تقاعد زير نساء عجوز,شعر وقصائد عماد فؤاد,ديوان عماد فؤاد pdf

♪♫.. الادارة..♫♪
رسالة sms : سيرى ببطئ ياحياة
لكى أراك بكامل النقصان حولى
كم نسيتك فى خضمك
باحثا عنى وعنك
وكلما أدركت سرا منك
قلت بقسوة
مأجهلك!!!!
ذكر
عدد المساهمات : 10336
الاٍقامة : وراء الأفق حيث لاشئ سواى وحبيبتى
العمل : مهندس
نوسا البحر :
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
2013-08-19, 1:00 pm
تقاعد زير نساء عجوز

عماد فؤاد
(مصر)


رسالةً لا تخصُّ أحداً سواها
مطْرحٌ دافئٌ على ضفَّة نهر
مريم
كامرأة تتكئ على رفَّة ندم
يوم في حياة ملاك صغير
في محاولة تعريف معنى غيابكِ
آخر محاولات التَّنكر
الوحيدة في ركنها النائيّ
بدء تقاعد زير نساء عجوز

رسالةً لا تخصُّ أحداً سواها

Op de lange weg…
van de affectie van " Liesbeth "
naar de liefde van " Louisa "
Op weg
van de ogen van " Louisa "
naar het geduld van " Maryam "
Op weg
van " Maryam " naar mij…

Ik zal vertellen
over de nachten
die voorbijgaan zonder de afdruk van haar voeten
op het stof van onze liefde

Ik zal vertellen en zal zeggen:
" Goede morgen, Vlaamse vrouw "
" Goede morgen "

Emad

***

مطْرحٌ دافئٌ على ضفَّة نهر

رجلٌ
ككومةِ ظلٍّ جوارَ حائطٍ
كانْهدامِ نورٍ مُفاجئٍ
من نافذةٍ مفتوحةٍ على الفراغِ
يضحكُ في سعادةْ.

أصابعه الخمسةُ في كفِّهِ اليُمنى
قبضتْ على شبحِ فرْحةٍ طارئةٍ
بداخلهِ كنتوءْ
ضغطها بقوةٍ
وأرهفَ سمْعَهُ لصوتٍ
كنقْنقةِ ضُفدعٍ وحيدْ
ضُفدعٍ
يحتفظُ بمطْرحهِ دافئاً مثل حضْنٍ
على ضفةِ نهرْ.

رجلٌ سعيدٌ
ينصتُ إلى صوتِ تحطِّم الهواءِ
في قصبتهِ الهوائيَّة
بشغفِ أصمْ
يختبرُ أحبالَهُ الصوتيَّةَ
بعد طول توقفٍّ
فيما تتَّسعُ أذناهُ
لخشْخشةٍ تئِزُّ تحتَ قفصه الصَّدريِّ
الملغمِ بالنيكوتينْ.

طيفُ السَّعادةِ
الَّذي مرَّ بخفَّةِ صبيَّةٍ أمام عينيْهِ
تجسَّدَ في كُرَتَيْنِ شفَّافتيْنِ من الدَّمْعِ
كُرَتَين
لسعتا عينيْهِ الخَرَزيتينِ
فارتعشَ جَفناهُ
كأنَّهما يحتميانِ من هَبَّةِ هواءٍ مُفاجئةٍ
هبَّةِ هواءٍ
كانتْ كفيلةً بإسقاطِ الكُرَتَيْنِ على خديْهِ
وإشعارهِ بافْتضاحٍ مُنهِكٍ
ومُذِلْ.

رجلٌ
ككومةِ ظِلٍّ جوارَ حائطٍ
كانْهدامِ نور مفاجئٍ
من نافذةٍ مفتوحةٍ على الفراغِ
يتذوقُ مِلُوْحَةٍ حارقةٍ بين شفتيه
ومثلَ طفلٍ
يُشْبهُ ضُفْدعاَ وحيداً
يحتفظُ بمطْرحهِ دافئاَ كحضْن
على ضفةِ نهر
انفجرتْ دموعُه في بُكاءٍ حقيقيٍّ
بكاءٍ
حاولَ خلالَهُ
القبضَ على طيفِ السَّعادةِ
الذي مرَّ بخفةِ صبيَّةٍ
أمامَ عيْنيهْ.

يونيو 2002

مريـمكأنَّها نائمةٌ
يرفُّ فوق شفتيها خيالُ ابتسامةٍ
ويجري بين أصابعها نهرٌ رائقٌ
وقدماها المثقوبتان
في منتصفي كفَّتيهما
تهتزَّان على وقع زقزقةِ العصافيرِ الغريبةِ
وهي تحطُّ بهدوءٍ
فوق قممِ شجر الكافور العالي

أشجارُ الكافور العالية
الَّتي أحاطتْ بها
كأنَّها أصابعُهُ المتشنِّجَةُ
حين كانوا يدقُّون المساميرَ
ليثبِّتوا كفَّيه النَّحيفتينِ
في خشب الصَّليبْ.

كأنَّه نائمٌ
بجسدهِ المشدودِ
ابنُ أمِّه
الذي يرى الأشياءَ في إغماضةِ عينيهِ
ناصعةً في بياضها المُطْمئنِّ
قاتمةً في عتْمتها
جفناهُ ينسدلانِ على حلمٍ لا يبينُ
وقلبهُ الصَّغيرُ
يعدو كفرسٍ خلفَ ندهتها الأخيرةِ
يهرول كملسوعٍ
بين قمةٍ
وسفحْ.

تمرُّ من أمامه مريمُ
وهْو مغمض العينين فوق صليبهِ
الصَّبية الهادئةُ الرَّزينةْ
ابنة البرزخ الرَّهيف
بين الأنوثةِ
وبين الطُّفولةْ

المنزَّهةُ
الواثقةُ من نفسها كشجرةِ زانٍ
كأنَّها لا تعرفهُ
هذا الذي يرقبُها في حلمهِ
من خلف أحجبةٍ شفَّافةٍ
يداعبها الهواءُ الخفيفُ
فتهتز صورتُها في عقلهِ
كأنَّها انعكاس قمرٍ طارئٍ
على بحيرةٍ ساكنةْ.

كأنَّه نائمٌ
ليس من تعبٍ
بل ليحلم بذراعيه مفرودتين على اتِّساعِهما
فيما طيورٌ غامضةُ الألوان
تُطوِّف حول جسدهِ
وأطرافُه المشدودةُ بقسوةٍ
كأوتارِ عودٍ عربيٍّ
مقيدةٌ ومحكومةٌ إلى اتجاهاتٍ ثلاثةٍ
وملحٌ أليفٌ كقبلتها
يشدُّ المياهَ العذبةَ
من بين شفتيهْ.

كأنَّه نائمٌ
ليس من تعبٍ
بل ليراها وحيدةً في مكانها الشرقيِّ
تمشي - حين تمشي - بعينين منكَّستينِ
كأنَّها حين لا ترى الآخرينَ
لا يرونها
وكأنَّها بمشيتها السريعةِ
تهرب من سربِ الفراشاتِ الملونةِ
الذي يتبعها بإصرارٍ
أينما ذهبتْ.

مريمُ
ليست البنتُ التي كَبُرتْ كخطيئةٍ
وليست التي أدفأتْ مطْرحها في النَّوم
بدم حيضٍ هاربٍ من عفَّتها
ولا التي بجرحٍ عميقٍ في الجبهة
غيَّرت شكلها وصارت كأرملةٍ
ولا التي
لم تحلم بطفل يشبهها في شيءٍ
تتباهى به أمام نساء العائلةِ

مريمُ
وحيدةٌ في ركنها الشرقيِّ
لا رسائلَ تصل إليها من رفاق السِّنينَ
ولا أصدقاء يسألون عن صحتِها
ليس سواهُ فوق صليبه
يعرف أنها وحيدةٌ
إلا من يدين نحيفتينِ
تجسَّان حجم بطنها التي تكبرُ
يوماً بعد يوم.

مريمُ
التي بندهةٍ كطلقةٍ
شرختْ زجاج شُبَّاكها في الليل
لم تعد هادئةً بما يكفي
لكي يغفو المسيحُ

غاضبةً
كأنَّها عندما أشارتْ إليه
وهم يحيطون بهما
انعقد لسانُهُ
ولم يتكلَّمْ.

أبريل 2002

****

كامرأةٍ تتَّكئ على رفَّةِ ندمْ

صوتكِ هذا
أم تنهُّدكِ على صدري
متعبةً
وكسلانةْ ؟

لمسة يديكِ على خصري
لها رفة أجنحة الفراشات
وهي تطوِّف بالهواء
وفنجان قهوتنا يبرد بهدوءٍ
فوق ترابيزة البهو الصغير.

صوتكِ..
أم قدمكِ
وهي تنغرز في لحم السَّرير
كمثل تعثركِ كلَّ صبحٍ
في رمل الطريق؟!

كأنَّكِ
كنتِ تسقطين من حلمٍ
خفيفةً
ولأصابعكِ الخمسة
وسادات هوائيةٌ لا تُرى
شعركِ البنيّ القصير
يشده سقوطكِ إلى أعلى
فيما جيوشٌ من النَّمل
تشدُّ دمي من دمي
وتوقفني على أوَّل:
"صباح الخير أيتها المرأة الفلمنكية"
صباح الخير
يا وجهي النَّائم
تحت ماء الصنبور.

فيما أنتَ بعيدٌ عن البيت
ثمَّة امرأةٌ بدينةٌ تصحو كلَّ شمسٍ
لتطعم طيور السَّطح عُنوةً
بين كلّ درجة سلمٍ
تأخذ نَفَسَاً طويلاً
وتعد سنوات عمرها
مرَّتين.

ثَّمة بنتٌ
تنام مفتوحة السَّاقين
تحت غطائها الشِّتويِّ
ووردةٌّ مجهولةٌ
تموت في أصيص الزُّهور

صباح الخير
يا الوردة المجهولة
التي تموت
صباح الخير
يا أصيص الزهور.

فيما أنتَ بعيدٌ هكذا
ثمَّة رجلٌ يعمِّر البيتَ بكحَّةٍ مشروخةٍ
وأخوةٌ يكبرون في غفلةٍ من عيون الأهلِ
وأولادُ عمومةٍ يتعلَّمون الحياة
في ثكْنات الجيش

ثمَّة شفاهٌ
تتهجَّى اسمكَ في جُملٍ عابرةٍ
وأنتَ تحدِّق في بقعة الضَّوء الخارجة من العتمة
ترقبها وهي تتوالد واحدةً بعد أخرى
كأنَّكَ تفتِّش عن غياب الدَّم الحيِّ
من جلد وجهكَ المخطوف
فصباح الخير يا غياب الدَّم الحيِّ
صباح الخير
يا وجهكَ المخطوف.

تبدأ الكلام
من تحت شفةٍ محروقةٍ
ولا تكفَّ عن الدوران مكانكَ:

ذاهبٌ إلى خيانةٍ في الصُّبح
أمضي مثل مقاتلٍ
بشَفرةٍ سوداء تحت لسانٍ مرٍّ
حاملاً ألماً استثنائياً
بين وركيَّ
وخفيفاً كمحبةٍ.

يدكِ
هي نفسها يدكِ
وهي تمتدُّ
بيضاء ومحمرةٍ
نحو صدري المكشوف
وحبَّة العرق النافرة
تتصبَّب ساخنةً
فيما تتحرَّى أصابعي المعروقة عنها
في دأبٍ مفضوح.

أنا:
بندول ساعة حجرتكِ الكلاسيكيّ
تكْ .. تكْ .. تكْ،
نافورة الدَّم السَّاخن
وهو يترقرق في بخلٍ
بين وركيكِ،
وشفتكِ المضمومة في أنوثةٍ
حول لساني المحموم
حتى يدي المشدودة
نحو حلمتكِ السَّاكنة تحت سوتيانكِ الحريريِّ
ونحن نتمشَّى في الشَّارع الجانبيِّ
متواطئين
هي نفسها
اختصاري الصَّريح

وكبئرٍ
تختزن مائها النقيَّ
سوف أتلقَّى لكْنتكِ الأجنبيةَ
كمثل "صباحِ الخير"
كلَّ يومٍ جديدْ.

صباحُ الخير أيتها الشَّوارعُ
صباحُ الخير أيتها البيوتُ
صباحُ الخير يا بناتُ المدارس
صباحُ الخير
أيُّها الكحول المخمَّر في "أورفانيدس"
صباحُ الخير
يا لسعةَ البرد
وأنتِ تمرِّين هادئةً
تحت جلديَ السَّميكْ.

ذاهبٌ إلى خيانةٍ في الصُّبح
كامرأةٍ تتَّكىء على رفة ندمٍ صغيرةٍ
في حجم مشْمشةٍ
وتُسكت حنين حلْمتيها
إلى شفتين غامضتين

صباحُ الخير
يا شفتين غامضتين
يا يدها الصغيرة
يدكِ الصغيرة
التي لن أسمِّيها
والعروق الزُّرق الرفيعة
وهي تخترق عمق بشرتكِ
سوف تكون محض موصِّلٍ
لبرودة الهواء
في غرفتي الواسعة.

صباحُ قعودي مثل طفلٍ
تحت عينيكِ
أرمي حروف الكلام
مبتورة الأطراف
أو مسنَّنةٍ
حين ترمقينني متسائلةً
عن معنى جُملتي الأخيرة
فيما صوت ارتطام قطع النَّردِ
يرنُّ على خشب الطاولة
وكحَّة أمِّي النَّائمة
تتدحرج - ببطءٍ -
فوق حصيرة البلاط

صباحُ الخير إذن
يا كحَّة أمِّي النَّائمة
صباحُ الخير
يا حصيرة البلاط.

ذاهبٌ إلى خيانةٍ في الصُّبح
أرمي السَّلام على الفراغ
وأتدحرج على سلمٍ مدبَّب
كأنَّه الكلام
آهٍ ...
صباحُ الخير
يا الحجر المدبَّب
كأنَّه الكلام.

صباحُ ابتعادكِ
صباحُ قدمكِ التي ستخبط الأرض
بقوة امرأةٍ
تعرف إلى أين تغادر
صباحُ حذائكِ الجلديِّ
في رنينه المعدنيِّ
على إسفلت الطريق
صباحُ ارتجاف نهدكِ المدوَّر
بين يديَّ
حين تلتفتين
حين اهتزاز شعركِ
حول عينيكِ
وأنتِ تنظرين إلى وجهي
للمرَّة الأخيرة

صباحُ الخير
يا المرَّة الأخيرة
صباحُ وحدتنا التي آمنَّا بها فجأةً
وصباحُ العزلة التي نمتْ بداخلنا
كساعة الرَّمل
صباحُ خيانة أحبالكِ الصَّوتية
في لحظة الوداع
صوتكِ وهو يرنُّ:

كلما قصدنا الصَّدق في الكلام
كلما اصطادتنا الحكايات الملفقة
وكلما شئنا الاختباء
ردَّتنا روائح الألفة الغريبة
في ملابس أهلنا
إلى برِّ التعرِّي!

ذاهبٌ وحدي
يا صباح الخير
بين كفَّي المتيبِّستين
عرقٌ حامضٌ
وخيانتي محبَّتي
وصباحي كأنَّه استنَّ نفسه
بنفسه
ولا شيء يجعلني واقفاً
سوى رغبتي الطَّارئة
في الوقوف.

صباحُ الخير
يا مخدَّتي بين ساقيَّ
يا ضفيرة شعرها المصبوغ بالحنَّاء
صباحُ ابتسامتها النعسانة
على صدري العاري
وعينيها المرفوعتين في عينيَّ
بلا خجلٍ.

صباحُ وحدتي هنا
عائدٌ من خيانةٍ في الصُّبح
ألملم دفء كفَّيها
بين كفَّيَّ
وأحارب لسعة البرد الخفيفة
وهي تنسلُّ من تحت القميص المندَّى
كمقاتلٍ
فقد شفرة سوداء
كانت تحت لسانه
المرِّ.

كنتُ أسير
وكأنَّ الطريق لا ينتهي
وكأنَّ البنات الوحيدات
يخترعن خطواتهن
على الطَّريق
معي.

أكتوبر 2000

يوم في حياة ملاك صغير

يستقيظُ الملاكُ كلَّ صبحٍ
كجنديٍّ في جيشٍ نظاميْ
يتلَّقى تدريباتٍ في العملِ الصَّالح
وهداية الضالينْ.

ينسى نفسَهُ طيلةَ النَّهار
فلا هو أصلحَ ما بين قلبينِ
ولا هو كفَّ المعصيةَ
عن الولوجِ في النفوسْ.

المسكينُ الصغيرُ
كان عَظْمُه طرياً في هذا العالم
يُخبِّئُ جناحيه الأبيضين تحت ذراعيهِ
إن مرَّتْ بجانبه جميلةٌ وحيدةْ
ويخفي دمعتَهُ برمشهِ الطويلْ
لو مرَّ على عاشقٍ.

يستيقظُ الملاكُ الصغيرُ
كلَّ صبحٍ
كامرأةٍ مسئولةٍ عن كومٍ من اللحمِ
نشيطاً..
ومملوءاً بالطَّاقة الإلهيَّةِ
وبالمحبَّةِ التي شربها قطرةً .. قطرةً
من ملعقةِ اللهِ
ويعرفُ
أن واجباته كثيرةٌ

لو تكاسل عنها
سبقه المتنافسونْ.

يستيقظُ الملاكُ
كطالبِ علمٍ
كزوجٍ يجري على لقمةِ العيْشِ
كشمسٍ تعرف أنَّ العالمَ
في حاجةٍ إلى دفئِها الرَّخو.

يبصُّ قبل خروجهِ
على نبتاته الخضراءَ
مدارياً أصابعه العشرةَ
في قبضتيهِ
ومرفرفاً بجناحيهِ في مغازلةٍ
كأنَّه يشدُّ الأوكسجين من هواءِ الأركانِ
إلى مسامِّ الأوراق والسيقانْ
ويخرجُ
دون أن يلمحَ ابتسامةَ الرَّياحينِ
أو ضحكةَ الصبَّار العجوز
في الزَّاويةْ.

كان الصبحُ مثل زئبقٍ
ينزُّ من بين أصابعهِ
كلما حاول القبضَ عليه
انفلتَ مثل ماءٍ
لكنه يعتصمُ بالتعاليمِ والوصايا
ويبدأ شغله اليوميَّ

يمسِّدُ بيدهِ بطن حاملٍ
تلدُ في سيارة إسعافٍ،

يجعل الرَّصاصةَ تنحرفُ قليلاً
عن قلب جنديٍّ
لم تخضرْ لحيتُهُ بعدُ،

يلقي برداً وسلاماً
بين عجوزٍ وابْنه العاق،

ويفرحُ مثل طفلٍ
حين يرفعُ فرْخ يمامٍ
(يتعلم الطيران للمرَّة الأولى)
في الهواءْ.

يعودُ الملاكُ الصغيرُ
من جولتِه الصَّباحيَّةِ
إلى معسكر التَّدريبِ
دون أسلحةٍ فوق كتفيهِ
دون ذرَّةٍ من ترابٍ
على جناحيه الأبيضين
دون تعبٍ

ليس سوى رأسه المشغولة بأفكارٍ:

ماذا لو أصبح طفل عربة الإسعاف
مجرماً
أو تاجر مخدراتْ

وما أدراهُ أن الجنديَّ
الذي لم تخضرْ لحيته بعدُ
لن يقتل صاحب الرصاصةِ ؟!

ويحزن الملاك مرَّتين:
مرةً
لأنه يوقن أن الابن العاقَّ
سوف يقتلُ أباهُ الشيخ في نومهِ
هذه الليلة

ومرةً
لأنَّه يعرف
أن فرخ اليمام الصغير
لن يحلِّق عالياً
دون أن ينسى أبداً
خوفه
من الطيرانْ.

أبريل 2002

*****

في محاولة تعريف معنى غيابكِ

أعرفه
هذا الملاك الذي طاردَكِ
طيلة النَّهار

وأنتِ تبكين على صدري
رأيتُ أثر أصابعه الخمسةَ
فوق وجنتيكِ
وشممتُ رائحة جناحيه الأبيضينِ
وأنتِ تندسِّين في حِضني
خائفةً
ومذعورةْ.

سأظلُّ هنا
رابضاً في الرُّكنِ
في الظُّلمة الرَّطبةِ
وهي تنتشر في أضلاعي
كامناً ومختبئا.

لن أقرب النافذة العالية في الزَّاوية
ولن أفتح الباب لزائرٍ
أو أعطي شربة ماءٍ
لابن سبيلْ.

سأظلُّ كما أنا
أظافري طويلةٌ بدرجةٍ تكفي
لاختراق لحم الآخرينَ
حين يحاولون جذبي بعيداً
وعيناي لا تعرفان من النُّورِ
سوى ما أسمح لهما بهْ.

مثل ناطورٍ
يصدُّ الطَّير عن حقلهِ
كنت أزجر أعينهم
عن ثوبكِ الشَّفافِ
فيما أخبِّىءُ ابتسامتكِ
بيدي الملوِّحة
خلسةً.

عندما تموتينَ
لا صوتَ سوف يعلو
ولا نهرَ سيجري
في ليلٍ أزرقٍ أو رماديٍّ
وما اسمي سوى ندهةٍ مبتورةٍ
تسقط كعملةٍ معدنيةٍ
فوق إسفلت الطريقِ
لكنني
سأدفن وجهي في ملابسكِ القديمة
وأتذكر كل الأصدقاء
الذين رميتهمْ
بركْلة قدمٍ واحدةٍ
والليالي الطويلة من الوحدةِ
ستنظر إليَّ خلسةً
من خلف ستائرَ بيضاء
يهزُّها الهواءُ
والنَّسيم الخفيفُ.

قلبيَ الصَّغيرُ
ستنعشه هبَّات الأوكسجين الفجائيةِ
حين أحسُّ يدكِ
لم تزل دافئةً على صدري العاري
وصوتكِ
سوف أطارده في غرفتي
مثل طفلٍ.

تعودنا على ذلك
إذا جفَّت حوافُ شفاهنا
ونشفتْ
فسيعني أن نكفَّ عن القبلاتِ ليومين متتاليينِ
ويعني
أن نهربَ في مشاويرَ كاذبةٍ
نلفُّقها متواطئينِ
فرحين بانتظار يومنا
الذي سنعاود فيه القبلات
من جديدْ.

تعوَّدنا
أن نتشبَّث ببعضنا البعض
حتى يفور ماء الشَّاي والينسون
فوق عين البوتاجاز
حتى أفور بمائي تحت كِتَّان بنطالي
وأضبط نهديك عاريين
على صدري العاري.

لن أنسى:
صوتَ ظهركِ
وهْو يزحف فوق السِّيراميكِ
تحت ثقلي،
لسانكِ دافئاً في فمي ،
دموعي تفرُّ
وهْي تخترق نقاط العرق الغزيرِ
سأعرف طعمها المالح
وأميزِّها
فثمَّة طعمٌ مختلفٌ
للملحْ.

سأظلُّ هنا
رابضاً في الرُّكنِ
في الظلمة الرَّطبةْ
وهْي تنتشر في عظامي
كامناً
ومختبئا.

المحبَّة
أو قماشة الدَّانتيل البنفسجية
التي شددناها بحرصٍ
على جسدينا
لفَّتْنا بهدوءٍ
لم نشعر بها
وهْي تشتدُّ وتسمُكْ
لم نحس خيوطها الناعمة
وهي تنغرز ببطءٍ مثل موسىً
في لحمنا الطريِّ
ألفنا دفئها الرَّخو
الدِّفء الذي تمنَّيناه طويلاً
وانتظرناه بلهفةٍ
كأطفالٍ يتامى.

عندما تموتينَ
سأنهك عينيَّ في القراءةِ
ورئتيَّ سيفسدهما ولعي المتزايد بالتَّدخينِ
سوف أسير في الشوارع المزدحمة طويلاً
وأنا أتحدث إليكِ
ربما نتشاجرُ
فيعلو صوتي بالصُّراخ
والشَّتيمةِ
وربما نتآلف بعد برهةِ صمتٍ
فأسرد المجاملات المجانيةِ
عن فستانكِ الجديدِ
أو عن صفاء عينيكِ
عندما تهمَّانِ
بالبكاءْ.

أقولُ:
ناموا خفافاً
لا أثر لأجسادهمْ
فوق أسرَّتنا
ولا رائحةِ عرقٍ
تركوها في المُلاءاتِ
غادرونا
كملائكةٍ صغار
لعبوا بأعصابنا ساعاتٍ
مثل أطفال يتامى
ورحلوا

وتبقين صامتةً !

لم تؤكدي لي موعدكِ
لكنني جئتُ
وباستماتةِ محاربٍ
كان عليَّ قتلَ
كل الدقائق التي تمرُّ بطيئةً
من ساعة الرجل الذي
يجلس هادئاً
خلفي.

بيت
ليس إلا َّ
كي نتشاجر فيه
ونفرُّ من ألفته
إن داهمنا الملل
نربِّي بداخله أطفالاً مجانين
ونسكَّ شبابيكه
إن مرَّ تحت نوافذنا الشِّتاء
والمطر المتسكع
في الشوارع.

بيتٌ
كي أصرخ فيكِ
بصوتي كاملاً
كي أشدكِ من ثوبكِ
دون خوفٍ.

بيتٌ
كي تريحي على صدري
رأسكِ المقطوع
من أثر الصُّداع اليوميِّ
بيتٌ صغيرٌ
ليس إلاَّ.

ألم أقل
إنَّني أعرفه
هذا الملاك
الذي طاردكِ
طيلة النَّهار!

أغسطس 2001

*****

آخر محاولات التَّنكر

كنَّا انتوينا
في آخر مرةٍ
أن نبدِّل منَّا قليلاً
قلنا: نعفِّر قدر ما نستطيع
من ملابسنا التي تشرب الأنوار
بشراهةٍ غير عادية
حين نجد أنفسنا واقفين لدقيقةٍ
على الأقلِّ
بفانلاتنا البيضاء في صالة البيت
محاولين تذكر شيءٍ ضاع منا فجأةً
لن نحزن
لأننا
جادُّون بالفعلِ
في خُطتنا التي رُسمت لنا
بإتقانٍ منقطع النظير.

وحين يفجؤنا هواء الصبح البارد
بالضبط عند فتحة الصَّدر
لن نحزن
لأننا سنجد عذراً
لأمهاتنا الطيبات
لأنهن نسين كعادتهنَّ
غسل الكوفيات بالأمس
وانشغلن في عزِّ التَّعب
بدعك سيقان الجثث البردانة

لن نحزن
لأننا في لحظةٍ ما
شغلتْنا الشَّخبطات على دكك الدِّراسة
سنيناً ..
أطول من صبر أهلنا علينا
شغلتْنا
حتى عن أسمائنا
التي لم نكن نألفها بعد.

قلنا: نُحدُّ من عرقنا المتسرب
داخل جلدنا الأصليِّ
خواتمنا
سوف نمحو من فوقها أثر البصمات
التي تُركتْ عليها
ونحطُّ قوانين جديدة
تنظِّم العلاقة بيننا
والذكريات.

وسوف نعيد لأول مرة
تكرار أسماء الأصدقاء كلَّ ليلةٍ
حتى يسقطوا كالبراغيث فوق مخدَّاتنا
واحداً .. واحدا.

زوجاتنا
سوف نختارهنَّ أبعد ما يكنَّ
عن حبيباتنا القديمات
لنبعد أية شبهةٍ - بسيطةٍ -
عن نيتنا في الاحتفاظ بكلِّ لعب الطفولة لامعةً
من أثر أناملنا الطرية.

بالطِّبع
سوف نتهوَّر
ونسمِّي طفلتنا الأولى
باسم حبيبتنا الأولى
محاولين
ـ في شهور الحمل ـ
أن نتعوَّد الإيقاع الموسيقيِّ
للاسم الجديد.

بصُّوا ..
ـ قطط الجيران عوَّدناها على كحَّتنا
ـ قطط الجيران تعوَّدتْ على كحَّتنا
ـ قطط الجيران عوَّدتْ نفسها على كحَّتنا

ما الفرق؟!
ما دمنا انتوينا في آخر مرةٍ
أن نبدِّل منا قليلاً
وقلنا: نصادق ناساً بالمصادفة البحْتة
لا يشبهوننا في شيءٍ جوهريٍّ
نكنس لهم البلاط يومياً بضميرٍ
ونسرق النظر لزوجاتهم الجميلات
وهنَّ في أردية النَّوم.

ماذا يهمُّ
ما دمنا قررنا
أننا لن نعترف مرةً أخرى
لواحدة من الصديقات بالحبِّ
وما دمنا لن ننسى
أن نلمَّ فتات الكلام
قبل رحيلنا
كي لا يشي بنا عندهم.

قلنا:
لمَّا تصيب عيوننا الرؤى المضببة
نحبس دخان بخور الجمعة فيها قليلاً
حتى نمحو كلَّ ما رأيناه
وكي لا نتحجج من جديدٍ
بنسياننا النظَّارات الطبية
في درج الكوميدينو الوحيد.

قلنا: سوف ندرِّب ذكرياتنا الحديثة
على أن تمحو نفسها بنفسها
كلَّ يومٍ.

قلنا: يجرِّب كلٌّ منا
التنصُّت على روحه
بشكلٍ عشوائيٍّ
وبدون ترتيب مسبقٍ
يفسد علينا لحظتنا الدراماتيكية.

وعن أوراقنا القديمة
قلنا: سوف يخلِّصنا منها
إهمال زوجاتنا المصابات بالبرود الجنسيِّ
وشقاوات أطفالنا الجدد.

قلنا:
ما الذي نسيناه كي نقوله؟‍!
قلنا:
لا شيء
قلنا:
ما الذي نسيناه؟!
قلنا:
ننامُ ؟!
قلنا:
ننام …

لكننا
في الصُّبح
قمنا ـ كعادتنا ـ

بأسمائنا
ذاتها!

القاهرة
أكتوبر 1998

الوحيدة في ركْنِها النَّائي

غدرنا بها
تلك العريضةِ
البنِّية في الضَّوءِ النَّهاريِّ المتلصصِّ
من فرْجات الشَّبابيكِ
القاتمةِ في الظُّلمةْ
الخشنةِ
مثل قنفذْ.

ما الذي تقوله عنَّا الآن ؟
ربَّما يمرُّ أسبوعٌ بكاملهِ
دون أن نمسسها
دون حتى أن نلمحها هناك
في سكونها المهيبْ.

نمرُّ من أمامها
مثل غرباءَ
اكتشفوا وجودهم الطَّارئ في المكانِ
فجأةً
دون تحيةٍ
أو نظرة عرْفانٍ بالجميلْ.

غدرنا بها
وتركناها هكذا
الوحيدة في ركْنها النَّائيْ
الثقيلة حين نرفعُها
من فوق البلاطات المخزَّنة بالرُّطوبةِ
لنكنس من تحتها غبارنا.

لم نكن نتذكرها
إلا في زيارة غرباءٍ
أو في ضيافة عزيزْ.

نسينا صبْرها معنا
طيلة شهرين
حين لم يكن غيرها
يرقب نبتتنا التي نمتْ
بهدوءٍ مجرمٍ.

وحدها
صبرتْ علينا
وعلى تخوّفكِ الأنثويِّ الخجولِ
تحمَّلت ثقلنا فوقها
في الليالي التي كنَّا نحاول
اكتشاف جسدينا فيها
وسكتت كأمٍّ
على أطفالها المشاكسين.

غدرنا بها
هذه الكنبة العجوز
التي تتكسَّر الآن في ضجةٍ
كامرأةٍ
تشهر اعتراضها الأخير
وتموتْ.

أغسطس 2001

****

بدء تقاعد زير نساء عجوز

تردَّد
حين قال جملته الأخيرة
ندَّتْ عن جبينه العريض
رعشةٌ مفاجئة
فيما قبضتْ أصابعُه الصَّلبة
على حفنةٍ من الهواءِ
وانسدلتْ أعضاؤه
بين أيديهم.

منذ قليلٍ
كان يسير برأسٍ
تتلفَّت في كلِّ الاتجاهات
ثم ترتدُّ من جديدٍ
كبندولِ ساعةٍ
كطائرٍ تسقطه من عَلٍ
رصاصةُ قنَّاص
فيما ساقاه تأكلان الطَّريق
نحو فضاءٍ
مفرودٍ على الجهات كلها
وعيناه
تناصبان كلِّ جميلةٍ تمرُّ
العداء.

العجوز
الذي شاخ وهرم
العجوز الذي شال في جيبه العلويِّ
قائمةً بأسماء وهواتف أقربائه
تحسُّباً لموتٍ مفاجىءٍ في الطَّريق
العجوز
الذي لم ينجح في تأسيس عائلةٍ صالحةٍ
طوال أربعين سنة
سقط مثل مخمورٍ
تشبَّعتْ دماؤه بالكحول
تهاوى طوله الفارع على الأرض
في ضجةٍ
رغم نحوله الشديد
ورغم شفتيه اللتين كانتا
تحاولان الابتسام بجد
حين غاب تماماً
عن الوعي.

لا مناص
الخفَّةُ التي كان يتمتَّع بها قديماً
ثقلت على أعضائه بشكلٍ بشع
لم تعد ملامحه تطيع قناع الطيبة
بالسرعة الكافية
ولم يعد جحوظ عينيه يذوبُ
حين يرنو للصبايا
والنساء الصغيرات
حتى شفتيه
اللتين كانتا ترسمان أعذب ابتسامةٍ لمحبٍّ
صارتا تنفتحان في بلهٍ
كلما ركَّز انتباهه
على فريسةٍ
مقتربة.

لم تكن عيناه
تنمَّان عن كراهيةٍ
بل عن فضولٍ موجعٍ
وهما تمسحان كلَّ نهدٍ يمرُّ
بنظرةٍ متأنيةٍ وصبورةٍ
إلى ارتجاجته.

عيناه
اللتان يهبط بهما سريعاً
إلى الرِّدفين الملفوفين
باحثاً بشغفٍ جائعٍ
عن خيطين رفيعين يحدَّانهما
خيطين
يوقن كنبيٍّ
أنهما سيظهران في الخطوة القادمة
فقط
لو ترفع التي تسير
إحدى ساقيها
لتصعد مصطبة الرَّصيف.

طوال عمره
وهْو يؤمن بفكرة الاستفادة من جسده
لأقصى درجةٍ ممكنةٍ
لكنه كلَّما تعرَّى أمام امرأةٍ
منحها الشُّعور بأنَّ يتمه أبديٌّ
لا يمكن لأحدٍ الحدَّ منه
وأنَّه يعفُّ عن جسدها
المفرود أمامه
كقطٍّ أليف
وأنَّه
غيرُ طامعٍ في شيءٍ
أكثر من مسحة يدٍ
من كفِّها الصَّغيرة
على شعر رأسه
الغزير.

سمَّاه أصحابه "يوسف"
حين اكتشفوا ولعه بتفسير الأحلام
وحين لم يجدوا بئراً
تتَّسع لحضوره
اكتفوا بشكايته مباشرةً
للعزيز!

عقله
حين لفَّه ضباب الإغماءة الأولى
كان مثل سنَّارةٍ
بغمَّاز من الفلِّين
فوق سطح ذكرياته
في سقطته بين أيديهم
تشبَّثَ ببوصةٍ في يديهِ
فأخرج وجه أوَّل امرأةٍ
أول امرأةٍ
بعد أمِّه التي ماتتْ
حين كان يُخرج رأسه الصغير
من بين فخذيها.

الأرملة الشَّابة
ابنة الخامسة والثلاثين
الأرملة
التي لم تعط زوجها السِّتينيّ طفلاً
طوال سبعة عشر عاماً
الأرملة
التي "موَّتتْ" زوجها بعشرين طعنةٍ في الصَّدر
من مطواة "قرن غزال"
كان يحملها بلطجيٌّ عاكسها في الشارع بالمصادفة
لم تصبر حتى يبلغ ابن الجيران
ويفرح بقذفه الأوَّل في السِّر
لم تصبر
حتى تمرَّ سنوية زوجها الأولى
غافلتْ والديه الطيِّبينِ
وحمَّمتْه
في عزِّ مايو
ككلبٍ أجربٍ
بين وركيها.

كان ابن العاشرة
حين تعلَّم كيف يحرِّك لسانه بداخلها
وكيف يقبض بشفتيه الصَّغيرتين
على لسانها العصبي
في قبلتهما الأولى
فيما قصر قامته ونحوله
يحولان دون تغطية نهديها وعانتها
في الوقتِ نفسهِ
لكنَّها صبرتْ على رعونته كأمٍّ
وراقبتْ جسده وهو يكبر فوقها
كإلهةٍ
وحين بلَّلها بمائه البكر
في قذفته الأولى
زغردتْ كفلاحةٍ.

التَّي ترملت وهي صبيَّةٌ
تركتْهُ وهو في العشرين
بفتقين بارزين في البطن
والخصْيةِ اليمنى
تزوجتْ عجوزاً يُظَلِّلُ عليها
وغادرتْه
تاركةً في قلبه نُدْبةً غائرةً
يشعر بوخزها مثل سكين
كلما اكتشفَ متعة جديدةً
في الفراشِ.

قال مرَّةً لأصحابه:
حين أموتُ
لا تحزنوا عليّْ
لأنَّني عرفتُ ما يكفي من الحبِّ
ليؤنس وحدتي

لا تحزنوا عليّ
لأنَّ العالم مملوٌْ بالجمال
الذي يوجع القلب
كطعنةٍ.

سنَّارته المدلاَّة
بغمَّاز من الفلِّين
وبثقالةٍ من حديدٍ
تشدُّها إلى ماء إغماءته على الطَّريق
سنَّارته هذه
عوَّرتْه في بطن كفِّه اليمنى
وهْي تخبط الأرض
فقبضتْ أصابعه الصَّلبة
على حفنة من الهواء
وارتسم خيال ألمٍ على شفتيه
ظنَّه الواقفون
ابتسامةً.

العجوز
زير النِّساء العتيد
كان يعفُّ عن كلِّ مومسٍ
تكسب عيشها
من فوق الرَّصيف

وكان حيياً
يحمرُّ كعذراء
لو سمع مجاملةً
أو عبارة مديح.

قال مرَّةً لأصحابه:
لكي تعرفوا الله أكثر
أحبُّوا النَّساء
كأنهنَّ أبناؤكم
وقرِّبوهنَّ
وكونوا رحماء عليهنَّ
فكلُّ امرأةٍ فراشةٍ
ولكلِّ فراشةٍ
نورها الذي تحترق به.

لم يتحمَّل قلبه
خيانة جسده
ولم تتَّسع رحمته
لغفران كل هذا الغنج المفرط
وهو يمرُّ جواره.

كان لابد من سقوطه
هكذا
كي يُشعر البنات اللواتي يعبرن بجواره
أنَّهنَّ ظلمْنه
حين لم يرينه بجوارهنَّ
حين لم يلمحن عينيه المكسورتين
وهما تبجِّلان أعضائهنَّ
حين لم يدركن بفطرتهنَّ الأنثوية
خبرته الطويلة
في الحبِّ
والجنس
والمُلاطفة.

كان لابد من سقوطه
هكذا
كي تعبر تحت جبينه العريض
كل الوجوه التي مرَّت في حياته
كأطياف حلم
كي يتذكر الأرملة الصغيرة
بوخزتين غائرتين في البطن
والخصية اليمنى
كي يقول جملته الأخيرة بترددٍ
كأنَّها لفظة ألمٍ
كأنَّها: "كَبُرتَ يا عجوز ..."

وكي يتذكر أمَّه التي ماتتْ
وهو في منتصف الطريق
بين الدخول
وبين الخروج.

كان لابد من سقوطه هكذا
كاعتراضٍ أخيرٍ
على بدء تقاعده.

أكتوبر 2000

عماد فؤاد
شاعر مصري مقيم في بلجيكا.
من مواليد 22 أكتوبر 1974.
أصدر مجموعتين شعريتين حتى الآن، هما:

*
"أشباح جرَّحتها الإضاءة" - سلسلة "ديوان الكتابة الأخرى"، القاهرة، مايو 1998.
*
"تقاعد زير نساء عجوز" عن دار شرقيات للنشر والتوزيع، القاهرة، أكتوبر 2002.



صدرهذا الكتاب في أكتوبر 2002
"دار شرقيات"
القاهرة

_________________


حسن بلم
♪♫.. الادارة..♫♪
رسالة sms : سيرى ببطئ ياحياة
لكى أراك بكامل النقصان حولى
كم نسيتك فى خضمك
باحثا عنى وعنك
وكلما أدركت سرا منك
قلت بقسوة
مأجهلك!!!!
ذكر
عدد المساهمات : 10336
الاٍقامة : وراء الأفق حيث لاشئ سواى وحبيبتى
العمل : مهندس
نوسا البحر :
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
2013-08-19, 1:06 pm
بكدمة زرقاء من عضَّة النَّدم

عماد فؤاد
(مصر) "Liesje" إلى
وحدَها
أعلم بما بي.
محاولة للطَّيران

لم أكن أقلدُ الطَّيرَ
فليسَ لي أجنحةٌ
لكنَّني كنتُ أجرِّبُ صدْقَ أمِّي
قالتْ لي يوماً:
الأطفالُ ملائكةُ اللهِ
على الأرضْ.

أغسطس 2004
Gent

شتاء

مطرٌ
والشَّوارعُ مغسولةٌ ومُزْرقَّةُ الوجناتِ
العاشقونَ لصوصٌ يسرقونَ المحبَّةَ علانيةً
ويرجعون إلى أسرَّتِهم بشفاهٍ مُحْمرَّةٍ
وسراويلَ مبلولةْ.

وحدها الأشجارُ تظلُّ واقفةً
ترقبُ أوراقَها التي تتهاوى في العتمةِ
لتطفو فوق المياه

وعلى البعد
شبَّاكٌ وحيد
خلفَ زجاجه المصقولِ دفءٌ، وكأسُ نبيذٍ
وروحٌ معلَّقةٌ في الفراغ
روحٌ
كانت تجاهدُ كي تمتصَّ داخلِها
بصبر الجبال
قطرات المطر.

نوفمبر 2004
Gent

وحدة

يهربُ من الزحام
وحين يغلقُ عليه باب حجرته
يسمعه الجيران لساعات طويلة
وهْوَ يستعطف آخرين
ويرجوهم المغادرة
كانوا متأكدين أنه وحده
وأنّه لا يعرف أحداً
بعد دقائق
يسمعون أصوات أقدام
تهبط السلَّم.

ديسمبر 2004
القاهرة

رقصة

وحدَها في البيت
أنهكتْها الموسيقى
وأتعبَها الشَّجنُ الغريبُ في صوت الكمان
ظلَّتْ ترقصُ سبعَ ساعاتٍ
كان جسدُها يختزنُ الإيقاع كنبْتةٍ عطشى
وصدرُها العفيُّ
يترجرجُ بزيتونتيه المنتصبتين كدرويشٍ
رمتْ نفسَها في الفراشِ عاريةً
بعد أن خلعتْ قميصَ نومِها الحريريَّ
هذا الذي
واصلَ الرَّقصَ وحدَهُ
من دون موسيقى
ولا عرق
ولا بحَّةِ الكمان الحزين.

أغسطس 2004
Gent

مصباح

وضعونِي على البابِ
كي أُنير لهم
يدٌ مسحتْ زجاجيَ المصقول
ويدٌ أشعلتْ ناري
ومضوا
ركلوا العشبَ بأقدامهم
وداسوا على ضوئيَ الرَّهيفِ فوقَ حجارةِ الطَّريق
الغرباءُ
لم يعدْ واحدٌ منهم إليّ
تركوني معلَّقاً هكذا
تاريخي كلهُ
صدأْ.

أغسطس 2004
Gent

جنازة

سرنا في جنازته
لم يخبرْنا أحدٌ أنَّ علينا اختصارَ الطَّريق
ولم يعطِّلْنا المرورُ
حملنا زهورَنا بكفوفٍ بلَّلها العرق
وانحنتْ رؤوسُنا خلفَ نعْشهِ في مذلَّةٍ

النَّعش
الذي تباطأ خطوهُ بوضوحٍ
قبيل بوَّابةِ القبورِ المشرعة
ظللنا نخطو
بنفسِ الإيقاعِ الحزين
عبرنا كلُّنا البوَّابةَ الحديديَّةَ في صفوفٍ متراصَّة
حتَّى الذين كانوا يحملون جثمانَه
أنزلوه على قارعة الطَّريق
وأغلقوا وراءنا البوَّابة بسلاسل عريضةٍ ومصقولة
فيما تابوتُه
يرتجُّ في الخارج
يرقبُ خطوَنا المرتبك
إلى قبرهِ المفتوحْ.

أغسطس 2004
Gent

سيمترية

صبحٌ
وزهرتان أسفل الشرفة
حين تفتحتا
كان انتهى للتوِّ من قبلته الأخيرة
على نهدها المترع
وكانت تخفي دمعتها التي أطلتْ بين جفنيها

صبحٌ
اثنان في الفراش
وزهرتان
واحدة ولدت لتموت تحت قدم عابرة
وأخرى ستصبح بعد زمن
أمَّاً لعائلة من الزُّهور.

ديسمبر 2004
القاهرة

قارب

ما جعلَني أحيا
ليس المياه
التي نُذِرتُ لها في غفْلةٍ منِّي
ولا الرِّيحُ البيضاءُ في شراعي
لا الذراعان اللَّتان تدفعانني للأمام
بمجدافينِ عتيقينِ
ولا مسامرات المسافرينَ على ظهري العاري
لكنَّه الرَّملُ
هذا الذي يمسُّه خشبي
فقطْ
حين أرسو.

أغسطس 2004
Gent

طيور

ثمَّة ما يوجعُ في المرأةِ التي تجلسُ قبالَته
ثمَّة كفٌّ تعصرُه حين يراها وهْي تسيرُ
تشدُّ خلفها سرباً من الحَمَامِ
والطيورِ التي لا تعودُ لأوطانِها.

سبتمبر 2004
Gent

شجن

ليسَ من ألمٍ
ولا من حَجَرٍ في الكلام
لكنَّها عيناكِ
حين ترفُّ فيهِما دمعةٌ
وتتعلَّقُ على جفنيكِ
دون أن تسقط.

نوفمبر 2004
Gent

ثلاثة

كنَّا ثلاثة
أنا... وهْيَ
وجثَّةٌ خضراءُ مدفونةٌ بحرص تحت أقدامِنا
قالتْ: لماذا تنبتُ الزُّهور نديَّة هنا؟
قلتُ: ماتَ عاشقاً.

كنَّا ثلاثة
أنا... وهْوَ
وجثَّةٌ خضراءُ مدفونةٌ بحرصٍ تحت أقدامِنا
قالَ: كيف يموتُ وحيداً؟
قلتُ: لأنَّه حيٌّ - لم يزلْ - فيها.

كنَّا ثلاثة
هيَ... وهْوَ
وجثَّتي خضراءُ تحت أقدامِهما
حين داسا على العشبِ
وقفتْ على قلبي البنتُ
فأمرتُ الزُّهورَ أن تنشرَ عطرَها
وحين رأيتُه خلسةً يبكي
صعدتْ دموعي
فوق أوراقِ الزُّهورْ.

نوفمبر 2004
Gent

طعنة

لي في المحبَّةِ قلبان
واحدٌ مِلْكُها
وواحدٌ عالقٌ بشصْ
كلَّما هزَّهُ نبضٌ
غارَ فيه النَّصلْ.

نوفمبر 2004
Gent

بورتريه لـ"ليشيا"

من عَلٍ
ترمي عينيها إلى العالم من عَلٍ
وحين تهمُّ بفردِ جناحيها الأبيضين
تشعر بنصلين من وجعٍ
يندسَّان في كتفيها
فتنكسر عيناها
خطوة وراء خطوة
فيما صوت رفيف جناحين حقيقيين
يخبطان من خلفها الهواء.

كنتُ معها
أدسُّ يديَّ في ترابٍ
وأحاربُ سرب النحل الذي تكالب عليّ.

مرةً أخرى
يدها

........................
...........................

اللهم نجِّ قلبي
فأنت أعلم مني بضعفي!

يناير 2005
القاهرة

على أطراف أناملنا

رميننا بعيونهنَّ
وتركننا منصوبين خلفهنَّ كأخيلةِ المآتة
العاشقاتُ
مؤوّلاتُ الأحلامِ
وقارئات الغيب في نظراتنا
عددْنَ أصابعَنا العشرَ على نهودهنَّ
وهنَّ يستعذن من تربيتنا السيئة
مسحنَ مياهَنا البكر من فوق جلودهنَّ المصقولة
بعيونٍ راضية
لكنَّها مذلولةٌ
بالخجل.

قلن كلاماً
تبسَّمن
دحرجن ضحكهنَّ خلف خطونا المرتبك
وذكَّرننا بالصلوات الخمس
لو افتقدناهنَّ
تركن في أدراجنا مناديل مزينة بشفاهنَّ
وخلَّفننا ورائهنَّ
نقفُ في منتصف الطريق
يحفُّ بوجوهنا الهواءُ
وتضربنا الريح الخفيفة
فيهتز عودنا الهشِّ
وتفرُّ من كفوفنا لمستهنَّ الدافئة.

بناتُ الصُّدفة
والصبا القريب
أطعمناهنَّ خبزَنا وجبننا الرَّخيصِ
في بيوتِ أصدقائنا
ليدخلننا جنَّات الله في الأرض
قاسمناهنَّ سجائرَنا التي نسرقُها خلسةً من علب آبائنا
ليعلِّمننا من أين تنبع المحبَّة
وكيف تكبر جزر العزلة فينا
قبَّلننا القُبلة الأولى
فعرفنا أن لشفاهنا وظيفةً أخرى
غير الصَّفير
خلف فرائس الطريق.

أُرسلن لنا
بباقات زهر ملفوفةٍ بعنايةٍ
محمَّلات بفاكهة من عنبٍ وتين
وشعورٍ طويلة تنسدل على أوراكهنَّ
كأغصان الكافور
نمنا في أحضانهنَّ عمراًً
أكلنا وشربنا معهنَّ
بصحبة موسيقى شرقيَّة
تنزُّ كالمياه من بين أصابعهنَّ
عرَّفننا طعم طفولتنا التي نسيناها على حلمات أمهاتنا
وجعلن منا رجالاً
ندوس على قلوبهنَّ بأحذيتنا
دون رفَّة ندم.

رحلنَّ عنا كطيور
تهاجر من أرض إلى أرض
قفلن صناديق متعهنَّ على أطراف أناملنا
فجأةً
تاركين كدمةٍ تزرقُّ فوق أناملنا
ودمعة من شجن.

لا اليد التي قبَّلناها خلسةً
ولا السلالم الغريبة التي صعدناها كي نسرق محبَّتنا
لا شبابيك الأهل التي أُغلقت في وجوهنا
ولا انكسار نظراتنا في البكاء
لا شيء يُمحى من عقولنا
وليس للنسيان في قلوبنا جلال.

نوفمبر 2002
القاهرة

حجاب

لو قاومته منذ البداية
لو دفعته بعيداً عن صدرها النَّاهد
لو ركلته بين وركيه بركبتها الملفوفة
ما تجرَّأ على رفع عينيه في عينيها
وما استباحتها يداه.

ابنة العشرين
أزالت احمرار شفاهها
بضربةِ منديل
ونزعتْ سوتيانها بإصبعين
الصبيَّة الهشَّة كطبقة ثلج
القصيرة القامة
الملفوفة الأرداف
تعرَّتْ فجأةً تحت ساقيه
إلا من حجاب عربيّ
بقى متماسكاً كعمامةٍ منصوبة
أو كشاهد قبر.

فبراير 2004
القاهرة

كنبعٍ وحيدٍ في الرِّمال

يعودون في المساءِ
مُنْهكين
هدَّهمُ التَّعبُ
والإفراط في التَّدخين
فقراء
جاءوا من الرِّيف والمدن السَّاحلية
ومن أقصى الجنوب
فلاحون بالوراثةِ
صيَّادون بالمصادفةِ
وصعيديُّون ينتمون لعشائر مهاجرة.

صموتون
لا يتكلَّمون إلا بحسابٍ
يدورون كل يومٍ
بحثاً عن فرصة عملٍ
أو بنتٍ ينامون في حضْنها
ليلهم الطويل
ياقات قمصانهم تقذف للوراء
كي لا يلوثها العرق
وتلتف فوق صدورهم الضَّامرة
أردية الصًّوف
المجلوبة من حرص أمهاتهم العجوزات.

لهم رسالة في الحياة
وجنَّات على الأرض
يسعون لخلقها
وأسر يخبئونها في رؤوسهم
منتظرين المرأة التي سيقاسمونها
المسئوليات والأبناء.

رومانسيون بالسليقة
وحزانى بالفطرة
وبريئون

معدنهم أصيل
ومياههم نقية
كنبعٍ وحيدٍ خلَّفته الحضارة
في الرِّمال.

أغسطس 2002
القاهرة

صمت

سنصمت برهة
كي نشدَّ أنفاسنا ثقيلةً
من أثر الدُّخان
نحكم قبضتنا الهشَّة على صدورنا
ونتنهَّد بحرقةِ المحبِّين
عندما تمرُّ برؤوسنا لحظات ضعفنا
وانكسارنا المذلِّ تحت وطئة العيون
سنجول في الطرقات بلا هدفٍ
ونبحث في الوجوه التي تمرُّ بنا
عن لحظة ضعفٍ تقوينا
أو نظرة حقدٍ
بلا سببٍ

صمتنا سيطول رغماً عنَّا
فيما الحروف تنزُّ من دمعنا
صافيةً ومصقولة
سننده في الفراغ
دون صوتٍ
ونرفع أجفاننا إلى السماء
كالمستضعفين:
يا صوتنا الذي يغيب
يا ندهة الملهوف
شدَّ من أزرنا لمرَّةٍ أخيرة
واجعلنا نصلب عود نبتتنا
هذا الذي يطوِّحه الهواء
تارة إلى الشمال
وتارة إلى اليمين.

ديسمبر 2003
القاهرة

أحدٌ سواي

كنتُ صغيراً
أعدو خلفَ حَمَام قريتِنا بحَجَرٍ
وأوشْوشُ النَّحلَ فوق عنب عائلتي بأسراري
أصطادُ الفراشاتِ من فوق الورود بإصبعين
وألاعبُ كلبَ جارتنا بنايي الذي صنعتُه من غاب.

جميلاً كنتُ
أفتحُ ذراعيَّ لأحضن الضَّوء
فيفرُّ
وأنفخُ في لهبِ الشَّمسِ كي يبردَ الجوُّ
أجري بنهمٍ كي أدفن رأسي في صدورِ رفيقاتِ أمِّي
وحين يندهنَ عليَّ
أختبئُ - مثل فأرٍ - بين زهرتين.

كنتُ أظنُّني نبياً
وأنَّني أحدٌ سوايَ
وحين كبرتُ
تأكَّدتُ من أحد الظَّنَّين.

نوفمبر 2004
Geluwe

يدها التي في مكمن ضعف*

لمْ تكن عَرْجاءَ
كانتْ كُتلةَ عِظامٍ
جُمِّعتْ إلى بعْضها البعضِ
بعفويَّةِ صانعٍ مبتدئ

الحَدْبَةُ الخفيفةُ خلفَ كتفها الأيمنْ
سوَّتْ بُروزَ نهديها الملفوفينِ
بصدرِها المَلْمُوم
وقِصرُ إحدى ساقيها خمسة سنتيمترات
جعلها تمشي بانحناءةٍ مفضوحةٍ؛

كان على يدها اليسرى
أن تتَّكئ بقوةٍ
إلى رُكْبةِ ساقها
فينحني جذعُها كلَّما مشتْ
كعبدةٍ.

سبعةٌ وعشرون عاماً
ولم ترعشها النَّشوةُ
بين ذراعين حقيقيتينِ
لم يختلطْ عرق جسمها البضِّ
بماءِ سواها

سبعةٌ وعشرون
لكنَّها شبقةٌ بما يكفي
لتخيّل طعمه في فمها
هِيَ التَّي
سرقتْه نتفاً في زحامِ المواصلاتِ العامة
تلصَّصتْ كممسوسةٍ
على شبابيك جيرانها المتزوجين حديثاً
أرهفتْ سمْعَها بحرصٍ
لطقطقة عِظام زوجات أشقائِها في الغرف المجاورة
وتركتْ نفسها هامدةً كجثَّةٍ
تحت يد جارِها الذي هَرَسَ لحمَها على بَسْطةِ السُّلمِ
حين انقطعَ النُّورْ.

كانت صبورةً
الصَّبر الذي علَّمها تحمُّل هشاشة عظامها
عمراً بأكملهِ
وقسوة زوجات أشقائها
حين ينادينها بكلمة "عانسٍ"
كلَّما تشاجرن معها.

المغفَّلة

لم تُبدِ نظرةَ تشجيعٍ
للجِلفِ الذي ألصقَ جذعَهُ بكتفِها في الأتوبيس
كذبَّتْ ظنونَها في البدايةِ
ثمَّ أغمضتْ جفنيها على كحلهما العربيِّ بقوةٍ
فيما سنَّتاها الأماميتان
تضغطان بنشوةٍ على شفتها السُفْلى
حين أحسَّتْ بانتصابه يتمسَّحُ كطفلٍ
بنهدِها المحمومْ
شعُرتْ به بارزاً تحت بنطاله الرَّماديِّ
وصلباً كعمودِ خيمةٍ
فحرَّكتْ كتفها قليلاً
كي تحسَّ نبضَه كاملاً
بين نهديها.

في جلستها الضَّئيلة أمام خاصرته
جرحتْها عيون المتطفلين وهْي تمسحها بنظرة لومٍ
فرمتْ عينيها خارج النَّافذة محطَّمة الزُّجاج
وهْي تدسُّ أصابعَها المرتعشة بين فخذيها
حيث بللٌ مفاجئٌ ضربها كزلزلةٍ
في مَكْمَنِ ضعْف.

مغفَّلةٌ
لو انتظرتْ قليلاً
لشعرتْ بقذفِهِ القويِّ فوق صدرِها المرفوعْ
لكنَّها سحبتْ كَتْفيها إلى مسندِ كرسيَّها العتيق
حين أحسَّتْ بروحِها تنسابُ كقبضةٍ من مياهٍ
بين وركيها
وتشنجتْ أصابعُها الخمسةُ
على حافةِ الإفريزْ.

كلُّ ليلةٍ
تدخل غرفتَها المطلَّة على الشَّارعِ
وتكمن كقطةٍ هاربةٍ تحتَ غطائِها الثَّقيل
تكتم أنفاسَها المحمومةَ
وهْيَ ترفعُ قميصَها الأسودَ الحريريَّ
إلى ما فوق حلْمتيها الصّلبتينْ
( قميصها الأسود الشَّفاف
غافلتْ أمَّها ذات ليلةٍ
وسلبتْهُ خِلْسةً من جهاز عرسها )

بيدٍ مرتجفةٍ ومعروقة
ترفع حريرَ قميصِها
حتَّى تشمَّ رائحةَ الصَّابون المعطَّر
وعبقَ حبَّات النَّفتالين
وتنظر إلى جرحِها السَّاخن
بعتاب أمٍّ.

تقرِّب كفَّها منه
بخوفٍ في البداية
كطفلةٍ تجرِّب أثر شعلةِ شمعةٍ
على يدها الصَّغيرة
ثم تدعكه ببطءٍ وخفَّة
فتهتزُّ عروشُ آلهةٍ وأربابٍ
تفترضُ وجودهم
في الأعالي.

لم تكنْ عَرْجاءَ
كانتْ كُتلةَ عِظامٍ
جُمِّعتْ إلى بعضها البعضِ
بعفويةِ صانعٍ مبتدئٍ.

مفتوحة السَّاقين
فوق فراشها الكبير
كأنَّما أعضاؤها مفكوكةٌ
كنجمةٍ معلَّقةٍ في ليلٍ بلا انتهاء
أخفُّ من دعاءٍ على يدين مفتوحتينِ
وأثقلُ من وجعٍ على جسدين يلتقيانْ.

علَّمتْها الوحدةُ
والأيامُ
التي تخطو فوق تُرابِها بلا أثرٍ
كيف تربِّي وجعها السَّاكن بين وركيها
كذنْبٍ لا يغفره الله
كيف تكوِّره كحجرٍ
وتقذفه بعيداً
بكفٍّ واحدةٍ أو أقل
عرفتْ كيف تروِّضه ككلبٍ
وتجعله خاتماً
في إصبعها الصَّغير.

فقطْ
إصبعان يفتحان شفتيه برفق
وثالث يحكُّ بظرَها المنتصب
بلا رحمةٍ.

البنتُ التي تبكي بنهنهةٍ
كلَّما لسعتْها المتعةُ بين وركيها
تغلقُ عينيها على وجعٍ
وتفتحهما على أوجهٍ مضبَّبةٍ
تجيءُ من عدمٍ
وإلى عدمٍ تروحُ
أوجهٍ
يظلُّ أصحابها
مصلوبين بين ذراعيها
وهمْ يحكُّونَ ألسنتَهم السَّاخنة
في عضوها المفتوحْ.

يا الله
ثلاثة أصابعٍ فقطْ
وتشعرُ بجسدٍ خشنٍ يهتزُّ معها
جسدٍ جميلٍ
يعرفُ كيفَ يغطِّي كلَّ جزءٍ من جسْمها الملفوفِ
بفُجْرٍ محبَّبٍ.

تهتزُّ
تترجرجُ انحناءاتُها في فرحٍ موجعٍ
وصدرُها البريُّ يعلو ويهبطُ
كأرجوحةٍ
فيما مِلْح دموعِها يلسعُ جفنيها المحتقنينِ
وثمَّة إصبعٌ
إصبعٌ وحيدٌ
تَقشَّر لونُ طلاء ظفره
يندسُّ إلى أقصى نقطةٍ
ببطءٍ رحيمٍ
بين وركيها.

2003 - 2004
القاهرة - Gent

* القصيدة التي رفض ناشر الديوان ضمَّها إلى المجموعة.

لاعبُ الشّطرنج .. ذو الابتسامة

إلى "Omer Vanhee"

لم أشرب معه كأسَ نبيذٍ
ولم نجتمع على حبِ امرأةٍ
لم نتواعد لنخرج في نزهةٍ عبر الحقولِ
ولم نشتبك في مناقشة سياسية
كنتُ الأجنبيَّ الوحيدَ
الذي دخل بيته الرِّيفيَّ
وكان أوَّلَ من علَّمني كلمةً سيئةَ السُّمعة
في لغته الأم.

ابن سلالة الفلاحين
النَّازحة من المجهول
إلى المجهول
المكرمش الوجه
ذو الابتسامة
والأحفاد الذين ألْهتهم الحياةُ
ظللتُ أضحكه ليلة أمس
حتى أتعبتُ قلبَهُ المُنهك
خبطَ المائدة ثلاث مراتٍ بقبضته المضمومة
وسرحَ بعينيه المضبَّبتين بالدموع
خارج الشُّرفة.

الكهلُ
ابن السِّنين
الرِّبعة ذو الظهر المحْني
حكى لنا وهْو يقهقه كمسطولٍ
كيف أسره عساكر "هتلر"
وسحبوه عُنوةً إلى خرائب ألمانيا
كان عليه أن يحرسَ ثكْناتهم في الليلِ
ويقصَّ على زملائه مغامراته العاطفيَّة في قريته البعيدة
كلَّ صبحْ
سألني فجأةً عن عمري
وحين رددتُ عليه، تنهَّد بحرقةٍ:
"آهٍ ... يا ابن الذي لم يأتِ بعد!"

بكْرُ أُمِّه
مربِّي الصَّبارَ
والأغنيات الشَّعبية المرتجلة
خاضَ حربين طويلتين
وسيجارته معلقةٌ بين شفتيه
كساريةٍ
شربَ كؤوس خمرٍ
تكفي لتغييب مدينةٍ بأكملها
وظلَّ يقظاً لمعاركة الأجانبِ في الحاناتِ الليليةِ
صوناً لكرامته
شربَ السَّجائرَ الأمريكية المهرَّبة مع الأتراكِ الأجلافِ
في ضواحي موسكو القديمة
وشاغبَ جيرانه في المناسبات
بخبثٍ ومحبَّة

تلصَّصَ على مفاتن صديقات رفاقه في الحرب
بخجلِ فلاحٍ
وظلَّ وفياً للصَّبايا الفلمنكيات اللواتي تركهنَّ معلقات وراءه
كعاشقٍ

ربَّى أطفاله الثَّلاثة على حبِّ المسيحِ
وبثَّ فيهم كراهية الكنيسة
بدأب راهبٍ.
البحَّارُ
لاعبُ الشّطرنج
ماتَ وهْوَ نائمٌ في فراشه
لم تقتله مطواةُ سكِّيرٍ في حانةٍ ساحليةٍ
ولم تثقبُ قلبَه رصاصةُ غدرْ

لا امرأة شرختْ قلبه بهجرٍ
ولا دهستْهُ سيارةٌ طائشةٌ
على الطريقْ.

كان يحاولُ أنْ يلفَّ ذراعه حول امرأته
حين انحشر الهواءُ في رئتيه
وتوقَّفَ عن الدوران
الدوران الذي استمر في قفصه الصَّدري
اثنين وثمانين عاماً
توقَّفَ فجأةً
لترتسم ابتسامةٌ هازئةٌ على شفتيه المزمومتين
ويموتْ.

كان يضحكُ
فتظهر أسنانُهُ الصِّناعية
بيضاءَ ومصفوفةْ
وحين كان يشردُ في البعيدِ
كنت أرقبُ عينيه الزرقاوين بفضولٍ
فألمحُ - في كلِّ مرةٍ -
طيفَ سحابةٍ شفافةٍ
تمرُّ خلسةً
في بؤبؤيه.

أبريل 2004
Gent

تهشُّ على أغنامها من دون عصا

كلُّهم تمنُّوها
وأعيتهم الحِيَلُ
مَن لم يمسّها بيديهِ
تخيَّلها
ومَن أعْرضتْ بوجهها عنه
انتقم من جسمها الذي يطوِّفُ في دماغه كعقربٍ
بين ساقي سواها.

أصابعُها
الخيوطُ العشر الملفوفة وهْيَ تهتزُّ في مشيتِها
أربابُ الرِّضا إن تبسَّمتْ
وآلهةُ الإشارةِ لو رضيتْ
الشَّفافة حين تمسُّها الشَّمسُ
البضَّةُ كرغيفِ خبزٍ
أصابعُها
كانتْ تدَّخر خامَ الأنوثةِ
من منجمِ الزَّمنِ
وتهشُّ على أغنامها
من دون عصا.

طويلةٌ
حين تمشي
تشعرُ بالعيون وهْيَ تتمسَّحُ بإليتيها المرفوعتين
خطوها الثقيلُ على الأرضِ
له مريدونَ
يديرونَ رؤوسَهم خلفها برهبةٍ
ولرجَّةِ نهدها الملفوفِ
نصلٌ يحزُّ القلوبَ
كأنَّ الذي يرتجُّ في جلبابها البلديِّ
ربٌّ
يقيمُ - حيثُ يشاءُ - عَدْلَهُ
وحين يغضبُ
يُذلُّ.

سيِّدةُ البيتِ
كلَّما فتحتْ شفتيها تعلِّم البنات
احمرَّتْ وجنتاها كمراهقةٍ
وملأ وجهها البريء
عرقٌ فاضحٌ
كأنَّها لم تتقلَّب عمرها كلَّه
في أحضانِ الرجالِ
كأنَّ السنينَ مرَّتْ عليها
وعفَّتها مختومةٌ بين وركيها
كطابع حُسْن.

الغجريَّةُ
تاجرةُ السعادة
التي تشتري وتبيعُ
تتربَّعُ في جلستها الرزينة
أمام فنجان قهوتها المُحَوُّج
وهْيَ تلفُّ سيجارةَ الحشيشِ
وبناتُها الجميلات يُحطن بها
كلُّ ما تعلَّمتْه من أجساد الرجالِ
من بكائهم كالحريم في حضنها الدافئ
من قسوتهم المفتعلة بين ساقيها
ليخرجوا آهةً أو أنَّةً من بين شفتيها المرتعشتين
يعودون ملتذِّين بها ككنزٍ إلى ليلهم الطويل

ما تجرعتْه منهم عُنوةً
وما شربتْه بنشوةٍ كشهدِ الملكاتِ
ما انفضحَ
وما انحجبَ
تهبه لهنَّ عن طيبِ خاطرٍ
تقولُ:
لي في المحبَّة ألف فدَّانٍ
وأرضكنَّ - لم تزلْ - بورُ.

كنتُ صبيَّةً، تقولُ
تكوَّرَ نهدايَ في صدري كبرتقالتينِ
كلَّما دُستُ الأرضَ
رنَّ في أذنيَّ صوتٌ
كأنَّ لكعبيَّ حدوةً كالفرسْ
ولعينيَّ مثل بومةٍ كُحْلهما الربانيّْ
نسوةُ الحيِّ يستعذنَ بالله
من رائحةِ الكافورِ الخارجةِ من صدري
ويخبِّئْنني عن العيونِ
كان ظلِّي يسبقُ قدميَّ
ونظرتي للناس أوْهَى - عند اللهِ -
من خيط العنكبوتْ.

كنَّ يرقبْنها بفضولٍ
فيرتعشن كيماماتٍ تعرَّين من ريشهنَّ فجأةً
لكنَّهنَّ يحترمنَ صمتَها المتلجلجَ
ويرقبنَ حروفَ الكلامِ
وهْيَ تنبتُ فوق شفتيها ببطءٍ
وينصتنَ بشغفٍ طفوليٍّ
لصوت تنفُّسِها الذي يئزُّ في الهواءِ
وحين تنتبه لرأسها المنحنية على صمتها
تومئُ لهنَّ بعين مكسورةٍ:
أنتنَّ رحمة الله في الأرض
فلا تتكبرن!

كان ابن جارنا، تقولُ
شدَّني من شعري الذي فضحتْهُ طرحتي
ورماني تحتهُ
خبَّأتنا عيدانُ القمحِ في غيطِ أبي
وتصلَّبتْ مشمشتانِ غامضتانِ في نهديَّ
كنتُ نشوانةً
فتحتُ ساقيَّ دون أن أدري
لكنَّهُ - الغَشِيم -
دسَّ يده الخشنة ليدعك مائي
وبحث بشفتيه عن حلْمتيَّ
قنع الغبيُّ بما طالتْه يداهُ
وخلَّفَني وراءه كخرقةٍ
لكنَّني أقولُها لَكُنَّ بصراحةٍ
عشتُ عمري كلَّهُ
أعدو خلفَ المتعةِ التي منحها لي
بلا فائدة!

أكتوبر 2004
Gent

في الظِّل الغامق لامرأةٍ لا تشبهنا

I

لا شيء
أنا قابعٌ في آخر السَّطرِ
تليني نقطةٌ
ويسبقني الفراغْ.

II

مثل أعمى
يستردَّ نورَ عينيه من ظلمةٍ في القاعِ
كان وحدَهُ
يدرِّبُ يدهُ على الكتابة
ووحدَهُ
يختبرُ قدميه بالمشي
وصدرَهُ بتحمِّل ثقل النيكوتين
وقلبه بالحزنْ

الأرضُ التي هجرتْهُ قديماً
أنبتتْ زهراً غريبَ الشَّكلِ
طيِّبَ الرَّائحةْ
وناسها
لم يعودوا أنفسهمْ.

III

كأنَّكَ على سفرٍ
ترتَّبُ الأشياءَ
تزيحُ الأتربةَ الخفيفةَ بضربةِ مِنْفضةٍ
وتنصتُ لشروخِ الأصواتِ في أذنكَ
وهْيَ تتبدلُ من حالٍ إلى حالْ
تودِّعُ الأصدقاءَ بنظراتٍ مكسورةٍ
وابتساماتٍ معتذرةٍ بلا سببٍ

كأنَّك على سفرٍ
تحتارُ ما الذي تحملهُ معكَ
وما الذي تهملهُ
أيُّ الكلماتِ تقولها لأمِّكَ
وأيُّها لا تلفظه

كأنَّكَ
على سفرْ.

IV

فتَّشوه
أخرجوا من جيبه الصَّغير
صوراً عائليةً مكسَّرةَ الحوافِّ
أولادَ عمومةٍ لم يرهم منذ سنينَ
وأسماءَ رفاقٍ طارئينَ أوصوهُ بأنْ يرعى المحبَّةَ بالسِّؤالْ
وثيقةَ سفرٍ
وقبلاتِ أمٍّ محلاةٍ بملحِ دموعِها لحظة الوداعْ
أحجبةً ضدَّ الخوفِ
وقلاداتٍ تحفظُهُ من العينِ
سنابكَ خيلٍ متعبةٍ من التِّجوالِ في كتب التَّاريخِ
وتذكاراتٍ رخيصةً من الأصدقاءِ البعيدين
نوباتِ حنينٍ
وفتياتٍ لم يعصرهن بعدُ
بين ذراعيه.

فتَّشوه
أوقفوهُ في آخر الصفِّ
وصوَّبوا عيونَهم عليه بغِلٍّ
نادوا على اسمه
مرةً
مرَّتين
وحينَ لم يستجبْ لهم
تركوهُ يمضي خفيفاً
لا هدهداتِ أمٍّ تُثقلُ عليهِ
ولا أدعية
تشبكُ أكفُّها الصغيرة في ذيل ثوبه الذي يحفُّ التُّرابَ
كلَّما مشى.

V

في البردِّ
عدَّ أصابعَهُ
( زرقاء ..
ومُصفرَّة الأطرافِ )

أحكمَ غلقَ سترتِهِ على صدرهِ الضَّامر
وشدَّ دخانَ سيجارته بحرقةٍ:
يحرمُكِ اللهُ كلَّ راحةٍ
يا التي تركتِني
وحيداً.

VI

لا لغة
ولا كلامْ
لا التَّنهيدةُ الحارقةُ
وهْيَ تخرجُ مكسورةً من صدري
ولا نظرةَ عينيَّ المهزومتين قدَّامكِ
لا شيءَ ينقلُ حضوركِ فيَّ
وجسمكِ
لا تترجمُهُ الحروفُ.
قدمكِ
وهْيَ تخطو
يدكِ وهي تلمسُ القلمَ
عيناكِ خلفَ نظَّارةِ الشَّمسِ
شفتُكِ مضغوطةٌ تحت سنَّتيكِ الأماميتين
شعرُكِ حين تهزُّه الرِّيحُ
ويبتكرهُ الهواءُ
صوتُكِ المبحوحْ
غناؤُكِ الخجول وهْوَ يتدحْرجُ فوق الوسائدْ
ضحكتُكِ التي ترنُّ في صمتِنا
كعملةِ نقدٍ ممحوةِ الوجهينِ
خفَّتُكِ وأنتِ تخبطينَ الأرضَ
في خطوكِ الهشِّ ...
............
.........
لا لغة
ولا
كلامْ.

VII

قالتْ لهُ أمُّهُ:
لتكنْ تلكَ اتكاءتَكَ في البعيدِ
صوتكَ الذي ترفعُهُ خفيةً في الظَّلامِ
يدَكَ التي تبْطشُ بها الآخرينَ
ودمعتَكَ التي تبكيها
عليهم!

قالتْ له:
أرِنِي يديكَ
يا ابن بطني
وبِكْري الذي سيكونُ سندي في القادمِ من الأيامِ
أرِنِي يديكْ
هنا طَبْعُكَ الذي ربيتَ عليهِ
وعمرُكَ الذي كبرَ تحتَ عينيَّ كنبتةِ ظلّْ
ندوبُ جسدكَ التي ارتكبتْها رعونتي بغفلتي عنكَ
وسقطاتُكَ الخمس من فوق ركبتيَّ

هنا
أسماءُ أخوتِكَ ..
أبوكَ وأمُّكَ
طينتُكَ التي عجنتْها الآلهةُ
وصلصالُكَ الذي سوَّاهُ رحْمي
فبحقِّ الذي في يديكَ
دعْ عينيكَ معصوبتين
وافتحهما خلسةً من تحت الغمامةْ
مدَّ يدكَ لمن يسحبكَ في الزِّحامِ
واسحبْهُ أنتْ

حين تقرصُكَ الوحدةُ في مكمنِ ضعْفٍ
قوِّ قلبَكَ بندهةِ أمِّك
وأَرِحْ كتفيكَ من تعبِ التذكُّر
ولا تصف أحداً
إلا بالذي فيه
وامرأتكَ أنتَ ربُّها وراعيها
فاجعلها فَرْشَتكَ وسترَكَ عن العيون
اضربْ غرورَها برحمةٍ إن عصتْكَ
وانهضْ لها إن دخلتْ عليكْ
وإن رأتكَ تبصُّ إلى حُسن سواها
قلْ لها:
لي قلبٌ تحفُّ الصَّبايا إن مررْنَ بهِ
وعينٌ مختومةٌ على الجمالِ
فكيفَ أنهيها؟!

لتكن تلك اتكاءتَكَ في البعيد
هذه الصفحة البيضاء
ليس قبلها
ليس سواها.

VIII

مسَّتْ يده الباردة وهْيَ تتنهَّد
نظرتْ إلى شفتيه
كأنَّها تنتظر منهما أن يصفاها
همَّ بالكلام
حين شعر بعينيه تسبقانه:
أنتِ ككأس النبيذ هذا
أوَّلكِ مُسْكرٌ
وآخركِ مرارة.

IX

يلوي لسانَه كلَّ يومٍ
ليفهمه الناس
تنبت فوق شفتيه ابتسامات شاحبة
وهو يربتُ على كتف نفسه
يقولُ:
غداً سوف أرى أمِّي.

X

رغم تعبه
رغم قدميه اللتين تئنَّان كمومستينِ
أكلَ الغرباءُ لحمَهُما عُنوةً
رغم قلبه الذي يهرولُ من سياط التَّدخين
حطَّ رأسَهُ على فَرْشَتِهِ
شمَّ رائحة شعر امرأته المنسدلِ جواره
تنفَّس كلَّ الرَّائحة بكامل رئتيه
أغمضَ عينيه الضِّيقتين وهْوَ يفتح فمه قليلاً
بوسع حلْمة نهدها الذي يرقد هادئاً تحت كفِّه
وضغطَ شفتيه في رقةٍ بدائيةٍ
جعلتْ لسانَهُ المحمومَ
يميِّز ما بين دمعه المالح الذي فاجأه
وحموضةِ لبنها
هذا الذي تخثَّر كجرحٍ على شفتيه
تسعة وعشرين عاماً
بكاملِها.

XI

قالَ:
كيف تركتِ محبَّتك الحرير كقبر وَليّ
يحكُّ الأحبة أياديهم المدنسة على قطيفتها الزرقاء
ويبتهلون إليكِ؟

يا بنتُ
ردِّي فمي إلى طفولتِهِ
وامنحيني بئريَ الأولى
ضعي يدَكِ دافئةً بين وركيَّ
شدِّي عليه
واجعليه صلباً مثل ساريةٍ
أنا سأفتحُ أوراقَ وردتكِ التي تنامُ هادئةً
وأجعلها تزهرُ من جديد.

XII

قالتْ له أمُّه:
عندما تكون هناكَ
في البعيد الذي لم أره
في الظِّلِّ الغامق لامرأةٍ
لا تشبهنا
في البيت العتيق
الذي تحرسُه الأشجارُ الغريبة
والطرقاتُ الباردةُ المكسوَّةُ بالثلجِ
نمْ
وتدفَّأ بأنفاسي

يا ولد
لا تحلم بامرأةٍ ليستْ ملكَ يمينكْ
ولا تُهرِّب نظرتك تحت فستانٍ لم تشترهْ
وابقِ عينيكَ مفتوحتين
اتقاءً لغدرٍ.

مارس 2004
Gent

أنا السِّكين
التي تئنُّ تحت يدي وهْيَ تذبح الذكرى

كنتُ هناكَ ...
في المسافةِ التي لا تُحدُّ
بين نظرةِ العجوزِ
وألبومِ الصِّور
بين جناحِ العصفورِ
وبابِ القفصْ
في الفراغِ الرَّهيفِ
بين شفتي العازفِ
وفوَّهةِ النَّاي

في الخط الفاصل بين انحناءةِ رأسِ رجلِ الجيشِ
ونياشينه المرتَّبةِ خلفَ لوحِ الزُّجاجِ
بين بريق نظرةِ الدَّميمِ
ومشيةِ الجميلةِ حين تمرُّ
بين دمعة الوحيد
وضوءِ الشِّموع
بين بحَّةِ صوتِ المغنِّيةِ وهْيَ تندهُ في الغيابِ
وحديدِ مكبِّر الصَّوتِ المعطَّلْ
بين قلب الأم
وخطو ابنها في ساحةِ الحربْ.

كنتُ حاضراً بكامل مُلْكِي
بين عصا الأعمى
وحجارةِ الطَّريقِ
بين صوتِ المتكلم
وأذن الأصمّْ
كنتُ الفارق بين ملح عرق الأجير
والملح في لقمته.

كنتُ هناك
في نظرة الحبيبة للعشيقة من تحتٍ لتحتْ
بين رفَّةِ عين اليتيمِ
وعناق الأم
بين شَفَةِ القاضي
وقلب البريء
بين قميصِ الغائب
وصدرِ الأرملة
بين نهدِ المراهقة
ووردة تذبلُ في كتاب
وكنتُ المسافةَ
بين إصبعِ الوحيدةِ
وبظرِها المنتصبْ.

أنا..
أنا ارتباكةُ اليدِ
في تلويحةِ الوداع
ارتعاشةُ الشَّفتينِ حين تهمُّ العينُ بالبكاءْ
أنا السِّيجارةُ الثلاثونَ
وأنتَ وحدكَ
أنا العمى ذاتَ يومٍ خريفيٍّ
حينَ لم ترَ انتفاضةَ الوردةِ التي أزهرتْ تحت قدميكَ
أنا شجنُ النَّايِ الذي يحفُّ بكَ كلما تذكَّرتَها
عجوزٌ تصعدَ السُّلم وهْيَ تتشبَّثُ كطفلةٍ بدرابزين البيتْ
أنا الطيورُ حين تفرُّ من غابةٍ تحترقُ أشجارُها
قبل أن تكتفي من الظِّلِ
أنا الظِّلُ حين تزيحُهُ من مكانهِ الشَّمسُ
أنا المرآةُ في يدِ مليحةٍ صارَ عمرُها ضيِّقاً خلفها
كدرب
أنا السِّكين التي تئنُّ تحتَ يدي وهْيَ تذبحُ الذِّكرى

أنا الذِّكرى
وأنتَ تجاهدُ كي تستعيدَها أو تمحوها.

وأنا الفضَّاحُ
تدلًّ عليَّ العيونُ
والدَّمعُ
اسم فضيحتي.

اسمي القابضُ
والقاتمُ
والشفافُ
ومغشي البصر
اسمي السَّاكنُ
والحارقُ
والمرُّ
ومربِّي القلوب
اسمي الراكبُ
والقاعدُ
والمقيمُ
وذو الجلال

اسمي الشَّاردُ
والظَّالمُ
واللاسعُ
وحجر الصدور
اسمي اللامعُ
والبارقُ
والرَّاجلُ
ورابطُ الألسنِ في وتدِ السُّكوتْ.

ملكُ الملوكِ أنا
صولجاني مشهْرٌ في يدي
ونصل خنجري لا يستثني أحداً
عرشي لا يزول
ويسمونني:
الألمْ!

ديسمبر 2004
Heusden-Zolder

مغْناجٌ .. اسمه الشِّعر

كلُّ ليلةٍ
يقفُ تحتَ رحْمةِ الضَّوءِ الموشَّى بالظِّلالِ
يحبّ العتمةَ
حاملُ الخَرَزِ
ذو الوشم
أمْكرُ من ذئبٍ في الخلاءِ
وأخفُّ من ريحٍ
على أوراق الشجرْ.

هو الصَّائدُ
نعرفُ
لكنَّه يتخفَّى في سمْتِ الفريسةِ
يقولُ:
ليسَ كلُّ الذي في يديَّ حريقاً
لا سلالتي أنجبتْ غيري
ولا رفعْتُ محبَّتي البيضاءَ
عن أبنائي المخلصينَ
وأنا أنا
ابنٌ للمصادفةِ
مَكْمَنُ القنْصِ
وغزالةُ الشَّاطر.

ملعونٌ
يمشي ساحباً خلفه سرباً من البومِ
من النَّحلِ
من ملكاتِ النَّحلِ
نايُهُ
جرحه المفتوحَ على وقعِ الخُطى
يحطُّ قدماً في الهواءِ
وأخرى على الأرضِ
ليسَ براقصٍ
لكنَّه غندورٌ
مغناجٌ ابن اللئيمة
يمرُّ على الصَّبايا في النَّهارِ
ويهمسُ لهنَّ في خُلوة الليلِ:
يا شقيقاتِ روحي
في الشَّجنْ.

كنَّا نظنُّه عربيداً
يدوخُ من كأس
ويسكرُهُ نبيذنا المعتَّقُ
لكنَّه كلَّما شربَ
كان يكتبُ
ليمحو
ويمحو
ليكتب
يمسكُ بيديه خناقَ جثَّةٍ اسمُها المعنى
يمسحُ بكرامتِها الأرضَ
أمام عيوننا
ويضحكُ
رافعاً رايتَهُ الحمراءَ في ندى الليلِ
كأنَّهُ امتلكَ اللغاتِ
أو
ورثَ
أختامها.

حاولنا صيدَهُ مراراً
كنَّا نعدُّ له شِراكنا في الفجرِ
نسنُّ سكاكينَ ورثناها عن جدودنا الميتين
في الليالي التي لا ينيرُها قمر
نفرشُ طريقه بالفخاخِ
ونقوم من نومنا كلَّ صبحٍ
لنراه يَدوس على عشبِ الأرضِ
فتصلصلُ أجراسُهُ المعلَّقةُ في ثيابهِ
لتختبئ في جحورِها كلابُ الشَّوارعِ
وتصرخُ في البريَّةِ
بناتُ آوى.

ما منعنا عنه
ليس الخوفُ
ولا رهبة أن يكون في حوذتنا
لا ذهبه الذي يعمي عيوننا
ولا لقمته المغمَّسة في ملحِ التَّشردِ
لا فضَّته التي تبرقُ في الأصيلِ الغريبِ
ولا ثوبه المهلهل الذي يجفِّفه على فزَّاعة الطيور فوق الرَّابية
لكنَّهُ شيءٌ به
لو مسكناه مرةً
فقط
لو.

مخفوراً بأسرابه
بصليل أجراسه
بنور عينيه اللتين تتبسَّمان
بزمَّة شفتيه الغاضبتين
كان يعبر بقدميه الحافيتين فوق ظلالنا
فنشعر بخفَّة خطوه الهشِّ
فوق صدورنا
ويمسُّنا رفيف أجنحةٍ غامضة.

ابن الحرام
يظلُّ يدورُ على عقبيه أمام عيوننا
هازئاً من تخاذلنا
من رؤوسنا المحنية في مذلَّة الخسران
من دوراننا ونحن عائدون
فارغو الأيدي
ليس سوى
كَدْمةٍ زرقاءَ فوق شفاهِنا
من عضَّة النَّدمْ!

أغسطس 2004
Gent

صدر الديوان عن دار شرقيات للنشر والتوزيع بالقاهرة
يناير 2005


_________________


حسن بلم

تقاعد زير نساء عجوز,شعر وقصائد عماد فؤاد,ديوان عماد فؤاد pdf

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة

صفحة 1 من اصل 1
نوسا البحر :: فوضى الحواس(منتديات ثقافيه) :: مرتفعات أو سوناتا الكلام

حفظ البيانات | نسيت كلمة السر؟

عفاريت نوسا البحر google+ | عفاريت نوسا | مجلة الصور | مجلة عفاريت