدير الذي ينفذ الى الأعماق. إنها غطرسة حقيرةٌ معتدَّة بقوتها التي لا رادع لها. تنشط المضادات الأرضية. توجِّه سبطاناتها الملتهبة الى تلك القلاع الطائرة، تُطلق صواريخ 'سام' التي تحمل على الكتف ولكنَّ طائرات شارون تضللها بالبالونات الحرارية التي تتطاير من مؤخراتها. ورغم أن طائرة اسرائيلية واحدة لم تُسقط، حتى الآن، في سماء بيروت إلا ان المضادات الأرضية لا تكفُّ عن مراودة معجزةٍ كهذه. هذه هي البطولة. بطولة الضعيف في مواجهة القوي الذي يعرف أنه، بلا أدنى شك، قويٌّ وقابض على السماء.. ولكن بالحديد المصفَّح والنار.
عشرات الغارات الوهمية نفذها الطيران الاسرائيلي اليوم، ربما مئات. سماء بيروت محتلة بالطائرات التي تروح وتجيء وتنقضُّ في هيئة الرماية ثم ترتفع. هناك معلومات عن احتمال قيام اسرائيل بعمليات نوعية داخل بيروت. ارسال قوات كوماندوز مثلاً إلى مواقع مختارة في مناطقنا. اصطياد قيادات. علمت هذا بعدما طلب 'غسان' مني أن أحضر معه اجتماعاً مسائياً لصحيفة 'العودة' في 'بربور'. لم يتم الاجتماع بسبب عدم التحاق هيئة التحرير، وبدلاً من ذلك قال 'جميل هلال' (مسؤول الاعلام في الجبهة الديمرقراطية) إنهم تلقوا معلومات عن محاولات تسلل اسرائيلية الى قلب بيروت. قام 'علي خلف' بتنظيم نوبات حراسة حول مقرّ 'العودة'. لم تكن معي بندقيتي فأعطاني الرفاق في 'الجبهة' واحدة وحرست لمدة ساعتين أمام البناية التي يقع فيها مقر الجريدة وكذلك 'غسان'، أما 'علي خلف' الذي وزَّع جدول الحراسة فذهب لينام. ضحكنا 'غسان' وأنا من حيلة 'علي' المكشوفة وتصدّره للقيادة فيما هو حريص على راحته.
أخبرني 'غسان'، ونحن نستعد للحراسة، حكاية طريفة عن غيظ رفيقنا 'علي' المكتوم منه ومن 'غالب'. فقد أخذهما 'غالب' الى منطقة 'الأوزاعي' لزيارة 'ماهر حمدي'، قائد إحدى كتائب 'الجبهة الديموقراطية' هناك. موقع 'ماهر' في بيت ذي حديقة فيها أحواض نعناع وقد أصرَّ 'غالب' على زيارته لشرب شاي حقيقي بالنعناع، وألحَّ على 'علي' للذهاب معهما. فهو لم يكن يرغب ولكنه خشي، حسب تقدير 'غسان'، أن يبدو خائفاً. أقلتهم سيارة عسكرية تابعة لـ 'الجبهة' الى الموقع المتقدِّم لكن السائق تجاوز الموقع الذي لم يكن يعرف مكانه بالضبط، فرأوا مقاتلاَ يركض على الرمل بموازاتهم ويشير بيديه. اعتقدوا أنه يحييهم، غير أن المقاتل واصل الركض والصراخ، وعندما توقف السائق بالقرب منه اكتشف أنهم دخلوا في حقل ألغام زرعته 'المقاومة' لمنع تقدّم الاسرائيليين، فترجلوا من السيارة وتمكنوا، بأعجوبة، من العودة إلى الوراء على أقدامهم، حسب ارشادات المقاتل، تاركين السيارة في حقل الالغام. المهم أنَّ 'غالب' لم يتبدل شيء في ملامحه، بل بدا، للحظة، سعيداً بما حدث ما أثار غيظي، يقول 'غسان'، وحنق 'علي' الذي راح يُهَمْهم. عندما صاروا في مأمن قال 'غالب': أمال الشاي فين؟
27 تموز
يبدو أنَّ الاسرائيليين الذين تركت لهم الأجواء طليقة يخرِّجون دورات طيران في سماء بيروت، ولكن ليس مجرد استعراض للطائرات وأنواعها فقط بل تقوم هذه الطائرات المتنمّرة برمي كل ما تحمله في جوفها على بيروت الغربية. الطائرات تذهب وتجيء وتقذف كل حمولتها. فمنذ ليل أمس والطائرات تغطي السماء والهدير لم ينقطع. لا تختفي الطائرات إلا كي تظهر ثانية. أي هوس بالطائرات هذا؟ الطائرات تقصف. البوارج تقصف. المدفعية تقصف. بأي لغة يمكن أن أصف ما يحصل؟ هل تكفي كلمة هدير أو قصف لوصف ارتجاج الأرض وتناثر شقف البنايات وتحطم الزجاج وانشلاع القلب والأحشاء وتفجّر الشرايين وصعود الأرواح؟ كيف يمكن للغة أن تكتب الموت لا كلمة الموت، أعني الموت نفسه، بل الرعب الذي يسبق الموت؟ لغتي قاصرة. لغتي كلمات. والكلمات ليست حياة وليست واقعاً وليست حقيقة.
في حدود الساعة الواحدة ظهراً غارت الطائرات على بناية في منطقة 'الروشة'. الصواريخ مرَّت فوق البناية التي يقع فيها مكتب تحرير الإذاعة. اهتزّت الجدران والشبابيك. لم نكن نعرف على أي بناية وقعت الغارة. خرجت بعدما غادرت الطائرات مع 'سلوى' وسائق 'صخر' (أبو نزار)، الذي كان يزور الإذاعة، الى مكان الغارة. كان بناية قريبة منا. المنظر لا يوصف. البناية التي لا أعرف عدد طوابقها منفرشة على الأرض. محطَّمة تماماً. هناك بناية مجاورة لها تحترق. الدخان والغبار يلفّان المنطقة. كانت عربات الاسعاف قد سبقتنا. هناك صحافيون ومصورون يحومون حول البناية المفروشة على الأرض. هناك جثث مطمورة تحت الردم الذي تصعب إزالته. هناك أشلاء. حديد واسمنت وأغراض عائلية ولحم بشري. حملت سيارات الاسعاف ما استطاعت أن تنقله من الجرحى الأحياء وهناك من قام بلملمة الأشلاء. البناية كبيرة. سألنا عن الخسائر البشرية فلم نعرف. لاحقاً عرفنا أن هناك نحو 84 قتيلاً و150 جريحاً. لماذا هذه البناية بالذات؟ قيل إن نائب أمين عام جبهة التحرير الفلسطينية 'أبو العباس' يقطن فيها. لكن 'أبو العباس' لم يكن موجوداً عندما وقعت الغارة. أنا لا أصدِّق ذلك. ربما كان هناك اجتماع للقيادة الفلسطينية سيعقد فيها وليس لأن 'أبو العباس' يسكن في البناية المنكوبة.
ذهبت لرؤية 'زكريا' (محمد) في بيت 'فيصل' الذي يقيم فيه مؤقتاً. كان القصف لا يزال مستمراً وقد اشتدَّ بعد الساعة الرابعة. جنَّ جنون الاسرائيليين في الساعة الخامسة. لا ندري ما الذي حدث. توقعت أن يكونوا قد اصيبوا اصابات مباشرة وهم يقومون بعملية انتقام واسعة. بعد قليل أفادت الأنباء عن مقتل رائدين اسرائيليين وبضعة جنود. هذا هو السبب إذن.
انضمَّ إلينا 'علي خلف' عند 'زكريا'. تحدثنا عما يجري عموماً وعن نوبة الجنون الاسرائيلية اليوم، غمز 'علي' من قناة المثقفين الذين فرّوا من بيروت، ولكنَّ ذلك لم يعجب 'زكريا' الذي قال إن علينا أن نكون أكثر تفهماً لقدرات البشر على تحمّل ما يجري. اتفقت مع ما قاله 'زكريا' وابتسمت في سريّ عندما تذكرت حادثة الشاي بالنعناع التي رواها لي 'غسان'. عدت ليلاً إلى الإذاعة تحت هدير القصف ووجدت معظم الزملاء هناك. كان 'رشاد' (أبو شاور) يروي لهم حكاية بطريقته المدهشة في الكلام لم أعرف عمَّ كانت ولكني سمعت ضحكاً عارماً كأنَّ شيئاً لم يكن يحدث في الخارج. هذا هو جو الإذاعة الرائع، وبطله المتوَّج، من دون شك، 'رشاد'.
'30 تموز
تمَّ نسف الاتفاق اللبناني الفلسطيني الذي حصل في السعودية بكمية هائلة من غارات الطيران التي لم تستثن حياً في بيروت الغربية إلا ودكَّته دكّاً. واضح أن هذا هو الرد الاسرائيلي العملي على الاتفاق الذي يقضي بتنظيم الوجود الفلسطيني مع الدولة اللبنانية. إنهم لا يريدون أي شكل من الوجود الفلسطيني الفاعل في لبنان، ولم يأتوا بجيشهم من أجل اعادة صياغة 'اتفاق القاهرة'. إنهم يريدون مسح الوجود الفلسطيني. جعل الشعب الفلسطيني بلا شوكة ولا قوة ولا قيادة قادرة على النهوض بالبرنامج الوطني. أي تهجير المهجرين مرة أخرى وجعل الشتات هو المكان الطبيعي لهم. هل هذا في صلب العقلية الاسرائيلية التي قامت على اسطورة الشتات؟ هذه الكلمة التي احتكروها لهم وجعلوا منها أسطورة أقاموا وفقها كيانهم الاغتصابي على حساب شعب آخر. ما جرى بدءاً من بعد ظهر اليوم يرقى الى مستوى الإجرام التام والاستقواء بالحديد والنار اللذين يملكون منهما الكثير. كتبت اليوم مقالي للإذاعة عن هذا الموضوع. عن موضوع الشتات وكيف صار اسطورة لشعب قام على أساس الدين. ما دخل الدين بالقومية والعرق؟
فوجئت اليوم بمقال لمحمود درويش عن الشعر. الغريب أن هذا هو فهمي للشعر، بل هذا ما حصل معي حيث لا أستطيع الكتابة تحت الضغط ولا في صلب الحدث الجاري. أحتاج الى فسحة كي أكتب. إلى مسافة فاصلة. وجه الغرابة في الموضوع أن درويش شاعر مقاومة بل هو شاعر الثورة الفلسطينية وقد سجَّل في شعره مراحل من النضال الفلسطيني وتفاعل مع أحداثه الكبرى في استجابة سريعة، ولكنَّه غير قادر على كتابة الشعر في ظل الحصار. هذا ما يقوله بطريقة غير مباشرة وكأنَّه يردُّ على منتقديه حول غيابه عن الأحداث ويصف هؤلاء بأنهم 'قناصة'! أي يقتنصون غياب الشاعر عن مواكبة الحدث ويشهّرون به. هناك شيء من ذلك. كان هذا، أيضاً، رأي 'غسان' الذي قال إنَّ نبرة المقال غاضبة وتعكس ضيق 'درويش' بالذين يطالبونه بحضور أكبر على الصعيدين الشعري والإعلامي.
الناس المغمورون هم أبطال الحروب، وهذه الحرب يشارك فيها الجميع. من يقاتل، من يكتب، من يفتح فرناً، من يوزّع جريدة، من يبيع خضاراً، بل من بقي في بيته ولم يغادر. هذه الحرب التي لا توازن فيها فرضت علينا جميعاً ولن نفرَّ من المواجهة. إنها قضية كرامة وطنية وشخصية، ووقفة عزٍّ، على رأي انطوان سعادة، قبل أيّ شيء آخر.

'إن كان الموت دائماً
فهو يأتي ثانياً.
الحرّية، أبداً، هي الأولى'.

_________________


حسن بلم

امتحان الحنين مختارات من بيروت قصيرة بحجم راحة اليد pdf

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة

صفحة 1 من اصل 1
نوسا البحر :: فوضى الحواس(منتديات ثقافيه) :: مرتفعات أو سوناتا الكلام

حفظ البيانات | نسيت كلمة السر؟

عفاريت نوسا البحر google+ | عفاريت نوسا | مجلة الصور | مجلة عفاريت