أجمل أشعار محمود درويش,مختارات من أجمل ما كتب محمود درويش

♪♫.. الادارة..♫♪
رسالة sms : سيرى ببطئ ياحياة
لكى أراك بكامل النقصان حولى
كم نسيتك فى خضمك
باحثا عنى وعنك
وكلما أدركت سرا منك
قلت بقسوة
مأجهلك!!!!
ذكر
عدد المساهمات : 10336
الاٍقامة : وراء الأفق حيث لاشئ سواى وحبيبتى
العمل : مهندس
نوسا البحر :
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
2013-09-22, 11:16 am
منتخبات من أعمال محمود درويش


منتخب "أوراق الزيتون" 1964



الموعد الأوّل



شدّت على يدي

ووشوشتني كلمتين

أعزّ ما ملكته طوال يوم:

"سنلتقي غداً"

ولفّها الطريق.



حلقت ذقني مرّتين!

مسحت نعلي مرّتين

أخذت ثوب صاحبي... وليرتين...

لأشتري حلوى لها، وقهوة مع الحليب!



وحدي على المقعد

والعاشقون يبسمون...

وخافقي يقول:

ونحن سوف نبتسم!



لعلّها قادمة على الطريق...

لعلّها سهت

لعلّها... لعلّها

ولم تزل دقيقتان!



النصف بعد الرابعهْ

النصف مرّ

وساعة... وساعتان

وامتدّت الظلال

ولم تجئ من وعدت

في النصف بعد الرابعهْ.











منتخب "عاشق من فلسطين" 1966



إلى أمّي



أحنّ إلى خبز أمّي

وقهوة أمّي

ولمسة أمّي...

وتكبر فيّ الطفولةُ

يوماً على صدر يومِ

وأعشق عمري لأني

إذا متّ،

أخجل من دمع أمّي!



خذيني، إذا عدتُ يوماً

وشاحاً لهدبكْ

وغطّي عظامي بعشب

تعمّد من طهر كعبكْ

وشُدّي وثاقي...

بخصلة شَعر...

بخيط يلوّح في ذيل ثوبك...

عساني أصيرُ إلهاً

إلهاً أصير...

إذا ما لمست قرارة قلبكْ!



ضعيني، إذا ما رجعتُ

وقوداً بتنّور ناركْ...

وحبل غسيل على سطح داركْ

لأني فقدت الوقوفَ

بدون صلاة نهاركْ

هرمت، فردّي نجوم الطفولة

حتى أُشاركْ

صغار العصافيرِ

درب الرجوع...

لعشّ انتظاركْ!









منتخب "آخر الليل" 1967



ريتّا والبندقية



بين ريتّا وعيوني... بندقيّهْ

والذي يعرف ريتّا، ينحني

ويصلّي

لإله في العيون العسليّهْ!



... وأنا قبّلت ريتّا

عندما كانت صغيرهْ

وأنا أذكر كيف التصقتْ

بي، وغطّت ساعدي أحلى ضفيرهْ

وأنا أذكر ريتّا

مثلما يذكر عصفور غديرهْ

آه... ريتّا

بيننا مليون عصفور وصورهْ

ومواعيدُ كثيرهْ

أطلقت ناراً عليها... بندقيّهْ



إسم ريتّا كان عيداً في فمي

جسم ريتّا كان عرساً في دمي

وأنا ضعت بريتّا... سنتين

وهي نامت فوق زندي سنتين

وتعاهدنا على أجمل كأس، واحترقنا

في نبيذ الشفتين

وولدنا مرّتين!

آه... ريتّا

أيّ شيء ردّ عن عينيك عينيَّ

سوى إغفاءتين

وغيوم عسليّهْ

قبل هذي البندقيّهْ!



كان يا ما كان

يا صمت العشيّهْ

قمري هاجر في الصبح بعيداً

في العيون العسليّهْ

والمدينة

كنست كلّ المغنين، وريتّا

بين ريتّا وعيوني... بندقيّهْ







منتخب "العصافير تموت في الجليل" 1969



ضباب على المرآة



نعرف الآن جميع الأمكنهْ

نقتفي آثار موتانا

ولا نسمعهم.

ونزيح الأزمنة

عن سرير الليلة الأولى، وآه...



في حصار الدم والشمسِ

يصير الانتظارْ

لغة مهزومةً...

أمّي تناديني، ولا أبصرها تحت الغبار

ويموت الماءُ في الغيم، وآه...



كنت في المستقبل الضاحكِ

جنديّين،

صرتُ الآن في الماضي وحيدْ.

كلّ موت فيه وجهي

معطف فوق شهيدْ

وغطاءٌ للتوابيت، وآه...



لست جندياً

كما يُطلب مني،

فسلاحي كلمهْ

والتي تطلبها نفسي

أعارت نفسها للملحمهْ

والحروب انتشرت كالرمل والشمس، وآه...



بيتكِ اليومَ له عشر نوافذْ

وأنا أبحث عن باب

ولا باب لبيتك

والرياح ازدحمت مثل الصداقات التي

تكثر في موسم موتك

وأنا أبحث عن باب، وآه...

(...)







منتخب "حبيبتي تنهض من نومها" 1970



يوميّات جرح فلسطيني

(إلى فدوى طوقان)



نحن في حلٍّ من التذكار

فالكرمل فينا

وعلى أهدابنا عشب الجليلِ

لا تقولي: ليتنا نركض كالنهر إليها،

لا تقولي!

نحن في لحم بلادي... وهي فينا!



(...)



صوتك الليلة،

سكينٌ وجرح وضمادُ

ونعاس جاء من صمت الضحايا

أين أهلي؟

خرجوا من خيمة المنفى، وعادوا

مرّة أخرى سبايا!



(...)



منزل الأحباب مهجور،

ويافا تُرجمت حتى النخاع

والتي تبحث عني

لم تجد مني سوى جبهتها

أتركي لي كلّ هذا الموت، يا أخت.

أتركي هذا الضياع

فأنا أضفره نجماً على نكبتها



آه يا جرحي المكابرْ

وطني ليس حقيبهْ

وأنا لست مسافرْ

إنني العاشق، والأرض حبيبهْ!



(...)



آن لي أن أبدل اللفظة بالفعل، وآنْ

ليَ أن أثبت حبّي للثرى والقبّرهْ

فالعصا تفترس القيثار في هذا الزمانْ

وأنا أصفرُّ في المرآة،

مذ لاحت ورائي شجرهْ!









منتخب "أحبّك أو لا أحبّك" 1972



مزامير



تركتُ وجهي على منديل أمّي

وحملت الجبال في ذاكرتي

ورحلت...

كانت المدينة تكسر أبوابها

وتتكاثر فوق سطوح السفن

كما تتكاثر الخضرة في البساتين التي تبتعد...

إنني أتّكىء على الريح

يا أيتها القامة التي لا تنكسر

لماذا أترنّح؟... وأنت جداري

وتصقلني المسافة

كما يصقل الموتُ الطازج وجوهَ العشّاق

وكلّما ازددتُ اقتراباً من المزامير

ازددتُ نحولاً...

يا أيتها الممرّات المحتشدة بالفراغ

متى أصل؟...

طوبى لمن يلتفّ بجلده!

طوبى لمن يتذكّر اسمه الأصلي بلا أخطاء!

طوبى لمن يأكل تفاحة ولا يصبح شجرة.

طوبى لمن يشرب من مياه الأنهار البعيدة

ولا يصبح غيماً!

طوبى للصخرة التي تعشق عبوديتها

ولا تختار حرية الريح!



(...)



أنا لست منكمشاً إلى هذا الحدّ

ولكن الأشجار هي العالية.

سيّداتي، آنساتي، سادتي

أنا أحبّ العصافير

وأعرف الشجر

أنا أعرف المفاجأة

لأني لم أعرف الأكذوبة.

أنا ساطع كالحقيقة والخنجر

ولهذا أسألكم:

أطلقوا النار على العصافير

لكي أصف الشجر.

أوقفوا النيل

لكي أصف القاهرة.

أوقفوا دجلة أو الفرات أو كليهما

لكي أصف بغداد.

أوقفوا بردى

لكي أصف دمشق!

وأوقفوني عن الكلام

لكي أصف نفسي...

(...)







منتخب "محاولة رقم 7" 1973



عودة الأسير



النيلُ ينسى

والعائدون إليك منذ الفجر لم يصلوا

هناك حمامتان بعيدتان

ورحلة أخرى

وموتٌ يشتهي الأسرى

وذاكرتي قويّهْ.

والآن، ألفظ قبل روحي

كلّ أرقام النخيل

وكلّ أسماء الشوارع والأزقّة سابقاً أو لاحقاً

وجميع من ماتوا بداء الحب والبلهارسيا والبندقيّهْ

ما دلني أحد عليكِ

وأنت مصرْ

قد عانقتني نخلةٌ

فتزوّجتني

شكّلتني

أنجبتني الحبّ والوطن المعذّب والهويّهْ.

ما دلّني أحد عليكِ

وجدت مقبرةً... فنمتُ

سمعت أصواتاً... فقمتُ

ورأيت حرباً... فاندفعتُ

وما عرفت الأبجديّهْ.

قالوا: اعترفْ

قلت: اعترفتْ

يا مصر! لا كسرى سباكِ ولا الفراعنةُ

اصطفوك أميرةً أو سيّدهْ!

قالوا: اعترف

قلت: اعترفت

وتوازت الكلماتُ والعضلاتُ

كانوا يقلعون أظافري

ويقشّرون أناملي

ويبعثرون مفاصلي

ويفتّشون اللحم عن أسرار مصرْ...

وتدفّقت مصر البعيدة من جراحي

فاقتربتْ

ورأيتُ مصر

وعرفتُ مصر

ما دلّني أحد، خناجرهم تفتّشني فيخرج شكلُ مصر.

يا مصر! لست خريطةً

قالوا: اعترف

قلت: اعترفت

واصلتُ يا مصر اعترافاتي

دمي غطّى وجوه الفاتحينَ

ولم يغطِّ دمي جبينكِ، واعترفتُ

وحائط الإعدام يحملني إليك إليكِ...

أنت الآن تقتربين. أنت الآن تعترفينَ

فامتشقي دمي!



والنيل ينسى

ليس من عاداته أن يرجع الغرقى

وآلاف العرائس من تقاضى أجرها؟

النيل ينسى.

والقرى رفعت مآذنها وشكواها

وأخفت صدرها في الطين...

(...)









منتخب "تلك صورتها وهذا انتحار العاشق" 1975



وأريد أن أتقمّص الأشجارَ:

قد كذب المساء عليه أشهد أنني غطّيته بالصمتِ

قرب البحرِ

أشهد أنني ودّعته بين الندى والانتحار.



وأريد أن أتقمّص الأسوارَ:

قد كذب النخيلُ عليه. أشهد أنه وجد الرصاصةَ.

أنه أخفى الرصاصة

أنه قطع المسافة بين مدخل جرحه والانفجار.



وأريد أن أتقمّص الحرّاسَ:

قد كذب الزمان عليه. أشهد أنه ضدّ البدايةِ

أنه ضدّ النهايةِ

كانت الزنزانة الأولى صباحاً

كانت الزنزانة الأخرى مساءً

كان بينهما نهارْ.



وكأنه انتحر

السماءُ قريبة من ساقه

والنحل يمشي في الدم المتقدّمِ

الأمواجُ تمشي في الصدى

وكأنه انتحر

العصافير استراحت في المدى

وكأنه انتحرَ

احتجاجاً

أو وداعاً

أو سدى.

(...)



حين انحنتْ في الريحِ

قال: تكون قنطرةً وأعبرها إليها

وبنى أصابعه من الخشب المخبّأ في يديها.

البندقية والفضاء وآخر القتلى. سأدفن جثّتي في راحتيها.

وستضرمين النار.

قالت: أين كنتَ

ففرّ من يدها إلى اليوم المرابط خلف قامتها.

وغنّى: أيها الندم اختصرني بندقيّهْ

قالت: لتقتلني؟

فقال: لكي أعيد لي الهويّهْ



وقفت، كعادتها، فعاد من انحناءتها إلى قدميهِ

كان طريقه طرقاً وكان نزيفُه أفقاً

وكان يدور في الماضي ولا يجد اليدين وكان يحلم باكتمال الحلمِ

ما بيني وبين اسمي بلادٌ.

حين سمّيت البلاد فقدت أسمائي. وحين مررتُ باسمي

لم أجد شكل البلاد.

الحلم جاء الحلم جاء وكان يسأله:

منِ الأصلُ العيون أم البلاد؟



قال المغني للضفاف:

الفرق بين الضفّتين قصيدتي.

(...)









منتخب "أعراس" 1977



كان ما سوف يكون

(إلى راشد حسين)



في الشارع الخامس حيّاني. بكى. مال على السور

الزجاجي، ولا صفصاف في نيويورك.

أبكاني. أعاد الماءَ للنهر. شربنا قهوة. ثم افترقنا في

الثواني.



منذ عشرين سنهْ

وأنا أعرفه في الأربعينْ

وطويلاً كنشيد ساحليّ، وحزينْ

كان يأتينا كسيف من نبيذ. كان يمضي كنهايات

صلاهْ

كان يرمي شعره في مطعم "خريستو"

وعكّا كلّها تصحو من النومِ

وتمشي في المياه

كان أسبوعاً من الأرض، ويوماً للغزاهْ

ولأمّي أن تقول الآن: آه!



ليديه الوردُ والقيد. ولم يجرحه خلف السور إلاّ

جرحُه السيّدُ. عشاق يجيئون ويرمون المواعيدَ.

رفعنا الساحل الممتدَّ. دشّنا العناقيد. اختلطنا في

صراخ الفيجن البريّ. كسرنا الأناشيد. انكسرنا

في العيون السود. قاتلنا. قُتلنا. ثم قاتلنا. وفرسان

يجيئون ويمضونَ.



وفي كلّ فراغْ

سنرى صمت المغنّي أزرقاً حتى الغيابْ

منذ عشرين سنهْ

وهو يرمي لحمه للطير والأسماك في كلّ اتجاه

ولأمّي أن تقول الآن: آه!



إبن فلاحَيْن من ضلع فلسطينَ

جنوبيٌّ

شقيّ مثل دوريٍّ

قويّ

فاتح الصوتِ

كبير القدمين

واسع الكفّ. فقير كفراشهْ

أسمرٌ حتى التداعي

وعريض المنكبين

ويرى أبعدَ من بوّابة السجن

يرى أقرب من أطروحة الفنّ

يرى الغيمة في خوذة جنديّ

يرانا، ويرى كرت الإعاشهْ

وبسيط... في المقاهي واللغهْ

ويحبّ الناي والبيرة

لم يأخذ من الألفاظ إلا أبسط الألفاظ

سهلاً كان كالماء.

بسيطاً... كعشاء الفقراء.



كان حقلاً من بطاطا وذرهْ

لا يحبّ المدرسهْ

ويحبّ النثر والشعر

لعلّ السهل نثرٌ

ولعلّ القمح شعرٌ.

ويزور الأهل يوم السبتِ

يرتاح من الحبر الإلهي

ومن أسئلة البوليسِ.

لم ينشر سوى جزئين من أشعاره الأولى

وأعطانا البقيّهْ

شوهدت خطوتُه فوق مطار اللد من عشر سنين

واختفى...



كان ما سوف يكونُ

فضحتني السنبلهْ

ثم أهدتني السنونو

لعيون القتلهْ

(...)









منتخب "مديح الظلّ العالي" 1983



(...)



بيروت - لا

ظهري أمام البحر أسوار و… لا

قد أخسر الدنيا… نعم!

قد أخسر الكلمات…

لكني أقول الآن: لا.

هي آخر الطلقات - لا.

هي ما تبقّى من هواء الأرض - لا.

هي ما تبقّى من نشيج الروح - لا.

بيروت - لا.



نامي قليلاً، يا ابنتي، نامي قليلا

الطائرات تعضّني. وتعضّ ما في القلب من عسلٍ

فنامي في طريق النحل، نامي

قبل أن أصحو قتيلا.

الطائرات تطير من غرف مجاورة إلى الحمّام، فاضطجعي

على درجات هذا السلّم الحجري، وانتبهي إذا اقتربتْ

شظاياها كثيراً منك وارتجفي قليلا.

نامي قليلا.

كنّا نحبّك، يا ابنتي،

كنا نعدّ على أصابع كفّك اليسرى مسيرتنا

ونُنقصها رحيلا.

نامي قليلا.

الطائرات تطير، والأشجار تهوي،

والمباني تخبز السكانَ، فاختبئي بأغنيتي الأخيرة، أو بطلقتيَ

الأخيرة، يا ابنتي

وتوسّديني كنت فحماً أم نخيلا.

نامي قليلا.

وتفقّدي أزهار جسمكِ،

هل أصيبتْ؟

واتركي كفّي، وكأسَيْ شاينا، ودعي الغسيلا.

نامي قليلا.

لو أستطيع أعدتُ ترتيب الطبيعة:

ههنا صفصافة... وهناك قلبي

ههنا قمر التردّد

ههنا عصفورة للإنتباهِ

هناك نافذة تعلّمك الهديلَ

وشارعٌ يرجوك أن تبقي قليلا.

نامي قليلا.

كنّا نحبّك، يا ابنتي،

والآن، نعبد صمتكِ العالي

ونرفعه كنائس من بَتُولا.

هل كنتِ غاضبة علينا، دون أن ندري… وندري

آه منّا… آه ماذا لو خمشنا صُرّة الأفقِ.

قد يخمشُ الغرقى يداً تمتدُّ

كي تحمي من الغرقِ.



(…)











منتخب "حصار لمدائح البحر" 1984



أقبية، أندلسيّة، صحراء



(…)

إلى أين أذهب؟ في بادئ الأمر قلتُ: أعلّم حريتي المشيَ، مالت عليّ، استندتُ إليها، وأسندتها، فسقطنا على بائع البرتقال العجوز، وقمتُ، وكدّستُها فوق ظهري كما يحملون البلاد على الإبْل والشاحناتِ، وسرتُ. وفي ساحة البرتقال تعبتُ، فناديتُ: أيتها الشرطة العسكريةُ! لا أستطيع الذهاب إلى قرطبهْ.

وأحنيتُ ظهري على عَتَبهْ

وأنزلتُ حريتي مثل كيس من الفحم، ثم هربت إلى القبو؛

هل يشبه القبو أمّي وأمّك؟ صحراءُ صحراءُ



ما الساعة الآن؟

لا وقت للقبوِ

ما الساعة الآن؟

لا وقت…

في ساحة البرتقال تصدّقنا بائعاتُ السيوف القديمة، والذاهبون إلى يومهم يسمعون النشيد ولا يكذبون على الخبز، صحراءُ في القلب،

مزّق شرايينَ قلبي القديم بأغنية الغجر الذاهبين إلى الأندلسْ

وغنِّ افتراقي عن الرمل والشعراء القدامى، وعن شجر لم يكن امرأة

ولا تمتِ الآن، أرجوك! لا تنكسر كالمرايا، ولا تحتجب كالوطنْ

ولا تنتشرْ كالسطوح وكالأدويهْ

فقد يسرقونك مثلي شهيداً

وقد يعرفون العلاقة بين الحمامة والأقبيهْ

وقد يشعرون بأن الطيور امتداد الصباح على الأرض

والنهر دبّوس شعر لسيّدة تنتحرْ.

وانتظرني قليلاً قليلاً لأسمع صوتَ دمي

يقطع الشارع المنفجرْ

كنتُ أنجو

- ولا تنتصرْ!

- وسأمشي

- إلى أين يا صاحبي؟

- إلى حيث طار الحمام فصفّق قمحٌ

ليُسند هذا الفضاء بسنبلة تنتظرْ.

فلتواصل نشيدكَ باسمي

ولا تبكِ يا صاحبي وتراً ضاع في الأقبيهْ.



إنها أغنية

إنها أغنية!











منتخب "هي أغنية، هي أغنية" 1986



في آخر الأشياء



ثمرٌ على وشك السقوط عن الشجرْ

تلك النهاية والبداية أو كلام للسفرْ.



في آخر السرداب ينكسر الفضاء ويتّسع.

لا نستطيع البحث عن شيء وعن قولٍ يحرّر حائطاً

فينا. وتنفتح الشوارع كي نمرّ.



ظلان ينفصلان عنّا، ثم ينتشران ليلاً لا يُحَسّ ولا يُرى

من يستطيع الحبّ بعدكَ؟ من سيشفى من جراح الملح

بعدكَ؟ في زواج البحر والليل استدار القلب نحوك،

لم يجدنا، لم يجد حَجَلاً تزيّا بالحجرْ.



في آخر السرداب نبلغ حكمة القتلى، نُساوي

بين حاضرنا وماضينا لننجو من كوابيس الغدِ

أيامنا شجرٌ. وكم قمرٍ أرادكِ زوجةً للبحر،

كم ريحٍ أرادت أن تهبّ لتأخذيني من يدي.

أيامنا ورق على وشك السقوط مع المطرْ.



لم تبقَ للموتى سوى الحجج الأخيرةِ. لا مكان لنا هنا

لنطيل جلستنا أمام البحرِ. فلنفتحْ طريقاً للزهورْ

ولأرجُل الأطفالِ كي يتعلّموا المشي السريع إلى القبورْ.

كبرت تجاربنا وضاق كلامُنا

فلننطفئ

ولنختبئ

في سيرةِ الأسلاف والسفر المؤدّي للسفرْ.

(…)







منتخب "ورد أقلّ" 1986



أنا يوسف يا أبي



أنا يوسفٌ يا أبي. يا أبي إخوتي لا يحبّونني، لا يريدونني بينهم يا أبي. يعتدون عليّ ويرمونني بالحصى والكلامِ. يريدونني أن أموت لكي يمدحوني. وهم أوصدوا باب بيتك دوني. وهم طردوني من الحقل. همْ سمّموا عنبي يا أبي. وهم حطّموا لُعبي يا أبي. حين مرّ النسيم ولاعب شعريَ غاروا وثاروا عليّ وثاروا عليكَ، فماذا صنعتُ لهم يا أبي؟ الفراشاتُ حطّت على كتفيّ، ومالت عليّ السنابلُ، والطير حطّت على راحتيّ. فماذا فعلتُ أنا يا أبي، ولماذا أنا؟ أنت سمّيتني يوسفاً، وهمو أوقعونيَ في الجبّ، واتهموا الذئبَ؛ والذئبُ أرحم من إخوتي... أبتِ! هل جنيتُ على أحد عندما قلت إني: رأيتُ أحد عشر كوكباً، والشمس والقمر، رأيتُهم لي ساجدينْ.







منتخب "أرى ما أريد" 1990



(...)



… كانوا هناك يحاورون الموج كي يتشبّهوا بالعائدين من المعارك تحت قوس النصر. لم تذهب منافينا سدى أبداً، ولم نذهب إلى المنفى سدى. سيموت موتاهم بلا ندم على شيء. وللأحياء أن يَرِثوا هدوءَ الريح، أن يتعلّموا فتح النوافذ، أن يروا ما يصنع الماضي بحاضرهم، وأن يبكوا على مهلٍ على مهلٍ لئلا يسمع الأعداءُ ما فيهم من الخزف المكسّر. أيها الشهداء قد كنتم على حقّ، لأن البيت أجمل من طريق البيت، رغم خيانة الأزهار، لكنّ النوافذ لا تطلّ على سماء القلب... والمنفى هو المنفى هنا وهناك. لم نذهب إلى المنفى سدى أبداً، ولم تذهب منافينا سدىً



والأرضُ

تُورَثُ

كاللغهْ!











منتخب "أحد عشر كوكباً" 1992



شتاء ريتّا



ريتّا تّرتب ليل غرفتنا: قليلُ

هذا النبيذُ،

وهذه الأزهار أكبر من سريري

فافتحْ لها الشبّاك كي يتعطّر الليل الجميلُ

ضع، ههنا، قمراً على الكرسيّ. ضعْ

فوقَ، البحيرةَ حول منديلي ليرتفع النخيلُ

أعلى وأعلى،

هل لبستَ سواي؟ هل سكنتكَ إمرأةٌ

لتجهش كلّما التفّتْ على جذعي فروعكَ؟

حكّ لي قدمي، وحكّ دمي لنعرف ما

تخلّفه العواصف والسيولُ

مني ومنك...



تنام ريتّا في حديقة جسمها

توت السياج على أظافرها يضيء الملح في

جسدي. أحبّكِ. نام عصفوران تحت يديّ...

نامت موجة القمح النبيل على تنفّسها البطيء،

ووردة حمراء نامت في الممرّ،

ونام ليل لا يطولُ

والبحر نام أمام نافذتي على إيقاع ريتّا

يعلو ويهبط في أشعّة صدرها العاري، فنامي

بيني وبينك، لا تغطّي عَتْمة الذهب العميقة بيننا

نامي يداً حول الصدى،

ويداً تبعثر عزلة الغابات، نامي

بين القميص الفستقيّ ومقعد الليمون، نامي

فرساً على رايات ليلة عرسها...

هدأ الصهيلُ

هدأت خلايا النحل في دمنا، فهل كانت هنا

ريتّا، وهل كنا معا؟



... ريتّا سترحل بعد ساعات وتترك ظلّها

زنزانةً بيضاءَ. أين سنلتقي؟

سالت يديها، فالتفتّ إلى البعيد

البحر خلف الباب، والصحراء خلف البحر، قبّلني على

شفتيّ - قالت. قلتُ: يا ريتّا، أأرحل من جديد

ما دام لي عنب وذاكرة، وتتركني الفصولُ

بين الإشارة والعبارة هاجساً؟

ماذا تقولُ؟

لا شيء يا ريتّا، أقلّد فارساً في أغنيهْ

عن لعنة الحبّ المحاصر بالمرايا...

عنّي؟

وعن حلمين فوق وسادة يتقاطعان ويهربان، فواحدٌ

يستلّ سكّيناً، وآخر يودِعُ الناي الوصايا

لا أدرك المعنى، تقولُ

ولا أنا، لغتي شظايا

كغياب إمرأةٍ عن المعنى، وتنتحر الخيولُ

في آخر الميدان...



ريتّا تحتسي شاي الصباحِ

وتقشّر التفاحة الأولى بعشر زنابقٍ،

وتقول لي:

لا تقرأِ الآن الجريدة، فالطبول هي الطبولُ

والحرب ليست مهنتي. وأنا أنا. هل أنتَ أنتَ؟

أنا هو،

هو من رآك غزالةً ترمي لآلئها عليه

هو من رأى شهواته تجري وراءك كالغدير

هو من رآنا تائهين توحّدا فوق السرير

وتباعدا كتحيّة الغرباء في الميناء، يأخذنا الرحيلُ

في ريحه ورقاً ويرمينا أمام فنادق الغرباء

مثل رسائلٍ قُرئتْ على عَجَلٍ،

أتأخذني معكْ؟

فأكون خاتمَ قلبكَ الحافي، أتأخذني معكْ

فأكون ثوبكَ في بلاد أنجبتك... لتصرعكْ

وأكون تابوتاً من النعناع يحمل مصرعكْ

وتكون لي حيّاً ومَيْتاً،

ضاع يا ريتّا الدليلُ

والحبّ مثل الموت وعدٌ لا يُردُّ... ولا يزولُ

(...)









منتخب "لماذا تركت الحصان وحيداً" 1995



حبرُ الغراب



لَكَ خَلْوةٌ في وحشة الخرّوب، يا

جَرَسَ الغروب الداكنَ الأصوات! ماذا

يطلبون الآن منكَ؟ بحثتَ في

بُستانِ آدمَ، كي يوارِي قاتلٌ ضَجِرٌ أَخاهُ،

وانغلقت على سوادِكَ

عندما انفتَحَ القتيلُ على مَدَاهُ،

وانصرَفْتَ إلى شؤونكَ مثلما انصرف الغيابُ

إلى مشاغله الكثيرة. فلتَكُنْ

يَقِظاً. قيامتُنا سَتُرْجَأُ يا غرابُ!



لا ليلَ يكفينا لنحلُمَ مرّتين. هناك بابُ

واحدٌ لسمائنا. من أين تأتينا النهايةُ؟

نحن أحفادَ البداية. لا نرى

غير البداية، فاتّحدْ بمهبّ ليلك كاهناً

يَعِظُ الفراغ بما يخلّفُهُ الفراغُ الآدميُّ

من الصدى الأبديّ حولكَ...

أنتَ متّهم بما فينا. وهذا أوّلُ

الدمِ من سلالتنا أمامكَ، فابتعدْ

عن دار قابيلَ الجديدةِ

مثلما ابتعد السرابُ

عن حِبر ريشك يا غرابُ



ليَ خلوةٌ في ليل صوتكَ... لي غيابُ

راكضٌ بين الظلال يشدُّني

فأشدُّ قرنَ الثور. كان الغيب يدفعني وأدفعه

ويرفعني وأرفعه إلى الشبح المعلّق مثل

باذنجانةٍ نضجت. أأنت إذاً؟ فماذا

يطلبون الآن منّا بعدما سرقوا كلامي من

كلامك، ثم ناموا في منامي واقفينَ

على الرماح. ولم أكن شبحاً لكي يمشوا

خُطايَ على خُطايَ. فكُنْ أخي الثاني،

أنا هابيلُ، يُرجعني الترابُ

إليك خرّوباً لتجلس فوق غصني يا غرابُ

(...)







منتخب "سرير الغريبة" 1995



سوناتا [III]



أحبّ من الليل أوّلَه، عندما تأتيان معا

يداً بيد، ورويداً رويداً تضمّانني مقطعا مقطعا

تطيران بي، فوق. يا صاحبيَّ أقيما ولا تُسرعا

وناما على جانبيَّ كمثل جناحَيْ سنونوّة متعَبهْ



حريرُكما ساخنٌ. وعلى الناي أن يتأنّى قليلا

ويصقل سُوناتةً، عندما تقعان عليّ غموضاً جميلا

كمعنى على أهبة العري، لا يستطيع الوصولا

ولا الانتظارَ الطويلَ أمام الكلام، فيختارني عَتَبهْ

أحبّ من الشعر عفويّةَ النثر والصورةَ الخافيهْ

بلا قمرٍ للبلاغة: حين تسيرين حافيةً تترك القافيهْ

جِماعَ الكلام، وينكسر الوزن في ذروة التجربهْ



قليلٌ من الليل قربك يكفي لأخرج من بابلي

إلى جوهري - آخري. لا حديقةَ لي داخلي

وكلُّكِ أنتِ. وما فاض منك "أنا" الحرّةُ الطيّبهْ









منتخب "جداريّة" 2000



(...)

وأريد أن أحيا...

فلي عملٌ على ظهر السفينة. لا

لأنقذ طائراً من جوعنا أو من

دُوار البحر، بل لأشاهد الطوفانَ

عن كثبٍ: وماذا بعد؟ ماذا

يفعل الناجونَ بالأرض العتيقة؟

هل يُعيدونَ الحكايةَ؟ ما البدايةُ؟

ما النهايةُ؟ لم يعد أحَدٌ من

الموتى ليخبرنا الحقيقة.../

أيها الموتُ انتظرْني خارج الأرض،

انتظرْني في بلادكَ، ريثما أُنهي

حديثاً عابراً مع ما تبقّى من حياتي

قرب خيمتكَ، انتظرْني ريثما أُنهي

قراءةَ طَرْفَةَ بنِ العَبْد. يُغريني

الوجوديّون باستنزاف كلّ هنيهةٍ

حرّيّةً، وعدالةً، ونبيذَ آلهةٍ.../

فيا موتُ! انتظرْني ريثما أُنهي

تدابيرَ الجنازة في الربيع الهشّ،

حيث وُلدتُ، حيث سأمنع الخطباء

من تكرار ما قالوا عن البلد الحزين

وعن صمود التين والزيتون في وجه

الزمان وجيشه. سأقول: صُبُّوني

بحرف النون، حيث تَعُبُّ روحي

سورةُ الرحمن في القرآن. وامشوا

صامتين معي على خطوات أجدادي

ووقع الناي في أزلي. ولا

تضعوا على قبري البنفسجَ، فهوَ

زهر المُحبَطين يُذكِّر الموتى بموت

الحبِّ قبل أوانه. وضعوا على

التابوت سبعَ سنابلٍ خضراءَ إنْ

وُجِدَتْ، وبعضَ شقائق النعمان إنْ

وُجِدَتْ. وإلاّ، فاتركوا وردَ

الكنائس للكنائس والعرائس/

أيها الموت انتظر! حتى أُعِدَّ

حقيبتي: فرشاةَ أسناني، وصابوني

وماكنة الحلاقة، والكولونيا، والثيابَ.

هل المناخ هناك معتدلٌ؟ وهل

تتبدّل الأحوال في الأبديّة البيضاء،

أم تبقى كما هي في الخريف وفي

الشتاء؟ وهل كتاب واحد يكفي

لتسليتي مع اللاّ وقتِ، أم أحتاجُ

مكتبةً؟ وما لغةُ الحديث هناك،

دارجةٌ لكلّ الناس أم عربيّةٌ

فُصْحى/

... ويا موت انتظرْ، يا موتُ،

حتّى أستعيد صفاءَ ذهني في الربيع

وصحّتي، لتكون صيّاداً شريفاً لا

يصيد الظبيَ قرب النبع (...)









منتخب "حالة حصار" 2002



هنا، عند منحدرات التلال، أمام الغروبِ

وفوّهة الوقتِ،

قرب بساتينَ مقطوعة الظلِّ،

نفعل ما يفعل السجناءُ،

وما يفعل العاطلون عن العمل:

نُربّي الأملْ.

(...)



نُخَزِّن أحزاننا في الجِرار، لئلاّ

يراها الجنودُ فيحتفلوا بالحصار...

نخزّنها لمواسمَ أخرى،

لذكرى،

لشيء يفاجئنا في الطريق.

فحين تصير الحياةُ طبيعيّةً

سوف نحزن كالآخرين لأشياءَ شخصيّةٍ<
-

_________________


حسن بلم

أجمل أشعار محمود درويش,مختارات من أجمل ما كتب محمود درويش

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة

صفحة 1 من اصل 1
نوسا البحر :: فوضى الحواس(منتديات ثقافيه) :: مرتفعات أو سوناتا الكلام

حفظ البيانات | نسيت كلمة السر؟

عفاريت نوسا البحر google+ | عفاريت نوسا | مجلة الصور | مجلة عفاريت