أنسى الحاج وداعا أيها الأنقى

♪♫.. الادارة..♫♪
avatar
رسالة sms : سيرى ببطئ ياحياة
لكى أراك بكامل النقصان حولى
كم نسيتك فى خضمك
باحثا عنى وعنك
وكلما أدركت سرا منك
قلت بقسوة
مأجهلك!!!!
ذكر
عدد المساهمات : 10411
الاٍقامة : وراء الأفق حيث لاشئ سواى وحبيبتى
العمل : مهندس
نوسا البحر :
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
2014-02-20, 6:08 am
وداعا أيها الأنقى بننا

أنسي الحاج... لكَ ألف وداع

أنسي الحاج رحل الشاعر والكاتب الكبير انسي الحاج بعد صراع مرير قاس مع المرض كان اقعده قبل نحو شهرين. الشاعر الكبير الذي كان من اعمدة "النهار" وصاحب باع طويل في النهضة الشعرية والثقافية اللبنانية والعربية ترى "النهار" نفسها مفجوعة بفقده اسوة بكبارها الذين فقدتهم وتتقدم من عائلته ومن سائر محبيه ومدمني ادبه وشعره و"كلماته" ومن الزميلة "الاخبار" ومن جميع اللبنانيين بالتعازي الحارة بفقد هذا المعلم الشعري والصحافي الكبير.

أنسي الحاج في سطور

من آل الحاج من بلدة قيتولي، قضاء جزين، الجنوب. مولود في بيروت في السابع والعشرين من تموز 1937. تلقى علومه في مدرسة الليسيه الفرنسية ثم في معهد الحكمة في بيروت. بدأ ينشر وهو على مقاعد الدراسة، مقالات وأبحاثاً وقصصاً قصيرة في مختلف المجلاّت الأدبية في منتصف الخمسينات، وكان على اهتمام خاص بالموسيقيين الكلاسيكيين. تزوج في العام 1957 من ليلى ضو، ورزق منها ندى ولويس. احتفط بشعره ولم يبدأ بنشره إلاّ في أواخر الخمسينات. بدأ العمل في الصحافة في العام 1956 في جريدة "الحياة"، ثم في "النهار" مسؤولاً عن القسم الثقافي، ابتداء من 9 آذار 1956، العدد 6209. وتولى كذلك مسؤوليات تحريرية عديدة في "النهار" وأصبح رئيس تحريرها منذ العام 1995 إلى أيلول 2003. في العام 1964 أصدر "الملحق" الأسبوعي لـ"النهار"، الذي ظل يصدر عشر سنين حاملاً مقاله الاسبوعي "كلمات كلمات كلمات". مقالاته، بين "النهار" و"الملحق" ومجلات لبنان الأدبية، لا تحصى، جمع بعضها في ثلاثة مجلدات صدرت عن "دار النهار" في العام 1988. أشرف على اصدار "النهار العربي والدولي" في بيروت. شارك في تأسيس مجلة "شعر" وفي اصدارها، وكان أحد اركانها منذ 1957 حتى توقفها في عهدها الاول، ثم في عهدها الثاني. وفي اعدادها الاولى، ظهرت له كتابات نقدية ولم ينشر قصائد. أول ما نشر قصائد فيها كان العام 1958. وكل قصائده المنشورة هي قصائد نثر. في العام 1960 ظهرت مجموعته الشعرية الأولى، "لن"، "دار مجلة شعر"، مع مقدمة كتبها بنفسه في موضوع قصيدة النثر خاصة والشعر عامة. الحرب الأدبية التي أثارتها "لن"، اشترك فيها الشعراء والكتاب من العالم العربي كله، وكانت حداً فاصلاً في تاريخ الشعر العربي المعاصر. في العام 1963 صدرت مجموعة "الرأس المقطوع" عن "دار مجلة شعر" في العام 1965 صدرت مجموعة "ماضي الأيام الآتية" عن "المكتبة العصرية". وفي العام 1970 صدرت مجموعة "ماذا صنعت بالذهب ماذا فعلت بالوردة" عن "دار النهار للنشر". في العام 1975 "الرسولة بشعرها الطويل حتى الينابيع" عن "دار النهار للنشر" وفي العام 1983 أعاد طبع كتابيه الأولين: "لن" و"الرأس المقطوع" عن "الدار الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع". أصدرت له "دار الجديد" دواوينه الخمسة الأولى في العام 1994، وصدر له ديوان "الوليمة" لدى "دار رياض الريس" في العام 1994، وبالفرنسية في باريس لدى "دار أكت سود" في العام 1997 أنطولوجيا "الأبد الطيار" التي أشرف عليها وقدّم لها عبد القادر الجنابي، وأنطولوجيا "الحبّ والذئب الحب وغيري" في الألمانية في العام 1998، ترجمة خالد المعالي وهربرت بيكر. صدرت له "خواتم 1" في العام 1991، و"خواتم 2" في العام 1997 لدى "دار رياض الريس". في نيسان 2007 صدرت أعماله الكاملة في ثلاثة مجلدات لدى "هيئة قصور الثقافة" في القاهرة.
في الستينات ساهم في إطلاق الحركة المسرحية الطليعية في لبنان من طريق الترجمة والاقتباس، وكانت ترجمته لمسرحية "كوميديا الأغلاط" لشكسبير بلغة حية ومتحركة (مسرحية) وفصحى، همزة وصل بين الجمهور والمسرح الجدي، قديمه وحديثه. لكن نجاح هذه اللغة، ظهر، أكثر ما ظهر، مع ترجمة لمسرحية "الملك يموت" لاوجين يونسكو في العام 1965. ترجم ايضاً للفرق المسرحية اللبنانية (بعلبك – منير أبو دبس – برج فازليان – شكيب خوري – روجيه عساف – نضال الاشقر...) مسرحيات "العادلون" لكامو، "القاعدة والاستثناء" لبرشت، "احتفال لزنجي مقتول" لأرابال، "نبع القديسين"، "رومولوس الكبير" لدرونمات، و"الآنسة جوليا" لسترندبرغ.
إلاّ أن أقوى اندفاعاته، على صعيد المشاركة في الحركات الفنية، ربما هي اندفاعته مع الأخوين رحباني، اللذين كان بدء معرفتهما الشخصية به في حزيران 1963، على اثر مقال كتبه عن فيروز، رافضاً مبدأ المقارنة بين صوتها وبين أصوات مطربات أخريات، معتبراً أن في صوت فيروز، فوق الجمال والبراعة، "شيئاً أكثر" كما سمّاه، هو العامل الغامض الذي لا يستطيع أحد له تفسيراً، والذي سيظل يحيّره، كما يظل كل "شيء أكثر" في الخليقة يحيّر العقل والتحليل. الواقع أن هذا المقال لم يكن الأول الذي كتبه أنسي الحاج عن فيروز. ففي العام 1956 كتب في مجلة "المجلة" مقالاً عنها بعنوان "فيروز".
ترجمت له قصائد عديدة الى الفرنسية والانكليزية، واستوحى بعض المسرحيين قصائد له فأخرجوها (منهم يعقوب الشدراوي وريمون جبارة)، كما استوحى بعض الموسيقيين قصائد له في أعمال موسيقية.
وكثيرون من الرسامين اللبنانيين والعرب (بول غيراغوسيان، رفيق شرف، منير نجم، جان خليفة، وضاح فارس إلخ...) اقترنت رسوم لهم بقصائد له.

تحت حطب الغضب

ما عدت أحتمل الارض
فالأكبر من الارض لا يحتملها.
ما عدت أحتمل الأجيال
فالأعرف من الأجيال يضيق بها.
ما عدت أحتمل الجالسين
فالجالسون دُفنوا.
ريشةٌ صغيرة تهبط من عصفور
في اللطيف الربيع
تقطع رأسي.
مُتعبٌ ومليء متعبٌ وجميلٌ متعبٌ تحت حطب الغضب
لأني بلغت المختار
لأن امرأة ربّتني على ترابٍ شفاف
لأني عثرتُ على الحدود
فتحتُ الحدود.
لأني وجدتُها وألغيتُ الحدود.
لم يعد لي صبرٌ على من ورائي
ولا على الأحياء السابقين.
عندما حصلتُ على الأكثر من أحلامي حصلتُ على الأكثر من الصحراء
وبعدما صعدتُ العرش والشجر الخالية منه الدنيا
حواني شجر البَرْد
ولم أتحكم لكني تعبت.
ولن يبكيني أحد
حقاً
ولن يرتعشوا لغيابي
حقاً كما كنت حاضراً
ولن يستوحشوا مثل برج
ولن يموتوا عليّ موتاً يضاهي حياتي.
أخذتُ ما يؤخذ وما لا يؤخذ وتركتُ ما يُترك وما لا يُترك
وإني خرجت
وامرأةٌ باقية بعيدة
تكلّمني تلامسني
وكم أرغبها وكم أيضاً وراء الموت!
والى المهتمين:
أنا أعظم مَن عاش
لأني أعظمكم في الأُنس والمنفى
بل لأني أعظم كائن عاش
كالنسر في البَصَر كالحبر في العمى
عظيماً في الصيد وفي الغفلة
وشاهدتُ نجمتي فأخبرتكم خلاصتها
بسرعة النمر وبياض الحمام
حتى تعبت وغضبت
لأني تجاوزتُ الفنون والعلوم
واختصرتُ ظاهر العقل وباطنه
وملكتُ العَصَب وبدّدته
وكسرتُ الصاروخ والروح
ثم اقترفتُ بكلامي ذنب التواضع
لأني فكرتُ أنه العالم يستحق التواضع
ووقع كلامي في شلاّل
وهو نادم غير نادم
لكنه يعلن لكم
كلامي يعلن أنا الكلام
منذ قليل ومنذ كثير
أنا الكلام وآخر الكلام
وأول ضرب على صدر الحياة
وسوف تفتح لكم الحياة
سوف تفتح الخزائن
سوف تفتح الحياة
ولن أكون بينكم
لأن ريشة صغيرة من عصفور
في اللطيف الربيع
ستكلل رأسي
وشجر البرد سيحويني
وامرأة باقية بعيدة ستبكيني
وبكاؤها كحياتي جميل.

ماذا صنعتَ بالذهب
ماذا فعلتَ بالوردة

قولوا هذا موعدي وامنحوني الوقت.
سوف يكون للجميع وقت، فاصبروا.
اصبروا عليَّ لأجمع نثري.
زيارتكم عاجلة وسَفري طويل
نظركم خاطف وورقي مبَعْثر
محبتكم صيف وحبيَّ الارض.
مَن أُخبر فيلدني ناسياً
الى مَن أصرخ فيعطيني المحيط
صار جسدي كالخزف ونزلتُ أوديتي
صارت لغتي كالشمع وأشعلتُ لغتي
وكنتُ بالحبّ.
لامرأة أنهضتُ الأسوار فيخلو طريقي اليها
جميلة كمعصيةٍ وجميلة
كجميلة عارية في مرآة
وكأميرة شاردة ومخمَّرة في الكرم
ومَن بسببها أُجليتُ وانتظرتها على وجوه المياه
جميلة كمركب وحيد يقدّم نفسه
كسرير أجده فيذكرني سريراً نسيته
جميلة كنبوءة تُرسَل الى الماضي
كقمر الأغنية
جميلة كأزهارٍ تحت ندى العينين
كسهولة كل شيء حين نغمض العينين
كالشمس تدوس العنب
كعنبٍ كالثدي
كعنبٍ ترجع النار عليه
كعروس مختبئة وراء الأسوار وقد ألقت عليَّ الشهوة
جميلة كجوزة في الماء
كعاصفة في عطلة
جميلة أتتني
أتت إليَّ لا أعرف أين والسماء صحو
والبحر غريق
من كفاح الأحلام أقبلتْ
من يناع الأيام
وفاءً للنذور ومكافأةً للورد
ولُمّعتُ منها كالجوهرة.
سوف يكون ما سوف يكون
سوف هناك يكون حبّنا
أصابعه ملتصقة بحجار الأرض
ويداه محفورتان على العالم.
انقلوني الى جميع اللغات لتسمعني حبيبتي
انقلوني الى جميع الأماكن لأحصرَ حبيبتي
لترى أنني قديم وجديد
لتسمع غنائي وتطفئ خوفي
لقد وقعتُها وتِهتها
لقد غِرتُها
أعيروني حياتكم لأنتظر حبيبتي
أعيروني حياتكم لأحبّ حبيبتي
لأُلاقيها الآن والى الأبد
لكم أنتم لتدقَّ الساعات
من سراجكم ليؤخذ نور الصباح
فأنا بريء وحبيبتي جاهلة
آه ليُغدَق علينا
لنوفّر لنجتنب
وليغدَق علينا
فحبّي لا تكفيه أوراقي وأوراقي لا تكفيها أغصاني
وأغصاني لا تكفيها ثماري وثماري هائلة لشجرة
أنا شعوبٌ من العشاق
حنانُ لأجيالٍ يقطر مني
فهل أخنق حبيبتي بالحنان وحبيبتي صغيرة
وهل أجرفها كطوفان وأرميها
آه من يسعفني بالوقت من يؤلف لي الظلال من يوسّع الأماكن
فإني وجدتُ حبيبتي فلِمَ أتركها...
ما صنعتْ بي امرأة ما صنعتِ
رأيتُ شمسكِ في كآبة الروح
وماءكِ في الحمّى
وفمكِ في الإغماء
وكنتِ في ثيابٍ لونها أبيض
لأنها كانت حمراء
وأثلجت
والثلج الذي أثلجت كان أحمر
لأنك كنتِ بيضاء
ورددتِ عليَّ الحب حتى
لا أجد إعصاراً يطردكِ
ولا سيفاً
ولا مدينة تستقبلني من دونكِ.
هذا كلّه
جعلتُه في ندمي
هذا كلّه جعلتُه في أخباري
هذا كلّه جعلتُه في فضاء بارد
هذا كلّه جعلته في المنفى
لأني خسرتكِ
إذ ملأتُ قلبي بالجنون وأفكاري بالخبث
فكتمتِ وانفصلتِ
وكنت أظنكِ ستصرخين وتبكين وتعاودين الرضى
ولكن كتمتِ وانفصلتِ
وكنت أظنّكِ ستعرفين أن نفسي بيضاء برغم الشرّ
وأني لعباً لعبتُ وحماقتي طاهرة
وكنت أظن أنكِ وديعة لتغفري لي
أنكِ وديعة لتقبّلي آثامي
أنكِ وديعة لأفعل بكِ كالعبيد
وكنت أظن أني بفرحٍ أظلمكِ وبفرحٍ تتنفسين ظلمي
وكنت أظنّ أني ألدغكِ فتتّسع طمأنينتي وأنقضكِ كالجدار فتعلقين كالغبار بأطرافي
لكني ختمتُ الكلام وما بدأتُه
وأتفجّع عليكِ لأني لم أعرف أن أكون لكِ حراً
ولا عرفتُ أن أكون كما تكون اليد للزهرة
فكنت مغنياً ولكِ ما غنّيت
وملكاً وأنتِ لم أملك
وأحبّكِ
وما أحببتكِ إلاّ بدمار القلب وضلال المنظر
وأحبّكِ
وطاردتكِ حتى أشاهد حبّكِ وهو نائم
لأعرف ماذا يقول وهو نائم
فحمله الخوف وروّعه الغضب
وهرب الى البرج عالياً
كاتماً قد انفصل
وأنا في جهلي أطوف وفي حكمتي أغرق
على موضعٍ أدور على موضعٍ أهدأ
وحبّكِ يقظان وجريح وراء الأسوار
وحبّي بارّ بعد الأوان
نار البِرّ تأكله بعد الأوان.
أحفظُ مظالمي وأُعطي مبراتي
أحفظُ مظالمي فمن يعطيني مظالمه
ومن يأخذ مبرّاتي ويعطيني الرجاء
لأني لم أعد ألمح نوراً في الغابة
تذهب الريحُ بالثلج وبالثلج تعود
جسدي كالخزف ولغتي كالشمع
اتخذتُ آفاقاً عظيمة وجعلتُها حفراً
اتخذتُ الليل فأطفأتُه والنهار فأسلمته
اتخذتُ الأكاليل فاحتقرتُها
اتخذتُ الحبّ فكسرتُه
اتخذتُ الجمال وكرجلٍ أفقرتُه
اتخذتُ الحبّ
اتخذتُ الحبّ الشبيه ببرّ لا يحدّه ماء
الشبيه بمياهٍ لا تحدّها برية
اتخذتُ الحبّ عوض كلّ شيء مكان كلّ مكان بدل الجوهر ومحلّ الشرّ والخير
أخذته أخذتُ الحبّ وشكوني
الذين صاروا في فاقة
وتعالت جفونهم الذين حسدوني
ونهش ضحكهم الهواء الذين تهكّموني
فماذا صنعتُ بالحبّ
وأخذتُ ذهب النساء وردة الذهب فماذا صنعتُ بالذهب وماذا فعلتُ بالوردة
انقلوني الى جميع اللغات لتسمعني حبيبتي
ثبّتوها على كرسيّ وجِّهوا وجهها إليَّ
أمسكوا رأسها نحوي فتركض إليَّ
لأني طويلاً وبّختُ نفسي ويأسي قد صار مارداً
أطيعي دمعكِ يا حبيبتي فيطرّي الحصى
أطيعي قلبكِ فيزيل السياج
ها هو العالم ينتهي والمدن مفتوحةٌ المدنُ خالية
جائعةٌ أنتِ وندمي وليمة
أنتِ عطشانة وغيومي سودٌ والرياح تلطمني.
العالمُ أبيض
المطر أبيض
الأصوات بيضاء
جسدكِ أبيض وأسنانكِ بيضاء
الحبر أبيض
والأوراق بيضاء
اسمعيني اسمعيني
أناديكِ من الجبال من الأودية
أناديكِ من أعباب الشجر من شفاه السحاب
أناديكِ من الصخر والينابيع
أناديكِ من الربيع الى الربيع
أناديكِ من فوق كل شيء من تحت كل شيء ومن جميع الضواحي
اسمعيني آتياً ومحجوباً وغامضاً
اسمعيني اسمعيني مطروداً وغارباً
قلبي أسود بالوحشة ونفسي حمراء
لكن لوح العالم أبيض
والكلمات بيضاء.

* من ديوان "ماذا صنعت بالذهب ماذا فعلت بالوردة"

أنسي الحاج شاعر الحرية والحب ورائد قصيدة النثر... رحل عن 77 عاماً شاعر الحداثة الذي يسابق نفسه إلى المستقبل

عبده وازن

الأربعاء ١٩ فبراير ٢٠١٤

شاعر الليل الذي لم يكن يغمض له جفن إلا عند انبلاج الفجر، أغمض عينيه أخيراً على ليل الموت. بعد هذه الإغماضة لن يكون انسي الحاج الساهر الاخير الذي اعتاد أن يسامر عتمة العالم حتى اول الضوء، فيأوي من ثم الى نوم هو نوم الشعراء المشبع أرقاً ويقظة. لعله، عندما اغمض عينيه، صرخ صرخته الاخيرة «كم هذا الليل»، مثلما كتب مرة في إحدى قصائد ديوانه «الرأس المقطوع»، مدركاً ان هذا الليل ليس سوى «شمس العودة» التي اختتم بها قصيدته الملحمية «الرسولة بشعرها الطويل حتى الينابيع».
غاب أنسي الحاج عن سبعة وسبعين عاماً ودواوين وقصائد و «خواتم» و «كلمات كلمات كلمات» وأحلام هي احلام الكائن الذي حدق الى السماء بنظرة حارقة بينما قدماه على الارض. وبدا غيابه إحدى قصائده الاليمة التي كتبها بحبر الاحتضار المضني والارق والمواجهة الميتافيزيقية السافرة. هذا الشاعر الذي استهل تجربته صارخاً في ديوانه الاول «لن» صرخته المدوية: «نحن في زمن السرطان، هنا وفي الداخل» كان قدره ان يحل به السرطان وينتصر على جسده فقط، بعدما قضى عمره يواجه شبحه في ساحة الشعر والكتابة وفي معترك الحب والحلم. هذا السرطان الذي كان هاجساً وجودياً لدى انسي الحاج منذ ان سرق امه وهو فتى ثم زوجته ليلى، استحال معه بعدما عاناه في جسده، سؤالاً فلسفياً وشعرياً، سؤال الكائن المحتج والمعترض، الكائن الذي خبر الماوراء وهو مفتوح العينين.
سبعة وسبعون عاماً هي عمر قصير في حياة شاعر في حجم انسي الحاج التواق دوماً الى الحياة كما أرادها هو، حياة الحالمين الكبار والطامحين ان يروا المعجزة وقد حلت على الارض. في الايام الاخيرة التي خامر فيها لحظات الاحتضار الطويل والاليم، كان حين ينهض، يسأل متى يمكنه ان يكتب. هذا الشاعر الذي وجد في الكتابة قدراً كان يستحيل عليه ان يعيش بعيداً عنها. حتى خلال صمته اعواماً غداة اندلاع الحرب الاهلية، جعل أنسي من هذا الصمت أجمل نص يمكن ان يُكتب.
لا أحد كان يتصور ان أنسي الحاج الشاب، إبن الثانية والعشرين، سيفتتح في العام 1960، عام صدور ديوانه «لن»، زمن قصيدة النثر عربياً، وعهد الشعر الآخر، شعر الحداثة «الملعونة»، شعر الصراع بين الكينونة والعدم، شعر الحدس والنزق والهجس والجنون الحكيم والرؤيا والحواس «المخربة» وفق مقولة رامبو. أطل ديوان «لن» كصرخة مدوية في ليل العالم، صرخة تحمل في قرارتها اصداء القصيدة الجديدة، قصيدة المستقبل، قصيدة المواجهة السافرة، قصيدة اللغة المنبجسة من صميم اللاوعي والعماء المضيء، والمشرّعة على جماليات الحلم والكابوس والتوتر والتشنج. اما مقدمة «لن» فغدت للحين أول بيان لقصيدة النثر العربية، وهو بيان كتبه شاعرنا بدم الشعر وليس نظرياً، بعدما عاش تجربة هذه القصيدة بالجسد والروح. وما برحت هذه المقدمة المرجع - الشاهد الذي لا بد من العودة اليه عند الكلام عن قصيدة النثر العربية.
ولعل أكثر ما أثار استغراب قراء انسي الحاج الذين دأبوا على مواكبته منذ البدايات هو ازدواجيته، الظاهرة طبعاً لا الباطنة، كشاعر يواجه اللغة ويغرق في عمائها بحثاً عن الغريب والمجهول واللامألوف وكناثر او كاتب زاوية أو تعليق، يجاهر بانتمائه الى المدرسة النثرية الجمالية والى فن المقال الذي كان تبلور مع ادباء وشعراء هم صانعو هذه المدرسة وأبناؤها الاوائل من مثل مارون عبود وفؤاد سليمان وتوفيق يوسف عواد والياس ابو شبكة وفؤاد حداد (ابو الحن) وسعيد تقي الدين وسواهم... ولم يلبث مقال انسي ان تجلى في زاويته «كلمات كلمات كلمات» التي حملها «ملحق النهار» بدءاً من العام 1964. وفي هذه الزاوية التي استهلها شاعرنا وهو في السادسة والعشرين من عمره، راح يمارس اقصى احوال الحرية في الكتابة المحتجة والمتمردة والرافضة، ولكن على عمق ثقافة ومعرفة، وعلى حدّة نظر وصفاء موقف. وقد حرر انسي المقالة من أسر الصحافة، مرتقياً بها الى مصاف الابداع الحقيقي على غرار ما فعل الآباء الرواد الذين كان خير وارث لهم. وكم لقيت زاويته «كلمات...» التي استعار عنوانها من هاملت، طوال عشرة اعوام قبل ان يحتجب «الملحق» عشية الحرب عام 1974، من إقبال لدى القراء اللبنانيين والعرب، ومن ترحاب لدى الطلاب الجامعيين الذين وجدوا في صاحبها المثال النقي للثورة والرفض. في تلك السنوات كان انسي أحد صانعي معجزة الحداثة التي عرفتها بيروت في الثقافة كما في السياسة والفكر والفن والشعر والرواية. وعندما وقعت الحرب الاهلية، والاكثر من اهلية، جارفة بنارها احلام المدينة ورموزها، كان انسي الحاج واحداً من اوائل ضحاياها. ولم تكن الصدمة عابرة وبسيطة بل هي اصابت الشاعر في عمق وجدانه الشخصي. وأمام هول الكارثة ارتأى الشاعر ان يصمت ولكن صمت الفارس الجريح قبل ان ينهض من عزلته ويكتب. فالحرب التي أغرقت انسي في الصمت هي التي حفزته على العودة الى الكتابة، لا سيما الشعرية. وكتب حينذاك قصائد «وطنية» غير مألوفة، فيها من الرثاء «الإرميوي» (مراثي إرميا) ما فيها من حدة ونزق وعبث، ورجاء هو اليأس بوجهه الآخر. كتب يقول في احدى قصائده: «اجلس على عشب لبنان المحروق وكلي موت/ ولم يبق فيّ من حياة/غير الالم». هذا لبنان انسي الحاج، الوجودي الطابع والميتافيزيقي البعد، الاغريقي القدر، لبنان الموئل والمآل، لبنان القادر على النهوض من موته «لمجد النور ولأجل الظلال» كما يقول الشاعر.
كتب انسي الحاج قصائد حب لم يألفها الشعر العربي سابقاً إلا في بعض التجارب الصوفية والشهوية القديمة. كان شعر الغزل يحتل الواجهة بخاصة مع قصائد نزار قباني وارث الغزل العربي القديم والنهضوي، عندما اطلق شاعرنا قصيدة الحب متمرداً على الغزل الذي جعل من المرأة ورموزها موضوعاً يدور الكلام حوله ونادراً ما يخترقه. جعل الحاج من المرأة ذاتاً حية، يتماهى فيها الحلم والرغبة، الميتافيزيق والشهوة، وفي ظل حضورها أو غيابها تتآلف المتناقضات، الحسي والروحي، الرمزي والمدنس، الإثم والنعمة، اللعنة والخلاص.
في العام 1991 اصدر انسي الحاج كتابه «خواتم» وكان بمثابة الجزء الاول من كتابات لم تنته إلا مع رحيله. كانت «خواتم» تجربة جديدة هي بين النثر والشعر، النثر اللامع والبارق والشعر بصفته روحاً وحالاً ومقاماً. لم تكن «خواتم» كتابة بديلاً حلت محل الشعر الذي غدا انسي آنذاك مُقلاً فيه، بل كانت تجربة مشرقة خاضها الحاج شاعراً بجرأته المعهودة، وناثراً يجعل من لحظة الكتابة لحظة بارقة برق الشرارة التي تخترق العتمة. بدت «الخواتم» خلاصات الكلام وخاتماته، تأويلاً وترجمة لجوهر «الشذرة» ومعناها وظاهرها. وقد جمعت هذه «الخواتم» بين كثافة الشعر ومعجزته، وتلقائية النثر وطواعيته، وومض الخاطرة.
الآن ندرك كم ان انسي الحاج كان شاعر المستقبل الذي يسابق نفسه دوماً الى امام. الآن، لا سيما الآن، بعد رحيل الشاعر بالجسد لا بالروح والقلب، ندرك اكثر فأكثر ان انسي الحاج سيظل شاعر المستقبل.

الحياة- الثلاثاء ١٨ فبراير ٢٠١٤

جامع شمل الينابيع

سيف الرحبي

منذ ديوانه الأول «لن» في مطلع الستينات من القرن الماضي، مضى أنسي الحاج في مغامرته الشعرية الهذيانية، وهذه الأخيرة بالمعنى المفارق للكلمة كون الهذيان أنبل ما تأتي به الأعماق المضطربة. مضى في شكل مختلف ومفارق للشعريّة العربية قِدامة وحداثة، ومفارق لمجرى مجلة «شعر» بكل توجهاته الإبداعية.
أنسي الحاج حطّم بنزق جميل منظومة القيم اللغوية ومعانيها ودلالاتها فكرياً واجتماعياً، حيث أثبت التاريخ أن هذا المعرض على رغم بريقه الظاهري ولمعانه، ليس إلا كذبة وخدعة بصرية تتهافت مع أول ضربة للوقائع والتاريخ. يتمحور إنجاز الحاج الشعري حول هذا المسار الهدمي الصادق من غير شفقة ولا مجاملة، مروراً بديوانه «الرأس المقطوع»، ثم «ماذا فعلت بالوردة ماذا صنعت بالذهب؟» حتى ديوانه «الرسولة بشعرها الطويل حتى الينابيع»... هنا استراح قليلاً هذا المترحل في تخوم القسوة واليباب، هذا المحب والكاره العميق...
في هذا الديوان القصيدة الطويلة، قصيدة الحب الذي ينزع إلى ملامسة الخلود وعبر إتكائه واستراحته في أحضان النشيد التوراتي أو ما يشبه ذلك... «إنهم يجمعون الحطب ليحرقوا الغابة، وحبيبتي لا تعرف أن تجمع غير شمل الينابيع».
ما زالوا يواصلون مسيرتهم غير المباركة لحرق الغابة والحياة وما تبقى من إنسانية وجمال. ويظل أنسي الحاج يواصلُ أحلامه وقرفه من عالم لم يعد قابلاً لأي ترقيع أو إصلاح... اتسع الخرق على الراقعِ ، واتسعت الهاوية أمام الشاعر الحالم، باتجاه العدم واللاشيء.
***

كتابةُ الليل
عبدالقادر الجنابي

في باريس، أواخر سبعينات القرن الماضي، كنت أنتظر أنسي أن ينتهي من عمله الرتيب في «النهار العربي والدولي»، لكي ننزل نهر الليل المتدفق بشتى أنواع البشر. نخرج، هو بمعطفه الأسود وقبعته الروسية الشكل، وأنا بملابسي العادية... كنت ألاحظ أن ثمّة علاقة بين أنسي والليل... وكأنَّ الليلَ ميلادُه، أعماقُه، مُحاورُه بصيغة الشخص الثالث لطرد نعاس ميتافيزيقيّ. فـ «الناس تنام في الليل وتعمل في النهار»، بينما هو ينام في النهار ويعيش في الليل. ولِمَ لا؟ «أليس النهارُ أيضاً ليلاً مصبوغاً بدهان الشّمس»!
لاحظت، في ما بعد، أن كلمة الليل تهمس كثيراً في بعض أشعار أنسي الحاج وخصوصاً في «خواتمه». لكنه ليس ذاك الليل الذي يتحيّن فيه الشعراء فرصة اللقاء بشياطينهم، وإنّما الليل بكل ثقله، وحجمه وبما يحمله من أسئلة وحالات من الأرق الشعريّ؛ بظلمته التي هي تعبير عن الأعماق بصور مدلولاتها. إنه ليلٌ آخرُ لا يسمح بسباق الانتهاء؛ إنه الجوهر، مركز الشعر، حيث ما إن تُغلق عينيك، حتى ترى. ومن شأنه أن يُفضي الى فجرٍ جديد؛ إلى حيث كلُّ شيءٍ يتوقّف، يتحرّك، يسبح، يُعيد انتاجَ نفسه. إنّه علامة صراع بين الأب والابن: «كان أبي نهاراً وكنتُ ليلاً»، فتتبدل الأدوار: النوم أرق، الأرق نوم، والليل يتجاوزهما في فترة تركيبيّة. ليلٌ يترامى رمزَ بحثٍ عن كتابةٍ ذات نزعة ملائكيّة في نظرتها، تعيدنا إلى فجر العالم «يوم كانت الأرض ملعباً للنفْس المُرهَفَة»، وها نحن نستيقظ في ناصفة ليل التساؤلات التي ننام معاً. إنّه الليل بامتياز؛ حلبة الصراع بين الكلمات والأفكار، تكون فيه نهايةُ الحلم موتَ الأنا، وبدايةُ سيادةِ الحلم ولادتَها الجديدة. ومن هنا، إنّ فعلَ التدوين، في كتابات أنسي الحاج، ليس عن الحلم وإنما عن التشاكل بين الكتابة والحلم؛ كتابةُ الليل علّ النقطة التي ينضم فيها الحلم بعالمِ اللاوعي الواسع؛ نقطة «التدامج بين الليل والنهار»، تنبجس من الرأس، ويغفو العالم في سريره الورقي، التنظير المعتاد.
في «آخر الليل» حيث «لا أحدَ لأحد»، كان لِلَيل أنسي الحاج ملائكته؛ إنّهم الأبرياء المنقّبون في تربة الظلمات عن بهجة الضوء؛ الاندماج بزحام باتت أحلامه محطة أخيرة في أمداء المكتوب. ملائكة بلا سماء، مصنفون بمختلف النعوت المبهمة: شحّاذون، عاهرات، ضائعون، حالمون، باختصار: محبّو كلِّ ما هو حيّ. كنّا نتساود معهم سوادَ الليل إلى أن «تتوهّج الحياة...». فيتنفس الصُّبحُ، بين أضواء المصابيح والشّمس... وينتهي فصلٌ من الدرس.

***

صديق في القصيدة والحرية

محمد بنيس

كل شاعر من شعراء السبعينات يتذكر الشاعر أنسي الحاج كلما أقبل على تأمل قصيدته. ذلك أن فعْله الشعري تحرك بيننا، من مشرق العالم العربي إلى مغربه. أتذكر الحوارات التي كانت لي مع أصدقائي المجايلين لي أو السابقين علي بقليل في المشرق، مثل قاسم حداد، بول شاوول، عباس بيضون، سيف الرحبي، عبدالمنعم رمضان، أو اللاحقين علينا، وفي مقدمهم أمجد ناصر. جميعنا كنا نستحضر شعر أنسي الحاج وما حققه من بناء عمل مفتوح على مستقبل القصيدة العربية، أو نسترجع ما مكننا منه في القصيدة التي نكتبها.
عندما أعود لأتأمل هذا التاريخ، أجدد تقديري الخاص لأنسي الحاج. انكبّ على كتابة قصيدة متمردة، من أفق شعري فرنسي أساساً، أو بالأحرى من أفق الدادائية والسوريالية، ثم كان في بداياته قريباً من أنتونان أرطو. «قصيدة النثر»، التي لم يفارق الرحيل إليها، كانت بالأساس تنهض ضد سبات لغة وضد هيمنة قيم. ضدية صادمة إلى حد أنها لم تعثر في زمنها على وعي نقدي يستقبلها، عدا بعض الكتابات المحدودة. كان إلى جانبه في اختراق القصيدة العربية كل من محمد الماغوط وشوقي أبي شقرا وجبرا إبراهيم جبرا.
ليس ذلك وحده ما جعلني أتابع بعناية أعمال أنسي الحاج منذ أخذت أعثر عليها ابتداء من السبعينات. لقد وجدت فيه الشاعر الذي لا يتخلى عن مواجهة ما يسلب الشاعر حريته. بذلك كنت حريصاً على أن أتعرف على بداياته، ثم متابعة ما ينشر من نصوص وأعمال. وفي كل قراءة كنت أحس بأن أنسي الحاج دائم البدايات، يأخذ القصيدة إلى حيث يفاجئ، من دون أن يلتفت إلى خارج القصيدة، في حياتها أو في علاقاتها الاجتماعية التي تنشأ هنا وهناك.
وكنت دائماً أحترم العزلة التي اختارها. في القصيدة وبنائها، في الحياة الثقافية وطقوسها، في الحرية وتمردها، أعطى أنسي الحاج كل واحد منا قصيدة ستبقى مشعّة في كتابة مفتوحة على الحرية والمستقبل.

***

الخارج على السياق

رفعت سلام

كان الشفَق. وثمة احتفال سري بانتصار القصيدة الجديدة، واندحار أساطين التقليد الثقافي. هي زهوة الانتصار العسير الذي امتدّ عقد الخمسينات بكامله، لتصعد قصيدة «التفعيلة» ظافرةً في بغداد والقاهرة ودمشق وبيروت.
في هذه اللحظة بالتحديد، خرج أُنسي الحاج «لن يدري أحدٌ من أين» وسط البهجة والزهو والنشوة الغامرة، ضدّ السياق، ليعكّر صفو اللحظة النادرة، بأفكار وتصورات ونصوص صادمة للحركة الشعرية العربية التي انتزعت بالكاد الانتصار بشقّ الأنفس.
هو ديوان «لن» الذي صدرت طبعته الأولى العام 1960، بمقدمته الشهيرة، التي أصبحت إنجيلاً حقيقيّاً للقصيدة التالية، «قصيدة النثر».
قصائد خارجة على ذهنية وخيال الشاعر التفعيلي، التي تؤسّس لمنطقٍ ما شعري، في بنية القصيدة وبنية الصورة الشعرية، لا يبتعد كثيراً عن المنطق التقليدي، وتأسيس لحدود التجديد الجزئي، التي تنقل محور القصيدة من مركزية «البحر» الوزني إلى مركزية «التفعيلة» (وثن الشعر الجديد)، باعتبارها المكوِّن الأوَّلي لـ «البحر». تجديد جزئي، لكنه كان يبدو- في ذلك الحين- لدى أنصاره «ثورة شاملة» هائلة، استدعت استخدام «الحرس القديم» (وبينهم أسماء مرموقة فعلاً) لكل أسلحة الترسانة الثقافية، وغير الثقافية، حتى المحرم ثقافيّاً منها (كاستعداء السلطات على الشعراء الجدد، باعتبارهم «عملاء» للغرب!).
لكنّ قصائد ديوان «لن» تكشف عن ذهنية وخيال آخرين؛ بلا أسلاك شائكة أو خطوط حمراء؛ هي فاعلية الخيال مطلق السراح تماماً، خارج كل منطق شعري يعرفه الشعر العربي، القديم أو الحديث؛ خيال يؤسس لعلاقات لم ترِد على بال شاعر، ويربط بين ما لا يرتبط في الواقع أو الشعر؛ يمنح الأشياء والعناصر سمات تتناقض مع سماتها الأصلية وتكوينها الجوهري، بل يعيد تشكيلها وصياغتها ومنحها فاعلية نوعية متحررة من فاعليتها السابقة؛ خيال يعيد تأسيس وتأثيث العالم وصياغته وتسميته، يعيد صياغة السمات والعلاقات واختراع حركية جديدة مفارقة للمكونات والعناصر المختلفة. ليس هو البصر، بل البصيرة.
مع هذا الخيال الفريد، تتجاوب فاعلية الذهن المفتوح على مصاريعه، بما يشارف الجنون واللاوعي. ذهن متحرر من كل ما هو تقليدي بالفعل، من كل ما هو مُسبَق في الشعرية العربية، على مدى القرون، ومن كل سلطة قبْلية لأي نص أو صوت شعري أو نقدي.
لكنّ المقدمة التي تصدرت الديوان لا تقل أهميةً وقيمةً عن النصوص الشعرية؛ بل هي- بأفكارها ورؤاها الصادمة آنذاك - التي كسرت إمكان «التجاهل» أو «التواطؤ بالصمت» على النصوص الخارقة، ودفعت إلى تلقي النصوص ضمن رؤية مغايرة، معاكسة للسياق العام، بلا إمكانية لـ «تأميمها»، على أي نحو.
رؤية ترصد أهم مكامن القصور في الشعرية العربية المهيمنة، سواء التقليدية أو «المحدثة- التفعيلية»، كقصور جوهري لا سبيل إلى إصلاحه، أو ترميم عيوبه؛ وتقترح - في الوقت نفسه - «قصيدة النثر» كأفق ضروري لإنجاز تطور حقيقي للشعر العربي.
هي المرة الأولى التي تُطرح فيها رؤية متسقة عن تلك القصيدة، في الكتابة العربية، بالاستناد إلى كتاب سوزان برنار الشهير؛ رؤية مفارقة لذلك الزمان، مؤسسة لما سيجيء ابتداءً من السبعينات الشعرية العربية.
ولا تراجع- في كتاباته التالية- عن تلك الرؤية والمنهج، كما فعل آخرون سرعان ما تنكروا لخطاهم وبصماتهم؛ بل هو مواصلة تأسيس وتطوير قصيدته النثر الفريدة، وترسيخ رؤاه المختلفة المتعلقة بالشعر والوجود.
أنسي الحاج: رمز الخروج على السياق.

***

المشتعل بنار الداخل

عيسى مخلوف

ليس المساء عتبة لشمس الغروب. إنه حيلة النهار العائد لا محالة. تنفتح يد الشاعر أمامنا كحقول القمح تحت شمس حارقة، وتغدق علينا.
يكتب أنسي الحاج، وهو المشتعل بنار الداخل، كمن يتنزّه على حافة الجحيم ويراوغ العدم. لا أقصد هنا الكتابة المتعلقة بالعمل المأجور ولا كتابة الموقف الآنيّ، سواء كان سياسياً أم عاطفياً، بل تلك المفتوحة على المجهول، الآتية من الأعماق تتآخى فيها أعتى البراكين وأصفى الينابيع.
إنها الكتابة التي تُختزَل في «لحظة استحضار الحياة استحضاراً أقوى، استحضاراً يجدد التعلق بها» وفق قوله. هذا الكلام يعزّز موقع الرجاء في قاموسه ولا ينفيه. وتكمن قوّته أيضاً في أنه يصدر عمّن رأى، بصفاء حدسه وبصيرته، حقيقةً تبعث على القلق. القلق والرجاء توأمان في سريرة هذا الذي يقفز في الهاوية بحثاً عن خلاص، عن البرق الخاطف الذي يستحيل الإمساك به.
منذ لقائنا الأخير في باريس، أي منذ سنوات طويلة، لم نعد نلتقي. بعض الشعراء والكتّاب، وهو واحد منهم، نلتقيهم في الكلمات التي يكتبونها، وهم فيها يعيشون أكثر من أيّ مكان آخر. بل إنّ الكلمات هي جسدهم الحيّ ووطنهم الحقيقي. إليها يهربون، وفيها يحلمون ويتوقون إلى الحرية.
النزِق والحانق، لكنّه الحانق على الحياة. العصَب والغضب. لكنه الغاضب من نفسه ويظن الآخرون أنه غاضب منهم. ينبجس ويتدفّق. كالماء المندفع يخترق التربة ويخرج منها.
لكن أين هي الابتسامة التي وجدناها، بالمصادفة، قرب الأجساد التي تشيخ والأعمار التي تمضي على غفلة منا؟ تلك الابتسامة لا تقول حقيقتها، بل حقيقة الجروح التي تختفي وراءها.
يد الشاعر مفتوحة أمامنا، وأمامنا البحر، هادئ ومنبسط، وفوقه النجوم، جميع النجوم بلا استثناء، تنظر إلينا وتُعَمّق حاجتنا إلى الصمت.

***

صباح العربية المتجدد

محمد علي فرحات

الأربعاء ١٩ فبراير ٢٠١٤

كتبتُ ذاتَ يوم وأكررُ اليوم أن شعر أنسي الحاج لا يتفيأ بل يؤسس الظلال.
«غاضبُ يوم الأحد» في «ملحق النهار» كان المعادل الأدبي لثورة شباب عمّت العالم ووصلت الى بلادنا. هو غاضب يوم الأحد، لا ثائره، لأن للبنان خصوصية تحبط وتجعل أي ثورة غير ممكنة، ولكن، في الشعر، يحدث أحياناً أن نثور وننجح، كما في قصيدة النثر العربية التي انعقدت ريادتها لأنسي الحاج ومن بعده لمحمد الماغوط، ليتواصل موكب الوارثين عن حق وغير حق.
فلنقطع حبل هذا الكلام:
وصلني خبر أنسي وأنا في السيارة بين صيدا وبيروت، الجبل الى يميني والبحر الى يساري. لا أرى ما خلف القمم ولا ما يخبئ أفق البحر. أنا اللبناني أمام جمال بلادي وأفخاخ هذا الجمال إلى محو شرقي أو محو غربي.
أستعيد الستينات وبعض السبعينات و «كلمات كلمات كلمات» عنوان المرحلة، وقبل الـ «كلمات» كان شعره يولد في أروقة معهد الحكمة حيث العربية الأرقى، وفي «النهار» متابعة للشأن الثقافي تغنيه، وفي «شعر» تأسيساً مع يوسف الخال وأدونيس.
قال لي مرة ان الحياة أولاً، وقد أوفى بذلك سيرة وكتابة، لأن نصه لاحق للحياة وهو رسالتُها لا نعيُها. شيء من العظمة في شخص هذا الشاعر مصحوب بشيء من الزهد. انها خلطة أنسي الخاصة وليس في الإمكان تقليدها ولو في الصين.
أنسي الحاج لغته. قطرات متجوهرة بضوء الشمس. كما لو أنك في البحر وتلقي بقبضة ماء عالياً. انظر إلى قطراتها وأقرأها قصيدةً.
لغته التي ترفرف مثل طير، التي تحيي موات الروح وإن كانت تتناول حجراً أو شجراً يابساً في أول الصحراء.
تطوير للغة أهل النهضة العربية، تطوير على طريقته والتقاط لغير المعروفين في النهضة وإهمال متعمد للمشهورين.
أنسي الحاج شاعر الخوف على لبنان، وإن لم يعلن، وهو شاعر الضجر من الخوف على لبنان حتى القول بعبثية السياسة، وصولاً إلى تمجيد ضحية السياسة، الإنسان.
وداعاً أيها الزاهد، نحيا بثروة تركتها ولا تنضب.

***

عنف فتيّ لا يساوم

أمجد ناصر

كل شاعر عربي حديث (أبعد من التفعيلة والنثر) فيه شيء من أنسي الحاج حتى وإن لم يقرأه. كنت أظن أن لا شيء فيَّ من أنسي الحاج الى أن تبيِّنت (أبعد من اللغة والموضوع) أنه موجود فيَّ.
انه موجود في عروق الموجة الجديدة للقصيدة العربية الحديثة من دون العودة، بالضرورة، الى «لن» أو «الرأس المقطوع»، ولا «الرسولة بشعرها الطويل حتى الينابيع».
لأن كلَّ تمرد، كلَّ التواء، كلَّ معصية، كل عجرفة، كل تواضع، كل تشبث بالحياة، كل عناق عنيف للموت يحيل، تقريباً، إلى ذلك الشاعر اللبناني الأكثر صمتاً وتوارياً من كل الرواد. ذلك الذي يبدأ كما العصاة الكبار، بـ «لن» ، وبـ «رأس مقطوع « ينتفض حياة ولعنة في آن، حتى وإن مال في نتاجه الأخير إلى دعوة الطائع والعاصي إلى الوليمة.
لو كُتِبَ شعر أنسي الحاج الآن لبدا غريباً وصادماً للذائقة العربية المفتونة بالبلاغة والفخفخة الإيقاعية فكيف وهو يأتينا من خمسة عقود خلت أو أكثر، بالقرب من «العمودي»، وفي ذروة الانخطاف بقشرة السياسة وسطح الفكرة المغيّرة.
ففي حين كان دعاة التغيير يغيّرون الخارج كان أنسي الحاج يعمل على تغيير الداخل. بل يفجّره. يضع ديناميته في الجذر وينسف بعنف وهذيان. عنف فتيٌّ متطاولٌ، عنف الذي يعمل ما يجهل، ولكنه يحدسه، على شكل التواءات وخضات، في أعماقه. أقصد هذه المقامرة الخطرة مع الكلمات والمعنى كأنها روليت روسي يرفع الدم كلّه إلى الصدغ.
عنف شعري لا يقبل المساومة. كل شيء أو لا شيء. تقرأ «لن» فتسمع الانفجارات تتوالى في رحم الكلمة والمعنى. تقرأ فيلتوي لسانك ويوجعك حنكك. ترمي الكتاب بعيداً، ثم تعود إليه مصاباً بعدوى الهدم. أي لغة ناشزة هذه؟ وأي معان مقلقة ومنحرفة؟ تقرأ فتنزعج بدل أن تقرأ فتسرُّ. لأنك تقرأ ما لا تألف. والألفة سرور وطمأنينة. لكن هذا شاعر لا يطمئنك ولا يعدك برحلة مضمونة.
هكذا بدا أنسي الحاج بـ «لن» و «الرأس المقطوع». فماذا تتوقع من شاعر يبدأ بهذين: النفي والعنف؟
غير أن النفي الجذري ليس بعيداً من النبوّة . ليست نبوة جبران.. المتصالحة، السلامية التي تَعِدُ النفس بالراحة والخلاص بل نبوّة المتنبي. ذلك الصائح المحكي العاصي والعاصف الذي رأى الجسد والأرض يضيقان بالفكرة الثائرة والكلمات بالمعنى المتفلّت، والنفس بالمراد المجهول. أو «نبوّة» صاحب «الكتاب» التي تذهب مع المتنبي في رحلة دانتية فنرى الدم والرؤوس المجندلة ونسمع الأنين يتصادى بين المطهر والجحيم الأرضيين، وما كنا نحسب «أن الموت طوى هذه الجموع».
من الغضب إلى عِرَافة «ماضي الأيام الآتية» يمضي أنسي الحاج، إلى أن تأتي الرسولة بشعرها الطويل حتى الينابيع فتحل النعمة محل النقمة، والبركة محل اللعنة والرجاء محل اليأس. فتصبح الحبيبة الوجه الآخر للتكوين.
الحبيبة هي التي تشْكُم عنف الفتى بشعر طويل حتى الينابيع، بحرير أنوثة كثيرة على رجل قادم من عنف الفأس فيرمي الفأس ويمشي وراء الرسولة ليتزيَّن بالغيرة على هذه الكثيرة، ثم ليتطهر من الغيرة بدعوة المنفيين إلى سلام المملكة..
تعالوا من أعماق اليأس ومشارف الصقيع (...) تعالوا المملكة مفتوحة ينادي أنسي الحاج منفيي الحب والرجاء الى الكنز.
الشاعر اللعين، العاصي، الغيور، المتطاول، شاعر الفأس والديناميت يرى ما يتلألأ في البعيد بعد الظمأ.
ليس السراب ما يلمع على وجه الصحراء. إنه الينبوع.
تأخرت الهدية يا أنسي الحاج.فالهدايا دائماً متأخرة. لأنها العيد.والعيد حلوى الانتظار.
أكتب هذه الكلمات وأجدُ أنسي الحاج يتسلل الى كلماتي. فلن تسلم من العدوى، عدو الحبّ، هذه المرة، وأنت تقرأ أنسي الحاج، أو تتحدث عنه.

***

_________________


حسن بلم
♪♫.. الادارة..♫♪
avatar
رسالة sms : سيرى ببطئ ياحياة
لكى أراك بكامل النقصان حولى
كم نسيتك فى خضمك
باحثا عنى وعنك
وكلما أدركت سرا منك
قلت بقسوة
مأجهلك!!!!
ذكر
عدد المساهمات : 10411
الاٍقامة : وراء الأفق حيث لاشئ سواى وحبيبتى
العمل : مهندس
نوسا البحر :
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
2014-02-20, 6:11 am
وجه يبقى من مرحلة انطوت

أمين معلوف

الأربعاء ١٩ فبراير ٢٠١٤

لقد أحزنني كثيراً خبر رحيل أنسي الحاج، الذي عرفته منذ زمن بعيد. عندما بدأت العمل في جريدة «النهار»، في بداية سبعينات القرن العشرين، كان أنسي الحاج يشغل منصب مدير تحرير، ووجدتُ أنّه لامتياز كبير لي أن أخطو خطواتي الأولى في هذه المهنة تحت رعاية شاعر كبير عرفته وعشقت أعماله الجريئة والمبتكرة.
في السنوات الأخيرة، لم أتمكن من لقائه في شكل دائم، ولكن حفظت دوماً ذكريات تلك الأيام الجميلة التي كان يبدو فيها كلّ شيء ممكناً بالنسبة إلى جيلنا، كما بالنسبة إلى وطننا. حينها لم يكن أيّ طموح مستبعد، وكانت الصحافة مزدهرة، والشعراء مبجلّين.
أنسي كان وسيظلّ وجهاً بارزاً من وجوه مرحلة سرعان ما انطوت.

***

مثل نسر يحلّق فوق القمم

حنان الشيخ

الأربعاء ١٩ فبراير ٢٠١٤

لنذهب يا أنسي إلى ساحة البرج حيث أشجار البلح والضجيج وبن عازار. أراك تنزل من سرفيس، أتعرَّف على لحيتك المميزة النادرة، وألحق بك، «أستاذ أنسي! أستاذ أنسي!» الأستاذ أنسي يحب الطلاب؛ خصص لهم صفحة في جريدة النهار يكتبون فيها ما يشاءون؛ وإذا تدخَّل قلمه، فلتصحيح النحو والصرف.
«اسرع يا أنسي واكتب لي جواباً على رسالتي»
«إقرئي كل ما يقع تحت يديك؛ القراءة كغزل البنات، كلما أكلتِ منه كلما طلبتِ المزيد».
«هات يا أنسي حبة «سان سان» (بنكهة السوس) - التي لا تفارق جيبك - «إني بحاجة لأن أرطِّب حلقي؛ فالذي أسمعه منك عجيب، إذ لم أكن أعرف أن الذكور أيضاً يخافون من «امرأة الأب»، وأنك كلما رغبت نفسُك في أكل الزيت والصعتر في منتصف الليل، اختبّأتَ مع الصحن تحت الطاولة»؛ وبدوري أردّ عليه بحكايتي مع الثلاجة - فكلما كنت أفتحها نهضت «امرأة أبي» من نومها العميق مسرعةً إلى المطبخ فأختبئ تحت الطاولة».
في زيارة لك إلى لندن، أردتُ أن آخذك لتشاهد تمثال بيتر بان Peter Pan، لكنك فضّلتَ أن ترى الذئب تحت السماء الرمادية والأرجاء الرَّماديّة في حديقة حيوان لندن؛ أردتَ أن ترى ذئباً وحيداً خارج وكره، تحدِّق به ويحدِّق بك وكأنّكما تعرفان بعضكما بعضاً، وتقول: «علّه حدس أني متوحِّدٌ مثله».
«لنْ» و «الرأس المقطوع» أصبحا مبدأ لحزب جديد في لبنان، انضمّ إليه كل من تفاعلوا معهما هاتفين أنهم وأخيراً، وجدوا بوصلة تهديهم إلى الطريق. يتزايد أعضاء الحزب وهم يقرأون مجلة «شعر»... يتكاثرون كلما نشرت مقالاً، كلَّما جلست في مقهى، كلما فضضت ما يصلك من رسائل القرّاء والكتّاب وشعراء العالم العربي، بل مع كل مشوار من بيتك إلى السرفيس ومن الجريدة إلى السرفيس، فقامت دولة الثقافة والفن والأدب والشعر في لبنان، واتَّسعت وامتدت إلى الكثير من أرجاء الوطن الكبير.
دولة رأس مالها الإنسان؛ دولة كل ما تملكه أقلام وأوراق وسهر الليالي الطويلة، وقبل هذا كله، الإيمان بأن لكل فرد الحق في العيش الحرِّ الكريم. ومن أجل تحقيق هذا المبدأ والحق الطبيعي الذي من المفروض أن نرثه كلون أعيننا، حملت القلم وكتبتَ، نثرت وشعرت، حتى تؤكد وجود حياة، لأنك أنت من أكَّد للأجيال بأن الصمت والخنوع هما الممات. عايشت هموم الناس وشاركتهم مشاكلهم واحتفالاتهم؛ وجابهت الظلم والاضطهاد بحياد الصوفي، وتطرّف العاقل، وعنف الصادق وشجاعة الفارس، وتهوّر الشباب وعبثيته، وبراءة الطفل، وسخرية المسنّ، وتمرّد العَلماني على العنصري والمتزمت ديناً وعقيدة.
أذكر كيف كان اللبنانيون ومنهم أبناء الأقليات الذين خذلتْهم الدولة بغيابها، يتوجهون إلى مكاتب النهار طالبين مقابلة المحامي والقاضي النزيه، أنسي الحاج. وفي اليوم التالي نقرأ دفاعاته عنهم وعن حقوقهم ولو بإشارة في مقال.
حلّق أنسي نسراً فوق قمم الجبال ليرى المشهد على الأرض بكل تفاصيله، بعينيه الحادّتين، لينقضّ مثله ليحقق ما يستطيع من العدل للمواطن اللبناني أحياناً، ولزملائه أحياناً، في لبنان تارةً وخارجه تارة. كنت دائماً يا أنسي، تخشى الهيمنة، وظلم التقاليد، وتنفر من التزمت والتأخر، وأردت أن تكون شاهداً على عصرك بينما عيناك على المستقبل. كنت تبتهل للسماء أن تُمطر حتى تتوقّف الحرب، ثمّ تصلّي مرة أخرى كي تضع الحرب أوزارها لأننا كما كتبت مرَّةً لا نتقن حتى فن الحرب. في أحيان قليلة كنتُ أشعر أن اليأس تسلَّل إلى قلبك. ويظهر ذلك في أكثر من مقال لك. لكنّك لم تكن لتنسحب أو تنزوي، بل زاد تمرّدك وتصاعد تحريضك، لتكتشف ونحن معك، أن التمرّد يجري في عروقك، بل هو فصيلة دمك؛ وسرعان ما تعود أقوى وأكثر عناداً في طرح قضايا أهم وأكثر تعقيداً.
«ماذا صنعت بالذهب، ماذا فعلتَ بالوردة»! البذور يا أنسي تبقى حيَّةً داخل مياسم الورد اليابس، لتنبت وتتفتح ورداً جورياً مرة أخرى. كلماتك كانت الهواء والفراشات والنحل، تهبّ وتقلع وتهبط وتلقح. وكأنك سطّرت كلماتك بماء الذهب فاستحق عصرك اسم «العصر الذهبي».
أردتُ أن أصطحبك في لندن إلى تمثال بيتر بان، الصبي الشقيّ الذي يحلِّق في الهواء، ولا يكبر أبداً. إلى تمثالك أنت يا أنسي، فدهشتُه التي أبقت عليه صبياً كدهشة الشاعر أمام الجمال والحب والمغامرة.

الحياة- الأربعاء ١٩ فبراير ٢٠١٤

****

رحيل الشاعر الأنقى أنسي الحاج

أنسي الحاج (أرشيف "السفير")

أنسي الحاج رحل الشاعر الأنقى أنسي الحاج، واحد من الكبار الذين أسسوا قصيدة النثر العربية. هو الذي آثر العزلة والوحدة في منزله وحتى في مكتبه، ونأى بعيداً عن المهرجانات والاحتفالات والمناسبات والعلاقات الاجتماعية، استطاع أن يؤثر بشعره المسافر عبر الصحف والكتب، ثم عبر وسائل التواصل الجديدة، إلى كل العالم، فكان له مريدون في لبنان والعالم العربي، يتابعون قصائده وكتاباته وأنفاسه بلهفة...
كانت قصائده المبكرة، التي نشرت في "لن"، تنذر بولادة شاعر متميز وغريب و"شيطان"، يشاغب على الشعر الموزون، بجملة شعرية متشظية ونزقة وجارحة ومتفاعلة مع حس حداثي جديد، قصيدة ولدت مع اختمار الحداثة وتفتح ما بعدها،فكان الشاعر العربي الجديد بامتياز. الفرق بين أنسي الحاج وشعراء مجلة "شعر"، أنه بدأ تجربته الشعرية بقصيدة النثر بخلاف سواه. لذا قال عنه أدونيس "هو الأنقى بيننا". وكان الأنقى أيضاً بتعففه وابتعاده عن البطولات الشعرية وعن الاستعراض، وعن استثمار كونه شاعراً كبيراً، فلم يجنِ من شهرته مالاً ولا جاهاً، لكنه ولد شاعراً متميزاً لم يستطع شعراء شباب عرب بعده أن يكونوا مثله أو بمستوى ما قدمه في تجربته الشعرية الشبابية. واستمر أنسي الحاج شاعراً متميزاً وحاضراً وفاعلاً بقوة.
هنا نبذة مفصلة:

أنسي الحاج

- مواليد قيتولي 27 تموز 1937.
- والده لويس الحاج (1907 - 1995) رئيس التحرير السابق لصحيفة "النهار"
- والدته: ماري عقل (توفيت حين كان في السابعة) فتزوج والده مرة ثانية من أليس حنا نمور.
- تزوج عام 1957 من ليلى ضو ورزقا ندى ولويس.
- تلقى دروسه في مدرسة الحكمة والليسيه الفرنسية.
- بدأ يكتب وينشر مقالات وقصصاً قصيرة وهو على مقاعد الدراسة.
- عام 1956، وكان يعمل في جريدة "الحياة"، كتب مقالة في الصفحة الثقافية عن الأدب العربي، أثار النقمة والغضب عليه من رجال الدين واتهم بالشعوبية. انتقل بعدها إلى جريدة "النهار" وتولى رئاسة القسم الثقافي.
- عام 1957 التقى يوسف الخال وأسهم معـه في مجلـة "شعـر" وظهـرت لـه في الأعـداد الأولـى كتابـات نقديـة فقـط، ولم يبدأ بنشر قصائده إلا عام 1959.
- عام 1960 أصدر مجموعته الشعرية الأولى "لن" عن دار مجلة "شعر" مع مقدمة كتبها عن قصيدة النثر خصوصاً وعن الشعر عموماً. أثارت "لن" والمقدمة حرباً أدبية اشترك فيها العديد من الشعراء والكتاب في لبنان والعالم العربي.
- عام 1963 صدرت له مجموعة "الرأس المقطوع" عن دار مجلة "شعر".
-عام 1964 أصدر الملحق الأسبوعي لجريدة "النهار" وظل يصدره زهاء عشر سنوات.
- عام 1965 أصدر مجموعة "ماضي الأيام الآتية" عن "المكتبة العصرية".
- عام 1970 صدرت له مجموعة: "ماذا صنعت بالذهب ماذا فعلت بالوردة؟" عن "دار النهار".
- عام 1975 أصدر "الرسولة بشعرها الطويل حتى الينابيع" عن "دار النهار".
- لم ينشر شيئاً أثناء الحرب الأهلية في لبنان، لكنه تابع الكتابة وكان يوقع باسم "سراب العارف"، وعاش أقسى أنواع الوحدة والصمت.
- اكتشف المدرسة السوريالية في أواخر الخمسينيات، بعد أن قرأ قصتها في كتاب لموريس نادو. لكنه لم يصبح سوريالياً.
- أمضى في باريس أربع سنوات (1977 - 1981) فرضتها عليه ظروف عمله. ولم يحاول في أثناء تلك الفترة أن يعقد أية علاقة أدبية أو اجتماعية.
- محب للعزلة والانفراد. لا يلبي دعوة إلى مهرجان ولا إلى ندوة، ولا إلى أمسية شعرية، ولا إلى مجرد لقاء. وهو إلى ذلك فقير لا يملك شيئاً من متاع الدنيا غير شقة بحرية مساحتها ثلاثون متراً مربعاً، اشتراها بالتقسيط أواخر السبعينات وعلى مدى سنتين. وليس عنده سيارة وبيته بالإيجار، وهو ذاته منذ أربعين سنة، بلا مصعد ولا ملجأ ومساحته 110 أو 115 متراً مربعاً.
- ساهم في إطلاق الحركة المسرحية الطليعية في لبنان، عن طريق الترجمة والاقتباس، فترجم مسرحية "كوميديا الأغلاط" لشكسبير، ومسرحية "الملك يموت" لأوجين يونسكو، كما ترجم "العادلون" لألبير كامو، و"القاعدة والاستثناء" لبرشت، و "نبع القديسين" و"رومولوس الكبير" لدورنمان و"الآنسة جوليا" لسترندبرغ. ترجم كتاب "كفاحي" لأدولف هتلر.
- عام 1988 جمع مقالاته التي كتبها في الصفحة الأخيرة من "ملحق النهار" تحت عنوان "كلمات كلمات كلمات"، وأصدرها في ثلاثة مجلدات عن دار "النهار" .
- عام 1991 أصدر كتابه "خواتم" عن شركة رياض الريس للنشر، وهو عبارة عن نثريات شعرية وفكرية واظب على كتابتها في مجلة "الناقد".
- عام 1994 أصدر مجموعة "الوليمة" عن شركة رياض الريس.
- عين رئيساً للتحرير في جريدة "النهار" بعد وفاة والده في 19/3/1995.
- في 26 تشرين الثاني 1998 اقيمت له ندوة تكريمية في مسرح المدينة ببيروت لمناسبة صدور كتابه "الأبد الطيار" باللغة الفرنسية في باريس.
- في 17/12/1998 قرأ بعضاً من قصائده في معهد العالم العربي في باريس.
- استدعي إلى التحقيق القضائي بعد نشر مقالة في "النهار" للمقدم المتقاعد عدنان شعبان تعرض فيها لأجهزة الأمن السورية واللبنانية.
أقيل من جريدة "النهار" في تشرين الأول 2003.
- عام 2007 صدرت كتبه في طبعة شعبية في ثلاثة مجلدات ضمن سلسلة "الأعمال الكاملة" عن "هيئة قصور الثقافة" في القاهرة. ضم الأول: "لن" و"الرأس المقطوع" و"ماضي الأيام الآتية" والثاني: "ماذا صنعت بالذهب ماذا فعلت بالوردة" و"الرسولة بشعرها الطويل حتى الينابيع" و"الوليمة" فيما حوى الثالث "خواتم" بجزئيه.
- كتب في جريدة "الأخبار" صفحة أسبوعية تحت عنوان "خواتم 3" تنشر كل سبت.
توفي في 18 شباط 2014 بمرض عضال.

***

كبير السحرة

أحمد بزّون

تاريخ المقال: 18-02-2014 01:49 AM

أنسي الحاجهو فيلسوف وفنان ورسام وشاعر وقاص وباحث ومؤرخ... كل تلك الصفات دفعة واحدة، لكنها لم تكن بمجملها صفات ممتلئة، فالمبدع الإيفواري الأفريقي، فريدريك برولى بوابريه، الذي توفي من أيام في عاصمة شاطئ العاج "أبيدجان"، لم يكن فيلسوفاً على هيئة فلاسفة الشرق والغرب، ولا فناناً يعتنق مدرسة أو أطلق تياراً تشكيلياً، ولا واحداً من شعراء الحداثة الكبار في العالم، ولا باحثاً عالمياً أو قاصاً يمخر عباب تقنيات القص المعاصر... لكنه مع ذلك كان "الرجل الذي لا ينسى". كيف كان ذلك؟
ربما لم يُحدث الرجل تحولاً في العالم، إنما كان نبي قومه، وساحرهم وملهمهم، كونه أخرج شخصية "بيتي" القومية الأفريقية إلى الحياة، بعدما كانت شبه مطموسة، أخرجها من النسيان والذوبان إلى العلن، فهي تَعِدُّ قرابة 600 ألف نسمة. ولهذا السبب كان الاهتمام الدولي به، إذ كثيراً ما كانت منظمة اليونيسكو تبذل جهداً في إحياء اللغات القومية للشعوب الصغيرة وترميمها وصرف أموال في سبيل هذا الهدف، ليتسنى للعالم أن يتعرف على تاريخها وثقافاتها، فإن المبدع الراحل عن 93 عاماً استطاع أن يقوم وحده بهذه المهمة، فاخترع أبجدية للغة "بيتي" المحكية، تتألف من 448 إشارة، تؤلف كل منها مقطعاً. مع ذلك اعتبرت لغة "بيتي" سهلة وتصويرية، مشغولة بأسلوب قريب من الهيروغليفية، وقد استلهم مؤسسها هذه الأبجدية من الرسوم التي رآها على الصخور. ثم رسم العديد من اللوحات التي تبدو كأنها تؤرخ بالأشكال البصرية لهذا الشعب. وبعد ذلك كتب القصص بهذه اللغة، وأرّخ لقومه وعاداتهم وتقاليدهم.
لم يكن بوابريه فناناً تشكيلياً يخوض غمار التجارب اللونية أكثر مما كان فناناً غرافيكياً، وقد تأخر حتى اعترف به العالم فناناً، ثم هو انتظر حتى حطت الحرب العالمية الثانية أوزارها، وأنهى خدمته في بحرية المستعمر الفرنسي، فكان معرضه الأول خارج بلاده عام 1989 في برلين، قبل أن ينطلق إلى مدن وعواصم أخرى مثل لندن وباريس، وشارك في بينالي فينيسيا وسيدنى وساو باولو واسطنبول وموسكو، وكان آخر معارضه قبل عامين في أبيدجان.
لم يكن بوابريه بعيداً عن فكرة النبوة، فهو كان يعتبره الجميع أشبه بالمنقذ، الذي انتشل قومه من الضياع، ورسم حدوده التاريخية والثقافية. بل قيل إنه ما قام بكل مهامه الجليلة لرفع اسم "بيتي" إلا بعد أن سقط عليه وحي أو ألهم تلك المهمة الجليلة. وهو قال إن أفكاره ولدت عام 1948، حين "انفتحت السماء أمام عينيّ ورسمت سبع شموس ملونة دائرة من الجمال حول الشمس الأم، فأصبحت الرجل الذي لا ينسى". وليس غريباً عن أفريقيا الفضاء الممتلئ بالروحانيات والخرافات والسحر، حتى أن المعرض الأول الذي خرج به بوابريه إلى العالم حمل عنوان " أرض السحرة". وهو في النتيجة لم يكن أمام شعبه إلا كبير السحرة

تاريخ المقال: 18-02-2014 03:16 PM

*****

الشاعر والوحش

عن "أ.ف.ب"- "النهار"

الياس الديري

أنسي الحاج بيني وبينك أنسي، قهرني رحيلك. وزرع في نفسي حزناً قاسياً كحدّ السيف. وحين غمَرتُك للمرّة الأخيرة وطبعتُ على جبينك العالي قبلة، أظنّك سمعتني أهجو ذلك الوحش الذي غدَرك، وجعلَك تُبكّر في الرحيل، وكنا لا نزال نفكّر في ما يلي في هذه الدنيا الفانية، وفي هذا الهجير الصحراوي، وسط ضحالة مريعة.
يا رفيق الزمن الجميل، يا صديق الأيام الصعبة، ستسامحني لأنني لست الآن في وارد الحديث عن الشاعر المُتمرّد، والكاتب المُبدع، والظاهرة التي شكَّلْت نجمتها وأنت في أول الطريق مع ذقن وشاربين وشعر طويل وصوت يرنّ مثل النحاس، وصيت لعنترة الكلمة سبق صيت عنترة السيف.
ولا عن ذلك الأبيّ الأنوف الأنيق الجميل الذي كُنتَه وحافظتَ عليه وعلى خصاله كلها، حتى خلال صراعك ونِزالك مع ذلك الوحش. فغلَبتَه مرّة، ثم مرّتين. ثم ضقت ذرعاً به.
همّي الآن، كل ما أرغب فيه وأودّه الآن أن أحكي مع أنسي. أُنسي ورسولاته بشعور طويلة حتى الينابيع. وبعشق تهتف له الأمكنة والليالي والصباحات، من سوق الطويلة إلى شارع الحمراء إلى باريس إلى الحمراء ثانية. فإلى الوحدة الصارمة الشروط. إلى الغربة التي لم نستفق منها إلا بعد اندثار كل الأوهام وكل ما ضحكنا له ضحك طفلين معاً، وكل ما طرّزناه على الأوراق والصفحات والجدران، وبشتى الألوان والألحان.
ثم إلى أمّنا الخالدة في نفوسنا وأجسادنا وأقلامنا وكلماتنا، السيّدة الأولى التي تختصر حركة الدوران للزمن والفصول والأعمار، والتي تُدعى "النهار".
لا أدري كيف حملت حالي بعد عودتي من وداعك، وسرت في اتجاه المكان الذي كان يقيم فيه مقهى "لاروندا"، حيث كنا نتجمّع لننطلق صوب مطعم مروش لنملأ بطوننا فولاً مدمّساً. غير أنني لم أهتدِ إلى معالم ذلك المكان. فزعلت، ويمّمت وجهي صوب سوق الطويلة حيث كانت تجثو تلك القرميدة التي استضافت "النهار" ردحاً من البدايات الصاخبة، وحيث كان مكتبك يلاصق مكتبي، فلم أجد معْلَماً واحداً من زمننا.
أين ذلك السلّم الطويل بدَرَجاته التي كانت تقاصصنا في الصعود والهبوط؟ كأن كل شيء تحوّل ذكريات من الأطلال.
لن يكون من السهل بَعْثرة كل هذه السنوات التي أمضيناها معاً، وبمرّها قبل حلوها. ولكن حتى المرّ منها كان يُضحكنا، ويدفعُنا إلى المزيد من العطاء والتضحية والمضيّ قُدماً في بحر هذه المهنة العاقّة الذي لا قرار له.
بل سيكون من الصعب والمستحيل معاً تصوّر أية نهضة فكريّة أدبيّة شعرية نثريّة، ما دام أنسي الحاج قد طوى جناح المغامرة والمنازلة ومضى، إنما على مضَض. وبغير رغبة منه، بل بحسرة وغضب.
لقد كان عنده الكثير ليقوله ويكتبه ويترنّم به، ويجعله يشعرنا بأن الدنيا، دنيانا على الأقل، لم تصبح ظلاماً كلها، ما دام أنسي الحاج لا يزال شاهراً قلمه، وشاهراً ضحكته التي تنشر الفرح على مسافات بعيدة.
لكن الوحش أبى إلا أن يغدره. وأبى إلا أن يزرع في قلوب البقيّة الباقية من إلأنقياء هاتيك الغصة التي لا تختلف عن الجمر.
حين تناولت قلم "البيك" لأحكي معك كتابةً، وجدتك تحضر بكل ما في أرجائك من هديل وهدير وغضب وسخرية وحب وشجاعة وثورة ورقّة، لأنك تعرف أن ما من رفيق آخر، استطعت الاهتداء إليه بعد نأيك وانحساري.
أحبّك أنسي، وسأظلّ أتفقّد أماكننا المفقودة إلى أن تتعب الشيخوخة من الضجر والفراغ.

*****

شعراء شبان يتحدثون لـ"النهار" عن أنسي الحاج الحرّ المتمرد المعلم

(من ارشيف "النهار") - "النهار"
18 شباط 2014 الساعة 20:56

فاطمة عبدالله

أنسي الحاج يُمكن لإستراحة أنسي الحاج ألا تُشبه استراحة الشمس هذا المساء. ألا تُشبه شيئاً يُحَسّ، أو تتداوله الأيدي. كالنسيم وهو يلفح مَن يشعر بالاختناق، أو عصفور يأوي الى عشّه ويرجئ الى الغد زقزقته. نُدرك ان الرجل عذّبه المرض. مرضُ ان يحتمل الانسان الأرض ويُذعن للعيش بين التفاصيل. أفدنا نحن من استراحته، إذ جعلنا نحتاج ان نحزن. ان نحتضن خيالاً أو قصيدة. ونكتب عنا بينما ندّعي ان الموت ملاذُ التوّاق الى سكينة، وان الحياة تستمر، فيما نحن في حاجة ماسة الى البكاء رفضاً لهذا الفراق. كنا نرجو للجمال ألا يرحل، أقله في هذا الزمن. لكنه يخذلنا.
ذلك قد لا يليق بنا ان نعرّض جمال أنسي الحاج لامتحان الرثاء. ما نريده من شعراء جيل شاب، حضوره فيهم، بعدما شكّل أخيراً في وجدانهم نزعة سهّل "فايسبوك" التعبير عنها. نسأل ألفراد الخوري، لوركا سبيتي، فوزي يمين، جنى الحسن، وزهرة مروة عن معرفتهم به وتأثيره فيهم. تندفع الصور ليكتمل التجلي، وإنما للقدرة ان تخون المرء أحياناً، فيتلعثم، ويخرج القليل مقارنة بالرجل المُحتَفى بصعوده الى العلياء، الغافي مثل طفل في جوار أمّ أوصته ان يكبر على مهل.

لم أشأ أن أعرفه
رآه الشاعر ألفراد الخوري، مرة، منذ سنوات عدة، قبل عيد الميلاد بيومَين أو ثلاثة، داخلاً إلى مجمّع الـ"ABC" من الباب الخلفي. "كان الليل في الخارج، دافئاً وغريباً، وكانت تصحبه صبيّةٌ بيضاء متوسطة القدّ". أخبِرنا عن اللقاء وكأنه الآن: "الصورُ تتلاطم في رأسي، ولا أستطيع. كان لرؤيته وقعُ ظهورٍ عجائبي، من الصنف النادر والحاسم، مع كلّ ما يستتبع ذلك من ارتباكٍ وذهول!".
يُكمل: "وقفنا عند الباب. "أنا بحبّك كتير، مغروم فيك،" قلتُ له. ضحك وقال، "أنا بشكرك، رْفَعْتلِّي معنويّاتي". لوّنني الخجل. لا أعرف ماذا قلنا. ضحكنا. صافحته. واختفى. بعدها، رأيته مراراً أمام منزله في الأشرفية، قرب دير اللعازارية. ومرةً، ذات مساء غريب، مجتازاً مدخل بناية "الكونكورد" في الحمراء، ببدلته الكحليّة ورأسه المردود إلى الخلف".
لم يشأ يوماً أن يعرفه، يُتابع: "حتّى عندما همّزنا، أنا وبعض الأصدقاء، لزيارته ودعوته إلى إهدن حيث ننظّم معرضاً للكتاب كلّ صيف، لم أشأ أن أذهب". أدمَنَ "خواتم" نهارات السبت على مدى سنوات، ولا يزال يحتفظ بسبوت "الأخبار" كلّها تقريباً، "مشقوعةً يلفّها الغبار والشغف". ويذكر الأيام التي لم يكتب فيها. "الأسابيع الأخيرة من حزيران عام 2008، مثلاً. كان يأخذ عطلته السنوية في هذه الفترة من كلّ عام". يُخبرنا بأي حدة وعنف وقعتْ عليه الجملتان اللتان تفتتحان مجموعة "الرأس المقطوع": "ذهبَ غرابٌ/ يحوّم فوق المسك الممضوغ والأجناس المطفأة./ أشعل الغلامُ المطلُّ لفافة الاستمناء الكبيرة"."لا أزال أذكر معلّمة اللغة الفرنسيّة تقرأ نصّ "أين كنتَ يا سيّدي في الحرب؟"، مترجَماً إلى الفرنسية طبعاً! لا أزال أذكر افتتاح معرض الرسام الراحل بيار فرشخ في إهدن بدايات صيف 2012. يومها قالوا لنا سيأتي. انتظرناه. لكنّه لم يأتِ. عرفتُ أنّه لن يأتي. وانتظرته. لم أشأ أن أعرفه يوماً. فقد كنت ألاقيه هناك، في المدى الليلكي، في تلك اللحظة المخطوفة، "قبل أن ينام وقبل أن نستيقظ".

العفوي الخائن زوجته
كان العام 2002 حين تعرّفت اليه الشاعرة لوركا سبيتي في "النهار". تساءلت: "من أنا لأستحق كلماته؟"، إذ وجدته يُشجعّها على المزيد من القصائد المُستفزّة، مقدّماً اليها فرصة نشر بعضها، فيما هي المُبتدئة الباحثة عن فُرص. "أحَبّ شعري"، تقول، "ولا سيما تناولي الموضوعات الجريئة". حظيت سبيتي، ضمن برنامجها "صوت الشعب" على لقاء شامل وإياه في 2012. "بدا الأمر مغايراً للمُتوقَع، فلم نتكلّم في الشعر". أخرجتْهُ من اطار قصائده، الى اليتيم الذي فقد أمه، والوحيد في مرحلة المُراهقة. "خالجه شعور بالراحة بينما يتحدّث. أخبرني عن زوجة أبيه، وعنه العاشق زوجته حتى النهاية، لكنه برغم العشق خانها، ولم يتوان عن ذكر ذلك. لمسَت عفويته وهو يتفوّق في الحوار. يا له من انسان جميل، جماله في ذاته قبل ان يكتُب. لم تُخبرنا قصائده ما أردنا معرفته عنه".

لامع متمرّد شكّاك كأوغسطين
وكأنه يغفو الآن، وبعد برهة سينهض حاملاً "خواتمه" الينا. الشعراء أيضاً موتهم مُتوقّع، وليس قول الشاعر فوزي يمّين انهم "يتركون كتبهم عذابات لنا"، إلا وصفاً رائعاً. انسحب تأثره به على تحصيله العلمي، فأعدّ عن "لن" و"الرأس المقطوع" رسالة الديبلوم، وعن كتب أخرى رسالة الدكتوراه. يراه شاعر "الطريق الصعبة". انطلق من مخاض الشعر وصولاً الى الخير، ولم ينطلق يوماً من مسلمات. "عشقته كونه شاعراً تمرّد على ارث الماضي ونال الحرية بكل تناقضاتها". التقاه مرتين، وظلّ يُفضّل التعلّق به عبر شعره. يُشبّهه بالقديس أوغسطين، "الشكّاك الرافض للسائد"، ويُخبرنا كم من الليالي أمضاها في صباه يقرأ شعره لأصدقائه. يصفه بالقادر على الحاق السحر بمن حوله، بالحرّ الهدّام اللامع. وليبقى حضوره مُجسَّداً خارج القصيدة ومقاعد الجامعة، أطلق اسمه على ابنه عشقاً وتيمناً.

العارف بالشخصية من الاسم وتاريخ الميلاد!
أهدته الكاتبة جنى الحسن روايتها "أنا هي والأخريات"، ولم تتوقع ان يذكرها في كتاباته، ويشجّع صاحبتها "بكثير من التواضع، كأنني وإياه أصدقاء من قبل". تُسميه "بريئاً"، كـ"الأطفال وهم يُدهشون بما تلمحه العين". راح يتقدّم في السنّ وهو لا ينفكّ يتكلم على أشياء تذهله. تجد فيه ما يُشبهها، "ففي شعره أحاسيس ندركها من دون ان نجرؤ أحياناً على الافصاح عنها". تتذكّر حين التقته، ورآها شابة فاستغرب لمسة كآبة في كتاباتها. احتجّ: "بعدا الحياة قدّامك". نلمح في صوتها غصّة، فالراحل باغته المرض باكراً، ولو لم يفعل لكان سيُكمل بكتاباته ان يُجمّلنا. "مرة، حين التقيا، سألني عن تاريخ ميلادي، وراح يُجري حسابات لكشف شخصيتي. بدا خفيف الظلّ، عصياً على العُمر. كانت معرفتي به قبل عام ونصف العام سبباً لأذرف الكثير من الدمع الآن".

"نلتقي"
هل علينا ان نُصدّق انه رحل الآن، وألا ننتظر جديده فجر كل سبت؟ يبدو كذلك. لم تكن الشاعرة زهرة مروة واثقة من لقاء آخر سيجمعها به. التقته يوماً في "الأخبار"، وحين همّت بوداعه، وقفت على باب مكتبه مُترددة أمام الانصراف، وقالت: "نلتقي"، من دون ان تُذعن لاحتمال لقاء آخر. ثم التقيا ثانية، وكان بينهما أحاديث عبر الهاتف، منها لتقويم القصائد، ومنها "ليُهدّئ من روعي أنا الفتاة القلقة". طالما فاجأها بروحه الشابة، وتشجيعه الشعراء الجدد: "نقّح عدداً من قصائدي ومزق عدداً منها أيضاً. شعرتُ أحياناً انه يفهم مغزى قصائدي أكثر مني. لقاءاتنا المتكررة حضّتني على تطوير نفسي وأغنتني ثقافياً. اننا شعراء هذا الجيل مدينون له كونه شكّل لكتاباتنا أباً روحياً. أكاد أنهار أمام رحيله".

النهار- 18 شباط 2014 الساعة 20:24

********

أنسي الحاج... شاعر الوردة والذهب لن يكون بيننا

أنسي الحاجأنسي الحاج شاعر قصيدة النثر الأشهر، وصاحب البيان النظري الأول لها في مقدمة ديوانه {لن} (1960). لا أدري الآن ماذا يمكننا أن نقوله عنه، وهل ثمة ضرورة أو جدوى من الكتابة عن الغياب والرحيل، ما دام صاحب العلاقة رحل وترك نصوصه. هل نصوصه تحمل سره في الغياب؟ في كل مرة يرحل شاعر أو فنان، أو لنقل إنه وهو على حافة الموت، نسارع إلى تدوين المقالات العجاف التي لا تنتهي... روتين فرضته الميديا علينا، ولا نحسن تغييره.

محمد الحجيري

جواباً عن سؤال حول كيف يوجز مسيرته، وجهّته إليه مجلة {كتابات معاصرة} (العدد 38، أغسطس- سبتمبر 1999) قال أنسي الحاج: {غالباً ما سردت الحكاية ذاتها. لا أعتقد أن ذلك يهم أحداً. أندم أكثر مما أفعل ولم أفعل إلا في غفلة من نفسي. وعندما لم يكن أحد يسألني رأيي في الأمور، كالحب والموت، قلت الحقيقة، ولم أعد أقولها دائماً حين صار هناك من يسألني}. ولد أنسي الحاج عام 1937، والده الصحافي الشهير لويس الحاج، كان كاتباً في مجلة {الآمالي}، ثم {المكشوف}، ورفيق درب كل من عمر فاخوري، صلاح لبكي، سعيد عقل، يوسف السودا، توفيق يوسف عواد وغيرهم الكثير.
توفيت أمه وهو في السابعة من عمره بداء السرطان، تاركة له إحساساً عميقاً بالذنب وأربعة أخوة... وحين تزوج والده مجدداً صار له أخوة آخرون لا يعرفهم. تعلّم في مدرسة الليسيه الفرنسية في لبنان ثم في معهد الحكمة. بدأ ينشر قصصاً قصيرة وأبحاثاً وقصائد منذ 1954 في المجلاّت الأدبية وهو على مقاعد الدراسة الثانوية. ولم تنشر له قصائد، لا سيما نثرية، إلا مع أواخر 1957؛ وهي السنة التي شهدت تأسيسه مع بعض زملائه؛ من أمثال يوسف الخال وأدونيس وشوقي أبي شقرا وفؤاد رفقة، مجلة {شعر} في ظل مناخ ثقافي ليبرالي حر، وشكلت هذه المجلة بترجماتها وطموحات روادها صدمة في الوعي الثقافي العربي.
كان الجمهور العربي معتاداً على الشعر الوزني الخطابي الإيقاعي والتفعيلي والنغمي والنمطي المتوارث، حين أتى فريق من الشعراء يقول رأياً مختلفاً ومغايراً في بناء القصيدة وشكلها مصدره وليس التراث العربي بل التنظيرات الأوروبية، بل مصدره اللغة الفرنسية القائمة على الانتهاكات لا المقدسات كما حال العربية. وشكَّل اطلاع شعراء مجلة {شعر} على كتاب الشاعرة والمنظرة الفرنسية سوزان برنار الموسوم بـ{قصيدة النثر من بودلير إلى أيامنا} نقطة انطلاق هؤلاء في استعمال مصطلح {قصيدة ‏النثر}، بل تحول الكتاب أقنوماً يحدد معيار قصيدة النثر كأنه وزن لها.
وعلاوة على تأثره بهذا الكتاب، ‏وإفادته منه، فقد تأثر أنسي بشعر وشعراء أوروبيين آخرين؛ كما صرح بذلك في حوار أجري معه، ونشر في ‏صحيفة {الحياة} اللبنانية. كان ثمة عداء صارم للتراث العربي وولاء للتراث الغربي لدى الحاج، وكرس العداء في مقدمة كتابه {لن}، وهو استدرك لاحقاً أنه لو أعاد كتابة المقدمة لكان أكثر طراوة. ويقول في مكان آخر: {عندما أعود إلى المرحلة التي كتبتُ فيها {لن} نهايةَ الخمسينيات، كانَ هاجسي الأساسي أن أقول أكبرَ قدرٍ ممكنٍ من الحقيقة التي عشتها وغصت فيها. لم أُردِ التزيين، أردتُ شعر التجربة الحيّة الحقيقية التي أعيشها. لم أُردِ التوصيف ولا صناعة الجمال، فكانت الكتابةُ كيانية. فحتى اليوم ما زالت هناك أمورٌ مُغلقةٌ في {لن}، وقصدتُ إغلاقها، وأعرفُ تماماً لِمَ أغلقتها؛ فهي مرعبة جدًّا، إذ وضعتُ الكوابيس كلّها وبعض التنبؤات... إلخ، بقالبٍ غامضٍ عن عمدٍ، لا لأنّني لا أعرف كيف أقوله. غيرُ ذلك تصبحُ الكتابةُ الأدبيّةُ بلاغاً}.

{لن}

أنسي الحاج ليس النبع الأول لقصيدة النثر العربية، فقد كتب قصيدة النثر قبله كل من سليمان عواد وتوفيق صايغ وآخرون، إلا أن إبداعه وتنظيره النقدي في هذا الإطار كانا ‏متميزين؛ ذلك بأنه أول من أصدر مجموعة شعرية تجرأ على وسم نصوصها بـ{قصائد النثر}. يقول عن تجربته الشعرية في ‏المجموعة المذكورة: {تجربة {لن} كانت صادمة بالمحتوى مثلما كانت بالشكل. الصدمتان متداخلتان. {لن} أول ‏كتاب يسمي نفسه {قصائد نثر}، لكنه ليس أول كتاب من نوعه... ثمة أدباء عرب كثيرون عالجوا الكتابة الشعرية ‏نثراً، لكنهم أطلقوا على نتاجهم مسميات مبهمة؛ كالقطع الوجدانية، أو الشذرات الفلسفية، أو النفحات الشعرية... ‏إلخ، من هؤلاء: أمين الريحاني، وجبران خليل جبران، ومي زيادة... تجربتي كانت بمثابة تأسيس نوع معلن ‏وشرعي. على صعيد المضمون لا أذكره إلا أنني أذكر دراسة خالدة سعيد عن {لن}. ثمة مقالات تحتضن كالأم. هذه ‏منها. لولا برهان الزمن لقلت: لولا دراسة خالدة سعيد لما كانت {لن}...}.
لا شك في أن الكتاب تحول {أقنوماً} بالنسبة إلى كثيرين بدءاً من عنوانه مروراً بلغته وزمن وصاحبه، وكان الديوان مشروعاً فردياً وبياناً شعرياً استتبعه الحاج بديواني {الرأس المقطوع و{ماضي الأيام الآتية}، واعتبر بعدهما {إبليس الحداثة}. لكن الحاج يبدو أنه تعثر في استكمال تلك التجربة أو ذلك المشروع، توقف عن كتابة قصائد تقوم على الانتهاكات ولجأ إلى تدوين قصائد فيها نفحة مقدسة وإنجيلية ومسيحانية وهي التجربة التي حظيت باهتمام شعبي أكثر من تجربته السابقة ربما لأنها تخاطب الوجدان على عكس تجربة {لن} التي يخاطب فيها الشاعر ذاته وقلقه وتوتره، وأقصد بالتجربة الجديدة {الرسولة بشعرها الطويل حتى الينابيع} الذي قال عنه الشاعر سعيد عقل إنه {كتاب الحب الذي سيقرأه الجيل على أنه كتابه. الحب، فيه، مغنّى كما ولا أجمل، ومغنّاة فيه قيم تنبع منه فتزيده توهجاً ومعمارية. ونتذكر أن قلم أنسي، الذي من نار، هو معماريّنا الأمثل}. وثمة كتاب آخر للحاج على المنوال نفسه وهو {ماذا صنعت بالذهب ماذا فعلت بالوردة؟}.
وكانت للحاج تجربة مختلفة في كتاب ملحق {النهار}، حيث كتب مقالات كثيرة تتميز بذائقة نثرية فريدة، صارت علامة من علامات الكتابة الصحفية الأدبية، وجمعها الحاج في كتاب {كلمات، كلمات، كلمات}. وصمت خلال الحرب، كان له موقف هو الصمت، إلى أن صدرت مجلة {الناقد} عن دار {رياض الريس} في بيروت في نهاية الثمانينيات، فبدأ كتابة مقالات فلسفية وجدانية شعرية شذرية تحت عنوان {خواتم}. وموازاة مع اهتماماته الأدبية إبداعاً ونقداً وترجمة، اشتغل الحاج في الصحافة منذ أواسط الخمسينيات؛ فكتب ‏مقالات في أشهر الصحف اللبنانية. وعام 1994 أصدر مجموعته {الوليمة} التي جاءت بعد انقطاع شعري دام أكثر من عشر سنوات، فنراه في هذا الديوان يميل إلى الاختزال واستخدام تعبيرات ذات مسحة رومانطيقية معطوفة على لغة نثرية واضحة وجلية، وفي نهاية ديوانه {الوليمة} كتب:

تريدون شعراً،
ومتى كان الشاعر يكتب شعراً
تريدونه في سره في تأليفه
تريدون تلك الظلال، وذلك التجديد
وتريدون الرموز والأشكال!
والموسيقى والصور!
اذهبوا اخرجوا من هذه الغرفة
كان شعر، ولم تكن عفوية
وكانت عفوية، ولم يكن شعر
وكان الشعر والعفوية فظل مكان
مكان اللا الامام
جائع
جائع
جائع تسمعونن جائع
واصبحت الطعام
أصبحت طعام الحب.

خلاف مع جبران تويني

حين غادر أنسي الحاج جريدة {النهار} عام 2003، فعل ذلك في خضم الهجوم الأميركي على العراق {الصدامي} بعد خلاف من الراحل جبران تويني، كان جبران متحمساً لإسقاط صدام، وكان أنسي معادياً للغزو الأميركي. بدأت القصة بخلاف مهني حول تغيير الصور التي اختارها الحاج للصفحة الأولى، وانتهت بما يشبه الخلاف الشخصي. كان جبران ربيب أنسي في شبابه وبداياته المهنية، غادر الحاج النهار وبدا لحظة المغادرة كأنه يغادر وحيداً. قلة وقفوا متضامين معه وهم من اليساريين أمثال الياس خوري وإميل منعم والراحل سمير قصير، إلى جانب عقل العويط، وبقي خارج الصحافة والنشر إلى أن انضم إلى جريدة {الأخبار} بعد تواصل مع زياد الرحباني الذي جمعه بأصحاب الجريدة. وبدأ الحاج يكتب شذرات {خواتم}، وقد فاجأ بعض مريديه بمواقفه التي كان يطلقها التي تتناقض مع مواقفه في مسار حياته السابقة. يقول عن تجربته في الأخبار: {كلّ أسلوبي تغيّر في مقالات الأخبار. أنا شخص آخر ربّما تكملة لـ{خواتم 1 و2 و3} التي نُشرت في مجلة {الناقد} وهناك مشروعٌ آخر مكمّل. في صحيفة {الأخبار} أكتب لقارئ لا أعرفه ولا يعرفني وربّما لم يسمعْ بي من قبل، أتوّجه إلى شرائحٍ أخرى وأعمارٍ جديدة، وميولٍ سياسيةٍ مختلفة عنّي تماماً، بعكسِ قارئ {النهار} الذي نشأت معه وأعرفه ويعرفني و{صرنا من أهل البيت}، ولم يحتج إلى اكتشافي ولا إلى اكتشافه}.
كثر تأثروا بأنسي الحاج ولغته وتجربته وصاروا {تلامذة} مفترضين له، بل صار شاعرهم المفضل عقدتهم في الحياة والكتابة والتجربة والتنظير، كان بعضهم يكتب ديوانه أو مجموعته الشعرية وحتى القصصية وينتظر أن يدّون شاعر {لن} كلمة عنه، كأن كلمة واحدة من {بطريرك} قصيدة النثر تعطي دفعاً أو حياة لبعض دواوينهم.
استطاع أنسي الحاج أن يصنع شخصيته ويكون له قاموسه حيث يجمع بين الرومنطقية الحادة والمواقف الملتهبة والوجدانية العميقة والغامضة واللغة العنيفة والرقيقة واللالغة، قد نحب شعره وقد لا نحب، هذا الأمر لا يغير في معادلة أنه له رمزيته في النثر الفني الأدبي الصحفي وفي شعر النثر الذي أطاح بالشعر التقليدي.

«خواتم»

عندما يحصل الحبّ تهجم العاصفة عمياء. يتجسّد الجنون على شكل قلب.
كلّ حبّ اغتصاب.
* * *

ما يحّبه الرجل في المرأة ليس فقط ضعف الكائن الاجتماعي المستضعَف والمستغَلّ، كما يعتقد بعض النَسَوّيات. ثمّة ضعف آخر فيها يستهوي، هو {قلق الأم} على الرجل، ولو عشيقها، ولو أكبر منها سنّاً. تلك الرقّة المسؤولة التي هي في باطنها حكمة وقوّة عندما تطوّقان الرجل لا يصمد له من قوّته المزعومة سوى العضلات.
* * *

الحقيقةُ عقابُ الغيرة.
* * *

أَصْدَق ما في الحبّ الغَيرة، قاتلتُه.
* * *

يوم ظننتُني انتصرتُ على غيرتي كنت، في الواقع، قد بلغتُ قاع الاحتمال، فاستقلْتُ من المنافسة حتى لا أغار. ظننتُها قمّة التضحية، وكانت ذروة الأنانية.
* * *

ليست دموعُكِ ما يُقْنعني بل هو شعوري بعبثيّة حقّي. فجأةً تغمرني أمواج عبثيّة هذا الحقّ وأَستسلمُ متنازلاً عنه لأيّ شيء تريدين، بما فيه الخداع، حتى أتفادى عبثيّة أُخرى أسوأ، أَسْمَك: عبثيّة الحقيقة.
* * *
نستطيع أن نفتدي الحبّ كما نفتدي خطايانا.
* * *

يتحدّث الرجل عن التخطّي وتفكّر المرأةُ في العناق.
هو يَخْرج
وهي تَدْخُل.
خلافاً للشكل المظنون في التواصل.
* * *

تتجنّب الحبّ حتى لا تصل بَعده إلى البغض.
تتجنّب البغض حتى لا تصل إلى اللامبالاة.

تتجنّب اللامبالاة حتى لا تصل إلى الحبّ.
تتجنّب الحبّ حتى لا تقع وراءه في القَفْر...

أنت كيفما درتَ خرابُ ما قَبْلَه، أو ذكرى نَفْسك.
موجةُ حركةٍ عمياء،
وصدى موجة...

* * *

كنتِ أجمل لأن ابتسامتكِ كانت ابتسامة فتاة مظلومة تُغالب حزنها، وتُسامحْ.
كنتِ تُحرّكين شعوراً بالذنب تجاهكِ ونَخْوَةَ الحماية.

لما تَحَرّرتِ، فرغتْ عيناكِ.
أأقول: واأسفاه على خوابي العذاب! وكلّ ما أبغيه هو بلاغته من دونه؟

* * *

قالوا فيه

(...) إنني أعزو هذه الغرابة في التعبير عند أنسي الحاج ونعْت هذا التعبير بأنه غير عربي، إلى كون أنسي الحاج قد أدخل إلى المفردات الشعرية العربية تعابير غير متداولة في الشعر. وهو لم يدخل فقط ألفاظاً جديدةً، بل أنه أغنى القاموس الشعرى العربي، إذا صحّ التعبير، بمفردات أدخل الكثير منها دفعة واحدة فظهرت غريبة خارجة على المألوف. لكنه لم يكتف بإدخال مفردات جديدة على التعبير الشعري العربي: إن الكلمة التي حملها، قد حمّلها أكثر مما تعوّدنا أن نرى. اللغة في «لن» تنفجر بمعان غير مألوفة، وهي موضوعة في سياق غير مألوف، هذا هو وجه الغرابة.
لولا الشعر تموت اللغة، تموت بالفعل. ومن هذا المنظار، أهمية {لن} إنها أدّت خدمة كبيرة في إحياء اللغة وتجديدها. وهذه الناحية تنعكس، من دون ريب، على طبيعة شعر أنسي الحاج وموقفه من الحياة. لقد رأينا أنه رافض. وهكذا رَفَضَ التقليد، رفَضَه شكلاً ومضموناً.

يوسف الخال

أنسي الحاج رفع قصيدة النثر إلى مستوى الشعر الحقيقي. فلغته لغة حضارية، لمّاحة، متوهّجة، ناضرة، شفّافة. أنسي رفيقي على درب الشعر الطويل، وأنا فخور بكل كلمة كتبها أو سيكتبها. إنه نموذج للشاعر الحقيقي حيث يلتقي الشعر والرسولية في جسد واحد. إني أحبه وأحلم دائماً أن أقتني واحداً من خواتمه.

نزار قباني

الحرب قد لا تبكيني. أغنية صغيرة قد تبكيني، أو كلمة لأنسي الحاج. هو تؤامي (...) أحترم أنسي الحاج لأنه بقي في بيروت تحت القصف، وأحبه شاعراً شاعراً وناثراً وصامتاً.

محمد الماغوط

هذا الشاعر الذي يكتظّ بنفسه حتى لا يختلط بأحد ويشفّ حتى لا يعود أحداً، بل يصبح حالة مكاشفة بين الكائن وذاته، وبين الروح وصدئها المتراكم.

شوقي بزيع

ثمة شيء يخيفني في تجربة أنسي الحاج، لا أعرف كيف أصفه. ربما على شكل سؤال: ما الذي كان يحدث لو أن أنسي الحاج كان مسلماً ويكتب باللغة نفسها وبالروحية نفسها التي كتب بها؟ حتماً لحدث تغيّر حقيقي في مسيرة الكتابة العربية، لأن تمرّده حقيقي، وغاية كل تمرّد حقيقي الباطنة هي ردم الدلالة الدينية للغة التي ترتكز عليها صلة ثقافة بتراثها. وكثيراً ما كان هذا مضمراً في كتابات أنسي الحاج. أقول مضمراً، لأنه آخَر، غير مسلم، لا يحقّ له هَتْك سرّ المحرّم الاجتماعي (...)
أنسي الحاج ليس مجرد شاعر له دواوين. إنه أشبه بشعرية، حركية لها النموذج والتنظير. ويجب أن يُقرأ شعره من خلال ما كتبه ويكتبه من مقالات تأملية أو تنظيرية. لكن هذه الحركية، هذا الشاعر المرفوض كآخر من قبل لاوعي جماعي مكبوت، ستظل مجرد أحلام يقظة تشغف بشغاف المحرّم، تحتاج إلى يوم صافٍ لكي نتنفسها هواءً صحياً، شعوراً اجتماعيا تدركه أجيال جديدة (...)

عبد القادرالجنابي

«لن} و{الرأس المقطوع} حدث في اللغة العربية لم تستوعبه بعد، أي لم تحوله إلى تاريخها وتراثها. فهنا كتاب مضاد للأدب. وكتابة لا يمكن أن تُتناول بالمعيار الأدبي أو تُقاس به (...) هي دعوة لجمالية أخرى لم يكن في وسع الجملة العربية المقنّنة المقطّرة المعلّبة أن تقبلها: كتابة تتم في تجاهل تام للأدب المكتوب بحقلي ألفاظه ودلالاته. بصلته بالمادة الأولى. بقيمته المتضمّنة. هنا يسقط الحيّز الأدبي نهائياً فيتدفق قاموساً ومجازات لم تكن البتة في الاحتمال، وهنا تبقى الكتابة على صلة بالفم والعصب. فتتسع لنص يستمد إيقاعه من توتر داخلي ومن نضارة اللغة الشفوية ومفاجآتها.
... سعى إلى كتابة شاملة، إلى نص خارج على النوع، ويخلط بين الأنواع.

عباس بيضون

الشاعر الذي غيّرنا وغيّر الشعر العربي لا يملك من صفات الشعراء {الكبار} شيئاً... إنه العاشق الذي لا يزال ينتظر الحبيبة بقصيدة ووردة.

أمجد ناصر

{لن}، هذه الصرخة السلبية الإيجاب، لا تعني عندي، الرفض للرفض، بقدر ما تعني عمل الرفض في مصير الإنسان.

خليل رامز سركيس

أنسي هو، بيننا، الأنقى.

أدونيس

الجريدة 19-2-2014

********

أنا أنسي الحاج منذ لحظات متُّ وقمتُ متُّ وقمتُ متُّ وقمتُ أنا أنسي الحاج أريد العودة إلى رأسي

تحية الى أنسي الحاج بريشة فيصل سلطان

"النهار"
18 شباط 2014 الساعة 14:13

_________________


حسن بلم
♪♫.. الادارة..♫♪
avatar
رسالة sms : سيرى ببطئ ياحياة
لكى أراك بكامل النقصان حولى
كم نسيتك فى خضمك
باحثا عنى وعنك
وكلما أدركت سرا منك
قلت بقسوة
مأجهلك!!!!
ذكر
عدد المساهمات : 10411
الاٍقامة : وراء الأفق حيث لاشئ سواى وحبيبتى
العمل : مهندس
نوسا البحر :
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
2014-02-20, 6:24 am

أريد رأسي.
لم يكن لأنسي الحاج من مطلبٍ سوى هذا المطلب، وقد كان مشتهاه الوحيد الدائم. وها، الآن، أنا أراه، من حيث هو، مستعيداً رأسه، هارباً به، مكلّلاً بغار أسراره وكلماته، ملغّزاً، شفّافاً، أبيض حرّاً، إلى آخر ما يمكن ان تحمله الحرية من معنىً.
الآن، يستلقي أنسي الحاج على الغيوم، بين النور والظلام، وقد تعانقتْ في صدره الحياةُ وأشباحُها، ومن رأسه إلى رأسه يرتمي، ليصير مكانه في تلك الأحضان الوسيطة، في يد المعجزة. جامعاً المتناقضات، متناقضات الواقع والكلمات معاً، النثر والشعر معاً، محقِّقاً برحيله المزلزِل، ما كان كتبه يوماً: في كلّ مرةٍ رميتُ نفسي من أعلى الجبل ليبتلعني الوادي، كانت الغيوم الوسيطة تستلقيني. العيون، وأنا أزيد الغيوم، هي أحضان المعجزة.
الآن فقط، في مقدور الشعر المطلق أن يتباهى بتجسداته، ومنها أن يكون أنسي الحاج على الغيوم، وبيننا، وأن يصير طعاماً، وبيننا، طعاماً للحبّ، وللعشّاق و... الكلمات، معاً وفي آنٍ واحد.
والآن، أكثر من كلّ كتابٍ، بل أكثر من أيّ وقتٍ مضى، ها هي وليمتُه تُقام، ويصير سرابُ العارف هذا، شعوباً لامتناهية من العشّاق، بل شعوباً مثلها من الأشعار، مستجاباً ما طلبه في مستهلّ ديوانه الخامس، بنبرة الخاشع المصلّي، لكن الآمِر أيضاً: "ليكن فيَّ جميع الشعراء لأن الوديعة أكبر من يديَّ"!
وإذا كان أنسي الحاج قد قال يوماً "لا تبحثوا عنّي في كلمة، لست في شيء"، فقوله ذاك ليس "صحيحاً".
فقد "وصف" أنسي الحاج أين مرّ، وماذا رأى. ولم يكن في مقدور النفي أن ينفي، بل أن يحسم. وها هو يفعل.
أعرف أن أنسي الحاج لا يعرف "كيف" مرّ، وماذا رأى. أعرف أنه لا يعرف كيف ظلّ يحتمل الشعر، وكيف ظلّ يحتمله هذا الشعر. لكني أعرف أنه مرّ، ورأى. وأنا، بل نحن، نرى أين مرّ، وماذا رأى.
أعرف أن أنسي الحاج ليس وليد جيل بل "أنا الزوايا المختلفة، سلفاً، في ما بعد، من قديم الزمان والمستقبل./ منذ لحظات متّ، وقمت متّ، وقمت متّ، وقمت. أنا جميل".
يستولي الذهول الشعري الماحق، وأنا أسأل: كيف يحتمل هذا الشاعر أين مرّ، وماذا رأى، وهو القائل "حين كنت ولداً/ كنت أسمع كالنائم وأرى/ ولمّا ما زلت ولداً/ تكدّس العالم في عينيّ"؟
أليس هو المستفهم "أيّ جلدٍ يستوعب هذه الروح؟"، هذه الروح التي تستلقي على جروحها وترى، بعيداً بعيداً عالم أحلامها يتحقق تحت سلطتها الوحيدة، أو لا يتحقق...؟
كيف لا أعرف، كيف لا نعرف، وهو القائل: "عشتم عواصفي وما بعدها، وستعيشون معي عواصفكم وهدوءكم. أحيا فيكم دون سلام ولا خطر عليّ. أموت مطمئناً وأقوم مطمئناً".
وأنا، كيف لا أعرف، بل كيف، نحن الشعراء، لا نعرف، وهو الموقّع اسمه أدناه "أنا الموقّع أمي أدناه/ أسمع المطر ينزل/ جافاً على الاسفلت/ وممّا قلت الآن وقبل الآن/ لن تذكروا كلمة/ لكنّ فمي ارتوى قليلاً/ وهو يروي لمن يريد/ ماضي الأيام الآتية"؟
أليس هو الشاعر الذي كتب لنفسه؟ أليس هو القائل "كتبتُ لنفسي. كلّ كتاب لي هو لشخص واحد. المجد لله الذي أنعم عليّ بهذه القوة"؟
أليس هو الذي وقع على شوك الكلمات، من قلبه وقع كعصفور؟ أليس هو القائل: "وما لا يحدث أحدثتُه فحدث"؟
فكيف يحتمل أنسي الحاج، كيف يحتمل أن يكون الرجل الأمّ، وهو القائل "من كثرة الخبز أطعمت، ومن قطرة الماء غمرت، ومن الألف إلى الياء حملت./ أنا الرجل الأم"؟
والآن، إذ يهرب الشاعر برأسه، إلى حيث يعثر على النوم اللطيف، لَيشرّفنا في "النهار" و"ملحقها"، أن "نردّ" إلى شاعر "لن"، و"الرأس المقطوع"، و"ماضي الأيام الآتية"، و"ماذا صنعتَ بالذهب ماذا فعلت بالوردة"، و"الرسولة بشعرها الطويل حتى الينابيع"، و"خواتم"، و"كلمات"، أن نردّ إليه، لا رأسه المقطوع، بل رأسه مكلَّلاً بغار أسراره وكلماته، وأن نفسح له المكان، وهو دائماً له.

النهار- 18 شباط 2014 الساعة 13:29

*****

أنسي الحاج صاحب أشهر «لن» الذي وصف ساسة العرب بـ"الأغبياء"!

2014-02-18 17:49:15

سميرة سليمان

أحب فيروز ورفض مقارنتها بالمطربات الأخريات
إبراهيم داود: الراحل أسّس لقصيدة النثر وخاض معارك كثيرة بشأنها
أنسي الحاج: ألف مرّة ديكتاتور كعبد الناصر ولا مرّة سفّاحون وأغبياء مثل اليوم!.
“كانت لي أيام ولم يكن لي عمر” هكذا كتب الشاعر الراحل أنسي الحاج طالباً منّا في رجاء: “لا تبحثوا عنّي في كلمة، لست في شيء”. “أنا الزوايا المختلفة، سلفاً، في ما بعد، من قديم الزمان والمستقبل./ منذ لحظات متّ، وقمت متّ، وقمت متّ، وقمت. أنا جميل”.
وصف نفسه بالـ”شاعر الملعون” فقصيدة النثر برأيه نتاج شاعر ملعون، ابن عائلة من المرضى على رأسهم الشاعر الفرنسي “رامبو”.
يقول عن نفسه: “كتبتُ لنفسي. كلّ كتاب لي هو لشخص واحد. المجد لله الذي أنعم عليّ بهذه القوة”، ويقول أيضاً: “من كثرة الخبز أطعمت، ومن قطرة الماء غمرت، ومن الألف إلى الياء حملت./ أنا الرجل الأم”.
في‮ ‬يناير عام‮ ‬1965‮ ‬كتب أنسي الحاج تحت عنوان “هذه هي الحياة‮” يقول: “..‬أنا من الذين‮ ‬يعتقدون بالدخيلاء،‮ ‬واللاوعي،‮ ‬والمغناطيس،‮ ‬والعقل الباطن،‮ ‬والحلم،‮ ‬والخيال،‮ ‬والمدهش،‮ ‬والعجيب، والسحر والهذيان،والصدفة،‮ ‬وما فوق الواقعي،‮ ‬وكل ما هو مشبوه فوق الواقع،‮ ‬ولي اهتمامات بالجوانب المثيرة من الانحرافات العصبية والعقلية والنفسية‮ . ‬واعتبر منطقة النفس البشرية أعمق وأكثر تفوقاً‮ ‬من أن‮ ‬يحيط بها أو‮ ‬يحصرها طب نفسي‮ ‬يظن في‮ ‬يده المفاتيح لأبواب هذه المنطقة والعلاج لأمراضها‮”.‬ هكذا يعرف نفسه بأبسط الكلمات.

أخلص كالمتصوفة لشعره
وصفه الشاعر الكبير إبراهيم داود في تصريحات خاصة لـ”محيط” بأنه واحداً من أهم شعراء الحداثة العربية، وهو الوحيد من رواد قصيدة النثر الذي خاض معارك حقيقية، وكان واضحا منذ ديوانه الأول “لن” فدوره كبير في تنامي هذه القصيدة في الوطن العربي، غير مدعي للبطولات مثلما يفعل “أدونيس”، له في الكتابة شأن خاص، انحاز لفن الشعر، بعيداً عن الغوغائية، كما أنه أكثر شعراء جيله تأثيراً في الشباب العرب، واعتبره مع الشاعر الراحل محمد الماغوط أصحاب أهم إنجاز في قصيدة النثر.
لم تقتصر إنجازاته على كونه شاعراً فقط، فقد كان للراحل إنجازات كبيرة في الصحافة اللبنانية، وقد أضاف للصحافة كثيراً حين تعامل معها كشاعر، فقد أضاف لها مهارات جديدة أطالت من عمرها.
كانت معاركه مع خصوم قصيدة النثر، وساعده في الانتصار روح الفنان بداخله، فقد كان واضحاً منذ البيان الذي أصدره في ديوانه الأول “لن” ويعتبر تمهيداً وتعريفاً بقصيدة النثر.
ويؤكد داود أن أنسى هو رائد قصيدة النثر، حتى لو كان أدونيس منظرها، فديوان “لن” 1960 هو الإعلان الرسمى لها، وهى انتفاضة ضد الصرامة والقيد.
كان طموحه هو حرية الانطلاق بالشعر العربي إلى فضاءات دلالية ولغوية جديدة، ومنذ ديوانه الأول إلى “الوليمة”، مرورا بالـ”رأس المقطوع” و”ماضي الأيام الآتية”، و”ماذا صنعت بالذهب ماذا صنعت بالوردة؟” حفر الحاج مجرى عظيما فى ذائقة عشاق الشعر، وأثر في الأجيال الجديدة أكثر من الآخرين، لأنه أخلص لفن الشعر، وأثر أيضا في مهنة الصحافة التي بذل عمره في بلاطها، نثر أنسى المولود سنة 1937، هو فتح فى السرد، ومقالاته التى صدرت فى ثلاث مجلدات هى مصدر إلهام، وللأسف الشديد لم يقرأ جيدا فى مصر، ربما بسبب الخيال التقليدى الذى يدير الثقافة الرسمية، ولكن منزلته عالية عند الشباب الحالم بالتغيير، أنسى شاعر عربي عظيم أنجز مهمته بإخلاص المتصوفة ومحبتهم.

فيروز “صوت أكثر” من الأخريات!
“لن أكون بينكم لأن ريشةً من عصفور في اللطيف الربيع ستكلّل رأسي/ وشجر البرد سيكويني/ وامرأة باقية بعيداً ستبكيني وبكاؤها كحياتي جميل” يبدو أنه كتب يرثي نفسه في شعره.
رحل الحاج وهو من شعر بأنه يكتب “من وراء الكتابة كصوت من ينطق من وراء الموت”،
بدأ العمل في الصحافة في العام 1956 في جريدة “الحياة”، ثم في “النهار” مسؤولاً عن القسم الثقافي، ثم ترأس تحريرها منذ 1992 إلى سبتمبر 2003.
وساهم الحاج في عام 1957 إلى جانب الشاعرين يوسف الخال وأدونيس في تأسيس مجلة “شعر” وهو يعتبر أحد رواد قصيدة النثر في الشعر العربي المعاصر.
ترجمت للراحل عدد من قصائده إلى الفرنسية والإنجليزية، واستوحى بعض المسرحيين قصائد له فأخرجوها منهم ريمون جبارة، كما استوحى بعض الموسيقيين قصائد له في أعمال موسيقية. وأيضا ً عدد من الرسامين اللبنانيين والعرب كرفيق شرف، منير نجم، جان خليفة، وضاح فارس وغيرهم اقترنت رسومهم بقصائد له.
تميّز الشاعر الكبير بعمله مع الأخوين رحباني، عام 1963، على إثر مقال كتبه عن فيروز، رافضاً مبدأ المقارنة بين صوتها وبين أصوات مطربات أخريات، معتبراً أن في صوت فيروز، “شيئاً أكثر” كما سمّاه، هو العامل الغامض الذي لا يستطيع أحد تفسيره، كما يظل كل “شيء أكثر” في الخليقة يحيّر العقل والتحليل.
والراحل، من جنوب لبنات ولد في بيروت في 27 يوليو 1937. تلقى علومه في مدرسة الليسيه الفرنسية ثم في معهد الحكمة في بيروت. بدأ ينشر وهو على مقاعد الدراسة، مقالات وأبحاثاً وقصصاً قصيرة في مختلف المجلاّت الأدبية في منتصف الخمسينات، وكان على اهتمام خاص بالموسيقيين الكلاسيكيين.
كتب عنه جرجس شكري في مجلة أخبار الأدب قائلاً: “أنسي الحاج عكس كل الشعراء دخل إلى القصيدة مسلحاً‮ ‬بأدوات النثر وليس بأدوات الشعر التي نعرفها‮ ‬،‮ ‬دخل وهو‮ ‬يثق تمام الثقة في النثر أن‮ ‬يمنحه شعراً‮ ‬خالصاً‮ ‬دون دعم أو مساعدة من أدوات الشعر التي نعرفها‮‬،‮ ‬ربما حاوره طويلاً‮ ‬وسأله لا تخذلني‮ ‬يا صديقي‮ ‬،‮ ‬فأنا أؤمن بك‮” .‬
أقوال وآراء
من هو الصديق؟
ـــ الذي تضايقه ويُطَمْئنك
ـــ هل هناك صديقة؟
ـــ تلك التي بقيَتْ رغم الحبّ الذي كان بينكما
ـــ ما هو الحبّ؟
ـــ هو عندما تنظر إليها فيؤلمك جمالها
ـــ ألا يهبط التأثير بعد تكرار النظر؟
ـــ الوجهُ المعشوق محاطٌ بهالة سحريّة والوجه المحاطُ بهالة سحريّة معشوق
ـــ من أين تنبع الهالة؟ من العينين؟
ـــ من كبْتٍ قديم حَوّله الشوق إلى شمسٍ سجينة في الأعماق
- “كان ضائعاً فلمّا وجدها..فَرِحَ على الأرض قليلاً..وطار إلى السماء”.
- “أكثر ما يُخفّف القهر ليس الصراخ والغضب بل الرِقّة”.
- “لم يدفئني نور العالم بل قول أحدهم لي أني، ذات يوم، أضأت نورا في قلبه”.
- “أجمل الأصوات البشرية، أقربها إلى الموسيقى وأبعدها عن الكلام”.
- “يا ليلُ يا ليل/ إحملْ صلاتي/ أصغِ يا ربُّ إليّ/ أغرسْ حبيبتي ولا تَقْلَعْها/ زوّدها أعماراً لم تأتِ/ عزّزها بأعماريَ الآتية/ أبقِ ورقها أخضر”.
- “دعاؤكَ من أجل شخصٍ تحبّه يحميه دون أن تعرفه. حتّى لو كنت أنت هنا وهو في آخر الأرض، يفعل فعل السحر.لا تُضع الوقت، صلِّ لأجل مَن تحبّ. الحبّ يجهل الحدود والمسافات. مِن صدركَ إلى الاستجابة”.
- “الشاعر لا يلطّخ يديه بالسياسة، لكنّ ظهره ينكسر من سكوته عنها وقلبه يتحطّم. الشاعر لا يلطّخ يديه بالسياسة، لكنّ روحه مطعونة بكلّ حربة”.
الشاعر والحب والسياسة
” أغار عليك من المرآة التي ترسل لك تهديدا بجمالك
أغار من حبك لي !
من فنائي فيك
من العذاب الذي أعانيه فيك
من صوتك
من نومك
من لفظ اسمك
أغار عليك من غيرتي عليك !!
من تعلقي بك
من الأنغام والأزهار والأقمشة
من إنتظار النهار لك،
ومن إنتظارك الليل !
من الموت !!
من ورق الخريف الذي قد يسقط عليك..
من الماء الذي يتوقع أن تشربيه ..”
يقول عن الحب:

“الحبّ، كجميع الأحلام، يدوم ما دامت حمايته. يقال إنّ الزواج (أو المساكنة) هو الخطر الأكبر على الحبّ. الخطر على الحبّ هو انطفاءُ شعلته. وقد تنطفئ لأنّ زيت القنديل نفد. هذا قد يستعصي على المعالجة. ولكنْ إذا كانت المساكنة بتفاصيلها الواقعيّة هي التي تُشاغب على الشوق وتُقلّص مسافاته فقد لا يكون لنفاد الزيت إنّما لكسلٍ في خيال الثنائيّ وتقاعسٍ عن التجديد والتأجيج: تجديدُ الأشكالِ والأساليب وتأجيجُ ما يتغلّب على الضجر. يجب أن نعثر على الحبّ، إذا أردنا إنقاذه من الجفاف، في كلّ جيبٍ من جيوبه، وهي كثيرة، وأطيبها السريّ.
ويقول كذلك: “الحبّ أقوى العواطف شرطَ أنْ نُحسن التعامل مع نقاط ضعفه”. “ليس للحبّ عمر. يبدأ قبل الحياة بقليل ويعيش إلى الأبد بعد انتهائها”.
وعن موقفه من بشار الأسد والثورة في سوريا، قال: “هل أنا مع بشّار الأسد أم ضدّه؟ أنا مع قرّائي وقارئاتي في سوريا”!.
وكتب منتقداً الوضع العربي بعد جمال عبدالناصر قائلاً في أحد مقالاته: “كم دولة عضو في الجامعة العربيّة؟ 26؟ 28؟ هذه تتبع السعودية، هذه إيران، هذه إسرائيل، هذه أمريكا... أما من دولة فيها رائدة؟ سيّدة نفسها؟ هذا السؤال ليس لي. ولا لعربي.
هذا السؤال طرحه أمامي شاب إيراني صادق ومتألّم من الحال العربيّة الراهنة.
الراهنة؟
إذا استثنينا مرحلة عبد الناصر، متى كانت الحالة العربيّة غير راهنة؟
شخصٌ في لبنان كان وزيراً قبل عقود لا يزال مقدّموا البرامج والنشرات التلفزيونيّة يعرّفونه باعتباره “الوزير الفلاني”. حنينٌ لبناني إلى عروبةِ الصحراء حيث يولد المرء مؤهّلاً لمنصب وزير خارجيّة إلى أن يموت الوزير الجالس فيحلّ محلّه المؤهّل منذ الولادة ويظلّ في الكرسي حتّى الممات. وهكذا في السلطة العليا، رئيس إلى الأبد.
يوم كان عبد الناصر وقفنا ضدّه لأنّه ديكتاتور. ألف مرّة ديكتاتور كعبد الناصر ولا مرّة سفّاحون وأغبياء مثل اليوم!.
”لن” مهّد لقصيدة النثر
مهّد في ديوانه “لن” وفي بيانه الشعري الذي بدأ به مقدمة الديوان لقصيدة النثر، يقول:
لتكون قصيدة النثر قصيدة نثر، أي قصيدة حقا لا قطعة نثر فنية أو محملة بالشعر، شروط ثلاثة: الإيجار (أو الاختصار) التوهج، والمجانية. لقد نشأت قصيدة النثر انتفاضا على الصرامة والقيد، أليست هي وحتى الآن تلك التي طالب بها رمبو حين أراد “العثور على لغة تختصر كل شيء، العطور، الأصوات، والألوان”، وبودلير، عندما قال أنه من الضروري استعمال شكل “مرن ومتلاطم بحيث يتوافق وتحركات النفس الغنائية، وتموجات الحلم، وانتفاضات الوجدان” .
إنها الرفض والتفتيش، تهدم وتنسف الغلاف، القناع، والغل. انتفاضة فنية ووجدانية معا، أو إذا صح، فيزيقية وميتافيزيقة معا.
ويصف شاعر قصيدة النثر بأنه شاعر حر، وبمقدار ما يكون إنسانا حرا، أيضا تعظم حاجته إلى اختراع متواصل للغة تحيط به، ترافق جريه، تلتقط فكره الهائل؛ ليس للشعر لسان جاهز، ليس لقصيدة النثر قانون أبدي.
يجب أن أقول أيضا إن قصيدة النثر- وهذا إيمان شخصي قد يبدو اعتباطيا- عمل شاعر ملعون. الملعون في جسده ووجدانه الملعون يضيق بعالم نقي. إنه لا يضطجع على أرث الماضي. إنه غاز.
ونختتم مع قوله:
“لا تصدّق كاتباً يقول لك “لا أعرف ماذا أكتب”. لا تصدّق الأحياء فالحياة تَلاعُب. لا يَصدُق غير مَن مات عن حياته وأخذ يخاطبك بفراغ النوايا. خذ من كعب ردائه شيئاً للتبرُّك”.

العربية نت – 18-2-2014

********

رحل تاركاً سؤال "ماذا فعلنا بالوردة؟"
أنسي الحاج يودّع "ماضي الأيام الآتية"

تاريخ النشر: 19/02/2014

بيروت - "الخليج":
أنسي الحاج بعد أيام من رحيل الشاعر الكبير جوزف حرب، غاب أمس عملاق لبناني آخر، صال وجال طويلاً في الشعر، من دون أن تفقده القصيدة المتجددة، وله فيها جذور وبراعم وورود، موقعه المتقدم في مجالات ثقافية أخرى، من الإعلام إلى المقالة فالترجمة والمسرح .
رحل أنسي الحاج أمس وبقيت روحه الجمالية مثالاً يحتذى في الفعل الثقافي الرائد، واكب عن قرب حركات التجدد في زمن بيروت الثقافي الذهبي، وكان دائم التحول مع الكلمة والصورة والتعبير . تحولات حقيقية وصادقة تجلت بداية في مجموعته "لن" الصادرة عام ،1961 والتي شكّلت في حينها، قطيعة فعلية مع شعر تربع على عرش القصيدة لعقود طويلة .
بعد "لن"، حضرت "الرسولة بشعرها الطويل" في عام 1974 على قصيدة أنسي الحاج، ومن خلالها دخل إلى القصيدة الملحمية والدرامية، على بعد صوفي روحاني من خلاص الإنسان بالشعر والحب والحرية بأقصى أبعاد الكلمة والشغف .
كرت سبحة الدواوين، فبعد "لن"، كتب الحاج "الرأس المقطوع"، "ماذا صنعت بالذهب، ماذا فعلت بالوردة"، وبعد "الرسولة بشعرها الطويل"، جاء دور "الوليمة" و"الخواتم"، وأغلب الظن أن أنسي ما زال يحتفظ بمخطوطات شعرية كثيرة غابت عن المطابع والمكتبات والإعلام إنما في كلها، تتجلى صورة تحلو تسميتها بصورة "محراب الشاعر في هيكله" .
للشاعر المتعدد الثقافات والاهتمامات في قراءاته التحليلية والتقويمية التي انتظمت حروفاً وعبارات لكتاب "الكون"، فهو البارع دائماً في خلقه الجمالي، أكان شعراً أم نثراً أم مقالة أم ترجمة، أم مسرحاً، وحيث يبدو أن أنسي لم يكن بعيداً عن الخشبة، إنما متماهٍ فيها"، في رأي المسرحي الكبير منير أبو دبس الذي كشف أن أنسي دخل أحياناً في تجربة تمثيلية، أو ربما تخايل تجسيد شخصيات مسرحياته لتأتي بهذا العمق والإبداع .
في هذا الإطار يتضح أنسي الحاج الرائد عندما عمل في مجلة "شعر" وقد تسلّم سكرتير تحريرها لسنوات عدة، حيث يكشف الناقد سليمان بختي عن شاعر من طراز آخر، حمل في قصائده عذابات ومرارات وبحث عن أجوبة لم يجدها أبداً، يضيف بختي: "يشبه أنسي في شعره ونثره، تمرد فؤاد سليمان، وروحية جبران خليل جبران وعشق الياس أبو شبكة" . وحسب أدونيس زميله في مجلة "شعر"، كان أنسي الحاج "الأنقى بيننا"، واعتبر أن محمد الماغوط والحاج لم يدخلا في تنظيرات حول قصيدة النثر، بل كتبا هذه القصيدة، فكانت تحولاً كبيراً في القصيدة العربية" .
وما يقال عن الشاعر الحاج، لا يقل أهمية عن الحاج الإعلامي وكاتب المقال السياسي والافتتاحيات المدهشة، أكان ذلك في جريدة "النهار"، وملحقها الذي شارك في تأسيسه، أم أثناء توليه رئاسة تحرير مجلة "الحسناء" الاجتماعية والفنية والثقافية، ولا في حضوره المميز في "النهار العربي والدولي" وصولاً إلى موقعه الاستشاري في جريدة "الأخبار" ومقاله الأسبوعي فيها . يكفي ما قاله عنه يوسف الخال مرة "أنسي ناقد أكثر من شاعر، لكنه طوّع جملته النقدية للبعد الشعري الخالص" .
في المحصلة يغيب عملاق ثقافي تجسد شعراً ونثراً ونقداً وترجمة، هو أنسي الحاج الذي عاش حياة من النقيض إلى النقيض .
ولدت جذوره الثقافية في السماء وليس في الأرض، بارع في خلقه الجمالي توقيعاً وتضميناً وشكلاً تعبيرياً وهندسة بنيوية في رؤيته التي امتصت القضايا الإنسانية الكبرى ليبني كوناً شعرياً منها . جاعلاً تلك الأبنية الجمالية دوالاً سيميائية مشغّرة بدلالات رؤيته، وما يدهش في هذه الأبنية الثقافية، أنها جميعها تعانق الأرض حافرة فيها حتى الجذور .
وداعاً أنسي الحاج، وقد سبق أن ودعنا في آخر أبياته:
"لن أكون بينكم
لأن ريشة من عصفور في اللطيف الربيع
ستكلّل رأسي
وشجر البرد سيكويني
وامرأة باقية بعيداً ستبكيني
وبكاؤها كحياتي جميل . ."

شعر وصحافة وترجمة

** ولد الحاج في عام 1937 وغاب أمس عن عمر يناهز ال 77 عاماً بعد صراع مع المرض كان قد أقعده منذ نحو شهرين .
** أبوه الصحفي والمترجم لويس الحاج وأمه ماري عقل، من قيتولي - قضاء جزين .
** تعلم في مدرسة الليسه الفرنسية ثم في معهد الحكمة .
** بدأ ينشر قصصاً قصيرة وأبحاثاً وقصائد منذ عام 1954 في المجلات الأدبية وهو على مقاعد الدراسة الثانوية .
** دخل الصحافة اليومية، جريدة "الحياة" ثم "النهار" محترفاً في عام ،1956 كمسؤول عن الصفحة الأدبية، ولم يلبث أن أستقر في "النهار"، حيث حرر الزوايا غير السياسية سنوات ثم حوّل الزاوية الأدبية اليومية إلى صفحة أدبية يومية .
** في عام 1964 أصدر "الملحق" الثقافي الأسبوعي عن جريدة "النهار" وظل يصدره حتى 1974 . وعاونه في النصف الأول من هذه الحقبة شوقي أبو شقرا .
** في عام 1957 أسهم مع يوسف الخال وأدونيس في تأسيس مجلة "شعر"، وعام 1960 أصدر في منشوراتها ديوانه الأول "لن"، وهو أول مجموعة قصائد نثر في اللغة العربية .
** له ست مجموعات شعرية: "لن" ،1960 "الرأس المقطوع" ،1963 "ماضي الأيام الآتية" ،1965 "ماذا صنعت بالذهب ماذا فعلت بالوردة" ،1970 "الرسولة بشعرها الطويل حتى الينابيع" ،1975 "الوليمة " 1994 وله كتاب مقالات في ثلاثة أجزاء هو "كلمات كلمات كلمات" ،1978 وكتاب في التأمل الفلسفي والوجداني هو "خواتم" في جزأين 1991 و،1997 ومجموعة مؤلفات لم تنشر بعد . و"خواتم" الجزء الثالث قيد الإعداد .
** تولى رئاسة تحرير العديد من المجلات إلى جانب عمله الدائم في "النهار"، وبينها "الحسناء" 1966 و"النهار العربي والدولي" بين عامي 1977 و1989 .
** نقل إلى العربية منذ 1963 أكثر من عشر مسرحيات لشكسبير ويونيسكو ودورنمات وكامو وبريخت وسواهم، وقد مثلتها فرق مدرسة التمثيل الحديث (مهرجانات بعلبك)، ونضال الأشقر وروجيه عساف وشكيب خوري وبرج فازليان .
** متزوج من ليلى ضو منذ ،1957 ولهما ندى ولويس .
** رئيس تحرير "النهار" من 1992 إلى 30 سبتمبر/ أيلول 2003 تاريخ استقالته .
** ترجمت مختارات من قصائده إلى الفرنسية والإنجليزية والألمانية والبرتغالية والأرمنية والفنلندية . صدرت أنطولوجيا "الأبد الطيار" بالفرنسية في باريس عن دار "أكت سود" عام ،1997 وأنطولوجيا "الحب والذئب الحب وغيري" بالألمانية مع الأصول العربية في برلين عام 1998 . الأولى أشرف عليها وقدم لها عبد القادر الجنابي والأخرى ترجمها خالد المعالي وهربرت بيكر .
وكان الراحل الحاج، وجواباً عن سؤال حول كيف يوجز مسيرته، وجهه إليه نبيل أيوب، هند اديب دورليان، جورج كلاس وإلياس لحود، في مستهل مقابلة أجروها معه لمجلة "كتابات معاصرة"، العدد ،38 أغسطس/ آب - سبتمبر/ أيلول 1999 قد قال: "غالباً ما سردت الحكاية ذاتها . لا أعتقد أن ذلك يهم أحداً . أندم أكثر مما أفعل ولم أفعل إلا في غفلة من نفسي . وعندما لم يكن أحد يسألني رأيي في الأمور، كالحب والموت، قلت الحقيقة، ولم أعد أقولها دائماً حين صار هناك من يسألني" .
وقد نعى وزير الثقافة اللبناني المحامي روني عريجي الشاعر أنسي الحاج وقال: "غاب اليوم شاعر كبير فخسر لبنان قامة عملاقة من قامات الفكر والأدب والشعر والإبداع، أنسي الحاج شاعر ماضي الأيام الآتية، خسارته لا تعوض، والعزاء بما تركه وراءه من تاريخ في الشعر والريادة في القصيدة النثرية" .

الخليج- 19-2-2014

*****

_________________


حسن بلم
♪♫.. الادارة..♫♪
avatar
رسالة sms : سيرى ببطئ ياحياة
لكى أراك بكامل النقصان حولى
كم نسيتك فى خضمك
باحثا عنى وعنك
وكلما أدركت سرا منك
قلت بقسوة
مأجهلك!!!!
ذكر
عدد المساهمات : 10411
الاٍقامة : وراء الأفق حيث لاشئ سواى وحبيبتى
العمل : مهندس
نوسا البحر :
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
2014-02-20, 6:27 am
«انطفأ» أنسي الحاج ... شاعر الحداثة والصحافة

مشاهير 19 فبراير 2014

أنسي الحاج

| بيروت - «الراي» |
بيروت تودّع... بيروت، ومناراتها تنكّس العلامات المضيئة مع رحيل العلامات الفارقة. يكاد فائض العتمة الزاحفة ان يبتلع الماضي الجميل، ويكاد ان ينقشع الحاضر على مجرد خواء.

لم تمض ايام على رحيل الشاعر الفيروزي جوزف حرب حتى «استقال» الشاعر الذي لا يشبه سواه، انسي الحاج، واستلقى على غيمة معلنا موته كالمدينة التي تخسر روحها مع افول كل شمس.

انتهى زمن الـ «هورس شو» يوم لملم شارع الحمراء حكاياته مع «الثورة والثروة». اكلت التحولات المقهى والشارع، وها هي تأكل رواد الستينات الذين دشّنوا الحداثة بحبر دهمته الحرب، وبحريّة نحرت نفسها.

انسي الحاج «وليمة حبر وحرية» في شعر خارج على الشعر وفي نثر اكثر من نثر... غادر امس بعدما صارع كثيرا في القصائد والحياة، في الصحافة والترجمة، في اللغة وفي معانيها، صارع الى ان صرعه المرض عن 77 عاما.

أنسي الذي تعب «ولم يتحطّم»، كان في آخر ايامه «ينسج الحروف بألوان المغيب ويكتب الصمت بغيوم السفر» الذي حمله الى موت واعده منذ مدّة الى ان قبض عليه متخفيا في قصيدة من حبر أبيض.

الحاج الذي قال عنه أدونيس انه «الأنقى بيننا»، لم يكن على حقّ حين كتب في قصيدة «تحت غضب الحطب»: «لن يبكيني أحد». فخبر رحيله أبكى بيروت بصمت وخشوع.

أنسي الحاج لم يكن شاعرا عابرا، فهو أحد أعمدة قصيدة النثر والتحديث في فضاءات اللغة الدلالية واللغوية بدءا بديونه الأول «لن» الى «الرأس المقطوع» مرورا بـ«ماضي الأيام الآتية»، و«ماذا صنعت بالذهب ماذا فعلت بالوردة»، «الرسولة بشعرها الطويل حتى الينابيع»، «الوليمة»، وصولا الى كتاب «كلمات كلمات كلمات» و«خواتم» وأنطولوجيا «الابد الطيّار» (بالفرنسية) وأنطولوجيا «الحب والذئب الحب وغيري» (بالألمانية مع الاصول العربية في برلين عام 1998).

الشاعر الراحل كان من رواد الصحافة الثقافية في العالم العربي وساهم العام 1957 مع يوسف الخال وأدونيس في تأسيس مجلة «شعر» وعام 1960 أصدر في منشوراتها ديوانه الأول «لن»، وهو أول مجموعة قصائد نثر في اللغة العربية، فضلا عن تأسيس القسم الثقافي المميز بجريدة «النهار» اللبنانية التي تولى رئاسة تحريرها من 1995 حتى سبتمبر 2003 حين استقال وانتقل الى جريدة «الأخبار» كاتبا لصفحتها الأخيرة مع كل سوم سبت.

هو من بلدة قيتولي، قضاء جزين، الجنوب. مولود في بيروت في السابع والعشرين من يوليو 1937. تلقى علومه في مدرسة الليسيه الفرنسية ثم في معهد الحكمة في بيروت. بدأ ينشر وهو على مقاعد الدراسة، مقالات وأبحاثا وقصصا قصيرة في مختلف المجلاّت الأدبية في منتصف الخمسينات، وكان على اهتمام خاص بالموسيقيين الكلاسيكيين. تزوج في العام 1957 من ليلى ضو، ورزق منها ندى ولويس. احتفظ بشعره ولم يبدأ بنشره الاّ في أواخر الخمسينات. بدأ العمل في الصحافة العام 1956 في جريدة «الحياة»، ثم في «النهار» مسؤولا عن القسم الثقافي، ابتداء من 9 مارس 1956.

في العام 1964 أصدر «الملحق» الأسبوعي لـ»النهار»، الذي ظل يصدر عشر سنين حاملا مقاله الاسبوعي «كلمات كلمات كلمات». مقالاته، بين «النهار» و«الملحق» ومجلات لبنان الأدبية، لا تحصى، جمع بعضها في ثلاثة مجلدات صدرت عن «دار النهار» في العام 1988 وأشرف على اصدار «النهار العربي والدولي» في بيروت.

مجموعته الشعرية الأولى، «لن» أثارت ما يشبه «الحرب الأدبية» التي شارك فيها الشعراء والكتاب من العالم العربي كله، وكانت حدا فاصلا في تاريخ الشعر العربي المعاصر. وفي نيسان 2007 صدرت أعماله الكاملة في ثلاثة مجلدات لدى «هيئة قصور الثقافة» في القاهرة.

في الستينات ساهم في اطلاق الحركة المسرحية الطليعية في لبنان من طريق الترجمة والاقتباس، وكانت ترجمته لمسرحية «كوميديا الأغلاط» لشكسبير بلغة حية ومتحركة (مسرحية) وفصحى، همزة وصل بين الجمهور والمسرح الجدي، قديمه وحديثه. لكن نجاح هذه اللغة، ظهر، أكثر ما ظهر، مع ترجمة لمسرحية «الملك يموت» لاوجين يونسكو في العام 1965. ترجم ايضا للفرق المسرحية اللبنانية (بعلبك - منير أبو دبس - برج فازليان - شكيب خوري - روجيه عساف - نضال الاشقر...) مسرحيات «العادلون» لكامو، «القاعدة والاستثناء» لبرشت، «احتفال لزنجي مقتول» لأرابال، «نبع القديسين»، «رومولوس الكبير» لدرونمات، و«الآنسة جوليا» لسترندبرغ.

الاّ أن أقوى اندفاعاته، على صعيد المشاركة في الحركات الفنية، ربما هي اندفاعته مع الأخوين رحباني، اللذين كان بدء معرفتهما الشخصية به في يونيو 1963، على اثر مقال كتبه عن فيروز، رافضا مبدأ المقارنة بين صوتها وبين أصوات مطربات أخريات، معتبرا أن في صوت فيروز، فوق الجمال والبراعة، «شيئا أكثر» كما سمّاه، هو العامل الغامض الذي لا يستطيع أحد له تفسيرا، والذي سيظل يحيّره، كما يظل كل «شيء أكثر» في الخليقة يحيّر العقل والتحليل. الواقع أن هذا المقال لم يكن الأول الذي كتبه أنسي الحاج عن فيروز. ففي العام 1956 كتب في مجلة «المجلة» مقالا عنها بعنوان «فيروز».

ترجمت له قصائد عديدة الى الفرنسية والانكليزية، واستوحى بعض المسرحيين قصائد له فأخرجوها (منهم يعقوب الشدراوي وريمون جبارة)، كما استوحى بعض الموسيقيين قصائد له في أعمال موسيقية.

وكثيرون من الرسامين اللبنانيين والعرب (بول غيراغوسيان، رفيق شرف، منير نجم، جان خليفة، وضاح فارس الخ...) اقترنت رسوم لهم بقصائد له.

الرأي الكويتية- 19-2-2014

******

مختارات من خواتم

أنسي الحاج

الحوار المتمدن-العدد: 2707 - 2009 / 7 / 14 - 07:23
المحور: الادب والفن

عندما يحصل الحبّ تهجم العاصفة عمياء. يتجسّد الجنون على شكل قلب.

كلّ حبّ إغتصاب.

* * *

ما يحّبه الرجل في المرأة ليس فقط ضعف الكائن الاجتماعي المستضعَف والمستغَلّ،

كما يعتقد بعض النَسَوّيات. ثمّة ضعف آخر فيها يستهوي، هو » قلق الأم« على الرجل، ولو عشيقها، ولو أكبر منها سنّاً. تلك الرقّة المسؤولة التي هي في باطنها حكمة وقوّة عندما

تطوّقان الرجل لا يصمد له من قوّته المزعومة سوى العضلات.

* * *

الحقيقةُ عقابُ الغيرة.

* * *

يوم ظننتُني انتصرتُ على غيرتي كنت، في الواقع، قد بلغتُ قاع الاحتمال، فاستقلْتُ من المنافسة حتى لا أغار. ظننتُها قمّة التضحية، وكانت ذروة الأنانية.

* * *

أَصْدَق ما في الحبّ الغَيرة، قاتلتُه.

* * *

ليست دموعُكِ ما يُقْنعني بل هو شعوري بعبثيّة حقّي. فجأةً تغمرني أمواج

عبثيّة هذا الحقّ وأَستسلمُ متنازلاً عنه لأيّ شيء تريدين، بما فيه الخداع،

حتى أتفادى عبثيّة أُخرى أسوأ، أَسْمَك: عبثيّة الحقيقة.

* * *

نستطيع أن نفتدي الحبّ كما نفتدي خطايانا.

* * *

يتحدّث الرجل عن التخطّي وتفكّر المرأةُ في العناق.

هو يَخْرج

وهي تَدْخُل.

خلافاً للشكل المظنون في التواصل.

* * *

تتجنّب الحبّ حتى لا تصل بَعده إلى البغض.

تتجنّب البغض حتى لا تصل إلى اللامبالاة.

تتجنّب اللامبالاة حتى لا تصل إلى الحبّ.

تتجنّب الحبّ حتى لا تقع وراءه في القَفْر...

أنت كيفما درتَ خرابُ ما قَبْلَه، أو ذكرى نَفْسك.

موجةُ حركةٍ عمياء،

وصدى موجة...

* * *

كنتِ أجمل لأن ابتسامتكِ كانت ابتسامة فتاة مظلومة تُغالب حزنها، وتُسامِح.

كنتِ تُحرّكين شعوراً بالذنب تجاهكِ ونَخْوَةَ الحماية.

لما تَحَرّرتِ، فَرغتْ عيناكِ.

أأقول: واأسفاه على خوابي العذاب! وكلّ ما أبغيه هو بلاغته من دونه؟

* * *

المُبْغض يُعلّمكَ. المُحبّ يجمّلك.

* * *

حين تَمْجُنين تخدمكِ براءتُك، وحين تستعيدين هدوء التعقّل تخدمكِ في رأسي ذكرى مجونكِ.

* * *

إصغاؤها لشِعركَ أَشْعَرُ منه.

* * *

أحياناً يكون اكتفاء المرأة بإعطاء جسدها دون » روحها« هديّة طيّبة لا حرماناً.

* * *

كنتُ رافضاً ظلّي

والآن قَبِلْتُه

وصرتُ أُبصر ظلَّكِ أيضاً

الذهبَ السائل، العُرْيَ الهادر بشلاّل الغرائز

عُري نهديكِ الشبيه بابتسامةٍ سرّية

عُري بطنكِ الذي لا يغفو أَبداً

عري ظَهْركِ الذي يدور حوله القمر

عري فخذيكِ الطالع من الأعماق

عري وجهكِ الذي عَبَثاً يتعرّى.

ويعاود الخيالُ ميلاده

وتعاودين زيارةَ الخيال.

وفي حِمى هُيامٍ ينغرز فيَّ كخنجر القَدَر الضاحك من سباحتنا ضدَّه

أرى أن الواقع لم يَغْلبني

والخيبةَ لم تجفّف عيون الدهشة.

وإلى قلعة الجبل فوق ملايين السنين

قلعة الرغبات المتلاقية

أَدخلُ وتستقبلينني

يا كوكب النَومين،

وتحت شتائكِ اللوزُ والكرمة

وفي بطانتكِ الليليّة غفرانٌ وبداية

وقلبي أَمام دعوة وجهكِ

شهوةٌ تسْتنفر ذاكرتها

شهوةٌ مُطْلَقَةلا يلجمها ولا الله

شهوة تَكْبس جنوني بسلام الضياع الأخضر

وتُخلّصني من الحقيقة.

* * *

يداكِ الخفيّتان تفتحان أبوابي الخفيّة.

* * *

ذاتي الجامحةُ إليكِ تَشْتَغل كمعدنٍ تحت المطرقة

كنحاسٍ يتحوّل إلى ذَهَب

كذهبٍ إلى شمسٍ في مياه بحرها

كفجرٍ إلى غَسَق وغسقٍ إلى ذلك اللون الكحليّ الذي يتراءى لكِ أشبه بحُبِّ ما قبل الذاكرة

كحديدٍ إلى دم ودمٍ إلى روح

إلى روحٍ أَصفى من سمائها لأنّها عُرِكَتْ في الخيبة الأشدّ من اليأس

ذاتي الجامحة إليكِ

الراكنة إليكِ

لا تطلب أن تولد من جديد ذاتاً أبديّة

بل أن تَمضي هذه اللحظةُ هنيئةً كالنوم البسيط

وهذا اليومُ بلا جروح، كالراحة المستحقَّة

وهذا العمرُ في ظلّكِ حيث النور أَعمق،

حتى يجيءالموت حين يجيء

أخفَّ من هواء الحريّة،

فكما أن الموت هو خَيَالُ الحياة

كذلك الحب هو خَيَالُ الموت،

وذاتي الجامحة إليكِ

لن يؤذيَها شرٌ بعد الآن

لأنّها حيث تنظر عَبْر وجهكِ

لا تسمع غير شوقها

ولا ترى غير حُلمها

ولا تخاف

ما دمتِ اللّحظة وراء اللّحظة وراء اللّحظة

إلى أَن يسْكُت العصفور.

* * *

من شدّة الظلّ صرتُ شمساً خضراء

* * *

لا أُدافع عن الماضي بل عن أُمّي.

الحوار المتمدن

******

شعراء ومثقفون ينعون الشاعر الكبير أنسي الحاج

إيهاب طاهر

الأربعاء 19-02 - 12:00 ص

الشاعر أنسي الحاج

كان خبر وفاة رائد قصيدة النثر أنسي الحاج مؤلمة وقاسية على كل الشعراء والادباء والمثقفون في الوطن العربي، جعلتهم في حالة اندهاش فكما كان "الحاج" يدهش العالم بقصائده النثرية وتفردها وغرابيتها التجاوزية والابتكارية ؛ ادهشهم اليوم بخبر وفاته المفاجئ، وكأن الدهشة قدر لها أن تلازم هذا العملاق في كتاباته وحياته فراحوا يعبرون عن شديد حزنهم على فجيعتهم في وفاه "الحاج "

الشاعر ناصر دويدار
حيث نعى الشاعر ناصر دويدار، أنسي الحاج قائلا: "انسي الحاج. هو موسوعة متنقلة تحمل الورد والفل والياسمين للعابرين عبر الزمن وتحمل نقاء الطرح لمبدع نقى.. كما قال عنه ادونيس.
وأضاف دويدار: يعتبر أنسي الحاج حاله من الشعر والقصة والصحافة تحمل هموم وطن كامل.. انس الحاج قرات له نص قديم يفتتحه بأغنية فيروز وقف يا سمر في ألك عندي كلام.. وقعت في حبه من أول مرة، وذلك لسهولة الصياغة التي تصل للمتلقي من أول وهلة وكان يحكى قصة غرام بين فتى وفتاة من خلال هذه الأغنية...الله يرحمه".

الشاعر حسن طلب
اما الشاعر حسن طلب قال معلقًا على وفاة الشاعر اللبناني الكبير أنسي الحاج اليوم: لقد اتسعت دائرة الأحزان في الفترة الأخيرة فقد فقدنا اليوم أنسي الحاج ومنذ أيام قليلة فقدنا جوزيف حرب وقبله فقدنا الشاعر الكبير أحمد فؤاد نجم.
وأضاف طلب: يتميز أنسي بصوته المتفرد في مدرسة الشعر النثري وعلي هامش ذكراه لا بد من ذكر كل من فارقونا منذ قليل من شعراء وكأن الأحزان تستدعي بعضها بعضا كلهم رحلوا تباعًا بعد أن لعبوا دورًا بارزًا ساهم في دعم الشعر العربي والثقافة العربية.

الشاعرة المغربية دنيا الشدادي
في البداية قالت الشاعرة المغربية دنيا الشدادي: لقد فقدنا رائدًا من روّاد النهضة الشعرية العربية وعميدًا من عمداء قصيدة النثر الذين كان لهم السبق في تغيير خارطة الشعر العربي، إلى جانب الشاعر أدونيس وغيرهما رحل أنسي الحاج، فأي عزاء بعده؟
وحول تقييمها لمن اقتفى أثر "الحاج" أضافت الشدادي: لا نستطيع أن نقول إن من جاء بعد جيل رواد قصيدة النثر، كانوا على مستوى المسئولية أو إنهم قد أساؤوا لها، ولكن تظل محاولات لتسلّم المشعل، بعضها قد نجح في اقتفاء الأثر وبعضها مازال يتخبط لا يلوي على إبداع، والبعض الآخر يتطفل على الشعر عموما نثرا وغيره

الشاعر أحمد سويلم
قال الشاعر "أحمد سويلم" أن الشاعر اللبناني "أنسي الحاج" استطاع التمرد على قصيدة التفعيلة التي قام بكتابتها، واستطاع التدرج في الإيقاع العربي السليم للشعر، ليستقر على قصيدة "التفعيلة" ويقوم بكتابتها ليبرز تميزا واضحا فيها، يضعه في مصاف الشعراء البارزين اللذين أخلصوا لها وحاكوا تجربتهم برقة بالغة تحتاج لمتذوق غير عادي ومختلف لفك جمالياتها
مضيفا أن كل ما جاءوا بعد "الحاج" قاموا بمحاكاة تجربته الشعرية ولكن ظلت تجربته الرائدة في قصيده النثر تعتمد على الإيقاعات الداخلية التي ميزتها.

الشاعر سامح محجوب
وقال الشاعر سامح محجوب تعليقًا على خبر وفاة الشاعر العملاق والكاتب الصحفي أنسي الحاج: رحل عن عالمنا شاعر مختلف ومتجدد في كل شيء في اللغة ومنطق الكتابة والرؤية والتشكيل، شاعر لا تستطيع الفكاك من ظله بسهولة، وهو في اختلافه وتفرده كأنه يخاطب شجاعتنا النفسية ويشعرنا بأهمية أن يكون المرء هو نفسه وليس نسخة مقلدة عن الآخرين.
وأضاف سامح: لم يرحل أنسي الحاج إلا بجسده فهو من الشعراء الذين يتركون من يتحيز لهم ولتجربتهم، ولذا سيمتد تأثيره في الأجيال اللاحقة لقصيدة النثر التي كان أحد عرابيها الكبار إبداعًا وتنظيرًا نقديًا.

الشاعر عاطف عبد العزيز
علق الشاعر عاطف عبد العزيز، على خبر وفاة الشاعر الأبرز لقصيدة النثر العربية أنسي الحاج، قائلا: إن يد الحاج على الشعر والحداثة لا يمكن نكرانها أبدًا، وبالطبع فإن جيلي والأجيال التي سبقتني تأثرت بتجربته الرائدة منذ إصدار ديوانه الفارق "لن".
وقال عبد العزيز إنا ممن تعلموا على يد أنسي الحاج وإن كنت لم أتأثر بطريقته، لأنه علمنا أن الشاعر الحق لابد أن يبحث عن صوته الخاص وعلمنا "الثورة على الأب".
وأضاف: لقد ظل أنسي الحاج متألقًا ومجددًا طوال حياته وأعتبر أن ديوانه "الرسولة بشعرها الطويل" منعطفًا هامًا في مشواره الإبداعي، ومما لا يجب أن ننساه أيضًا أنه كان قيمة أخلاقية وضرب المثل في التعالي على الصغائر.
كما يجب ألا ننسى جهوده التي بذلها في مضمار الصحافة الأدبية والتي كان منها إصداره للملحق الثقافي لجريدة "النهار" البيروتية، رحم الله هذا الشاعر الفذ.

الناقد صلاح السروي
اما الناقد دكتور صلاح السروي أستاذ الأدب المقارن بكلية الآداب جامعة حلوان قال تعليقًا على خبر وفاة الشاعر الكبير أنسي الحاج رائد قصيدة النثر في الوطن العربي والكاتب الصحفي الكبير: لاشك أن الحاج هو أحد أهم رواد قصيدة النثر في جذرها الشامي؛ فقصيدة النثر لها جذرين أحدهما مصري يبدأ من حسين عفيف وصولًا إلى قصيدة شعراء السبعينات في جزء كبير منها ثم تفصح قصيدة النثر المصرية عن نفسها تمامًا في شعر جيل التسعينات، أما الجذر الشامي فيبدأ مع أنسي الحاج ومحمد الماغوط ليتخذ طريقه الخاص مع عباس بيضون.
وأضاف السروي: برحيل الحاج نكون قد خسرنا واحدًا من مؤسسي الشعرية العربية الأحدث حيث كانت العلاقة ممتدة بينه وبين قصيدة النثر الفرنسية وبخاصة عند "سوزان برنار".
وقال السروي: شعر أنسي الحاج يتميز بخيال منفلت تمامًا وبه جرأة عالية ولغة متجاوزة غير نمطية ولا تنتمي للقاموس الشعري الموروث بل هي لغة مبتكرة بالكامل، فضلًا عن كون شعره لا يتقيد بالإيقاع الصوتي ولا بالقافية بل يعتمد على ما يمكن تسميته بالإيقاع المعنوي أو الدلالي الذي يعتمد على تراوحات المعنى وتجاوبات الدلالة، وقصائده بشكل عام تتميز بالقصر والاقتصاد اللغوي الشديد مما منح شعره قدرًا كبيرًا من الكثافة بما يجعله منفتحًا على إمكانيات تأويلية هائلة.

الشاعر محمد إبراهيم أبو سنة
بينما عبر الشاعر الكبير "محمد إبراهيم أبو سنة " عن صدمته الكبيرة لرحيل الشاعر اللبناني " أنسي الحاج" مؤكدا أنه التقى مؤخرا ً بابنته وهي شاعرة مهمة أيضًا، وكان يطمئن من خلالها على أبيها الراحل، وأنه عندما قرأ أشعارها المتميزة عرف أنها تستحق أن تكون ابنته، وأضاف "أبو سنة " أن لبنان في شهر واحد قد خسرت علامتين بارزتين في تاريخها الشعري لرحيل كلا من جوزيف حرب وأنسي الحاج وكانا يمثلان زهرتين متألقتين في تاريخ الشعر العربي. مؤكدا في الوقت نفسه أنه رغم أن أنسي الحاج كان شاعر صعب التذوق والتلقي غير أن قصيدته النثرية قد حفرت لنفسها مكانا متميزا نئت بنفسها عن المضامين السياسية والاجتماعية لتظل وفية للمدرسة الشعرية التي تمثلت في "مجلة الشعر" والتي برز من خلالها تفرده الشعري عبر ديوانه "لن" الذي كتبه في نهاية الخمسينات والذي جعلته أقرب إلى مدرسة الشعر الصافي.

الشاعر أسامة الحداد
قال الشاعر أسامة الحداد تعليقًا على وفاة الشاعر الكبير "أنسي الحاج": لقد رحل شاعر مدهش بكل معاني الكلمة، مدهش في تفرده وقامته الشعرية وصوته المتميز، لا يماري إنسان في كون الحاج أحد الآباء الشرعيين لقصيدة النثر العربية وأن رحيله خسارة هائلة للشعر خاصة وللثقافة بشكل عام؛ فدوره الريادي ﻻ يمكن تجاوزه ونصوصه الشعرية تمثل حالة خاصة.
وأضاف الحداد: إن الحاج يعد من بين من قادوا الثورة ضد التقليدية من خلال منجزه الشعرى ودوره الفعال في مجلة "شعر" البيروتي التي كرست للحداثة وسعت لهدم الأبنية الجامدة للثقافة العربية أحادية الروى.
العربية ولم يكتب قصيدة واحدة خارج هذا النمط، وسيظل ديوانه الأول الذي سماه " لن" معلمًا رمزيًا كبيرًا في الخروج على السياق الأدبي.

الشاعر فاروق شوشة
بينما وصف الشاعر الكبير فاروق شوشة رحيل الشاعر اللبناني أنسي الحاج بالخسارة الفادحة للشعر العربي في لبنان.
وأضاف شوشة: إن رحيل الشاعر الكبير أنسي الحاج خبر مؤلم لأنه أحد رواد قصيدة النثر وقد أسهم في أن يمنحها مصداقية كبيرة لدى القراء والنقاد، وكان لتوهج الحاج في تصوير نوازعه الإنسانية والعاطفية عبر قصيدة النثر، أثر كبير في ترسيخها.
وتابع: أن رحيل الحاج يعد الخسارة الثانية للشعر اللبناني بعد رحيل جوزيف حرب الأسبوع الماضي، ومع ذلك فإنني أعتقد أن لبنان سوف تتعافى سريعا من هذه الصدمات لتبزغ أسماء جديدة تحل محل الاسماء الكبيرة.

******

_________________


حسن بلم
♪♫.. الادارة..♫♪
avatar
رسالة sms : سيرى ببطئ ياحياة
لكى أراك بكامل النقصان حولى
كم نسيتك فى خضمك
باحثا عنى وعنك
وكلما أدركت سرا منك
قلت بقسوة
مأجهلك!!!!
ذكر
عدد المساهمات : 10411
الاٍقامة : وراء الأفق حيث لاشئ سواى وحبيبتى
العمل : مهندس
نوسا البحر :
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
2014-02-20, 6:34 am
أنسي الحاج ناثر الدهشة.. وداعًا

الشاعر في هذا الخضم البشري الهادر: هو الذي يتقدم الآخرين
أعد الملف: إيهاب طاهر ومحمد حافظ وإسراء عبد التواب وحاتم السروي

إشراف: سامح قاسم

* أنسي.. الخالق من النثر شعرا

مات من قال عنه الشاعر أدونيس: "إنه الأنقى بيننا"، مات أنسي الحاج رائد قصيدة النثر، الذي عاش مقتنعا بأن كل البشر هم ضحايا وجرحى الوجود، والشاعر في هذا الخضم البشري الهادر، هو الذي يتقدم الآخرين لأنه يتميز عنهم بتطلعه نحو عالم أكثر رحمة، هذا التطلع ليس إلا الشعر، لا يختلف شعر عن آخر إلا بمقدار وكيفية هذا التطلع.
وكما يقول الشاعر" إبراهيم داود" فإن أنسى هو علم قصيدة النثر المبرز فديوانه «لن» «1960» هو الإعلان الرسمي لها، وهو انتفاضة ضد القيد والصرامة، لقد كان طموح أنسي أن يحقق حرية الانطلاق بالشعر العربي إلى فضاءات دلالية ولغوية جديدة، وقد حاول جاهدًا أن يصل إلى الشكل المبتكر الذي تحدث عنه "بودلير" والذي من خصائصه أنه مرن ويتوافق مع حركات النفس الغنائية..
ومنذ ديوانه الأول "لن" مرورا بـ "الرأس المقطوع" و"ماضى الأيام الآتية"، و"ماذا صنعت بالذهب ماذا صنعت بالوردة؟".. حفر "الحاج" مجرى عظيما في ذائقة عشاق الشعر، وأثر في الأجيال الجديدة أكثر من الآخرين، لأنه أخلص لفن الشعر، وأثر أيضا في مهنة الصحافة التي بذل عمره في بلاطها، نثر أنسى المولود سنة 1937، هو فتح في السرد، ومقالاته التي صدرت في ثلاث مجلدات هي مصدر إلهام، وللأسف الشديد لم يقرأ جيدا في مصر، ربما بسبب الخيال التقليدي الذي يدير الثقافة الرسمية، ولكن منزلته عالية عند الشباب الحالم بالتغيير.

أنسي الحاج.. صاحب أول مجموعة نثر في اللغة العربية
أنسي لويس الحاج(1937 -2014) شاعر لبناني معاصر، وهو ابن الصحفي والمتّرجم لويس الحاج،تعلّم في مدرسة الليسيه الفرنسية ثم في معهد الحكمة.
بدأ ينشر قصصًا قصيرة وأبحاثًا وقصائد منذ 1954 في المجلاّت الأدبية..وهو على مقاعد الدراسة الثانوية، دخل الصحافة اليومية بـ(جريدة "الحياة" ثم "النهار") محترفًا عام 1956، كمسئول عن الصفحة الأدبية.
ولم يلبث أن استقر في "النهار" حيث حرر الزوايا غير السياسية سنوات ثم حوّل الزاوية الأدبية اليومية إلى صفحة ادبية يومية.
عام 1964 أصدر "الملحق" الثقافي الأسبوعي عن جريدة "النهار" وظلّ يصدره حتى 1974. وعاونه في النصف الأول من هذه الحقبة شوقي ابي شقرا،عام 1957 ساهم مع يوسف الخال وأدونيس في تأسيس مجلة "شعر"، وعام 1960 أصدر في منشوراتها ديوانه الأول "لن"، وهو أول مجموعة قصائد نثر في اللغة العربية.
له ستّ مجموعات شعرية "لن" 1960، "الرأس المقطوع" 1963، "ماضي الأيام الآتية" 1965، "ماذا صنعت بالذهب ماذا فعلت بالوردة" 1970، "الرسولة بشعرها الطويل حتى الينابيع" 1975، "الوليمة "1994 وله كتاب مقالات في ثلاثة أجزاء هو "كلمات كلمات كلمات" 1978، وكتاب في التأمل الفلسفي والوجداني هو "خواتم" في جزئيين 1991 و1997، ومجموعة مؤلفات لم تنشر بعد. و"خواتم" الجزء الثالث قيد الاعداد،
تولى رئاسة تحرير العديد من المجلات إلى جانب عمله الدائم في "النهار"، وبينها "الحسناء" 1966 و"النهار العربي والدولي" بين 1977 و1989.
نقل إلى العربية منذ 1963 أكثر من عشر مسرحيات لشكسبير ويونيسكو ودورنمات وكامو وبريخت وسواهم، وقد مثلتها فرق مدرسة التمثيل الحديث (مهرجانات بعلبك)، ونضال الأشقر وروجيه عساف وشكيب خوري وبرج فازليان.
متزوج من ليلى ضو (منذ 1957) ولهما ندى ولويس.
رئيس تحرير "النهار" من 1992 إلى 30 يونيو 2003 تاريخ استقـالته.
تُرجمت مختارات من قصائده إلى الفرنسية والإنجليزية والألمانية والبرتغالية والارمنية والفنلندية. صدرت انطولوجيا "الابد الطيّار" بالفرنسية في باريس عن دار "أكت سود" عام 1997 وانطولوجيا " الحب والذئب الحب وغيري" بالألمانية مع الاصول العربية في برلين عام 1998. الأولى اشرف عليها وقدّم لها عبد القادر الجنابي والأخرى ترجمها خالد المعالي وهربرت بيكر.
يعتبر أنسي الحاج من رواد " قصيدة النثر " في الشعر العربي المعاصر.

*مؤلفاته
ديوان " لن"، ديوان "الرأس المقطوع"،ديوان " ماضي الأيام الآتية"، ديوان " ماذا صنعت بالذهب، ماذا فعلت بالوردة؟"،ديوان "الرسولة بشعرها الطويل حتى الينابيع"،ديوان "الوليمة"،كتاب "كلمات كلمات كلمات" / ثلاثة اجزاء/مقالات، كتاب "خواتم"/جزآن،أنطولوجيا "الابد الطيّار" بالفرنسية في باريس عن دار "أكت سود"،
أنطولوجيا " الحب والذئب الحب وغيري" بالألمانية مع الاصول العربية في برلين،
في 2007 صدرت الأعمال الكاملة لأنسي الحاج في طبعة شعبية، في ثلاثة مجلدات ضمن سلسلة “الأعمال الكاملة” عن “هيئة قصور الثقافة”. ضمّ المجلد الأوّل: "لن"، و"الرأس المقطوع"، و"ماضي الأيام الآتية".
والثاني: "ماذا صنعت بالذهب، ماذا فعلت بالوردة؟" و"الرسولة بشعرها الطويل حتى الــينابيع" و"الوليمة". فــيما حــوى الثالث كتاب "خواتم" بجزأيه.
فازليان، كما ترجم الكتاب الوحيد لأدولف هتلر "كفاحي"..

* شعر"أنسي" هو الجسد العاري
قال الشاعر عبد المنعم رمضان " في شعر أنسي هاجس يصدم شعراء جددًا كثيرين بات شائعًا لديهم هذه الأيام تمجيد البراءة، براءة المعرفة. أنسي يرفض تلك البراءة، كأنها أتربة علقت بجسد من الأفضل أن يغتسل لنراه عاريًا. شعر أنسي سيرينا هذا العري، ولغة شعره ليست كساءً شفافًا، ليست غيمةً، ليست وسيلةً ولا غايةً. إنّها الجسد العاري نفسه حيث عريه معرفة، وحيث معرفته عري.
- الشاعر إبراهيم داوود: "أنسي مع الماغوط وسعدي يوسف هم الآباء الشعريون للقصيدة الجديدة في مصر، وهم الأقرب إلى ذائقتنا".

كثيرون كتبوا ولايزالون قصيدة النثر، ولكن أنسي بين هؤلاء آمن بالنثر الخالص الطبيعي
"أنسي".. التجاوز يولد الابتكار
حين تقرأ شعر أنسي الحاج ترى اللغة العارية التي تجردت من كل غايتها، التي نعرف ولجأت إلى غايات جديدة، لغة طليعية تصدم كل من اقترب منها، كثيرون كتبوا ولايزالون قصيدة النثر بمنطق الشعر التقليدي، بمنطق الأسلاف لغةً وبناءً ولكن أنسي بين هؤلاء آمن بالنثر الخالص الطبيعي فمنحه شعرًا خالصًا وخاصًا، منحه أسراره وفتح له أبوابه المستعصية ، فهو يؤمن أن أدوات النثر تعمل لغايات شعرية ليس إلا ، فهو لا يستعير من تراث الشعر شيئًا يتوكأ عليه في قصيدة النثر، لكنه يخلق من النثر شعرًا ، هو يعرف أكثر من كل الشعراء أن النثر وحده فيه كل مقومات الشعر.

*الإيجاز والتوهج والمجانية.. شروط قصيدة النثر عند "أنسي"
كان أنسي الحاج يقول دائمًا أنه يرفض شرطة الجمال وحشرات التزييف الشعري والفني، لأنه يعرف الكلمات في جوهرها لا في مظهرها الزائف وربما استطعنا أن نتخيله وهو يسأل الكلمات، وربما العابرين، الاسلاف والمعاصرين.. هل يخرج من النثر قصيدة؟ أنسي الحاج أجاب بمفرده والآخرون أجابوا أيضًا، هو أجاب وانحاز إلى النثر وقال: قصيدة النثر عالم بلا مقابل، فقصيدة النثر كي تكون قصيدة حقًا لا قطعة نثر فنية أو محملّة بالشعر تتوافر فيها شروط ثلاثة ،الإيجاز والتوهج والمجانية وظل هكذا في كل أعماله.

"لن" البيان الرسمي لقصيدة النثر
وفي خريف 1960 كانت مقدمة ديوانه الأشهر " لن" البيان الرسمي لقصيدة النثر وفيها كان يسأل النثر عن الشعر، وجاءت الإجابة حافلة بالقلق في "الرأس المقطوع"، "ماضي الأيام الآتية"، "الرسولة بشعرها الطويل حتى الينابيع" – وبعد ثلاثين عامًا في مقدمة – خواتم – راح يكفر الكلمات نثرًا وشعرًا ، فلم تعد الكلمات تبلور الحقائق وتبدعها، يقول: لقد أصبحت الكلمات تنقل إلينا بلاغتها، في أي لغة كانت، لكنها لا تقيم بينها وبيننا تواصل الحب. القربان انفصل عن رمزه. هل ماتت الكلمة؟ وكان يسأل عن نفسه لا عن الكلمة ، كان يسأل عن موته بعد أن توقف عن الكتابة( لكوني عدت واستأنفت الكتابة وكأني عدت واستأنفت الحياة بعد موتي).

*كلمات "انسي" عارية كـ"آدم وحواء في الجنة
ويقول الناقد جرجس شكري: "في شعر أنسي الحاج الكلمات التي كانت في البدء، الكلمات العارية كحواء وآدم قبل طردهما من السماء، كلمات لا تشعر بالخجل من عريها تستطيع أن تواجه العالم دون أقنعة وتقف في القصائد مرفوعة الرأس بلا زينة.

*الشعر عند "انسي" كلام الصمت والحب فعله
فهو حليف الكلمات قبل أن يكسوها الأسلاف بملابس المجاز والاستعارة وكل عباءات البلاغة. والكلمات عنده تتخلص حتى معانيها التي نعرفها ، فالشعر كلام الصمت ( مامن فرق بين الشعر والحب إلا الأول كلام الصمت والآخر فعله) والكلمات عند الآخرين صاخبة ترتدي سراويل ومعاطف وأحذية وتضع كل أنواع المساحيق".
"انسي الحاج".. الراقص بنثرة بين الموت والحياة
كزهرة شتاء أرادت الاختباء في وردتها من البرودة، ظل الشاعر اللبناني "أنسي الحاج" في غيبوبته طويلا، قبل أن يختار الرحيل في نفس الشهر الذي.زودعنا فيه شاعر فيروز الرقيق "جوزيف حرب"، ليتركا لبنان حزينة وشجرات الأرز وحيدة في غياب المحبين
وبصمت هادئ وبعناد واضح ودعنا صاحب ديوان "لن" الذي جعله في مصاف شعراء قصيدة النثر اللذين استطاعوا التمرد بقوة على أنفسهم، وهو يجربون التدرج الشعري دون خجل ولا عنصرية، عندما هجر قصيدة التفعيلة التي كتبها في البدايات ليختار قصيدة النثر التي تحتاج لمتذوق غير عاد.
لقد كان "أنسي الحاج" يكره العادي ويحن دائما للابتكار كأي فنان متمرد يهوى الهروب من التكرار ليقتحم جماليات ومساحات باهرة، وقبل الموت كتب مرثيته الخاصة "لن أكون بينكم لأن ريشةً من عصفور في اللطيف الربيع ستكلل رأسي وشجر البرد سيكويني وامرأة باقية بعيدًا ستبكيني وبكاؤها كحياتي جميل.." بعدها اختار "الحاج" الرحيل ليترك "أدونيس" غارقا في الصدمة فلقد كان رفيقا له وليوسف الخال في تأسيس مجلة "الشعر" التي كانت صوتا حادا وفاصلا في تاريخ الشعر المعاصر

*صاحب وصف صوت فيروز بـ" هي شيء أكثر"
وكما ذاب "جوزيف حربا" عشقا لصوت فيروز اختار "الحاج" وهو عاشق لصوتها أيضا أن يعلن كذلك عجزه عن وصف صوتها، ولم يجد من الكلمات سوي عبارتين تلخص هذا الوله عندما يتم وضعها في مقارنه مع مطربات أخريات يكتفي "الحاج " بقوله "هي شيء أكثر".
الشاعر الذي ميزه الصمت والكلام القليل كان يختزنه دائما لشعره، ليكتب على مدى حياته ستة دواوين شعرية فقط، وبين كل ديوان وآخر كان يترك لنفسه مهلة طويلة من الصمت الجميل المتأمل كطبعه ليجعلنا نغرق في الخوف من أن يكون "الحاج" قد عزف عن الشعر فيبعث لنا طول الوقت بقصيدة نثرية تؤكد وجوده وفي نفس الوقت تؤكد أنه زاهد طول الوقت في الحياه.

*الراقص بنثرة بين الموت والحياة
كان يجيد الرقص بقصائده دائما في المسافة المبهرة بين الموت والحياة، فلا يترك نفسه فريسة لصخب الحياة ولا لكآبة الموت، ورغم أن مرض سرطان الكبد جعله دائما في مواجهه الموت.

*"انسي".. الموت خيال الحياة والحب خيال الموت
كان "أنسي " يهرب منه بالقصائد ليجمل ألمه ومعه كان يتدفق نبع إلهامه مع سيرته الذاتية التي كتبها ف"خواتم" لترقص الحكمة في أبياته الشعرية لتقول لنا "لا تطلب أن تولد من جديد ذاتًا أبدية بل أن تمضي هذه اللحظةُ هنيئةً كالنوم البسيط وهذا اليومُ بلا جروح، كالراحة المستحقَّ وهذا العمرُ في ظلك حيث النور أَعمق حتى يجيء الموت حين يجيء أخفَّ من هواء الحرية فكما أن الموت هو خيال الحياة كذلك الحب هو خيالُ الموت وذاتي الجامحة إليكِ لن يؤذيها شرٌ بعد الآن

شعراء ومثقفون ينعون ناثر الدهشة.. أنسي الحاج "..
دينا الشدادي: أي عزاء بعد رحيل الحاج ؟
سمير درويش: كان الحاج فارس من فرسان النثر الأنقياء
أحمد سويلم: الحاج رائد لقصيدة النثر
سامح محجوب: الحاج شاعر لا تستطيع الفكاك من ظله بسهولة
عاطف عبد العزيز: الحاج علمنا الن يكون لنا صوتنا الخاص
صلاح السروي: خسرنا برحيل الحاج أحد مؤسسي الشعرية العربية الأحدث
إبراهيم أبو سنة: الحاج نئي بشعرة عن المضامين السياسية والاجتماعية
أسامه الحداد: الحاج أحد الآباء الشرعيين لقصيدة النثر العربية
فاروق شوشة: رحيل الحاج خسارة فادحه للشعر العربي بلبنان

* كان خبر وفاة رائد قصيدة النثر أنسي الحاج مؤلمة وقاسية على كل الشعراء والادباء والمثقفون في الوطن العربي، جعلتهم في حالة اندهاش فكما كان "الحاج" يدهش العالم بقصائده النثرية وتفردها وغرابيتها التجاوزية والابتكارية ؛ ادهشهم اليوم بخبر وفاته المفاجئ، وكأن الدهشة قدر لها أن تلازم هذا العملاق في كتاباته وحياته فراحو يعبرون عن شديد حزنهم على فجيعتهم في وفاه "الحاج "

*دنيا الشدادي

في البداية قالت الشاعرة المغربية دنيا الشدادي: لقد فقدنا رائدًا من روّاد النهضة الشعرية العربية وعميدًا من عمداء قصيدة النثر الذين كان لهم السبق في تغيير خارطة الشعر العربي، إلى جانب الشاعر أدونيس وغيرهما رحل أنسي الحاج، فأي عزاء بعده؟
وحول تقييمها لمن اقتفى أثر "الحاج" أضافت الشدادي: لا نستطيع أن نقول إن من جاء بعد جيل رواد قصيدة النثر، كانوا على مستوى المسئولية أو إنهم قد أساؤوا لها، ولكن تظل محاولات لتسلّم المشعل، بعضها قد نجح في اقتفاء الأثر وبعضها مازال يتخبط لا يلوي على إبداع، والبعض الآخر يتطفل على الشعر عموما نثرا وغيره

* سمير درويش

كما نعى الشاعر سمير درويش، الشاعر الكبير أنسي الحاج، الذي وافته المنية اليوم، وبدأ حديثه مقتبسًا من كلام الراحل: "وليس الشعر ما يتعذر على النثر تقديمه، فالنثر منذ أقدم العصور وفي مختلف اللغات يحفل بالشعر حفلًا إذا قيس بشعر النظم يغلب عليه".
وأضاف درويش: إذن حسم "أنسي الحاج" قضية تفجر الشعر من النثر عام 1960، حين كتب مقدمة لديوانه الأول "لن"، الذي صدر في بيروت عن دار مجلة شعر، التي كان أنسي الحاج أحد أهم فرسانها، وأنقاهم كما قال عنه أدونيس.
تلك المقدمة بيان مبكر لـ"قصيدة النثر"، حينما كانت تُصوَّرُ كونها ضدًّا للشعر، وحينما كان شعراؤها يضطرون إلى التفرقة بين الشعر بمعناه الواسع العميق، وبين النظم، الذي لا يأخذ من الشعر إلا الإيقاع الرتيب.
وتابع درويش: قصائد أنسي الحاج، وغيره من شعراء "شعر" شكلت مرحلة طفولة "قصيدة النثر"، أو إرهاصاتها، لم تتخلص من جماليات القصيدة التقليدية، شعره وشعر جماعته كان موازيًا زمنيًّا لقصيدة التفعيلة، فديوانه الأول خرج للنور بعد ديوان "الناس في بلادي" لصلاح عبد الصبور بسنوات ثلاث فقط، علمًا بأنه كان ينشر القصائد في الدوريات قبلها بسنوات ولم يجمعه في دواوين، تخلص صلاح عبد الصبور من العدد المتساوي للتفعيلات في كل بيت، والقافية الموحدة، وتخلص أنسي ورفقاؤه من الإيقاع التراتبي كله.
يقول أنسي الحاج في قصيدته "كنا نحسب الفراغ نبيذًا": "كان صوتك هضبة تُغطّيها المياه/ وكانت مراكبنا سودًا/ أراضينا بورًا/ شموعنا صخورًا./ كُنّا نُخطئ بالصغيرة والكبيرة/ نحسب الفراغ نبيذًا/ والرملَ على الرمل: القمحَ والذهب./ وكُنّا نَحفظ الأوراق لنَحفظ/ ونَعبد الآثار لنعبد/ ونُخبّئ لنُخبّئ،/ حتّى جئت/ فلم ننظر إلى ما كان/ غير نظرة!/ ولمّا البحارُ تشقّقت/ وأشَعَّ صوتك/ هَوَينا إليه كمياه./ صرت المياه/ صرت المطر/ ونزل الوقت/ نُزول الرعاة من الهضبة

*************

ذهب وترك الهدايا التي لا تذهب

أنسي الحاج

جريدة الأخبار اللبنانيّة
السبت ٢١ كانون الاول ٢٠١٣

أنسي الحاج يستعجل اللاحقون دفن السابقين.
إنّها السلطة، في الأدب والفنون والأديان أيضاً. تقول خرافة شائعة إنّ الحضارة تَواصُلٌ واستمرار. ولكنّها خرافة. يرثُ الحاضرُ الماضي شاء أم أبى وليس في الغالب من باب الوفاء. وتَراها وراثة ووراثة. ولم يرث حقّاً إلّا مَن غار الإرث فيه غَوْر الليلِ في مجهوله.
على أنّ اللاحق ليس دوماً جديداً ولا بالحتم مجدّداً وإنّما يأتيه ذلك بتلاقي الضرورة والموهبة، والتاريخ والقَدَر، واللحظة والشخص.
ولا يكفي اللاحق أن لا يقلّد السابق، بل زد انوجاد اللاحق في زمنه انوجاد مَن يَقْطع مع السابق ثائراً غازياً أو مَن يَصل الأوقات وَصْلَ الملخّص لها والمتقدّم إلى الأمام منها بقدراتٍ هَدْميّة وبخَلْفيّة تُوجِدُ العَدَم.
ليست البداية مشيئة محض فرديّة ولا محطّة زمنيّة تعقبها محطّات. وليست الريادة طلائع وموجات بل هي بداية «وكأنّها» من صفر. بداية في غير معنى المتابعة والإكمال، فليس للفجر متابعة وإكمال، وكلّ فجرٍ هو البداية. بودلير رائدٌ دائم. مثله رمبو. قبلهما شكسبير. في العربيّة جميل والمتنبّي وابن الرّومي وأبو نواس. في الأغارقة هوميروس وأخيل وأوريبيد وسوفوكل وهيراقليط. في الفنّانين ميكل أنجيلو ورافاييل وباخ وموزار وبيتهوفن وفاغنر. غداً مَنْ؟ ثمّة في الغد روّاد هم في الحقيقة أصحاب الزمان لا أمس ولا اليوم ولا غداً بل في المسامّ والعروق والحواس والمعتركات.
ثم فيمَ التسابق على صفة الريادة وليست هي المرام _ إن يكن مرامٌ _ بل لحظةُ استحضارِ الحياة استحضاراً أقوى، استحضاراً يجدّد التعلّق بها؟ أليس هذا هو الأدب والفنّ والفكر والجمال؟ إنْ لم يكن هذا فما هو؟ وما التجديد وما شرعيّته إنْ لم يكن تنفيض الحياة؟ وهل غير بَعْث الحياة اسم للإنسان؟ فكيف بالخلّاق؟
في ضوء هذه المعاني _ التذكيرات لا يبقى لاصطراع الكلمات غير طنين الألفاظ الخاوية. كلمات «حداثة» و«تقليديّة» و«ريادة» و«اتباعيّة» و«طليعيّة» و«سلفيّة» قد تؤدّي دوراً في مرحلةٍ من مراحل النطق التغييري، ولكنّها ملتصقة بالأحوال التي أمْلَتْها وليست «شعارات أبديّة». من الواجب على كلّ زائر أنْ يُطلّ ومعه هداياه، أو أن يأتي فارغ اليدين مليء المهجة فتكون تقدمته مفاجأة أكبر. ليس الأدب صراع نفوذ بل نفوذه من انبلاج إشعاعه ولا شأن لعضلات «السلطة» وحِيَل الشطارة ووصوليّة النرجسيّة في إرساء «قيمةٍ» أدبيّة. ومهما يكن ذكاء المتعطّش شديداً فلا نفع منه في الحلول محلّ الأثر، يكون أو لا يكون. وليس هناك «أَدوار» فيأتي الواحد في أعقاب الآخر. لا ديموقراطيّة في الأدب. وإنّها لتدوم لغيرك وقد لا تؤول أبداً إليك.
الموضوع لم يتغيّر حرفٌ من سرّه منذ أوّل تصوير على أوّل جدار. أحبب وافعل ما تريد، يقول أغسطينوس. كنْ واكتب. كنْ ولحّن. كنْ وصوّر. كنْ، أيْ ذاتك أَطعمْ يديك. وليست العبرة في تراكم الخبرات وحده بل في عظمة التراكم في الذات، وربّ مراهقٍ أو طفلٍ بذي عصور.
عنف الداخل يفرش الخارج. يقتحم الدار ويفرض الصمت والإصغاء. عنف الدفق المكبوت يجيش ثم ينبجس فيرسم حوله دوائر الفراغ والترقّب والدهشة والصدمة والنفور والانذهال والحبّ. كلّ لحظة من هذا النوع هي فلذة أَبَد. وعلى قلّتها في التاريخ، فكلّ واحدةٍ منها تبدو أكبر من التاريخ، مع أنّه أطول منها بكثير، ولكنّها هي لحظة الحياة، اللحظة الإلهيّة في الحياة، اللحظة الأمّ، التي يؤلّف مجموعها القصّة السريّة والخلْفيّة والعليا لعظمة الإنسان، بل لما هو أنبل من عَظَمته ومن أيّ عَظَمة: لجمال يديه.

إيذاء
لا نرى كلمة «إيذاء» متداولة. القاموس يذكر الأذى والأذيّة. ألْحَقَ الأذى. القرآن يعتبر الأذى ضرراً خفيفاً. الجميع يورد: أساء، أضرّ، الإيذاء مستهجنة. ومع هذا يقهرنا المعنى على إدخال الياء بعد الألف توكيداً للوجع. الحَقَ الأذى مثل رشرش الملح. بعضالملح.
المؤذي مؤلم، لا ذلك الشاهر الأنياب فحسب بل خاصّة المرسال الذي يتوسّله القَدَر للهدم وهو ساهٍ عن القَدَر. لكن… أحقّاً لا يعرف وسيط الشؤم أنّه يبذر فتنة؟

الإنسان الكامل
الإنسان الكامل، في مفهوم الفكر الباطني، هو الذي انتقل من طور العالَم الأصغر الموجود في الإمكان (الكون مختزَلاً في إنسان) إلى طور العالم الأصغر (ميكروكوسم) الآخذ في الفعل. لقد أصبح الخلاصة التامة والفاعلة للعالم. يقول الجرجاني: «الإنسان الكامل هو التقاءُ جميع العوالم الإلهيّة بالعالم الطبيعي، والعوالم الكونيّة وتلك الجزئيّة. إنّه الكتاب الذي تجتمع فيه كلّ الكتب الإلهيّة والطبيعيّة (…) الروح الكونيّة هي قلب العالم الكبير كما أنّ الروح العاقلة هي قلب الإنسان، ولذلك يُسمّى العالم «الإنسانالكبير»..».

عابـــرات
رأيتُ الجانب الجوهريّ في استرجاع الوقت الضائع عندما ركض شخصان هذا من أوّل رصيف القطار وذاك من آخره وارتميا واحد على الآخر وأجهشا بالبكاء.
***
أين هو أيضاً الوقت الضائع؟ هو في عرقلة أحلامنا لأفعالنا.
***
لماذا الحبّ حَدَثٌ خارق؟ لأنّه يتألّف من مستحيلين: رغبةٌ ستجد نهايتها قريباً، وطرفٌ آخر لم يعرف بعد حظّه فيك.
***
عندما أتحامل على الحبّ لا أشعر أنّي أظلمه بل يحبطني عجزي عن المضيّ أبعد في التحامل.
***
كلّنا جرحى الوجود، وأحياناً الشاعر يتقدّم الآخرين، لا لأنّ جرحه مميّز، بل لأنّه يتميّز عن سائر الجرحى بتطلُّعٍ نحو عالم أكثر رحمة. هذا التطلُّع هو الشعر. لا يختلف شعرٌ عن شعر إلّا بهذا التطلُّع، وبزرقة الطفولة الصامدة وراء جهاد هذا التطلُّع.

فيروز..البطرك

فيروز _ أنسي الحاج

فيروز - أنسي الحاج فيروز صوتٌ يخترقُ دروعَ اللامبالاة، يبكّت ضميرَ الهزء، يطهّر النفس كما يطهّرها البكاء لا العقاب، محبّةُ الطفل لا مهادنة العدوّ. هذه السلطة الأخلاقيّة ليس مثلها لفلسفة ولا لتعليم. ربّما مثلها في شواهد خارقة. لا تُحبّ فيروز أن يُقال عنها «أسطورة» أو «أيقونة». كان عاصي يلقّبها بـ«البطرك» إشارة إلى المهابة ولم تضحك لهذه المداعبة. تكره التحنيط. تكره المصطلحات. تريد أن تتأكّد من حيويّة فنّها كلّ لحظة. عندما تسمع أغانيها الأولى تبتسم بتأثّر قائلة «يا الله هديك البنت!». تتعجّب لها، كما لو أنّها مغنّية أخرى. تجتاز أعمارها باضطرام وهدوء معاً، كما لو أنّها وُلدت الآن. لكنّها في الواقع غداً ستولد. الحفلة المقبلة هي الأولى. تحبّ ماضيها الفنّي ولا تتجمّد عنده. لا يوقف حلمها شيء. حلمٌ مُطْلَق. حلم بمَ؟ توقٌ إلى مَ؟ «أنا عندي حنين/ ما بعرف لمين». والجميل، المؤلم الجميل، أنْ لا تَعْرف. كل يوم ينبثق الفجر ويكتفي الزمن بدورته الرتيبة، إلّا فجر الفنّان، أمسه غير يومه ويومه غير غده. هذا المجهول هو الحبيب. هذا الخيال هو الذي يهفو إليه الشوق. هذا الجزء هو المبحوث عنه دون كَلَل. الجزء الناقص للكمال، فقط هذا، فقط بعدُ هذا، هذا هو! بلى، هو! وجدتُه! وجدتُه!
«كأنّها» وَجَدَتْهُ. لم يكن إلّا دَرَجة أخرى في السلّم. طيّبة هذه اللحظة، شكراً للّه! شكراً أيّها اللحن، أيّها الشعر، أيّها الجمهور الحبيب! شكراً يا ربّي على نجاحي! على صوتي! على أصدقائي! يا إلهي ما أكرمك! ولكنْ، ولكنْ، لمَ أقفرت الصالة بعد الحفلة؟ أين راحوا؟ «متل الحلم راحوا». وأنا أرجع الآن إلى العزلة، الانتظار، التحرُّق على هذا اللعين الذي لا يزال ناقصاً! هَبْني يا ربّ فرصةً جديدة علّني أجده فأرتاح! أرتاح! يا إلهي!…
ولن تَجِديه يا فيروز. حُلمكِ يحفرُ فيكِ كما يحفر النهرُ العظيم في الأرض. رُوحُكِ عَطّشها اللّه لتظلّ تضيء شموعَها الرائعة على طريق الرجاء.
نهرٌ هادرٌ وعطشان: هذا هو عذابُ الموهبة.

الأرض السائبــة- أنسي الحاج

أنسي الحاج

جريدة الأخبار
السبت 30 تشرين الثاني ٢٠١٣

هاملت اوفيليا- شكسبير

هاملت اوفيليا- شكسبير جديّاً؟
ممّا يستوقف في المشهد العربي منذ بدأ «ربيعه» أنّ البديل المتقدّم هنا وهناك ليس أفضل من الذين خُلعوا أو هم مرشّحون للخلع. يحكى عن ضرورة مرور وقت. يحكى عن الثورة الفرنسيّة. أمّا الوقت فلم يدخل ولن يدخل في الحساب العربي إلّا بالمقلوب. وأمّا الثورة الفرنسيّة فهل نحن جادّون حين نرتكب هذه المقارنة؟
إعادة اختراع
القتل على مراحل بلّد المشاعر. حتّى التلفزيون لم يعد يلتفت إلى المجازر. لا العراق ولا سوريا، مع أنّهما ضربا الأرقام القياسيّة. لقد تغيّرت مقاييس التراجيديا، صار الموت أصغر. لو حصلت اليوم أحداث الالياذة والأوديسه وكلّ تراجيديّات شكسبير في أفريقيا أو الشرق الأوسط لما استدعت بضعة أسطر في قاع صفحة داخليّة من الجريدة.
هذه الألفة مع الموت تساعد أهل الفقيد على استيعاب فقده وتغيير الموضوع، لكن يُخشى أن يرفض البعض الموت في ظروفٍ كهذه ويتشبّثوا بالحياة ريثما يصبح الوقت ملائماً للبكاء عليهم. وأكبر الظنّ، إذا استمرّت شلّالات الدم الفعليّة من هنا والقتل السينمائي الأميركي بإغراء سهولته من هناك، أكبر الظنّ أنّ البشريّة ستطالب بعد حين بإعادة اختراع الموت.
مطالعة ومشاهدة
مطالعة الصحف ترعب ومشاهدة التلفزيون تقطع الظهر. وما كان ذلك بمهمّ لو أنّ البلاد في أيدٍ أقوى من أيدي المواطنين، لكنّ نظرةً واحدة إلى طاقم السفينة اللبنانيّة تُغني عن الشرح. وهكذا صَدَق تحذير السيّد نصرالله لـ14 آذار وطلع ارتياح المحور الإيراني _ السوري في محلّه.
عند خلط الأوراق ابحث عن مكانِك وإنْ لم تجده فاصنعه. وهذا ينطبق على المنطقة كلّها من خليجها إلى المغرب. لقد وضع التذبذب الأميركي الجميع في حالة ضياع ودرجة الحدّة التي بلغتها السعوديّة في مجافاة أميركا ليس لها سابقة في تاريخ المملكة. والسؤال اليوم كيف سترجع الرياض إلى عهدها في الدبلوماسيّة الهادئة بعدما ذاقت طعم الغضب وكيف سيُعاد الإسلاميّون السلفيّون إلى مناخات التعايش مع الآخرين بعدما خرجوا بلا أقنعة وجرّدوا السيوف.
يبدو الشرق الأوسط أرضاً سائبة برسم مَن يخطفها.
«كلّما نضجت عاطفة السلام»
أقرأ في عدد 7 حزيران 1936 من جريدة «المكشوف» (الرقم 52) بتوقيع الياس أبو شبكة:
«كانت المساخر البشريّة تشهر الحروب بالسيف والبندقيّة فأصبحت تشهرها بالمدفع والمدمّرات. وقد تشهرها غداً بالكيمياء. بالكيمياء دون غيرها، فيقتل الألوف بدقيقة بدل أن يُقتلوا بساعة. وهذه لعمري طريقةٌ في سرعة الدمار والفناء تنضح في نفوس البشر كلّما نضجت فيها عاطفة السلام وفكرة الفلسفة!».
صمت
الخوف من الصمت. كما يخاف التائه في الغابة من احتمال وحش. للصمت جبينٌ مغلق وعاصف. الصمت ليس أنْ لا يكون لنا ما نقوله بل أن يكون الظلام فينا قد التهَمَ المساحة.
لا يقف في وجه الصمت غير العيون.
قطيعة
ـ ماذا تشعر أمام الإرهاب؟
ـ بأنّ في رأسي ماء. وأنت؟
ـ بالعجز المهين.
ـ العجز عن ردّ الفعل؟
ـ لا، العجز حيال الكلمات. أمام الإرهاب ما معنى الحريّة؟ ما معنى المطالعة، السينما، الموسيقى؟ الإرهاب قطيعة. إنّه أفظع ما أنتجه الإنسان.
قسوة
اليوم، لأوّل مرّة، تصطدم مشاعري بقسوةٍ لم أرَ مثلها. قد أرى أسوأ، كاللامبالاة والبرود، لكنّهما دون القسوة حَزّاً وخضّاً وتعنيفاً. في مَن يقسو عليك طارد بلا رحمة. وسيقول لك إنّ ذلك لتربيتك. وإنْ صحّ، فلهجةُ القسوة وتحجّرها ليسا أفضل من رخاوة الرخو.
بين الرخاوة والقسوة مساحةٌ للرحمة.
شرق وغرب
لم يعتد الشرق تبدّلات الغرب. لا يزال يحاكمه أخلاقيّاً. مع استثناء اثنين: سوريا ابتداءً من حافظ الأسد وإيران بعد الثورة الإسلاميّة. مسيحيّو لبنان لا يزالون يعتقدون أنّهم «حصّة» أميركا بعدما أمسوا خارج الحساب لا بل أحياناً للمقايضة. أمّا السعوديّة فيبدو أنّها بدأت تكتشف وجهاً حقيقيّاً من وجوه أميركا ظلّ شبه غائب عنها منذ عبد العزيز.
هامليتيّات
من مسرحيّة شكسبير
أيّتها الهشاشة! اسمُكِ امرأة.
(هاملت، مرتدياً الأسْوَد، في بداية المسرحيّة)
***
خافي يا أوفيليا، خافي يا شقيقتي الحبيبة،
قفي بعيداً من عاطفتك،
في منأى عن الرغبات الخطرة.
أعْقَلُ العذارى تسخو أكثر ممّا يجب
إذا أَرَتْ جمالها للقمر.
(لاييرت محذّراً شقيقته من الاستسلام إلى تودّد هاملت)
***
(بولونيوس، مستشار التاج، مخاطباً ابنته أوفيليا قبل دخول هاملت):
طالعي في هذا الكتاب
ستخففين عن وحدتك.
غالباً ما يُعاب علينا _ والبراهين كثيرةٌ على صوابيّة هذا اللوم _
أنّنا تحت مظهر الورع
وبأعمالٍ تقيّة
إنّما نغطّي بالسُكّرِ الشيطان.
هاملت _ تكون أو لا تكون، تلك هي المسألة كلّها.
أهو أنبل للنفس أن تتحمّل رجم الحجارة وطعن السهام من القَدَر الغاشم،
أو أن تحمل السلاح ضدّ الأمواج العدوّة ومواجهتها للخلاص؟
أن نموت… أن ننام،
لا شيء آخر.
(…) أن نموت… أن ننام.
***
(الملك قاتل أخيه والد هاملت):
أَمَا في السماواتِ الرحيمةِ مطر كافٍ
لتبييض هذه اليد الملعونة
وجعلها كالثلج؟
ما نفع الرحمة
ما لم تساعد على النظر إلى الجريمة في عينيها؟
ما نفع الصلاة بدون هذه القوّة المزدوجة
التي توقفنا عند حافة الهاوية
وتغفر لنا بعد السقوط؟ آه أنْ أستطيع رفع رأسي
وأعْبُر فوق خطيئتي… ولكنْ أيّ صلاةٍ أجد
فتكون هي الصلاة؟
(…) وكيف يُغْفَر لي وأنا محتفظٌ بثمرةِ جريمتي؟
وما حيلةُ التوبة، واأسفاه، عندما لا نعرف أن نتوب؟
***
(الملك قاتل أخيه والد هاملت):
أعرفُ أنّ الحبّ يولد في الزمن،
وما تقوله التجارب أنّ الزمن يقوم بإيهان شرارته وإخماد ناره.
في عمق أعماق لَهَب الحبّ
يُقيم بكامل حيويّته ذلك الفتيل
الذي يَتفحّم ويتفحّم حتّى إطفاء اللَهَب.
لا شيء ثابت على محض فضيلته
لأنّ الفضيلة تنمو حتّى الإفراط
وتموت من تخمة ذاتها.
ما نودّ أن نفعل
يجب أن نفعله فور الرغبة به،
لأنّ هذه الرغبة تتبدّل
وتعاني انهيارات ومعوّقات كثيرة
بمقدار كثرة اللغات والأيدي والحوادث.

مسيحيّــــون ويهــــود- أنسي الحاج

أنسي الحاج

جريدة الأخباراللبنانية
السبت ٥ تشرين الأول ٢٠١٣

مهدي ياغي

مهدي ياغي نحن (العرب عموماً) نتذمّر كلّما قرأنا أو شاهدنا يهوداً يستشهدون بيهودٍ ويعلون شأنهم حتّى لتبدو الحضارة، لمَن لا يعرف أو لمَن يُغْسَل دماغه بسهولة، صناعة اليهود وحدهم. ولكن هل انتبهنا إلى كوننا نحن المسيحيّين العرب غالباً ما نعظّم شأن التنويريّين في عصر النهضة، وغالبيّتهم مسيحيّة، وبالكاد نتذكّر، مثلاً، مساهمات جمال الدين الأفغاني وعبد الرحمن الكواكبي ومحمد عبده؟ وعندما نعرض للدور المهمّ الذي لعبه مسيحيّان في القرنين التاسع والعاشر هما حُنين بن إسحق ويحيى بن عُديّ، ألا ننسى أحياناً دوراً بالغ الأهميّة لعبه الوزير الفارسي جعفر البرمكي الذي تفوّق على أقرانه في الغوص على العلوم القديمة في شكلها الفارسي والهندي والبابلي بصورةٍ عامة، وشكلها الإغريقي واليوناني بصورةٍ خاصّة، كما ينوّه ماجد فخري في مقدمة كتابه: «تاريخ الفلسفة الإسلاميّة»؟
لا شكّ في بروز المسيحيّين العرب أدبيّاً وصحافيّاً نهايات القرن التاسع عشر ومطلع العشرين حتّى أواسطه وبدء ثلثه الأخير. ولا مبالغةَ في وصف كثرتهم بالطغيان، لا سيما في لبنان. ما العمل لتفادي الظهور كنخبةٍ عنصريّة؟ الحقّ أنّ المسلمين لم يظهروا إلّا قليلاً جدّاً ضيقاً بهذا الطغيان، فغالباً ما أقرّوا به واقعاً شرعيّاً وحاولوا محاكاته والاندماج فيه.
لقد بدأ الوضع يتغيّر منذ اندلاع حرب 1975. بعد شعراء الجنوب وعبّاس بيضون ومحمد العبد الله وشوقي بزيع، أصبح الطغيان لأدباء الشيعة ومفكّريهم كوضّاح شرارة وأحمد بيضون. سوف تحتاج هذه الحقبة إلى تأريخ في العمق وإلى مقارنتها بما قبلها. وفي النهاية لن يكون حسبانٌ إلّا للأدب والفكر ولا طغيانَ لسوى الخَلْق في معزلٍ عن الخنادق.
«هيدي القضيّة تَبَعْنا»
لفظة «هيدا» الموضوع، «هيدي» القضيّة، اشتهر بها بشير الجميّل: «هيدي القضيّة تَبَعْنا». يواظب عليها الشيخ أمين وابنه سامي. (الشيخ أمين يلفظ التاء طه. «نحن نعطبر أن…»). منذ إميل لحّود الأوّل نائب الثلاثينات والأربعينات وحميد فرنجيّة وبشارة الخوري لم يشتهر الساسة الموارنة بمتكلّمين. كانوا بالكاد يخلّصون أنفسهم بالدارج. وعلى العموم لم تسعفهم طبقات أصواتهم. إذ كانت إمّا مخنوقة كما عند كميل شمعون وإمّا «رفيعة» مثل ريمون إدّه وإمّا مبحوحة وانفعاليّة مثل بيار الجميّل. من جهة التلفزيون يكثر طوني خليفة من استعمال هيدي وهيدا مع الحيرة في اختيار الألفاظ والتردّد في إنهاء الجملة حتّى يتعب المشاهد نيابةً عنه. هذه علاجها التمرُّن فضلاً عن إعداد ما يمكن إعداده كتابةً. برنامج «للنشر» جيّد وجريء.
التوراة
الإخضاعات الفرويديّة والنفسيّة عموماً لم تقدّم ولم تؤخّر في تقييم مطالعاتي للتوراة. أعتقد أنّ من أسباب دوام تأثير هذا الكتاب تعامله مع أركان كياناتنا ومع خفايا القاع، ومع العنف والتوبة بلا أقنعة ثقافيّة. كلّ قارئ للتوراة هو مشتبك مع إلهها وأنبيائها وفي الوقت نفسه يظلّ يشعر أنّها مكان الجريمة الذي يعود إليه القاتل شاء أم أبى.
مهما يكن الله نرجسيّاً في ذهن الأنبياء، أعطاه داود ما يزيد ويفيض.
اليوم تكتشف وجهاً جديداً لمزمورٍ يفتح لك باب الإياب إلى الآب. غداً يكتشف الآب أنّه يضيع.
تشبه التوراة حقلاً يتلاقى فيه الأعضاء في بداية مسالمة وبألوان الفجر الجبليّة، ولا أحد يعرف بالتمام مَن الذي دعاه، ولا ما سيفعل بعد أن ينتهي من اللقاء.
نزوح الآلهة
بين الروايات الوثنيّة القديمة واحدة تقسم الخلائق الروحيّة أو الجنّ أربع طبقات، مجانسةً مع عناصر الطبيعة الأربعة: السِلْف، وهو كائنٌ هوائيّ، السمندل للنار، حوريّات البحر للماء، والأقزام (أو العفاريت) للتراب. وذهب بعض اللاهوتيّين المسيحيّين الغربيّين قبل أربعة قرون إلى القول إنّ هذه الكائنات الخرافيّة كانت في الأصل آلهة وإنّ هذه الآلهة لم تكن، لسبب أو لآخر، منخرطة في الصراع الذي دار بين الملائكة والشياطين، فلم يلحقها أذى، واستمرّت على وجودها بعدما أمسى ثانويّاً، وعندما تخلّى البشر عن عبادتها اكتفت برعاية الحيوانات الأليفة والمفيدة، بينما بسطت الشياطين سلطتها على البهائم المفترسة أو المنحطّة.
أمّا بعد المسيح، فيعتبر أولئك الشُرّاح أنّ الآلهة الكبار أو أنصاف الكبار نزحوا عن الأرض إلى الكواكب، منازلهم الأصليّة. هذا التأويل ساد القرون الوسطى، وبقوّة لدى أهل القِبالة ولا سيما في أوساط الفلكيّين والمنجّمين والخيميائيّين والأطبّاء. وهو مستمرّ إلى اليوم في الغرب على التقليد الإغريقي (السومري الكلداني أساساً) لعلوم الفلك أو على التقليد الصيني أو الهندي أو سواهما في حضارات أخرى.
العريس مهدي ياغي
لا يصدّق المرء أنّ هذا الشاب استشهد. رأيتُ وصيّته على مواقع التواصل الاجتماعي. الشاب مهدي ياغي. الضاحك الوسيم. أبى أن يضخّم أحد استشهاده وناشد أمّه الهدوء.
من أوّل وصيّته لآخرها وهو يضحك ويحاول جهده إضحاك مشاهديه. هل يموت فارسٌ كهذا؟ ألا يقهر الضحك الموت؟ ولماذا إذن نُمجِّدُ الضحك؟
يضحك ويعاتب نفسه على الأخطاء اللغويّة. يا مهدي أنت ذاهب للاستشهاد أم لاحتفال؟ لو تعطي كلّاً منّا نحن الجالسين وراء مكاتبهم ذرّةً من شجاعتك! ذرّةً من استخفافك بالموت! ذرّةً من عطفك الضاحك على الباقين أحياء!
هذا شهيدٌ عريس. بصرف النظر عمَّن يقاتل. لا تجوز التعزية به بل التهنئة. وزلغوطة على قَدّ بعلبك.
ضجر
عرفتُ ضجر أثرياء. يحاربونه بأرخص الأسعار. كأس، كتابة مذكرات، تلفونات، استمتاع كاذب بالموسيقى، ولائم كأنّها مباريات للثقلاء.
ثم النوم.
عرفت ضجر فقراء. أشدّ المدمنين. يحرمون عيالهم وأنفسهم لقمة العيش ليشحذوا شمّةَ كوكايين. ينفقون طاقاتهم الجنسيّة كمَن يسبح كي لا يغرق أو كي يغرق. يلعبون القمار مثل كبار الملياردريّة ووحدهم يليق بهم تبذير ما ليس لهم بل ما استدانوه.
اغتربوا أيّها الأدباء
على كلّ أديب لبناني أن يهرب إلى أميركا وأوروبا والآن إلى الصين والهند واليابان ليعيش هناك ثلاثة أرباع حياته ويقيم علاقات وتقام له مقامات ثم يعود ليموت في لبنان وسط الهالات. والأوفق أن يعود ميتاً خالصاً حتّى لا يغلط إذا سأله صحافي عن موضوع وأجابه المغترب المسجّى جواباً بلديّاً مسطولاً.
الأكاذيب المحليّة مكشوفة والأصاديق المحليّة لا تملأ العين. البلدان الصغيرة بحاجة إلى أحلام ضخمة. عد لهم بحقائب ألف ليلة وليلة.
ومت برّاً قبل العودة. سيكون نقل رفاتك احتفالاً مقدّساً لن تقوم منه لا حيّاً ولا ميتاً، والمولى راعيك.
عابــــــرات
الرائحة: بدأوا يستعملون بثّها في حفلات الغناء وراح الجمهور يتباوس. هنا الجمهور (ولا سيما النساء) محضّر للاحتمالات. تخيّل لو كنتَ على موعد مع شخص (أو شخصة) غير جاهزين للاقتراب كثيراً، وأحدهما راغبٌ في القرب.
***
كراهيّة الناس تُميت. وكراهيّة الأقربين أشدّ من الأبعدين. إذا تأكدتَ من كراهيّة أحد واجهه بالسؤال: «لماذا تكرهني؟». أيّاً يكن جوابه تكن أنت قد نَفَّسْتَ النحس إلى حين.
***
الإنسان لن يتقدّم كثيراً بعد اليوم. معظم البشر سيقيمون في حالات التخلّف والفقر والجهل التي اعتادوها. والأثرياء سيزدادون ثراءً.
الإنسان لن يتقدّم. كنّا نأمل في تقدّمه طبياً وجراحيّاً، ولكن أين؟ كلما أُحرز تقدُّم استحالَ تجارة. لماذا التقدّم حيث سيكون أداةً للاستغلال؟
الإنسان لن يتقدّم.
كلّ ما كان سيفعله «إنسانيّاً» فعله.
***
المتسامح يُحْتَقَر والمتشدّد يُبْغَض والمتوسّط يُخان بلا شغف.
***
سعادته تخيفه وتعرقله. تُكرّهه بسائر الرجال. تُحسّسه بخفّةٍ تشبه التفاهة. كان يفضّل سهولة المتعة على هذا العبء الذي ظاهره فرح وباطنُه تَخلُّف عن المكان الذي يحصل فيه الفرح الحقيقي.
***

لا تغفر المرأة لامرأةٍ أخرى أن تسرق منها رجلاً ولو لم تكن الأولى تحبّه… ولا الثانية!

لا تضعف، أقول له-أنسي الحاج

أنسي الحاج

جريدة الأخبار اللبنانيّة
السبت ٢٨ أيلول ٢٠١3

أنسي الحاج عدد القتلى اليوميّين في العراق: رئيس الحكومة يحذّر من اندلاع حربٍ أهليّة. هذا الحاصل اليوم ما هو؟ حضارةٌ أهليّة؟
نكاد ننسى الحرب في سوريا. الوحشيّة التي يتساقط بها القتلى في العراق بدأت تقنعنا بأنّنا لا نستحقّ معاملةً أفضل. وحوشْ ولمَ لا؟ أغبى ما في هذا أنّنا نحسب أنفسنا أسياد مصيرنا.
يكتب فاروق يوسف في «ملحق النهار» تحت عنوان: «نحن خير أمّةٍ أُخرجتْ للناس»: «حينها تذكّرتُ قتلى الحرب العراقيّة _ الإيرانيّة من الطرفين المؤمنين. كان العراق يرسل شهداءه إلى الآخرة بعد أن يعدّهم للالتحاق بسعد بن أبي وقّاص ورفاقه في معركة القادسيّة الأولى. في المقابل كانت إيران تفعل الشيء نفسه، غير أنّ شهداءها كانوا يلتحقون بقتلى موقعة الطفّ، وفي مقدّمهم يقف أبو عبد الله الحسين. كانت المفاتيح الصغيرة التي صُنعت في الصين هي الرمز السريّ الذي تتعرّف من خلاله الملائكة إلى ضالّتها. علينا أن نتخيّل مشهد الضحايا هناك. أقصد في مكان الانتظار. مَن قَتَل مَن؟ الماكينة نفسها لا تزال تعمل في أماكن مختلفة من العالم العربي».
شرق أوسط الموت. لكنّ أميركا أطلّت على إيران بابتسامة، فلنستبشر. ما نحن إلّا براغٍ في الماكينة.
***
شهر أيلول شهر الكلمات الطويلة. غدّار. دامع العينين على فراغ قلب. شهر انغلاق أبواب وانفتاح أبواب.
السائل عنك يوحي لك أنّه يشاطرك. أحاول أن أحصي اللامبالين. الخروج من هذه السيرة يحصيهم وينهيهم. لا تضعف، أقول له.
***
أرى وأسمع موسيقى «أرتي» أو «ميتزو» فأقول: لماذا لا يتعهّدنا هؤلاء؟ ثم أضجر. ويأتي دور بان كي مون والصليب الأحمر فأقول هذا هو الحلّ. لكنّ المرجعين المذكورين لا يريدان. ثم أقول لمَ لا تحتضننا فرنسا؟ خبزها طيّب وعندهم مكان لكلّ واحد. وطبعاً فرنسا ترفض فلا يبقى غير أميركا. لكنّ أميركا لا تريدنا الآن قبل أن تنتهي من تمزيقنا.
إذاً مَن؟ الروس؟
لا حول ولا قوّة إلّا بالله!
***
من الكتب التي وجدتها لدى عودتي إلى «الأخبار»: «شعراء أعلام من المشرق العربي» للدكتور ميشال خليل جحا. دارا «صادر» و«نلسن». 778 صفحة من القطع السميك. تصدير لإحسان عبّاس. من أفضل ما في هذا الكتاب أنّه لم يذكرني. يقول في مقدّمته: «أنا أعترف بأنّ هناك شعراء مهمّين لم يتّسع المجال لتناولهم في هذا الكتاب. إنّ عدم تناولهم لا يعني أبداً إنقاصاً من قيمتهم». من الواجب الشكر. لا أحسد سائر الشعراء على ضبّهم في هذا الكيس.
من الكتب الواردة «نقولا الحداد الأديب العالِم» لسلمى مرشاق سليم، عن الشامي المصري الصيدلي الكاتب. «نموذج كامل الأوصاف عن المثقف في طبعاته العربيّة الأولى». كنّا نتمنى خلوّ الغلاف الأخير من عبارتَي «الصيدلاني _ الأديب في آن واللبناني _ المصري في آن». لا معنى للفظة آن وحدها دون تحويلها إلى عبارة كاملة كقولك «في آن واحد». أو «في الآن ذاته».
بين الكتب الجديدة «من جورج واشنطن إلى أوباما _ الولايات المتحدة والنظام الدولي» للدكتور حسين كنعان، عن «دار النهار». ينظر المؤلّف بعطف وإيجابيّة إلى الموضوع الأميركي ولا يستعديه سلفاً ويشير إلى منابع يستطيع القارئ العربي من خلالها فهم العقليّة الأميركيّة فهماً أعمق.
مفاجأة أخيرة: كتاب «الشوير وتلالها _ سجلّ مصوّر» لبدر الحاج، عن «دار كتب». الصورة الأولى لمصوّر مجهول: الدكتور خليل سعاده وعائلته في 20/11/1912. الصورة الثانية لنسيب خنيصر عن كنيسة المخلّص للروم الكاثوليك في ضهور الشوير في الثلاثينات من القرن العشرين. الصورة الثالثة لوديع مجاعص، صفحة زجاجيّة تمثّل غطّاس عطايا حوالى عقد العشرينات من القرن الماضي. الرابعة لوديع مجاعص عن رشيد زغيب حوالى عقد 1920. الخامسة لنسيب خنيصر عن سيّدة شويريّة حوالى عقد 1930. إلى المقدمة فالأقسام. أعرف كثيرين، أنا منهم، سيتحلّب ريقهم لتصفّح هذا الكتاب ويتمنّون لو كان لبلداتهم وقراهم مثله. غزير، بكفيا، زوق مكايل، جزّين، تنورين، عمشيت، عاليه، دير القمر، بيت الدين، حصرون، اهدن، بشري، بنت جبيل، مرجعيون، راشيا، بعلبك، زحلة، انطلياس، دوما، بيت شباب… مشروع يحتاج إلى وزارة ثقافة. ولبنان بحاجة إلى وزارة ثقافة أكثر ممّا هو بحاجة إلى حكومة.
ماضينا متجذّر في رؤوسنا. نستعيده في الفولكلور الغنائي فلماذا لا يُستعاد أيضاً بالصورة والكلمة؟ مشروع كمشروع بدر الحاج غرسةٌ في حقلٍ فارغ. دعونا نراه يتوالد.
***
كان أبي يقول لي: «عمول حالك مش عارف». بهذا كان يعالج ثلاثة أرباع مشاكله. الصديق إميل منعم يذهب أبعد: «اليوم _ يقول _ يموت الواحد ثم يسترجعونه. يكون ممزّقاً إرباً ويعيدون تركيبه. لا تنقّوا. يعيش نيتشه!».
كان نيتشه يكابر. يزكزك نفسه ليقهقه. أما من قوّةٍ سوى هذه؟ أما من صحّة حقيقيّة؟
أهل الجبال.
قوّة ابن الجبل.
بثقافة وبدونها.
***
هذه المرأة التي تترقوَص على الشاشة أهذه هي الفرح؟
أعدني أرجوك إلى الهورس شو، عند السيّد منح دبغي، قبل الحرب (أيّ حرب!؟) بأربعين سنة. كنّا ملوكاً. أرادت إحدى الأطروحات أن تكتشفني. أيّها الأعزّاء الذين تغارون عليّ ولا تعرفون مَن أنا، كم كتاباً يجب أن يؤلّف المرء؟ كم قرناً يلزم أن ينشر في صحف لبنان حتّى يصبح معروفاً؟ كم قرناً يلزم لهذه الأجيال حتّى تعرف آباءها؟ أجدادها؟ لعلّنا يجب أن نُطوّب قدّيسين. لكن ألسنا كذلك؟ هل في لبنان قدّيس أكثر ممّن أمضى الأعمار يكتب في بلدِ الأجرة والثراء الأسرع من البرق وهو لا يزال يحتاج إلى نوّاصة كي يراه اثنان ثلاثة من العابرين؟
***
هل يمكن أن أقول ما لم أقل؟ بعضه، بعضه فقط!؟ ترتعد أوصالي لمجرّد الخاطرة. قد يؤتى هذا في «الحالات الثانية»، تحت البنج، أو في مسامرة تجرف خلالها الحماسة حواجز وتفكّ قيوداً، لكنّها سوانح. ليتني أنام وتنطق ذاكرتي وذهني فيما أحدٌ يسجّل لي. كأنّ كلّ ما حصل معي أو شهدتُ له أو عليه حصل ثقة منه بامتناعي عن ترداده. إذا كانت هذه وساماً لي من القَدَر فأستطيع أن أعتبره لا رشوة فحسب بل سجناً. إنّه القفص الذي أُسرَتْ فيه روحي باسم الوفاء.
ولستُ نادماً حقّاً ولا آسفاً إلى حدود التراجع. إنْ هيَ إلّا أَنّة.
عابــــــرات
نظرةٌ تجد فوراً نقطة الضعف فيك مهما كنتَ مغلّفاً، وتخترقها.
***
العينُ تَشتدُّ حين يلين القلب، والقلبُ شديدٌ حين العين طريّة.
***
يسقط عنّا سحر فنطارد سحراً آخر. وُلد الشعراء ليقعوا في الحبائل. إنّهم غرباء الأمم، والكبير فيهم، من فرط غربته، لا يعرف إنْ كان يمشي على الأرض أو هي الأرض تمشي عليه.
***

كما يخلق الله كائناتٍ لا تُصدّق أنّه خَلَقها، يخلق الشاعر أشخاصاً ومناخات، أحلاماً واستجابات، ولا يصدّقه أحد.

الله يعرف مسبقاً. الشاعر لا يعرف.

حميميّــــة [3] -أنسي الحاج

سبتمبر 14, 2013

أنسي الحاج

جريدة الأخبار اللبنانية

أنسي الحاج اتخذت حلقتا «حميميّة» (الانطباع الأوّل) طابعاً لم أرده لها، وآلمني أن يعتقد أصدقاء أنّي أغفلتهم بموقف استبعادي. لكنّها الذاكرة ولا شيء آخر. ذاكرة خائنة ومسوّدة للوجه. أورد هنا حلقة ثالثة، وأنا متأكّد من كوني سأنسى أيضاً مَن يجب أن لا أنساهم، وأرجو

_________________


حسن بلم
♪♫.. الادارة..♫♪
avatar
رسالة sms : سيرى ببطئ ياحياة
لكى أراك بكامل النقصان حولى
كم نسيتك فى خضمك
باحثا عنى وعنك
وكلما أدركت سرا منك
قلت بقسوة
مأجهلك!!!!
ذكر
عدد المساهمات : 10411
الاٍقامة : وراء الأفق حيث لاشئ سواى وحبيبتى
العمل : مهندس
نوسا البحر :
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
2014-02-20, 6:38 am
يسوع المسيح احضر حالاً

24 كَانون الأول 1967

يسوع المسيح احضر حال يسوع المسيح احضر حالا
لم نعد نريد أناجيلك.
لم نعد نريد أعاجيبك ومواعظك والحقّ الحقّ أقول لكم.
لم نعد نريد حكاياتك وأمثالك.
لم نعد نريد صلواتك وتهديداتك.
تعال.
احضرْ حالاً.
الجميع بانتظارك والأهل والأقارب ليسوا في خير.
احضرْ حالاً.
الأرض التي أنجبتك خربانة.
الجيران متدهورون.
روما الحديثة مسعورة وبيلاطس ملايين ويهوذا الاسخريوطي قوانين والرسل الإثنا عشر أفلسوا.
“أنت الصخرة وعلى هذه الصخرة أبني بيعتي” لكنهم بنوا على الصخرة مؤسسة تلعب الرياح فيها بالأوراق والملفات والغبار والألفاظ.
أأنت المسيح صاحب قصة لعازر؟ إذن تفضّل.
الألفا سنة فاصل طويل. معنا ضعف نظر ولم نعد نراك.
المسافة شاسعة. اقترب وادخل. هذا وقتك. لن يكون لك وقت أفضل. إذ لم تجئ الآن فلا تجئ بعد ذلك. الحاجة إليك الآن.
نريد أن نعرف.
نريد أن يقول لنا أحد ماذا نفعل، أين الحقّ، لماذا نعيش، من هم هؤلاء ومن هم أولئك.
نريد أن يقول لنا أحد من نحن، ولماذا يضربوننا، ويكذبون علينا، ويجوّعوننا، ويبّشعون حياتنا، ويهدرون مستقبل أولادنا، ويعهّرون الحياة من بابها إلى محرابها.
نريد أن نعرف منك أنت مع من.
لقد سئمنا التراتيل والأناجيل ومتّى ومرقس ولوقا ويوحنا. وسئمنا خصوصاً أعمال الرسل. وبولس. وبطرس. والرؤيا. وجميع القديسين.
وفلقونا بالأخ بابا نويل.
شكراً. شكراً لمجهودات ذوي النيات الحسنة والذين يحبون أن يزينوا لنا الحياة في المناسبات.
ليس هذا المطلوب.
المطلوب واحد وهو حضورك. حضورك حالاً، وكلّ عذر لعدم حضورك مرفوض.
أنت مسؤول.
أنت المسؤول الأول والأخير فلا تقف في ظل الأناجيل.
قالوا انك ستعود.
شرّف.
تعال أخبرنا، تعال تكلم من جديد، تعال نقِّح أقوالك القديمة، تعال أعد النظر في هذا العالم، تعال راجع ضميرك وأعمالك وأقوالك.
قل لنا أين الطريق. أعرف أعرف: “أنا هو الطريق والحق والحياة”. لكنْ قديمة. نريد غيرها الآن في ضوء الطرق اللانهائية المتداخلة، والحقوق التي لا يُعرف سرابها من طغيانها، والحياة التي نعيشها بالحبوب والأقراص.
نريد أن نعرف موقفك من اليهود،
موقفك من اسرائيل،
موقفك من العرب،
موقفك من الغرب،
موقفك من الزنوج،
موقفك من الحب، والجنون، والطب، والعمل، والمال، والحرب، والعائلة، والبابا، والعقائد، وموت الأطفال، والأمم المتحدة، والفنون، والشعر، والجنس، ومسيحيي لبنان، وسوريا، والأردن، ومصر، والسودان، والعراق.
الكلمة عظيمة. الكلمة الله. الكلمة أنت.
لكنْ قديمة.
نريدك “أنت”.
جسداً وصوتاً، كما أنت، نازلاً من السماء، طالعاً من القبر، آتياً من الجدار، أومنبثقاً من الماء لا فرق.
تعال.
الأمم مجنونة وبلهاء والشعوب مسحوقة وغبية والزعماء يقتلون ويعبدون أنفسهم.
الكنائس تعيش على الذكريات.
الأديرة مهجورة.
الرهبان رهبان لأجل أنفسهم.
الصليب نجم سينمائي.
الأناجيل صارت كتاباً كجميع الكتب.
لا بد من حضورك.
اقطع أشغالك الحالية، أجِّل ما تفعل الآن، انهض من بين الغيوم واترك كل شيء واتبعنا.
اتبعنا على الأرض.
احمل صليبك واتبعنا.
ذات يوم طلبتْ منك أمرأة كنعانية أن تشفي لها ابنتها المجنونة، فلم تجبها، وقلت لتلاميذك انك أرسلت لخراف بيت اسرائيل وحدهم. فسَجَدتْ الكنعانية لك وقالت: “يا سيد أعنّي”. فأجبتها: “ليس حسناً أن يُؤخذ خبز البنين ويُطرح للكلاب” . فقالت لك: “نعم يا سيد، والكلاب أيضاً تأكل من الفتات الذي يسقط من مائدة أربابها”.
“الكلاب”.
معك حق. لقد كَشَفْتَنا.
من أيامها ونحن كلاب.
لكن الكلاب أيضاً يا سيد “تأكل من الفتات”.
عد إلينا.
نحن الكلاب أحوج إليك من أرباب المائدة لأن أرباب المائدة أكثر توحشا من هؤلاء الكلاب.
عد إلينا.
قل لنا مرة أخرى إننا نحن الكلاب وسنصدق.
قل لنا عندما تجيء إننا لا نستحق وسنصدق.
قل لنا أي شيء عندما تجيء وسنصدق.
لكنْ تعال.
كلامك السابق سَبَقَتْه الأحداث.
نعم كلامك أبدي لكن الأبدية أيضاً تسبقها الأحداث.
لم نعد نريد الكتب.
لم نعد نريد سفراءك على الأرض.
لم نعد نريد اللجوء إلى الغيب والتجريد. نريدك بلحمك وعظمك.
أنت يسوع المسيح.
نريد أن نعرف.
أن نعرف كل شيء.
نريد أن نعرف منك أنت شخصياً، بكلام جديد، واضح، هادئ أو صارخ.
تعال.
الناصرة تنتظر.
بيت لحم تنتظر.
القدس تنتظر.
جبل الزيتون ينتظر.
الجلجلة تنتظر.
فلسطين تنتظر.
العالم كله ينتظر.

أنسي الحاج- تداعيـــــات فنيّـــــة

جريدة الأخبار اللبنانية
السبت ٢٢ كانون الأول ٢٠١٢

فريد الأطرش أتيح لي أن أحضر سهرة خَتَمها فريد الأطرش بالعزف على عوده. ويومٌ جلس فيه وليد عقل إلى البيانو مع بولونيز شوبان. وليلة في الأرز سمعتُ خلالها محمد عبد الوهاب يصلّي همساً خلف الجمهور من أجل نجاح لحن «سَكَن الليل» الذي خصّ به فيروز افتتاحاً للمهرجان. وسمعته مرّة ثانية خلف جمهور مسرح معرض دمشق يتمتم تعاويذه كأيّ موسيقار ناشئ من أجل أن يلاقي لحن «مُرَّ بي» الذي خصّ به فيروز ذلك العام، النجاح المرجو. وأتيح لي أن أشهد فيروز تجرّب أداء إحدى أغانيها في منزل انطلياس القديم بينما عاصي يعزف تارةً على البُزُق وطوراً على الأرمونيوم (أو البيانو، لا أذكر). وشهدت شارل مالك في بيته بالرابية _ وقد جمعتنا خلوة أقنعتُه خلالها بنشر مقدمته الفلسفيّة _ شهدته، بعد جدال متوتّر، يقتنع وينقلب من أقصى موقف سياسي إلى أقصاه مكرّراً البرهان، وبتواضعٍ شديد، على انفتاحه الفكري ومرونة عقله (بدأت حياتي الأدبيّة بالتهجّم عليه في «النهار» قبل أن أصبح بعد ذلك بخمس عشرة سنة من المعجبين بفرادته وشجاعته). وعايشتُ الزمن العصيب، الزمن الشخصيّ والزمن العام، الذي أنتج فيه زياد الرحباني أولى مسرحيّاته، مخترقاً جدران الأزمات بأشفّ الألم الساخر الناسف. ورأيتُ أكبر مؤلّفي المسرح الفرنسي المعاصر، الروماني أوجين يونسكو، وأنا أروي له منتصف الستّينات في قصر الصنوبر ببيروت تفاصيل عن تجاوب الجمهور اللبناني مع «الملك يموت»، رائعته التي نقلتُها إلى العربيّة عام 1965 بطلبٍ من منير أبو دبس وقامت بتمثيلها فرقة مهرجانات بعلبك على مسرح وست هول، الجامعة الأميركية _ رأيتُ يونسكو وقد بدأت الكأس تهتزّ في يده المرتجفة توجُّساً ممّا يمكن أن يكون مصير تلك المسرحية في العربيّة. يده المرتجفة وشفتاه المرتجفتان وذقنه المرتجفة وعيناه الهاربتان اللائذتان بأيّ شيء يقيهما الصدمة، ثم رأيته، وقد تطوّر السرد معي من خَجول إلى مقدام، رأيته ينفرج دفعة واحدة وتتهلّل أساريره ويصيح خابطاً على الطاولة أمام ذهول الحضور والسفير الفرنسي: «تبّاً!… هذا ما كنتُ أريده من المُخرج الفرنسي! تبّاً لهم! قلت لي إنّهم بكوا وضحكوا!؟ صحيح!؟ تبّاً! تبّاً يا صديقي! أنت أخي وصديقي! تعالي يا زوجتي تعالي صافحي هذا الرجل! فهمني العرب ولم يفهمني الفرنسيّون!!!». عودة إلى زياد الرحباني ومقارنة سريعة بينه وبين وودي ألنْ. كلاهما مرّ، مزّ، مضحك مِن ألم. كلاهما «شرقي»: في وودي ألن جينات الشرق التي يحملها اليهودي من أيّ جنسيّة كان. ألنْ أكثر شخصانيّة. زياد يُواري شخصانيّته في ثرى الهموم الجماعيّة. كاريزما ألنْ مبنيّة على بهدلته لنفسه (في خطّ شارلي شابلن) واستثماره «السخريّة اليهوديّة النيويوركيّة» وما تيسّر من المفاتيح الفرويديّة، وكاريزما زياد هي هو: مجرّد وجوده في المكان، دفءُ صوته، خليطُ النورِ والظلّ في وجهه، غضبه، عزفه على الوترين: موسيقاه وقهر الناس. وقهر الوحيد المستوحد بين الناس. وخَلْف ذلك وأمامه دوماً صلابةُ متمرّدٍ يستعصي على التدجين.
***
من مواضع الضعف في المسرح اللبناني السابق لزياد اتّكاؤه في الغالب على الترجمة وافتقاره إلى الانبثاق من الواقع اليومي. قلباً وقالباً. المسرح اللبناني السابق لزياد (وأنا مسؤول عن ترجمة أكثر من اثنتي عشرة مسرحيّة لتلك الحقبة، ابتداءً بشكسبير وانتهاءً بجون ميلينغتون سينغ مروراً بكامو وبرخت ودورنمات) كان مسرح الحداثة الغربيّة، بالإضافة إلى بعض الكلاسيكيّات _ الأوروبيّة طبعاً _ كمدخل لا بدّ منه. وكان المسرح الشعبي موجوداً وله نجومه، وأشهرهم شوشو (حسن علاء الدين). ولكن لا مسرح النخبة ولا مسرح الشعب آنذاك حقّقا الإجماع الشعبي الجماهيري حولهما. المسرح الرحباني الفيروزي استثناء، ولا شكّ أنّ العنصر الغنائي، وتاجه فيروز، هما سرّ شعبيّته بل أيضاً سرّ ديمومته، بالإضافة إلى موهبةِ التوفيق بين الحسّ الشعبي والاشتغال الذهني والثقافي على جميع مكوّنات تلك العمارة. مسرح زياد مرحلة جديدة، خصوصاً مسرحيّاته القائمة بصورة رئيسيّة أو شبه كاملة على الكلام غير الملحَّن. هذا مسرح شخص. (له في ذلك سوابق، لعلّ أبرزها ريمون جبارة). مسرحُ وجدانِ شخص ينفجر ويتشظّى بوجوهٍ عديدة. وجدانُ شخصٍ يتحوّل إلى وجدانٍ عام. يصنع جيلاً بل أجيالاً من الصبايا والشباب نطق عنهم حين نطق باسم حاله. ثم صمّم على صياغة دربه الموسيقي، مُثْرياً هذا الحقل بنتاجٍ لم يأخذ بعد حقّه من اعتناء الباحثين. أصيب المسرح والجمهور بخسارةٍ فادحة يوم احتجب عنهما زياد. لا بدّ من استعادته. من عودته. لو كنّا في الاتحاد السوفياتي لكانت الدولة أجبرته على العودة. تلك واحدةٌ من حَسَنات الديكتاتوريّة.
***
كان بول غيراغوسيان (1926 _ 1993) يتكلّم، إلى جانب الأرمنيّة، بضع لغات، ومرّة استكتبتُه لـ«الملحق» مقالاً بالعربيّة. أكبر فنّاني جيله اللبناني. كنّا صديقين حميمين، ولا تزال كلماتٌ وأفكارٌ له تتفاعل في ذهني. كان بول غيراغوسيان يكره المسرح رغم اضطلاعه بديكور بعض المسرحيّات. وكان بين أصدقائه الأوائل المسرحي جلال خوري. ومع هذا كان يكره المسرح. لعلّ لوحاته، الوجوه فيها ولا سيما وجوه النساء، المنحنية بخَفَر رغم امتدادها في الارتفاع، تُنْبئنا بسرّ هذا النفور. لكنّه نفورٌ وقفَ عند أبواب مسرح زياد الرحباني. مثله في ذلك مثل كثيرين ممّن لم يعجبهم العَجَب وسَحَرهم زياد. في عصره وما بعده فعل موليير فعله الخارق في المجتمعات. فعله الثوري. وعَبْر السخرية، المرّة والحلوة، العميقة والفظّة، الباطنيّة والصداميّة. سخرية التعرية، المواجهة، بل الانتحار. انتحارٌ يقوم من موته ويقيم الآخرين بنوعٍ من الفرح المطهِّر أساسه القهر.
***
بذكْر جلال خوري نعود إلى برتولت برخت. كان الشاعر والمؤلّف المسرحي الألماني يمنع تلامذته الممثّلين من التماهي مع أدوارهم ويحرص على تعزيز الكلفة بينهم وبين هذه الأدوار. أعاد صاحب «الشذوذ والقاعدة» الحياة إلى المسرح الألماني فور عودته من أميركا بعد سقوط هتلر وظلّ متربّعاً على عرش المسرح الأوروبي حتّى بزوغ نجم أنطونان أرتو ومسرح القسوة وسطوع شمس مسرح العبث مع بيكيت ويونسكو. وبين مسرحيي رعيلنا في الستّينات كان جلال خوري حاملاً لواء المسرح البرختي وغامرَ وقدّم نماذج منه للجمهور اللبناني. كانت حقبة تغلي بالشيء وعكسه. نَذَر شباب وصبايا أنفسهم للمسرح كما يذهب آخرون اليوم للاستشهاد. منير أبو دبس المخرج الأستاذ في مدرسته (المنبثقة من مهرجانات بعلبك الدولية) بمنطقة المنارة كان أشبه بقبطان المركب المسحور. كان أنطوان ملتقى، رفيق منير، وريمون جبارة وأنطوان كرباج ألمع الممثّلين في نظر الممثّلين أنفسهم. تشارك ملتقى وجبارة في الدورين الرئيسيّين في «جريمة وعقاب» المأخوذة عن رواية دوستيوفسكي فكانا يتبادلان الاستحواذ على لبّ الجمهور. كان ذلك على مسرح راشانا بحضانة ميشال بصبوص وإخوته (في الثلث الأوّل من الستّينات). لم أرَ ريمون جبارة في دور على مقاسه كما رأيته في راسكولينكوف. الشعور بالذنب، هوى الجريمة وضمائر عواقبها، التيه والهذيان، انقشاع الوعي، قاتل ليس قاتلاً واعتزم أن يصير قاتلاً ولم يعد يعرف مَن يكون، المجرم النقيّ، العابث كولدٍ يرسل أصابعه تتوغّل في وكر الأفاعي… جبارة المعذَّب السافر الجريح الساخر، لو كُتب له أن يمضي في طريقه دون الإعاقة الصحيّة التي أصابته، أين كان سيصبح؟ إلّا أنّ راسكولينكوف جبارة لم يقتل أحداً. فَلَجَتْه عفويّته. أعاقته جزئيّاً وأوقف بجبروته باقي الصاعقة. بطحشة الحياة. بفجر عقله الذي يستهتر بالظلام. القَدَر اللئيم، تكمن قوّته في صمته. يزحف في زوايا النَفَق. قاومه الإنسان بالمواجهة وأخفق. قاومه بالاستسلام وأخفق. قاومه بالاستهتار ونجح. كلّ شيءٍ في قبضة الزمن إلّا التعامي عنه.
***
أسدت خالدة سعيد خدمة كبرى لتاريخ المسرح اللبناني بما كتبته عنه توثيقاً وتقييماً. لا يعرف الجيل الجديد شيئاً عمّا كابده الروّاد منذ مارون النقّاش والقبّاني، فضلاً عن المصريّين. ثم مرحلة «المسرح الأدبي» مع سعيد عقل وميخائيل نعيمه وسعيد تقيّ الدين وتوفيق يوسف عوّاد وغيرهم. ثم حقبة التألّق الحديث التي بلغت الأوج في الستّينات ومطلع السبعينات. كان هناك يعقوب الشدراوي ومنير أبو دبس وأنطوان ولطيفة ملتقى وأنطوان معلوف وبرج فازليان وروجيه عسّاف ونضال الأشقر وشكيب خوري وجلال خوري وعصام محفوظ في ضفّة، وفي الضفّة الأخرى شوشو ووجيه رضوان. ضفّة الحداثة الثقافيّة الطليعيّة وضفّة الخضمّ الشعبي. هنا وهناك الكبار الذين نشأوا كباراً وهم بعدُ بادئون، الكبار الدائمون: أنطوان كرباج، ميشال نبعة، تيودورا راسي، رضى خوري، منى جبارة، رونيه ديك، ليلى ضو، موريس معلوف، نبيه أبو الحسن، أندريه جدعون، جوزف بو نصّار، ميراي معلوف، رياض غلميّة، وغيرهم وغيرهم. كانوا قريبين منّا ولم يقلّل قربهم من دهشتنا بهم. كانوا قريبين وبعيدين مثل الشبيه الذي يعذّبكَ ويسعدك استعصاؤه على التدجين. فنّانون كلّما اقتربتَ منهم وجدتهم أشدّ استحقاقاً لهالاتهم، أوّلاً لأنّهم مطبوعون، ثم لأنّ مسرحهم ذاك كان جديداً علينا كلّ الجدّة، ومعهم باتت خشبة المسرح محراباً ولم تعد منبرَ خطابة. لم نعد بحاجة إلى تغريب اصطناعي أو لغوي لنؤخذ بما نشاهد، صار الجديد يخلق المسافة، وبراعة المخرجين ومواهب الممثّلات والممثّلين تمسح جباههم بزيت الاكتشاف المقدّس.
***
هذه الذكريات هي ذكريات. ليست حسرات، مهما أوحتْ. جيل اليوم يصنع مسرحه. بورك به. خصوصاً فدائيّو المسرح «الداخلي»، مسرح الذات والصدق، مسرحٌ بات أكثر فأكثر اهتماماً بالحميم والخبيء، بالسريع العطب، مسرحٌ يقوم على المعاناة الإنسانيّة والنفسيّة بمقدار ما يقوم على موهبةِ الممثّلين وبراعتهم وحضورهم. في المسرح الماضي أجزاءٌ منّي ومن زوجتي. ولي في الماضي والحاضر أفرادٌ من أسرتي. والآخرون جميعاً أسرة لي. لم أعد أتردّد كثيراً إلى المسرح، باتت الذاكرة المسرح الأكبر. لكنّي أتابع همومه وأحلامه من خلال حفيدتي يارا بو نصّار، وممّا يغذّي الآمال أنّ جيلها يغامر ويفتح الأبواب المغلقة مثل جيل أبيها ومَن قبله، وأحياناً أكثر. بورك بهم. وتحيّة إلى مسرحيّي سوريا. بعد سطوع نجمهم وتفوّقه ها هم منذ سنتين يغامرون بأرواحهم. يتوقّف التمثيل ويبدأ الواقع. يتعطّل الحلم ليدخل الكابوس.
***
يعلّمنا الفنّانون أن نؤمن بشيء فينا يتجاوزنا. كم هو قليل ما نطلب وكم هو ما يعطوننا كثير.

أنسي الحاج- حـــــــبّ9

جريدة الأخبار اللبنانية
السبت ٨ كانون الأول ٢٠١٢

الله في الوجه.

أنسي الحاجفي صورة الوجه.
قبل أن يموت الإنسانُ الأوّل كان الله فيه كلّه.
بعدما صار يموت انحسر الله عن الجسد وانحصر في الوجه.
في صورة الوجه.
لأنّ الإنسان صار يتوالد بعد اكتشاف المرأة.
لأنّه قبل ذلك كان خالداً كسائر الآلهةِ وغير ذي حاجة.
ليست المرأةُ مَنْ كسر الإنسان بل الحبّ.
المرأةُ بلسمٌ لجرح الكسر.
المرأةُ صورةُ وجهها.

الله في صورة وجه المرأةِ أكثر ممّا هو في السماء ووجوه الأرض.
***
حين نمتدح الجوهر وننتقد المظهر هل نكون دوماً صادقين؟
لا، طبعاً.

لا الظاهر وحده ولا الباطن وحده بل اختلاطهما. الشكل حيث هو إغراءٌ بعجينه وبالروح معاً. لولا المظهر كاد الجوهر أن يكون واحداً، قاتلاً ومقتولاً.

المظهر مسرحُ الجوهر. الجوهرُ يشتهي المظهر ومِن بَعْدِه الجوهر.

أحبّكَ أيّها المَظْهر لذاتك وأحبّكَ لما تخبّئ ممّا هو أَفْتَن منك، وبالطبع سأراهُ أفتن منك ولو لم يكن كذلك، ما دمتُ منتشياً بسحرك.

أرجوك أيّها المظهر لا تخذلني! راوغني!…
***
لا حدود لشيء ما دام الخيالُ هنا. المظهر مادّة؟ ومَن قال إنّ المادّة محدودة؟ تحت وهج الخيال المادّة نسغ وظلال، يدان ترسمان وعينان تعيدان الخَلْق. الجوهر وَهْم، الجوهر مادّة من خلال رؤية واهمة؟ ليكنْ! هذا الوهم جوهريّ!

الإنسان (وربّما الحيوان جميعاً) كائنٌ يروح ويجيء على أرجوحةِ الرؤى، لا يرى شيئاً كما هو ولا يراه شيءٌ ولا أحد كما هو.

أنا مَظْهرٌ إذاً أنا موجود.

أنا مَظْهرٌ إذاً أنا جوهر.

أنا مَظْهرٌ إذاً أنا سرٌّ تحت هذا المظهر.

لا تخذلني أيّها المظهر!
***
لن أقنع بأن أكون أنا.
سأداوم على التظاهر بالاستسلام لمحايلة المعاودة.

لا حدود للمصير.
***
المظهر الأخّاذُ تجلٍّ من تجليّات الرونق، بلّورةٌ للجمال. لهذا يُوقِع في الحبّ. الجمال يصطاد الحبّ ويروّضه على الألم والمتعة. المظهر الأخّاذ يشعل فتيل الفتنة نحو المجهول.
المجهول هو الغرف الداخليّة، هو ما ندعوه الجوهر. الجوهر بطانةُ المظهر، السعداءُ هم الذين يعميهم المظهر إلى النهاية، حيث هو جوهر دون أن يدروا…
***
نحبّ الشيء فنراه جميلاً أم نراه جميلاً لأنّنا نحبّه؟
هذه وتلك وغيرهما: نحبّ ما يعطينا أجنحة.
***
هناك دوماً أساسٌ حقيقيّ للانطباع. الانطباع علامةُ بصمة، إنذار، بُشرى. لسنا ملزمين مشاركة كلّ واحدٍ انطباعاته، لكنّ من واجبنا الإصغاء إليه. قد نشاركه بعد الإصغاء.
***
كلّ بدايةٍ، جوهر.
***
لا تخلطي بين حبّك الآخر وبين انعكاس حبّه عليكِ.
***
سيّدةٌ تسألني بألم: «اشرح لي قدرةَ البشر على أن يتخطّوا حبيباً لطالما أقسموا انّهم يعشقونه حدّ الثمالة!؟».
ليست قدرةُ الأشخاص وإنّما قدرة الزمن. ولا نخلط بين النزوة والحبّ، النزوة أيضاً تُقسم لكنّه قَسَمُ اللحظة. أكبر الظنّ أنّ الإنسان يُحبّ نمطاً واحداً من البشر، نموذجاً واحداً، لا شخصاً واحداً، إلّا في النادر. عندما يُقسم رجلٌ لامرأةٍ أنّه يحبّها إلى الأبد هو في الواقع يقسم صادقاً أنّه يحبّ هذا «النوع» من النساء ولن يحبّ سواه. النوعُ قد يتكرّر في نساءٍ كثيرات، لكنّه الهاجس نفسه، والمرأةُ نفسها.

لا تَدَعي أَلَمكِ يتمكّن منكِ. لو كان هذا الشخص لكِ، لظلَّ لكِ، ولو عَبْر غيركِ من النساء.
***
أمجدُ جنونٍ يصطحب العاشق هو أن يُحِبّ معشوقه أكثر ممّا يحبّه المعشوق.
***
الحبّ يُثْقل القلب بأخفّ وزنٍ على الإطلاق هو وزن الوهم. وهذا الوهم يدفئ حامله أقوى ممّا تدفئ الشمسُ الكائنات.
***
الجمال هو ما يجعلنا نقيم معه علاقات لا نفهم سرّها، ومن خلاله نمدّ جسوراً مع العالم أو نقطع جسوراً.
***
نشتهي حضور الحبيب ونعبد غيابه. الحلم يصنع آيته في الغياب.
***
حبّ النظرةِ الأولى غالباً ليس من النظرة الأولى. تكون قد مهّدتْ له مُشاهَدَة أو مشاهدات سابقة من صنف انفراجات الفضاء، رؤية خلال الرؤى. ما هي هذه الرؤية _ الرؤيا؟ جَذْرُ ما تصبو إليه النفس: الشخص المحلومُ مذ نشأة الحالم وربّما قبل النشأة. مزيجٌ من نتاج الجينات وأصابع الأمومة، مع التنقيح والتنميق، تضفيهما المخيّلة الخاصّة وهامشُ ما استَقَلّ من الطبع.
حبّ الصاعقةِ ابنٌ لأبوين: حريّة الحلم وحتميّة القَدَر.

حبّ النظرةِ الأولى استردادٌ لمفقود.
***
الحبّ حالةُ نسيان. حتّى الأفكار التي يستثيرها في العاشق حبّه تغدو في خدمةِ النسيان.
حالةُ الحبّ عزلةٌ عن الشارع نحو الغابة وعن الغابة نحو نورٍ داخليّ لا يُرى فيه غير الحبيب.

النسيانُ الذي يغدقه الحبّ على صاحبه هو ذاكرةُ الغفران.

عابــــــرات
تعلّقتُ ليلى وهي غِرٌّ صغيرةٌ ولم يبدُ للأتراب من ثديها حجمُ
صغيرين نرعى البَهْمَ يا ليت أنّنا إلى اليوم لم نكبرْ ولم تكبرِ البَهْمُ

المجنون
****
… ويحسبُ نسوانٌ من الجهلِ أنّني إذا جئتُ، إيّاهُنَّ كنتُ أريدُ…
يموتُ الهوى منّي إذا ما لقيْتها ويحيا إذا فارقتُها فيعودُ

جميل بثينة
****
لقد خفتُ أن ألقى المنيّةَ بغتةً وفي النفسِ حاجاتٌ إليكِ كما هيا
وإنّي ليُنسيني لقاؤكِ كلّما لقيتُكِ يوماً أن أبثّكِ ما بيا…

جميل بثينة
****
حدّثونا أنّها لي نفثتْ عُقَداً _ يا حبّذا تلك العُقَدْ

كلّما قلتُ: متى ميعادُنا ضحِكَتْ هندٌ وقالت: بَعْدَ غَدْ.

عمر بن أبي ربيعة
****
أدعو إلى هجرها قلبي فيتبعني حتّى إذا قلتُ هذا صادقٌ نزعا
وزادني كَلَفاً في الحبّ أنْ مُنِعَتْ أَحَبُّ شيءٍ إلى الإنسانِ ما مُنِعا…

الأحوص الأنصاري
****
لقد خِفْتُ حتّى خلتُ أنْ ليس ناظرٌ إلى أحدٍ غيري، فكدتُ أطيرُ
وليس فمٌ إلّا بسرّي محدّثٌ وليس يدٌ إلّا إليَّ تشيرُ

عُبَيْد بن أيّوب العنبري
****
يوم قالت: إذا رأيتكَ في النوم خيالاً أَصَبْتَ عيني بداءِ
واسْتخَفَّ الفؤادُ شوقاً إلى قربِكَ حتّى كأنّني في الهواءِ

بشّار بن بُرْد
****
لو كانَ يدري الميتُ ماذا بَعْدَهُ بالحيِّ حَلَّ، بكى له في قبرهِ
غُصُصٌ تكادُ تفيضُ منها نفسُهُ وتكاد تُخرِج قلبه في صدرهِ…

ديك الجنّ الحمصي
****
تاهتْ على صورةِ الأشياء صورتُهُ حتّى إذا كملت تاهت على التّيهِ.
أبو تمّام
****
ولم تعطني الأيّام نوماً مسكّناً ألَذُّ بهِ إلّا بنومٍ مشرَّدِ
وطولِ مقامِ المرءِ في الحيّ مُخْلِقٌ لديباجتيه، فاغتربْ تتجدّدِ
فإنّي رأيتُ الشمس زيدتْ محبّةً إلى الناس أَنْ ليست عليهم بسرمدِ

أبو تمّام

مستقبل في ذلك الماضي

جريدة الأخبار
السبت ١ كانون الأول ٢٠١٢

* حول سلاف فواخرجي
حول سلاف فواخرجي نشرت «الأخبار» في عدد الأربعاء الفائت خبراً عن تعرّض الفنّانة الكبيرة سلاف فواخرجي لخطّة بوليسيّة تقضي بخطفها من دمشق إلى مخابئ الثوّار عقاباً لها على تأييدها النظام.
تأييد الفنّانة للنظام نابعٌ من احتضانه للفنّ بحيث تحقّقت لسوريا نهضة مسرحيّة وتلفزيونيّة وسينمائيّة فاجأت العالم برقيّها وتفوّقها وحِرَفيّتها العالية، فضلاً عن كوكبةٍ من النجمات والنجوم لا مثيل لهم في أيّ بلدٍ عربيّ آخر.
تأييد الفنّانة للنظام وفاءٌ لاهتمام النظام ليس بها بل لأعلى ما في سوريا وهو الفنّ. سلاف فواخرجي امرأةُ شهامةٍ وكرامة. امرأةُ شفافية وبطولة في التمثيل وفي الواقع.
نأمل أن يكون خبر محاولة الانتقام غير صحيح. فنّانة من نُور لا تُمَسّ بغير الحبّ.
ولئن كان الخبر صحيحاً يكون الهول السوريّ قد بلغ القاع.
*مستقبل في ذلك الماضي
يخدعنا الماضي حين يغدو صِبانا.
في كلّ فعل «كان» هناك أندلس.
في كلّ ليلٍ ذكريات، وفي الذكريات يغدو كلّ شيء ملْكنا، والقمرُ أجمل، والشمس أجمل، والحرمان أجمل.
«كنّا» هي فعلُ الأفضل. نفضّل «كنّا» على نحن. ننام على «كنّا»، على «كانوا».
ما كلُّ المواضي بلونٍ واحد، لكنّها جميعاً تعيش فينا بأوّل لقاء، أوّل قبلة، أوّل اختلاس.
وثمّة ماضٍ يغلب عليه الأمل، ترجح فيه كفّةُ الإمكانات على كفّة الإخفاقات، ماضٍ سبق نفسه، سبق المحيطين به، خرج من زمنه وأخذ يركض، يوسّع الهواء، ويدعو إلى مزيدٍ من البحر ومزيدٍ من كلّ شيء.
كانت بيروت ما يحنّ إليه اليوم شبابُ العشرين وعجائز التسعين. كانت، منذ الربع الأوّل من القرن العشرين، طفلة شقراء مغرورة، وأصبحت في الثلث الأوّل غلامة عفريتة، وفي منتصف القرن العشرين وصولاً إلى النصف الأوّل من السبعينات، مراهقة هوجاء، لم تعد بحاجة إلى غواية لتغامر.
تصوّرتْ بيروت باريس على ذوقها وزايدت. تصوّرت الأندلس على ذوقها وزايدت. تصوّرت أميركا على ذوقها ولله الحمد لم تنجح في استنساخها.
تاجُ الستّين سنة الماضية هو حمّى الحريّة، أو ما حسبناه كذلك. وجوهرةُ ذلك التاج هو عدم رضانا الدائم عمّا لدينا.
كان لبنان قبلةَ العرب ولم يعجبنا لأنّنا أردناه طبقاً لخيالنا التيّاه، ولو صار كما حلمناه لأردناه بعدُ أفضل. وظللنا نصعّد أحلامنا به وله ولنا حتّى فقع بين أيدينا.
غير صحيح أنّنا نخلع دوماً على الماضي كمالاتٍ لم تكن فيه. على الأقلّ بالنسبة إلى بيروت. لدينا سجلّات الكتابة، صحافة وشعراً وقصّة ومسرحاً ومحاضرة وخطاباً ورسماً ونحتاً وتلحيناً وغناء، لدينا كلّ هذا وغيره يشهد. أقوى ما في تلك الأندلس أنّنا لم نسكر بها. كنّا نعرف، بالشكّ وباليقين، أنّنا نستطيع أن نمضي بها إلى أرقى، إلى أجمل وأعدل، وهذا ما جَلَب علينا الكوارث. لو كانت بيروت قد بلغت أقصاها لما حُطّمت. لكنّها كانت بعدُ في عزّ انطلاقتها، وخطيئتها استمرار انطلاقها… فإذا كانت انطلاقة وهذا زخمها، وهذه طلائعها، فكيف بالمقبل منها؟
لم تتوقّف بيروت عند سفوح الحرب الأهليّة وغير الأهليّة، بل خُطفت وذُبحت. لا مكان لبروميثيوس في عالم زوس.
لكن زوس أيضاً عانى من سرّ معيب حمله الخوف من انفضاحه على خفض جناحه.
كانت بيروت مدينة الانبعاث من الموت. يترمّد الخلّاق، مهما كان عظيماً، في بلده، فيأتي إلى بيروت فيقوم من رماده.
لم يكن المثقّف العربيّ يقصد بيروت ليلهو بل ليزيح الصخرة عن قبره. كانت بيروت _ وسوف تعود _ ملتقى المنى، ملتقى الرافض والمرفوض. لم تكن منتجعاً ولا فندقاً بل بركاناً. الحريّة عروس لكنّها أيضاً بركان. بركانٌ وبستان. جبلُ عواصف وطمأنينة في العواصف. لنراجع الصحف والمجلّات، لنُعِد فتح الكتب، لنَعُد إلى المسرحيّات والأغاني واللوحات التشكيليّة، وإلى الجامعات والمحافل، بيروت لم تكن فعلُ ماضٍ ناقص كما في اللغة بل فعلَ حاضرٍ صَنَع مستقبلاً للحاضر وللماضي وللمستقبل.
* سرّ
ما يستوقف في كتاب «الأيّام» لطه حسين هو ما لم يستوقف أبويه ورفاقه لحظةَ أصيب بالعمى. ما يستوقف في «البؤساء» لفكتور هوغو هو ما لا يستوقف أحداً في العادة لو حصلت الأحداث له أو أمامه. كذلك شعر المتنبّي ولوحات الرسّامين والمؤلّفات الموسيقيّة الخالدة.
لفظةُ «يستوقف» خطأ: ينبغي أن نقول يُدهش، يُذهل، يعتصر القلب، ينحفر في الذهن.
ينحفر في الذهن.
العاصفةُ في الطبيعة مهيبة، لكنّها في السينما أشدّ مهابة.
الفنّ يخلّص اللحظة من وحش الزمن.
*«الفلسفة الصغيرة»
من علامات النهضة الأدبيّة أنّ معظم معاصريها من النُقّاد والصحافيّين لا يلاحظونها.
إنّها ظاهرةُ عمى الشمس.
التقييم بحاجة إلى بصيرة، إضافةً إلى المعرفة والنزاهة.
تستطيع الصحافة السياسيّة أن تخطئ وتتلوّث ما طاب لها الخطأ والفساد، فإذا لم تكن الأخلاق من طبيعتها فلا رقيب عليها سوى القانون. الصحافة الثقافيّة جزء مهمّ من التربية الشعبيّة والتوعية العامّة والخاصّة، وعليه فهي مدرسةٌ في الأخلاق، بما تشمل الأخلاق من واجب البحث عن الحقيقة ووَزْن الأمور بميزان العلْم والمسؤوليّة، وتلك الفضيلة الغامضة التي تجمع الحدْس إلى الحقّ.
كانت الصحافة نوعاً من الأدب وأضاف إليها التطوّر لقب «الفلسفة الصغيرة». ولهذا أصوله وأعباؤه. ومنها التواضع وشراهةُ المعرفة.
* مأوى
قولك معقول؟ معقول. حياةٌ كحياتك سلاسل من سوء الفهم. كنت أقول سوء التفاهم. ليس سوء تفاهم، بل سوء فهم. سوء التفاهم يكون بين شخصين، سوء الفهم بينك وبين الكلّ. ليس هناك فهم حين تظنّه فهماً بل هو تساهل، تسامح. شفقةٌ أو سأم من قِبَل الآخر.
****
جئت من الغابة. غابةُ الغُرَف لا الشجر. من مأوى الحيطان. من الجبين المغلّف بالنافذة، من السهوم، من الكتاب السابق للكتابة، من النوم السابق للوجود. من حيث الوحوش خواطر والكائنات غمام. لم تكن تلك الوحدة كآبة الحالات الرومنتيكيّة أو البوهيميّة، لم تكن معلنة بل مختبئة تحت عجين الظلّ وفي خبز الخجل. كنت لا أفهم البنات وأخاف مبادراتهنّ. وكنت أحسب أنّي أفهم الرجال وكنت أكرههم. ليس في العمر غير ليلتين، واحدةٌ لانتظار التالية والتالية للندم. لا تندم على الوقت بل على الوهم. لا تندمين على عطائِك بل على انتظارِك. كلاكما يندم على حبّه، والحبّ يَضْحك.
جئتُ من فخذِ الحائط. ما بحائطٍ غريبٍ عليّ. رأسي للحائط، جنبي للحائط، بكائي للحائط، تَجَمُّعي للحائط. الحيطان أدراجي وسطوحي، شموعي وعيناي. لا ذكرى لي بلا حائط. الحائط شجاعتي. حين أقفز وراءه أموت.
****
لا معقولَ في حياةٍ كهذه إلّا العبث والهباء.
اختلاجُ القلب كأنّه وَجَد، واختلاجه لأنّه لا وَجَد ولا وُجِد.
والحكي والسكوت، والسكوت والحكي.
****
ما أقرب طريق اللغة وما أبعدها! ليت الحقائق والمبادئ تنفذ إلى الجسد كما ينفذ الهواء! تخترقنا كالعتمة والنور! لكنّنا نسمعها على المسرح فننشرح، وتنتهي المسرحيّة فتنتهي الحقائق والمبادئ!
حتّى الألحان تنتهي، ولو حفظناها. ينتهي مفعولها عند حدود التذوّق، تحت جنح الذاكرة، تتشرّبها الروح دون العقل الفاعل، القلب دون اليدين.
نيّال الطبيعة لأنّها تفعل بلا واسطة، بلا تعبيرٍ مُتَعَلَّم، فوراً، ومراحل اختمارها لا نبصرها نحن، تُقدّم لنا أعمالها ناجزة!
لماذا نحن لا نَقْدر؟
لماذا نُطوّل لنفهم، لنولد، لنعيش؟
ألا نملك من التخطّي غير اللفظة ومن الحريّة غير الدم؟ ومن الشجاعة غير دفع ثمنها ومن الحبّ إلّا الشريك غير المشارك؟
ومن الزمن إلّا الوقت الغَلَط؟
إلى أين كما يقول التائه؟
نذهب سياحة؟ ومَن سيعطينا فيزا؟
وبلكي بالرجعة قطعوا طريق المطار؟

_________________


حسن بلم
♪♫.. الادارة..♫♪
avatar
رسالة sms : سيرى ببطئ ياحياة
لكى أراك بكامل النقصان حولى
كم نسيتك فى خضمك
باحثا عنى وعنك
وكلما أدركت سرا منك
قلت بقسوة
مأجهلك!!!!
ذكر
عدد المساهمات : 10411
الاٍقامة : وراء الأفق حيث لاشئ سواى وحبيبتى
العمل : مهندس
نوسا البحر :
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
2014-02-20, 9:10 pm

يوم، يا غيوم

يا صُعداء الحالمين وراء النوافذ

غيوم، يا غيوم

علِّميني فرَحَ الزوال!


* * *

هل يحِبّ الرجل ليبكي أم ليفرح،

وهل يعانق لينتهي أم ليبدأ؟

لا أسألُ لأُجاب، بل لأصرخ في سجون المعرفة.

ليس للإنسان أن ينفرج بدون غيوم

ولا أن يظفر بدون جِزْية.

لا أعرف من قسَّم هذه الأقدار، ومع هذا فإن قَدَري أن ألعب ضدّها.

هـلـمّـــي يا ليّنتي وقاسيتي،

يا وجهَ وجوه المرأة الواحدة،

يا خرافةَ هذياني،

يا سلطانةَ الخيال وفريستَه،

يا مسابِقةَ الشعور والعدد،

هلمّي الى الثواني المختلجة نسرق ما ليس لأحد سوانا.

وهْمُكِ أطيبُ من الحياة وسرابُكِ أقوى من الموت.



* * *



إسألني يا الله ماذا تريد أن تعرف؟

أنا أقول لك:

كلُّ اللعنات تغسلها أعجوبة اللقاء!

وجمْرُ عينيكِ يا حبيبتي يُعانق شياطيني.

تُنزلينني الى ما وراء الماء

وتُصعدينني أعلى من الحريّة.

أُغمض عليكِ عمري وقمري فلا تخونني أحلام.

يا نبعَ الغابات الداخليّة

يا نعجةَ ذئبي الكاسرة

مَن يخاف على الحياة وملاكُ الرغبةِ ساهرٌ يَضحك؟

لا يولد كلَّ يوم أحدٌ في العالم

لا يولد غيرُ عيونٍ تفتِنُ العيون!

نظرةٌ واحدة

نظرة

وعيناكِ الحاملتان سلامَ الخطيئة

تمحوان ذاكرة الخوف

وتُسيّجان سهولة الحصول بزوبعة السهولة!



* * *



أيّتها الغلافُ الحليبيُّ للقوَّة

يا ظاهرَ البحر وخَفيّ القمر

يا طُمأنينةَ الغَرَق

يا تعادُلَ حلمي وحركاتكِ وخيبتي وادهاشكِ

يا فوحَ الجذورِ الممسكة بزمام الأرض،

أيّتها الصغيرةُ المحمَّلةُ عبءَ التعويض عن الموت،

عن الحياة وعن الموت،

أيّتها المحجَّبةُ بعُريها،

أيّتها الملتبسةُ مع عطرها

أيّتها الملتبسُ عطرُها مع ضالّتي
أيّتها الملتبسةُ مع ظلّها

أيّتها الملتبسُ ظلَّها مع جسدي

أيّتها الملتبسةُ مع شَعرها

أيّتها الملتبسُ شَعرُها مع أجنحتي

أيّتها الملتبسةُ مع مجونها

أيّتها الملتبسُ مجونُها مع حريّتي

أيّتها الملتبسةُ مع عذوبتها

أيّتها الملتبسةُ عذوبتُها مع شراهتي

أيّتها الملتبسةُ مع صوتها

أيّتها الملتبسُ صوتُها مع نومي

أيّتها الملتبسةُ مع ثوبها

أيّتها الملتبسُ ثوبُها مع حنيني

أيّتها الملتبسةُ مع مرحها

أيّتها الملتبسُ مرحُها مع حَسَدي

أيّتها الملتبسةُ مع فخذيها

أيّتها الملتبسة ُفخذاها مع تجدّدي

أيّتها الملتبسةُ مع صمتها

أيّتها الملتبسُ صمتُها مع انتظاري

أيّتها الملتبسةُ مع صبرها

أيّتها الملتبسُ صبرُها مع بلادي

أيّتها الملتبسةُ مع أشكالها

أيّتها الملتبسةُ أشكالُها مع روحي

أيّتها الملتبسةُ مع نصف عُريها

أيّتها الملتبسُ نصفُ عريها مع أملي

مع أمل دوام الحُمّى،

أيّتها الَتي أُغمضُ عليها إرادتي واستسلامي

لمْ تقولي إننا غريبان

لأنكِ تعرفين كم لنا توائم

في كلّ من يذهب وراء عينيه…



* * *



وأخافكِ!

كيف لرجلٍ أن يعشق مُخيفه؟

من يدفع بالدافىء الى الصقيع وبالمستظلّ الى الهاجرة؟

من يقذف بالصغير الى الخارج ويحرم الرضيع التهامَ أمّه؟

ولِمَ يحلُّ وقتُ السوء ولِمَ يُنهَش الصدر؟

ليس للإنسان أن ينفرج بدون غيوم ولا أن يظفر بدون جزية،

فليكن للقَدَر حكمته، ستكون لي حكمتي

وليكن للقَدَر قضاؤه، ستكون لي رحمتي.

لم يخلّصنا يا حبيبتي إلاّ الجنون

شبَكتُكِ ألْهَتني عن الحياة

ولهوُكِ حماني،

قيودُ يديكِ طوّقتْ قلبي بالغناء

وجمرُ عينيكِ عانق شياطيني.



* * *



لنفسي لونُ عيونِ قتلى الذات

المدمَّرين وراءَ بابٍ ما

ابتسامةٍ ما.

خيانةٌ دوماً، خيانةٌ لا تُطاق

أفدحُ من أيِّ فقْد،

خيانةٌ تسلبكَ عمركَ

تسلبكَ أمّكَ وأباك

تسلبكَ أرضكَ وسماءك،

خيانةٌ يا إلهي أكبرُ من حضنكَ،

ولا أحد يستطيع شيئاً!

لا أحد يستطيع شيئاً!



* * *



في وقت من الأوقات لم يكن أحد.

كان الهواءُ يتنفّس من الأغصان

والماء يترك الدنيا وراءه.

كانت الأصوات والأشكال أركاناً للحلم،

ولم يكن أحد.

لم يكن أحد إلاّ وله أجنحة.

وما كان لزومٌ للتخفّي

ولا للحبّ

ولا للقتل.

كان الجميعُ ولم يكن أحد.

أحدٌ لم يكن كاسراً.

كانت الأمُّ فوق الجميع

وكان الولد بأجنحته.

وصاعقاً

أعلن الألمُ المميت أنه هنا،

في الداخل الليّن، ولم يكن يراه أحد.

وانبرى يَبْري

ثم يَهيل التراب على الوجه

على العينين

على الغمامة التميمة.

ولم يبقَ من تلك الكروم

إلاّ ذكرى أستعيدُها أو تستعيدُني،

تارةً أقتُلُ وطوراً أُقتَل

والشرُّ إمّا في ظهري وإما في قلبي!…

* * *



رفعتُ قبضتي في وجه السماء

لعنتُ وجدّفت

ولكنْ قلْ لي كيف أنتهي

من جحيم السماء بين ضلوعي!؟



* * *



لم يُخلّصنا يا حبيبتي إلاّ الجنون

حين طفرنا الى الضياع النضير

والتقينا ظلالنا

فأضاءتنا عتماتُنا

وصارت أحضانُنا موجاً للرياح.



* * *



الشاعر هو المتوحّش ليحمي طفولتنا

الملحّن هو الأصمّ لكي يُسمِع

المصوّر هو الأعمى لكي يُري

الراقص هو المتجمّد لكي نطير.

لا يَحضر إلاّ ما يغيب

ولا يغيب إلاّ ما يُحضِر.

فلأغبْ في شرود المساء

فلتبتلعني هاويةُ عينيّ!…



* * *



أيُّ صلاةٍ تُنجّي؟

كلُّ صلاةٍ تُنَجّي!

والرغبة صلاةُ دمِ الروح

الرغبة وجه الله فوق مجهولَين

ونداءُ المجهولِ أن يُعطى ويـظــلّ مجهولاً.

الرغبةُ نداءُ الفريسة للفريسة

نداءُ الصيّاد للصيّاد

نداءُ الجلاّد للجلاّد

الرغبةُ صلاةُ دمِ الروح

فَرَسُها الفرسُ المجنّحة

وجناحاها

جناحا خلاصٍ في قبضة اليد.



* * *



غيومُ، يا غيوم

رسمتُ فوق الفراغ قوسَ غمامي

قوسَ غمامنا أيّها الحبّ

قوسَ غمام المعجزة اليوميّة.

غيوم، يا غيوم

يا هودجَ الأرواح

جسدي يمشي وراءكِ، يمشي أمامكِ،

يتوارى فيكِ.

غيوم، يا غيوم

باركي الملعونَ السائرَ حتّى النهاية

باركينيِ

علِّميني فَرَحَ الزوال…

_________________


حسن بلم

أنسى الحاج وداعا أيها الأنقى

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة

صفحة 1 من اصل 1
نوسا البحر :: فوضى الحواس(منتديات ثقافيه) :: مرتفعات أو سوناتا الكلام

حفظ البيانات | نسيت كلمة السر؟

هوانم نوسا | عفاريت نوسا البحر google+ | عفاريت نوسا | مجلة الصور | مجلة عفاريت