مهن القسوة,شعر وقصائد بسام حجار,ديوان بسام حجار pdf

♪♫.. الادارة..♫♪
رسالة sms : سيرى ببطئ ياحياة
لكى أراك بكامل النقصان حولى
كم نسيتك فى خضمك
باحثا عنى وعنك
وكلما أدركت سرا منك
قلت بقسوة
مأجهلك!!!!
ذكر
عدد المساهمات : 10336
الاٍقامة : وراء الأفق حيث لاشئ سواى وحبيبتى
العمل : مهندس
نوسا البحر :
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
2013-07-31, 6:18 pm
شعر بسام حجار

حكاية الرجل الذي صار ظلاً
ما كنت منذ البداية هكذا. أقصد لم يخلقني الله هكذا، وحيداً ومتروكاً للحيرة اذ لا أجد من يصحبني وأكون ظله. ولكن ليتني أذكر بالدقة التي تتوخون كيف جرى لي ذلك فأصبحت ما أنا عليه الآن، أو منذ بعض الوقت.
أجدني لا اقوى على الحركة، مقيماً سوية البلاط لا ابرح. وما يدور علي من مواقيت يبدل من أحوالي وهيئتي، فلي مع تبدلات الاضاءة بين مواقيت النهار والليل قصص أعجب من ان تروى هنا، ولا يتسع لها مصنف كامل من ترّهات بورخيس. فالصباح يجعلني منبسطاً على سوية الأرضية الملمعة، والظهيرة تلصقني بالأشياء العمودية الواقفة ولا تتعب، ثم تتدرج بي الحال الى استطالة تشوه قوامي الطيفي حتى يكسرني الغروب بانعكاسه الشفقي الى نصفين. نصف من أسفل الركبة الى القدمين والنصف الآخر من أسفل الركبة أيضاً الى هامتي، فأقف بانحراف ظاهر على جدار ولا شيء يسندني، الى ان يحل الظلام فيذيبني في كنفه كأنّني قطرات حبر أو ماء ملون تمتصه ممحاة غريبة لا قوام لها. بلى، ما أخطأتم الحسبان، فما أتحدث اليكم عنه هو الظل الذي صرته منذ بعض الوقت، لذلك يصعب ان يبصرني احدكم في الليل أو في عتمة المكان. كأنني أنتمي اليه أو أصبحت ملكاً له مذ غادرني صاحبي وانتظرته طويلاً هنا ولم يعد. فقط بوسع واحدكم ان يراني في الضوء. في ضوء فاضح لا أرى منه شيئاً. وطبعاً لن اشرح لكم هنا ما تعرفونه جيداً بأن الظل لا يراكم حين ترونه جيداً لكنه يلازم حركاتكم وسكناتكم ولا يغادركم الا حين تلوذون بأسرتكم الدافئة وتحلمون. ألمعيّ هناك يقول: وماذا عن السير في الظلمة حيث لا ظل يتبعنا؟ فأقول من فم الظلال إياها اذا جاز لي ان اقول: يكون من هو مثلي فدية نجاتكم من العبور الى الجهة الأخرى. ليتخيل احدكم الظلام مرآة، ولو معتمة، يسير بمحاذاتها على وجه الدقة، ويصحبه الظل، ظله، في الجهة الأخرى من المرآة حيث يسود الظلام، ولن يخطر ببال أحدكم الأهوال التي يصادفها من هو مثلي هناك. ولكن لندع هذا الأمر جانباً، فليس في نيتي أن أشكو أو أن أجعل من ذاتي المعدومة رمزاً لبطولة الخوض في عالم الظلمات والا لأدركني المساء قبل أن اروي على مسامعكم ما صرت اليه منذ بعض الوقت.
ذات يوم الفيتني وحيداً. كان الوقت مساء والظلمة حالكة فلا يبصر صاحبي اصبعه حتى لو الصقها بعينه الحاذقة. كان مستلقياً على الكنبة في ثيابه المعتادة وكان يجهش في البكاء. يشرب كأساً تلو الأخرى، ويشعل سيكارة تلو الأخرى، ويجهش في البكاء. وكانت الظلمة قد أذابتني في كنفها وامتصتني لكنني، في هيئتي السائلة، كنت أقعي عند قدميه لا أغادر. أشبه صاحبي في كل شيء، اقصد في ما عدا التشوه الذي يسببه لي تبدل الضوء فيقزمني أو يمطني لكي أبدو دميماً، أشبه صاحبي إذاً في كل شيء ولكنني ما سلكت نعمة البكاء أو عرفتها من قبل. وعلى الرغم من وفائي لصاحبي ما تمكنت يوماً من مجاراته او ابداء التعاطف بدمعة أذرفها حتى ظننت يوماً انني من الغلظة والفظاظة ما يفوق الوصف. كان صاحبي يجهش في البكاء. ثم غادرني. سمعت دوياً أو ربما جلبة ارتطام هائلة، لست أدري. وفي اليوم التالي وجدتني هنا وحدي. وفي اليوم الثالث ايضاً. وفي الأيام التي اعقبت ذلك الى اليوم، بت وحيداً لا قدرة لي على الحراك من مكاني. زوجة صاحبي وابنته لا تعيران انتباهاً الى الدكنة الطفيفة التي تبقع البلاط وموضعاً واطئاً من الجدار. وذات يوم، جاءت الزوجة بالممسحة وعدة التنظيف وحاولت ان تمسحني بكل ما أوتيت من قوة وعصبية ولم يمح من هيئتي شيء. فحسبت انني مجرد بقعة من الرطوبة تسربت من اسفل الحائط الى البلاط. وكفت عن المحاولة. وأصبحت تحاذر اذا مرت بقربي ان يداني ظلها ظلي خوفاً من بلل الرطوبة وشؤمها وكم وددت ان يألفني ظلها فاصبح ظلاً له علني اجد من اتبعه في روحاته وغدواته. حتى الابنة لم تتعرف الي وكنت دائماً في صحبة ظلها حين يرافقها صاحبي في نزهة قصيرة في الجوار. ليس بوسعي ان اكون شبيهاً به لأن لا مظهر ولا هيئة لي. كان وسيماً، مستقيم القامة الى نحول، عصبي المزاج والحركة. وكنت أحاكي حركاته وسكناته ثم غادرني ولا أعلم اذا كان يصحبه ظل آخر هناك. وأصبحت هنا بلا نفع أو قيمة حتى وددت لو تمر بي سلحفاة فأكون ظلها، لو يمر بي كلب فأكون ظله، او حصاة فأكون ظلها. ذلك اني بت اخاف ان تمتصني الظلمة مرة واحدة والى الابد. ماذا افعل بالضوء الذي يطلع كل صباح ان لم ينهض صاحبي من نومه، بجسمه كاملاً. الرأس والذراعان والجذع والساقان، لكي اتبعه فتدوسني اقدام السابلة ولا ينال مني ألم، بل أواصل زحفي الخفيف بين الحصى والنقح والعجلات والنفيات، لا تعيقني أو تلوثني، خفيفاً وقانعاً لا أعرف لسعادة الصحبة مثيلاً.
ماذا افعل الآن اذ غادرني وانتظرت طويلاً وما عاد بعد؟ كيف أقضي ملاوة الدهر، فلا عمر لي، في الركن وحيداً؟ ما الذي يبقيني على قيد الحياة؟ أسفٌ، لا بد انكم أدركتم خطأ العبارة. اقصد ما الذي يبقيني، على ان تكون الحياة لكم ولسواكم ولمن يرغب ايضا. لا تزيلني احماض ولا يحطمني ثقل ولا يطمرني تراب. رحماك أيها الضجر!

(من “مجرد تعب” 1993

(من “صحبة الظلال” 1992)
[ضعي زرافة في إناء، سمكة في حديقة
هل نقيم في السحابة الزرقاء
التي ترسمها مروى قرب اسمي

حين يقترب الدوي من النافذة
وحين يقعي الاثاث في الزوايا
أو تخاف الستائر
لا السحابة تمطر
ولا اسمي يجعل العالم جميلا

لذلك نامي يا ابنتي، انتِ
وحين أغفو قليلاً
اعدكِ ان احلم بكِ

ان افرغ رأسي من خردته الثقيلة

وافكر في السحابة الزرقاء

في البيت

في العتبة

في الثمار التي تشبه الفراشات
والفراشات التي تشبه الثمار

فقط

حين ترسمينها.

اسألك اذن
لماذا لا ترسمين العالم كله
لكي يتاح له ان يشبه شيئاً

ضعي زرافة في اناء

سمكة في حديقة

ضعي عصفوراً ووحيد قرن
في قفص واحد

وصدّقي
انهما سيتحابان
لأنكِ تريدين ذلك
بالعناد الذي يجعلك تحسبين النوم\
عطلة زائفة
ضعي، حين ترسمين وجهي،
قليلاً من التعب في ملامحي،
خطاً واحداً على جبيني
لكي احسب انني في منتصف العمر
وليس في آخره

ضعي بريقاً باللون الذي تختارين
لكي لا يظل الجفاف في عيني
وضعي كثيراً من الماء
لكي تبقى لي يدان قويتان
وشاربان
وقلب صغير لشدة ما يصفر صدري
من الخواء

لا تنسي الاسرة لكي ننام
والأفواه لكي نبتسم
وقليلاً من الدموع
فقط

لكي نتذكر بين حين وآخر
ـ قبل ان ننسى ـ
كيف يبكي رجل كامرأة
كيف تبكي امرأة كامرأة
كيف يبكيان لشدة ما يجمع البكاء بينهما.

(من “فقط لو يدك” 1990)

لم يقل لي أحد ما معنى الأسى

لا أدري ما شغف الحجر
الذي الم بي

يوسدني حجر
ويغطيني حجر

وحجر ابيض
يروي سيرتي
من فم التراب
(1942 ـ 2004)

برقمين فقط
وفاصلة
لم يفسر لي أحد من قبل
معنى التراب
وكائناته الضئيلة
التي تدب ههنا وتحفر
كأن رميم الغبار والحصى هذا
هو الطريق المفضية الى سماء

ولا أدري اي السماوات قد تسعى اليها الكائنات الضئيلة التي تحفر
وئيداً
في عيني وسمعي
ولا أدري ما الحكمة من اختصار عمري
برقمين وفاصلة
كأنني، في غفلة، عبرت
من ضفة الى ضفة
وبينهما مياه النسيان
ولم المح ـ في عبوري ـ
صورة تمحى
أو مكاناً يزول
(من “تفسير الرخام” 2006)

ألبوم العائلة
ـ 1 ـ
لم أكن ضالاً فاهتديت
لم أكن سائلاً فوجدت
كنت في شرق الحكاية أو غروبها
في مطالعها أو في الختام
لم أكن
الجهة التي افضت بي،
انمحت
أرى حجراً على التلة
كأنه ينتظرني

المدينة لم أعرف اسمها
والشارع، ككل الشوارع، طويل ومزدحم وقاس
لم يفتح الباب الذي طرقته
اذ لم يكن باب يفتح في جدار يترامى الى السماء
عدت أدراجي
فربما غداً
سألت الرجل الذي كنته قبل عام
لم لا أراني بينهم؟

تلك زوجتي وهؤلاء أولادي
وتلك هي الحجرة
وشخص الزينة الغريب
والأريكة المزركشة والضياء المصبر للمبة الألوجين
والباب المغلق
والأمسية التي صارت صاخبة
لم أسال عن قرص الأسبيرين ولم يلتفت احد

لما غادروا ابقت اللمبة مضاءة
واستلقت على الكنبة
لم تسألني قبل ان تنام:
اتحبني؟

لا أجدني واقفاً أو جالساً أو ساهياً
لا في أبيض الصورة ولا في أسودها
ويخيل الي، ان شئت انتشال الوقت
من بئره، انني ربما كنت خيال ذاك
الشخص المغادر.
(من “البوم العائلة” 2003)

الراوي
طبعاً
لست أنا الراوي
ولست الذئب
ولست باب الحديقة
لا أعرف، قبل الخاتمة،
كيف تموتون
بخيبة من يفوته
قطار الواحدة
وينتظر
قطار الواحدة والنصف

طبعاً
لست أنا من ينتظر
لأنني لم أكتب حتى رسالة
لتصلني بعد عام
فافرح بها
لأنني انتظرت
ولأنني لم أعد خائباً
هذه المرة،
ولأن الوقت يمضي
ولست أنا من يصنع العقارب
ويسك ميناء الساعة
لأعرف كم الوقت يمضي
وكما لا وقت عندي
لأرمي ما تبقى
من النافذة
او تحت الطاولة
فلا ينتبه الكلاب
والباعة
والتلاميذ.

طبعاً
لست أنا الراوي
ولست من ينسج
خيطاً لعناكب روحي
في الظلام،

لأروي
كمن يخاف ان يرى
لارى
كمن يخاف ان يروي،

لأعرف
كيف أوقظ أرواحكم
الصامتة
واجعل من ضحكاتكم
متحفاً
للأصداء البعيدة،

لأروي
كلاماً يشبه ما يروى
في النوم
افكاراً تشبه ما تحلم
به الأفكار

ولست انا الراوي
لأعرف كيف اشبهكم
في نومكم
وحين تستيقظون

حين تنبشون رأسي
وتقولون: ما أقبح
هذه المزهرية،
حين تنبشون يدي
وتقولون: ما أجمل
هذا الشمعدان
حين تنبشون جثتي
وتقولون: هذا هو الراوي

ولكن
لست أنا الراوي
ولست أعرف
الآن
ماذا
يجدي
هذا الكلام

(شباط 1983)
(من “لأروي كمن يخاف ان يرى”1985)

حكاية موتي
“الناس نيام فاذا ماتوا انتبهوا”
(حديث نبوي)
كلما ارخيت جسمي وأسلمته الى الوهن الغامض الذي يساكنه منذ بعض الوقت، احسست بأنه يتلاشى كأن في الفراش الصلب من تحتي ثقباً يتسرب منه الجسم الذي أصبح وهناً خالصاً، الى غور أجهله.
لذلك اعتدت ان ابقى صاحياً ما استطعت، فلا اغفو الا اذا نامت زوجتي على السرير بجانبي، وحين اسمع انفاسها المنتظمة ادرك جيداً انني ما زلت على قيد الحياة.
ولذلك ايضا لا أتوقف عن التجوال بين الغرف والرواق والمطبح، جيئة وذهاباً، ولا يستوقفني في رحلتي بين الجدران الا النافذة، لهنيهات، اسرح نظري المتعب الى اقصى ما يصل اليه قبل ان تغشاه دوائر سوداء متداخلة وينتابني دوار خفيف، فاستأنف السير بين الغرف، ويظن من يراني ان الضجر وقعدتي في البيت قد انهكا برود اعصابي.
ثم لا يلبث واحدهم ان ينصرف الى شأنه لأنني بلغت من الحياة ما ينبغي أن يقنعني ان الضجر ترف، لا بل خرف في مثل هذه السن.

ولكني لم اضجر يوماً

بلغت سبعيني بعد ان صرفت ايامها، اليوم تلو اليوم.

ولم أضجر.
كانت الأيام جميلة في معظمها وما كنت اطلب من الدنيا اكثر من ذلك. حتى ابي في ثمانينه كان يدخن اربعين سيكارة في اليوم، ويمكث جالساً على افريز حجري قبالة الباب ساعات لا تنتهي الا حين يخلد الى النوم، ويضع تحت وسادة سريره نصف رغيف من الخبز الاسمر، وبجانبه كوب ماء. هو ايضا لم يضجر؛ غفا ذات يوم ولم ينهض في الصباح.
وقبل ان نستدعي طبيب المستشفى الحكومي القريب تفقدنا نصف الرغيف، وجدناه كما هو. وكوب الماء. لم ينقص قطرة، وقلنا في سرنا، قبل ان يخبرنا الطبيب، انه فارق الحياة قبل منتصف الليل. قبل ان يأكل الخبز ويشرب الماء.
لم ينتبه احد منا
مات في نومه، والأرجح انه لم ينتبه هو أيضاً.
غادر في حلمه. أو في البياض الذي يغشى نوم الذين لا يحلمون. لا أدري
(من “حكاية الرجل الذي أحب الكناري” 1996)

الألم
الأشياء زالتْ
تستطيع الآن ان تغمض عينيك.

الآخرون،
بلى، في الجوار
يقيلون على الكنبات أو
يسرحون شعورهم
ويرتبون أشياءك في الأدراج.

تستطيع الآن ان تغمض عينيك،
الأشياء ما زالت من تلقائها
سالت في الظلال الرائقة
للستائر وأصص النبات:
السرخسيات المعرشة
وقزم الصبار
والسوسن الذي يشيع بنفسجاته
بين المنور والرواق،
من تلقائها:
كما تزول الأشياء
حين لا تراها
ضجراً
وبلا اكتراث.
الآخرون،
بلى،
في الجوار
يغسلون مناديلك ويصنعون حلواك،\
ماء زهر وسكراً
وأقراص وزبيباً.

قمصانك المنشّاة
وحذاؤك الملمع
والكأس الوحيدة قبل العشاء.

تستطيع الآن ان تغمض عينيك
من تلقائها
زالت الأشياء
أم
هو الظلام؟
(من “مهن القسوة” 1993)

نهارات
لفرط ما أحذف النهارات لم يبق مني الا كائن الأرق، شبيهي، الذي يحسب ان الوقت يمضي اذا مشيته مراراً من الباب الى النافذة، من الشرفة الى النافذة، من النافذة الى النافذة، ولا ادرك جدواه. لفرط ما أحاول نسيان الوقت أقع في خطأ الانتظار واعلم ان من هو مثلي لا ينتظر شيئاً ولا يرغب في شيء، لأن الاشياء قاطبة تقيم في نهارات احذفها لكي لا يبقى مني الا رميم الأرق، شبيهي، الذي ما عرفت سواه.

هذا نهار.
وتلك مشاغله.
ادعه لابنتي لكي تفرح به. لجاري الذي يشغله بضحكته الصباحية وبمئة وعشرين كيلوغراماً من الرضا والعافية والسعادة الغامرة، وبمئة وتسعين سنتميتراً من التفاؤل والادراك والتعقل.
هذا نهار
قال الله.
وبعد؟
(من “بضعة أشياء” 1997)

اللافتة
اعلم ان وقتي عاجل
واني مكثت طويلاً تحت شاربي المتعبين
ان اسناني صفراء
وجميلة كالخيانة
ان فمي يشرد الى آخر الكلام
كي ينبت اسمك
في جنة الكلام
كزهرة وحيدة
اتمدد صرخة مروسة في هدنة العصفور
اهرب رعشة مزهوة الانكسار
الى رخام نابض،

هل نشعل البرية بدم آخر العصافير
كي يستقيم صرح المدائح
وتهتز اعراف الرجولة كالطبول؟
هل تستقيم الحروف
كأخيلة منتصف الليل
تتكوّر كالجماجم
تتورّم
ولا تصل الى عتبة هذا الحنين الشاهق.

هل نطلق رصاص التجربة
على هذا الرأس الهادئ
ام نفرغ احشاء الساعة
من العقارب والمواعيد والغبار؟
استمهل وقتاً عاجلاً
واعلم ان هذا الموت يشبهني
في التفاصيل الصغيرة

فلماذا يموت الجبل واقفاً
في حضرة النهر
ولماذا لا تقتلنا الاعشاب المسالمة

الجمعة: مروحة الغبار
السبت: احتفال مهجور
الأحد: بيت من العواء…
الخ…
اقرأ البياض على ورق دافئ كالضريح
استمهل الضريح
اقرأ تعب الصباحات في الصحف اليومية
ولا أغسل وجهي من دبق المواعيد الفائتة
استمهل الضريح
واعلم كم هو مرعب
ان تسرّح الأحلام العالقة بشعرك
واسنانك
وان تزجر غراب عينيك
هذا حنيني
يخب
كالحصاة في جرة الليل الفارغة
ويعوي
في داخلي وعر موحش
اسمع خوار العام
ويؤرخني الحص البتول:

1955: الف عرجاء تكسر فرمان الولادة
1970: احذية واحلام مثقوبة
1975: صنّاجة الحرب
1979: الحرب ايضاً…
الخ…

لذلك
استمهل وقتاً عاجلاً
اربط العام بألياف العام.
اجمع خردة الروح واصرخ أحوالي:
لا الشاهدة تكتبني ولا الملهاة
اتهجّى لافتة الغياب
انا الغياب العظيم من يعرفني؟

(من “مشاغل رجل هادئ جداً 1980)

تباً لهم
ما الذي يتعبك؟ ليس الارق. بل الاحتفال الليلي لزواحفي وحيواناتي. لم اكن اعتقد ان الليل كبير وموحش بهذه الطريقة. النافذة تعتم. ولا احد. اعني لا حشرة. لا صوت. أعني الصمت الذي يرتب مناخاً لما هو أكثر من الضجر. اكثر من قياس المسافة بين الجدران. بين غرفة النوم وردهة الجلوس والمطبخ. لكن النافذة هنا لا تفضي الى اي مكان. الى مصباح رصاصتي. والى ليل فاحم. على الحائط “الافكار الواضحة” لماغريت (غيمة مستوحشة على صورة صخرة عابثة على صورة غيمة، وفضاء نيلي). كنت تحسب ان كل شيء يتبدل الا النوافذ، هي في كل مكان، مصفاة الضوء الغازي. الثقب الذي تتلصص منه على الصقيع الذي اصبح في الاثناءّ عالماً! بل العالم نفسه. الليل لزواحف وحيوانات الروح، وللوحة ماغريت. حفنة سكائر. حفنة كؤوس والرأس يصحو ـ اعني الأفكار ـ السكاكين التي تحز من الصدغ الى الصدغ. اعني، وانت تعرف، اعني البكاء الصعب الذي، كالمنبهات يجعلك من الحائط الى الحائط، تنسى النافذة وتدهشك الزواحف التي تدب في اوصالك. والمعدن الذي يطرق فيك. الماء، كثير من الماء. القهوة. كثير من القهوة. والاحساس انك الأجوف من داخل. انابيب معقدة تنقل الأصداء البعيدة لطرق موجع. انابيب وانفاق لحيوانات الدم. للوساوس التي في الليل، ترسب في السائل المغبش لعينيك الحمراوين. تعرف؟ المضحك انك بين الحائط والحائط تصنع مدى لروحك. تعرف ذلك من الرائحة، من الانكسار. من الرغبة في ان تتجنب النافذة كل هذا الوقت. ليس الخارج. بعد النافذة بقليل. القعر الثاني للزجاج. وبين صفحة الزجاج وقعره الثاني. انعكاسات الاضواء القليلة. سماكة العتم الذي يدخل، يتسرب الى الداخل. تضيء لكي ترى نفسك لكي لا يذيبك الظلام بطحينه ومائه.
تطفئ. هل تخاف رؤية هذا الجسد السائل؟ هل تخاف؟ تعرف إنك لو أدخلت ابرة في الحائط تقتل النائم في الجوار. انك لو أثرت نفساً، ولو متهدجاً، أحالك البواب الى تأنيب مجلس المدينة. والنفايات. في آخر الليل تفكر في النفايات. وما كان ينبغي ان تنجزه في الصباح. الساعة هنا. لكن التوقيت صعب.

_________________


حسن بلم
♪♫.. الادارة..♫♪
رسالة sms : سيرى ببطئ ياحياة
لكى أراك بكامل النقصان حولى
كم نسيتك فى خضمك
باحثا عنى وعنك
وكلما أدركت سرا منك
قلت بقسوة
مأجهلك!!!!
ذكر
عدد المساهمات : 10336
الاٍقامة : وراء الأفق حيث لاشئ سواى وحبيبتى
العمل : مهندس
نوسا البحر :
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
2013-07-31, 6:24 pm
تفسير الرّخام

بسام حجار
(لبنان)

» نَزَلَ مَلاكُ الربّ من السماء ،
وتقدّمَ فدَحرَجَ الحَجَرَ ، وجلَسَ عليه«.
(متّى : ٨٢ ؛ ٢ )

الحجرُ هو، بلا ريب، أقلّ أشكال الأبدِ فصاحةً، غير أنه بالتأكيد أكثرها قابليةً للتعيين.
فوقه تنتصبُ صروحنا، وتعصفُ عواصفنا.
عندما يستحيل الحجر شفيفاً، أو الأحرى، عندما تستحيل الشفافية حجراً، تغدو أحلام الأرض قاطبةً قابلةً للقراءة.
الأبدُ يلاعب الأبدَ في عذوبة هذه المرايا الكبيرة الساكنة.
... أسيجةٌ زاحفة.
وماذا لو كانت العاصفة أيضاً في البلوّر ؟
(أدمون جابيس- »كتاب الهوامش)

***

»وحديثي عن الأحجار الأسنّ من الحياة والتي تبقى بعدها على الكواكب الخامدة، عندما يشاء الطالع أن تتفتّح فيها. وحديثي عن الأحجار التي لا ينبغي لها حتّى أن تنتظر الموت والتي لا حرفة لها إلاّ أن تدعَ الرملَ منهمراً على صفحتها، أن تدعَ الهميَ أو الموجة المرتدّة، والعصفَ والزمان«.


***

الإنسان يحسد دوامَها، صلابتها، عنادَها لمعانها، سهولتها، منعَتَها، وكمالها وإن كانت كسوراً. إنها النار والماء في الشفافية الخالدة عينها، مزار السوسن حيناً ومزار الغبش أحياناً. إنّها لذاك الذي في راحتهِ حفنةٌ منها تهبُ النقاءَ والبَردَ وبُعدَ الأنجمِ، وما لا يُعَدّ من صفاء السرائر«.
(روجيه كايوا - »أحجار«) ١

***

لا أبالي -
حين أنظرُ،
ساهياً،
من حافّة الخمسين -
بجلبةِ الساعين في شارعٍ عريضٍ،
في الأسفل،
حيثُ الحوانيتُ،
وسيّارات الأجرة،
ونفرٌ من التلاميذ والأجراء والعاطلين،
ورجال الشرطة،
والآباء الباحثين عن مكانٍ آمن
لكي يودعوا فيه ملذّاتِ السعي،
مشقّاتِ السعي،
كلّ يوم،
ريثما ينقضي نهارُ السعي،
ويلوذُ أقصرهم قامةً
وعمراً
بليلِ الوساوسِ والظنون
لا أبالي -
والوقتُ غروبٌ -
برجالٍ يجرّونَ خيبةَ المشقّاتِ إلى دُورٍ مُنارَةٍ
بحمّى الرجاءِ
وحده
إذا كانَ رجاءٌ .

***

عند المفترق، بجانب الطريق

بسام حجار
(لبنان)

إنّي لا شيء
وحديثي عابرٌ،
مِثْلي،
بين عابرينَ،

لذلكَ
أتحدّثُ عنكَ

إنّي أتحدّث عنكَ
لا عن ظلّكَ الجالسِ ـ
وحيداً ـ
تحت سكون الشجرةِ
عند المفترَق
حيث أعمدة تلغراف قديمة منزوعة الأسلاك،
وعابرون يمرّونَ بِسَهْوِكَ
ولا يلتفتون

إنّي أتحدّث عنكَ
لا عن خيالك الماثل أمام عينيّ أو منامي
أتحدّث عنكَ
لا عن المصباح الذي يرفع الظلَّ إلى مصافِ الساحرات
اللواتي كُنّ
ظلالاً ماكرة
ولا عن الأعراقِ التي استخرجتها الأيدي الحاذقةُ
من جوفِ الأرض،

ولا عن المناجم التي كانت تُسمّى،
في حياةٍ أخرى،
مملكةُ الكدّ وأهراء الشقاء

لم يبق أحدٌ

لا أحد هنا سوى أنتَ
ملاذ الهَاجرين بيوتهم إلى الأبد،

لا أحد هنا،
وملاذُكَ أنتَ مثل هذا الأرق الطويلْ

لا أحد هنا يحبّ الحجَرَ
أو يأنَس إلى برودتِه
وصمتِه
حتّى المناماتِ المُرعِبَةِ لم تُبقِ للحجَرِ معنىً
حتّى الشجرة العاقر
لم تثمر يوماً حصاة

(ليس الوعر أرضاً خلاءً بل أبصار موحشة، أو لعلّه الدربِ الذي لا يسلكُهُ عابرون فتقطنه لكي تؤنسك نفسُكَ وتهتدي بكَ إليها كأنّكَ العلامة، كأنّك رسم شعابٍ لوهمٍ يقطن بقاعَ الوهم، وإذ يهتدي إليك مطارِد الأثر والرحّالة والضالّ والظامئ والمنهوك، يضعكَ لغزاً في كتابه لكي يفسّر المفسّرون سرَّك الخالي من المَكْرِ المغطّى بالفضول)

إنّي أتحدّث عنكَ،
بفصاحةِ التوهّمِ،
أنتَ
وحدك الحقيقي،

صامتٌ وباردٌ ومزهوّ بصمتِكَ وبَرْدِكَ،
أنتَ
وحدك الحقيقيّ

وإذا أعيتنا الحيلةُ في أمرِ موتانا
جئنا بتقوانا إليكَ
ورِعينَ، مُطرقينَ،
مضمومي الأيدي،
متوسّلينَ
أن تكون ملاذاً لذكرياتنا
وحسراتنا
وخشيتنا من كونكَ الملاذ الأخير

(نسيرُ قُدُماً إليكَ باحثين عن العلامة التي بك صارت نُصُباً، نضع باقاتٍ وتذكارات وصوراً، ونضيف حجراً إلى الحجرِ وحصاةً إلى الحصاة، ونترك خبزاً وماءً، ونعود فرحينَ من حيث أتينا لا نحمل لكَ وللموتِ ضغينةً)

إنّي أتحدّث عنكَ
ـ كما يتحدّث أحياءٌ عن أحياءٍ مثلهم ـ

وأتحدّث عن جوفِكَ
الذي هو نارٌ خامدة،
نارٌ باردة،

عن ملمَسِكَ الخشِن الذي يشبه الضغائن الدفينة،
ملمَسِكَ المخادِع
الذي يسري خدراً في الجسم

إنّي أتحدّث عنكَ
أنتَ الحقيقي

عن كتابك الغامض كالمتاهِ

(قيلَ عن مَطْهَرٍ لم يذكره الله في كتابِه، عن شعوبٍ من الموتى هم عَتادُ العبورِ من الضفّة إلى الضفّة، وقيل إنّ ذكرهم جاء مقتَضباً في كتاب هو كتابك، عن كتابكَ الذي لا يُحصى المحفوظِ أجزاءً لا تحصى على أرففٍ متداعية في مكتبةٍ متداعية مؤلّفة من حجراتٍ لا تحصى، عن كتابكَ الذي اشتملَ على شعوبٍ من الأسماء، على شعوبٍ من النكراتِ التي لا أحد يعرف يقيناً، إلاّ الأبناء والزوجات، إذا كانت هنا حقاً، ومتى غادرت أو إلى أين غادرت، أسماء، هي أسماء غائبين، دوّنت فيه، بحسب الترتيب الأبجديّ، سيرهم مقتضبة نقلها الرواةُ عن "موسوعة الموتى(*)"، كتابك المتوالد في مجلّداتٍ صارت بيوتاً للعنكبوت التي صارت بيوتاً للغبار، سلسلة غليظة كسلاسل المساجين الغليظة تخترق أطرافَها السفليّة، وتشدّ وثاقها إلى حلقةٍ مثبتة في الجدار، وللزائر أن يقلّب صفحاتها بين هامش الضوء وهامش العتمة وإلاّ استحالت صفحاتها غباراً، عن كتابك الذي احتوى سيرةَ أبي، وسيرتي وسيرَ آخرين، مثلي، لم تكن لهم سيرٌ لكي تُكتَب، عن كتابِكَ الذي لا يُشبِه الكتبَ ورآه المفسّر في المنامِ، ورآه المفسّر في اليقظة، ورأى فيما رآه أنّه كتاب لم يُكتَب)

إنّي أتحدّث عنكَ،
لا عن الشواهد والجدران والبيوت والمزارات والصروح

عن الحكمة الموروثة عن سلالتكَ الحجريّة

أتحدّث عنكَ
عن المأثور على قوسِ بابِك:

هنا
جانبُ الظلِّ رَحْبٌ وأبوابُه واسعةٌ والقاصدون كُثُرٌ
وما من طريقٍ إليه
كمنزلٍ ريفيّ وسطَ المروج
لا درب يهتدي إلى بابهِ الضيّق
المتوحّدِ فوق العتبة
لا أنا ولا أنتَ ولا المُبصِرُ في منامِه
ندري ما الخيالات المترائيّة عند مفترَقٍ قريبٍ
بعيدٍ
عائمٍ على صفحةِ السرابِ الذي ترفَعُه العيونُ المترقّبة
المتعبة
المتوهّمة:
شخوصٌ نابتةٌ في الوعرِ كمخلوقاتِ التوهّم،
ـ ليست من الأنس وليست من الجنّ ـ
كأشجار سروٍ مُستنفَدٌ هواؤها
كأعمدة تِلِغراف صامتة،

كأناسٍ ليسوا مثلنا،
نحن أرواح البيوت المطمئنّة،

كأناسٍ
ليسوا مثلكم، أنتم
روّاد السُبُل الزائلة،

بل كمِثْلِ المقيمين عند المفترق،
جنبَ الطريق،

أهل المزارات التي لا يأتيها إلاّ غرباءُ
حاملين باقاتٍ وزاداً،
وشموعاً توقَدُ مرّةً وحيدة لكي تأخذ الريحُ،
إذا هبّت ريحٌ،
شعلتَها،
وتبقى، هناك، شموعاً كأعواد البلّور
المطفأة

سكينةٌ مُطبقةٌ يرجّها زعيق السيّارات المسرعة إلى حطامها

إله ساذَجٌ
إلهٌ ساذَجٌ وفتيٌّ وميت
إله ساَذَجٌ ـ
وفتيٌّ، لأنّه ميت ـ
جَعَلتْ له الأيدي الغريبةُ مزاراً عند المفترق،

كومة أحجار رُفِعَت، مُرتَجَلةً،
بجانبِ الطريقِ،
مطوّقة بباقات وعباراتٍ خُطّت على لوحٍ مُرتَجل،
وصورة ـ
ما كانَ لبعض الوقت صورة ـ
في إطارٍ مُرتَجَل

لا أحد هنا،
وهنا
لا تُسمّى القبور ـ
ولو مأهولةً بالموتى ـ
تلك التي يخلّفها المسافرون ـ
قبوراً
بل علامات
لمسافرين سوف يمرّون بها
من بعدهم
ويتركون بجوارها قِربَةَ ماء وأطعمةً وأغطيةً وآثار أقدام،

هنا
لا تُسمّى المواكبُ إليها جنازاتٍ بل
أسفار،

لا تُسمّى القبور إلى جانبِ الطريق
ـ ولو غير آهلةٍ ـ
قبوراً
بل مزارات

(كأن يمرّ بها الغريبُ، عابرُ السبيل، ويتركُ بقربها منديلاً، أو شالاً، أو عقب سيكارة، أو حصاةً ينتقيها للذكرى، ويرمي بها فوق كومة الحصباء والأحجار لا ليخلّف أثراً بل ليمحو أثرا فلا المزار علامة ولا الحصاة ولا الغريب)

بيوتٌ مُرتَجلةٌ في العراء
لم تكتمل بعدُ
ولم يقطنها بعدُ
أحدْ
لكنّها، منذ البَدءِ، مأهولة بشخصِ الذكريات

(كأن لا يكون جدارٌ ومع ذلك، وبرغم بذلك، يُفتَحُ فيه بابٌ. كأن لا يكون أبٌ وأمّ وأبناء ومع ذلك، وبرغم ذلك، تكون أسرّة ومزهريات وكتب ومائدة. كأن لا تكون حجرة المعيشة ومع ذلك، وبرغم ذلك، تكون كَنَبات وإسكملة ولمبة وتلفزيون وأدراج لأوراق الرسائل ودفاتر اليوميّات وأرقام الهواتف والعناوين البريديّة وحساب البقّال وفاتورة الكهرباء وعلبة الأسبيرين والأقلام الحبر والرصاص وإخراج القيد العائلي وجواز السفر القديم وعلبة الملبّس والساعة القديمة وفردة القِرطين المتبقيّة بانتظار العثور على الأخرى، ومفكّرة الجيب، ومفاتيح كثيرة مبعثرة أو مضمومة في علاّقة ولا أحد يذكر الآن إذا كانت لأبوابٍ وأين هي هذه الأبواب...)

ولا تُسمّى أضرحةً فلا مَن يرقد فيها
مجرّد علاماتٍ يلتفت إليها العابر بسيّارته مُسرِعاً
أو المارّ بها سائراً على القدمين،
ساهياً،

لا أشجار باسقة شاكيةً تحيط بها أو تظلّلها،
لا شواهدَ
لا أسماء
لا أسوار
لا شارات
لا دروبَ

أنصابُ عبورٍ خاطف
إذ تمرّ بها مبتعداً
تتضاءلُ رويداً قبل أن يحجبها المفترق عن عينيك

قبل أن يحجبكَ عنها،
المفترق

أنتَ لا شيءَ
وحديثُكَ عابرٌ، مثلك،
بين عابرين

لذلك
أتحدّث عنّي،
أنا،
العابر قليلاً
في ظنِّك

(أيار 2005)

(*) لدانيلو كيش (1935 ـ 1989


مَزارات

بسام حجار
(لبنان)

إنّي لا شيء
وحديثي عابرٌ،
مِثْلي،
بين عابرينَ،
لذلكَ
أتحدّثُ عنكَ
إنّي أتحدّث عنكَ
لا عن ظلّكَ الجالسِ -
وحيداً -
تحت سكون الشجرةِ
عند المفترَق
حيث أعمدة تلغراف قديمة منزوعة الأسلاك،
وعابرون يمرّونَ بِسَهْوِكَ
ولا يلتفتون
إنّي أتحدّث عنكَ
لا عن خيالك الماثل أمام عينيّ أو منامي
أتحدّث عنكَ
لا عن المصباح الذي يرفع الظلَّ إلى مصافِ الساحرات
اللواتي كُنّ
ظلالاً ماكرة
ولا عن الأعراقِ التي استخرجتها الأيدي الحاذقةُ
من جوفِ الأرض،
ولا عن المناجم التي كانت تُسمّى،
في حياةٍ أخرى،
مملكةُ الكدّ وأهراء الشقاء
لم يبق أحدٌ
لا أحد هنا سوى أنتَ
ملاذ الهَاجرين بيوتهم إلى الأبد،
لا أحد هنا،
وملاذُكَ أنتَ مثل هذا الأرق الطويلْ
لا أحد هنا يحبّ الحجَرَ
أو يأنَس إلى برودتِه
وصمتِه
حتّى المناماتِ المُرعِبَةِ لم تُبقِ للحجَرِ معنىً
حتّى الشجرة العاقر
لم تثمر يوماً حصاة

( ليس الوعر أرضاً خلاءً بل أبصاراً موحشة، أو لعلّه الدربِ الذي لا يسلكُهُ عابرون فتقطنه لكي تؤنسك نفسُكَ وتهتدي بكَ إليها كأنّكَ العلامة، كأنّك رسم شعابٍ لوهمٍ يقطن بقاعَ الوهم، وإذ يهتدي إليك مطارِد الأثر والرحّالة والضالّ والظامئ والمنهوك، يضعكَ لغزاً في كتابه لكي يفسّر المفسّرون سرَّك الخالي من المَكْرِ المغطّى بالفضول )

إنّي أتحدّث عنكَ،
بفصاحةِ التوهّمِ،
أنتَ
وحدك الحقيقي،
صامتٌ وباردٌ ومزهوّ بصمتِكَ وبَرْدِكَ،
أنتَ
وحدك الحقيقيّ
وإذا أعيتنا الحيلةُ في أمرِ موتانا
جئنا بتقوانا إليكَ
ورِعينَ، مُطرقينَ،
مضمومي الأيدي،
متوسّلينَ
أن تكون ملاذاً لذكرياتنا
وحسراتنا
وخشيتنا من كونكَ الملاذ الأخير

( نسيرُ قُدُماً إليكَ باحثين عن العلامة التي بك صارت نُصُباً، نضع باقاتٍ وتذكارات وصوراً، ونضيف حجراً إلى الحجرِ وحصاةً إلى الحصاة، ونترك خبزاً وماءً، ونعود فرحينَ من حيث أتينا لا نحمل لكَ وللموتِ ضغينةً)

إنّي أتحدّث عنكَ
- كما يتحدّث أحياءٌ عن أحياءٍ مثلهم -
وأتحدّث عن جوفِكَ
الذي هو نارٌ خامدة،
نارٌ باردة،
عن ملمَسِكَ الخشِن الذي يشبه الضغائن الدفينة،
ملمَسِكَ المخادِع
الذي يسري خدراً في الجسم
إنّي أتحدّث عنكَ
أنتَ الحقيقي
عن كتابك الغامض كالمتاهِ

(قيلَ عن مَطْهَرٍ لم يذكره الله في كتابِه، عن شعوبٍ من الموتى هم عَتادُ العبورِ من الضفّة إلى الضفّة، وقيل إنّ ذكرهم جاء مقتَضباً في كتاب هو كتابك، عن كتابكَ الذي لا يُحصى المحفوظِ أجزاءً لا تحصى على أرففٍ متداعية في مكتبةٍ متداعية مؤلّفة من حجراتٍ لا تحصى، عن كتابكَ الذي اشتملَ على شعوبٍ من الأسماء، على شعوبٍ من النكراتِ التي لا أحد يعرف يقيناً، إلاّ الأبناء والزوجات، إذا كانت هنا حقاً، ومتى غادرت أو إلى أين غادرت، أسماء، هي أسماء غائبين، دوّنت فيه، بحسب الترتيب الأبجديّ، سيرهم مقتضبة نقلها الرواةُ عن »موسوعة الموتى«١، كتابك المتوالد في مجلّداتٍ صارت بيوتاً للعنكبوت التي صارت بيوتاً للغبار، سلسلة غليظة كسلاسل المساجين الغليظة تخترق أطرافَها السفليّة، وتشدّ وثاقها إلى حلقةٍ مثبتة في الجدار، وللزائر أن يقلّب صفحاتها بين هامش الضوء وهامش العتمة وإلاّ استحالت صفحاتها غباراً، عن كتابك الذي احتوى سيرةَ أبي، وسيرتي وسيرَ آخرين، مثلي، لم تكن لهم سيرٌ لكي تُكتَب، عن كتابِكَ الذي لا يُشبِه الكتبَ ورآه المفسّر في المنامِ، ورآه المفسّر في اليقظة، ورأى فيما رآه أنّه كتاب لم يُكتَب)

إنّي أتحدّث عنكَ،
لا عن الشواهد والجدران والبيوت والمزارات والصروح
عن الحكمة الموروثة عن سلالتكَ الحجريّة
أتحدّث عنكَ
عن المأثور على قوسِ بابِك:
هنا
جانبُ الظلِّ رَحْبٌ وأبوابُه واسعةٌ والقاصدون كُثُرٌ
وما من طريقٍ إليه
كمنزلٍ ريفيّ وسطَ المروج
لا درب يهتدي إلى بابهِ الضيّق
المتوحّدِ فوق العتبة
لا أنا ولا أنتَ ولا المُبصِرُ في منامِه
ندري ما الخيالات المترائيّة عند مفترَقٍ قريبٍ
بعيدٍ
عائمٍ على صفحةِ السرابِ الذي ترفَعُه العيونُ المترقّبة
المتعبة
المتوهّمة:
شخوصٌ نابتةٌ في الوعرِ كمخلوقاتِ التوهّم،
- ليست من الأنس وليست من الجنّ -
كأشجار سروٍ مُستنفَدٌ هواؤها
كأعمدة تِلِغراف صامتة،
كأناسٍ ليسوا مثلنا،
نحن أرواح البيوت المطمئنّة،
كأناسٍ
ليسوا مثلكم، أنتم
روّاد السُبُل الزائلة،
بل كمِثْلِ المقيمين عند المفترق،
جنبَ الطريق،
أهل المزارات التي لا يأتيها إلاّ غرباءُ
حاملين باقاتٍ وزاداً،
وشموعاً توقَدُ مرّةً وحيدة لكي تأخذ الريحُ،
إذا هبّت ريحٌ،
شعلتَها،
وتبقى، هناك، شموع كأعواد البلّور
المطفأة
سكينةٌ مُطبقةٌ يرجّها زعيق السيّارات المسرعة إلى حطامها
إله ...
ساذَجٌ
ساذَجٌ وفتيٌّ وميت
ساَذَجٌ - وفتيٌّ
لأنّه ميت -
جَعَلتْ له الأيدي الغريبةُ مزاراً عند المفترق،
كومة أحجار رُفِعَت، مُرتَجَلةً،
بجانبِ الطريقِ،
مطوّقة بباقات وعباراتٍ خُطّت على لوحٍ مُرتَجل،
وصورة -
ما كانَ لبعض الوقت صورة -
في إطارٍ مُرتَجَل
لا أحد هنا،
وهنا
لا تُسمّى القبور -
ولو مأهولةً بالموتى -
تلك التي يخلّفها المسافرون -
قبوراً
بل علامات
لمسافرين سوف يمرّون بها
من بعدهم
ويتركون بجوارها قِربَةَ ماء وأطعمةً وأغطيةً وآثار أقدام،
هنا
لا تُسمّى المواكبُ إليها جنازاتٍ بل
أسفاراً،
لا تُسمّى القبور إلى جانبِ الطريق
- ولو غير آهلةٍ -
قبوراً
بل مزارات

(كأن يمرّ بها الغريبُ، عابرُ السبيل، ويتركُ بقربها منديلاً، أو شالاً، أو عقب سيكارة، أو حصاةً ينتقيها للذكرى، ويرمي بها فوق كومة الحصباء والأحجار لا ليخلّف أثراً بل ليمحو أثرا فلا المزار علامة ولا الحصاة ولا الغريب)

بيوتٌ مُرتَجلةٌ في العراء
لم تكتمل بعدُ
ولم يقطنها بعدُ
أحدْ
لكنّها، منذ البَدءِ، مأهولة بشخصِ الذكريات

(كأن لا يكون جدارٌ ومع ذلك، وبرغم بذلك، يُفتَحُ فيه بابٌ. كأن لا يكون أبٌ وأمّ وأبناء ومع ذلك، وبرغم ذلك، تكون أسرّة ومزهريات وكتب ومائدة. كأن لا تكون حجرة المعيشة ومع ذلك، وبرغم ذلك، تكون كَنَبات وإسكملة ولمبة وتلفزيون وأدراج لأوراق الرسائل ودفاتر اليوميّات وأرقام الهواتف والعناوين البريديّة وحساب البقّال وفاتورة الكهرباء وعلبة الأسبرين والأقلام الحبر والرصاص وإخراج القيد العائلي وجواز السفر القديم وعلبة الملبّس والساعة القديمة
وفردة القِرطين المتبقيّة بانتظار العثور على الأخرى، ومفكّرة الجيب، ومفاتيح كثيرة مبعثرة أو مضمومة في علاّقة ولا أحد يذكر الآن إذا كانت لأبوابٍ وأين هي هذه الأبواب..)

ولا تُسمّى أضرحةً فلا مَن يرقد فيها
مجرّد علاماتٍ يلتفت إليها العابر بسيّارته مُسرِعاً
أو المارّ بها سائراً على القدمين،
ساهياً،
لا أشجار باسقة شاكيةً تحيط بها أو تظلّلها،
لا شواهدَ
لا أسماء
لا أسوار
لا شارات
لا دروبَ
أنصابُ عبورٍ خاطف
إذ تمرّ بها مبتعداً
تتضاءلُ رويداً قبل أن يحجبها المفترق عن عينيك
قبل أن يحجبكَ عنها،
المفترق
أنتَ لا شيءَ
وحديثُكَ عابرٌ، مثلك،
بين عابرين
لذلك
أتحدّث عنّي،
أنا،
العابرُ قليلاً
في ظنِّك .

****

لَم يَقُل لي أحدٌ ما معنى الأسى

بسّام حجّار
(لبنان)

( لذكرى منار الشمّاع )

لا أدري ما شَغَفُ الحَجَرِ
الذي ألَمَّ بي
يوسّدني حَجَرٌ
ويغطّيني حَجَرٌ
وحَجَرٌ أبيضُ
يروي سيرتي
مِنْ فَمِ الترابْ
( 20041942 )
برقمين فقط
وفاصِلة
لَمْ يفسّر لي أحدٌ من قبل
معنى الترابِ
وكائناتِه الضئيلة
التي تدبّ هَهُنا وتحفرُ
كأنّ رميم الغبار والحصى هذا
هو الطريق المفضية إلى سماءٍ
ولا أدري أيّ السماوات قد تسعى إليها
الكائنات الضئيلةُ التي تحفُرُ
وئيداً
في عينيّ وسَمْعي
ولا أدري ما الحكمةُ من اختصار عمري
برقمين وفاصلة
كأنني، في غفلةٍ، عَبَرْتُ
من ضفّةٍ إلى ضفّةٍ
وبينهما مياهُ النسيانِ
ولَم ألمح في عبوري
صورةً تُمحى
أو مكاناً يزولْ
ولَم يفسّر لي أحدٌ
ما الأسى
ولم أجد في <<قَصَص الأنبياء>> خَبَراً
عمّا رأيتُ
فالمكانُ هُنا ليس هو المكان
بل خاطرةٌ
تبدّدها اليقظةُ
ولا سُبات هنا
بل يقظاتٌ تنبّهُ اليقظاتِ
ولا أدري إذا كنتُ أعتادُ الموتَ
أو إذا كنتُ في ظنّي مَلكاً يموت:
(<<ورسم الملك الأكبر أن لا يجلس للناس ولا يكلّمهم ولا يدخل عليه أحدٌ (...) ورسم الملكُ الأكبر إذا مات أن يُبنى له دارٌ كبيرة فيها عشرون بيتاً ويُحفرُ له في كلّ بيتٍ منها قبر وتُكسَرُ الحجارة حتّى تصير مثل الكحل وتُفرَش فيه وتُطرَح النورةُ فوق ذلك، وتحت الدار والنهرِ نهرٌ كبيرٌ يجري، ويجعلون النهرَ فوق ذلك القبر ويقولون حتّى لا يصل إليه شيطانٌ ولا إنسانٌ ولا دودٌ ولا هوام، وإذا دُفِنَ ضُرِبَت أعناق الذين يدفنونه حتّى لا يُدرى أين قبره من تلك البيوت، ويُسمّى قبرُه الجنّة، ويقولون: قد دخَلَ الجنّةَ، وتُفرَش البيوت كلّها بالديباج المنسوج بالذهب>>.) 1
للأسى تفاسيرُ كثيرة
من بينها
بحسبِ الأبناء
الطّيرُ والهواءُ
وألوان الطيفِ
والطيفُ مجرّداً
ومن بينها
النارُ والحَجَرُ والترابْ
ومخلوقاتٌ عجيبة أخرى
ليسَت الهَوامُ منها
كالرؤى
والتوهّم
و
السّرابْ
تفاسير كثيرة
للأختِ المستلقية على السريرِ
بعد ظهرِ الحوادث المتفرّقة
في صحيفة،
بعد مأدبةِ الضيوف
بعد ظُهرِ التعبِ،
بين جدران معقّمةٍ
بين جدرانٍ كتومةْ
من بينها
الجرحُ الطفيفُ
تحت الثدي الأيسر
وحفنةُ الأنابيب المغروزة
في الأنفِ وفي الفمِ وفي الساعدِ
وكيس المصلِ
وآلة التنفّسِ التي تضخّ الهواء
بمشقّةٍ
بعويلٍ أجشّ،
وكيس الدماء
قطرةً قطرة
ومن بينها
الابن والشقيق
والزوج
والممرّضة
والفساتينُ المهملة في الخزانة
بقربِ المرآة
أو على مسند الكرسي العالي
أمام المرآة
تفاسير كثيرة للأبِ
الفارعِ القامةِ
والألمِ
من بينها
المعطفُ والسعالُ والقلبقُ
والمشيةُ المستقيمةُ
وروائح الصابون وماء الكولونيا
ونظرة حانية
ونظرة ساهيةٌ
رقيقة كلمسة يد
وللأمّ تفاسيرُ كثيرة
من بينها
حكايةٌ للطفلينِ قبل النوم
والألمُ والكرسيّ المدولَب
والصحيفةُ
وغيبوبة الحواس
وطبعاً من بينها
الموت.
بحسب الأبناء لم يكُن شاقّاً
فكلّ ألمٍ تطيّبُه القراءةُ
وكلّ ذنبٍ يغفرُهُ الغَسْل
قالت الفتاةُ:
سوف تغسلينها بماءٍ وآياتٍ
وسوفَ يُقيمُ طيفُها
في نومكِ
وقالَ الرّجلُ
حارسُ الترابِ:
يخلدُ المقيمون هَهُنا إلى نومٍ مبكرٍ
وأوانُ الزيارةِ عند الصباحِ الأوّل
قبيل النهوض إلى مشاغِلِ اليومِ
وكلّ يوم
فالبعضُ يعلّق صوراً تالفةً في الأرجاء
والبعضُ يبكي مِنْ وحشة المكان
وقالَ الرّجلُ:
لكنّ المكانَ هَهُنا
ليس هو المكان
قالت الفتاةُ:
الأمُّ مُعتَقَدٌ وصلواتٌ وأيّامٌ مُسنّة
وقالتِ:
الأمُّ وهمٌ نربّيه في قلوبنا أعواماً
ونحفَظُهُ كالحلية على صدورنا
ونذكُرُه إذا استذكرنا
لكنَّ الغَسْلَ محوٌ
قال الرجلُ
حارسُ التراب:
تحلّقوا حول الضريح متلاصِقينَ
فلا سعةَ في الأرض
ولا تتركوا أثراً
إنْ غادرتم
وقالَ: الأمّ ترابٌ ومن ترابٍ
وقالَ: لا تحزنوا
تفاسيرُ كثيرة للحزنِ
بحسبِ الأبناء
من بينها


اليد الرشيقة التي تسرّحُ الشعر
الفم الدافئ الذي يحكي حكاياتِ الإنس والجنّ
العينان اللامعتان أبداً
والدعاءُ كلّما سَلَك الأبناءَ درباً
والدعاءُ إذا مكث الأبناء
والدعاءُ ثانيةً لكي يُستجابَ الدعاءُ
والنومُ عميقاً على الزندِ المُطمئِنّ
في كَنَفِ الرائحةِ الغريبةِ المُسكرة
والنومُ في العُتمةِ
كأنما العتمةُ وساوس مضاءة
بمخلوقاتٍ أليفة
هي خَلْقُ اللهِ
من بينها
الوحشُ والغولُ والسَّربيرُس والتنّين
ومن بينها
النارُ وممالك النبات والمعدن والحيوان
تفاسيرُ كثيرة
ساذجةٌ
ولكن
ليس من بينها
الموت
لذلك
لم يتعب الولدُ
بل أتاه النعاسُ
حين شرحتُ له
بلادَ الخَزَر
(أوّلاً لأنّ الموت له كنيةُ الحلم لكنّنا نجهل هذه الكنية.
ثانياً لأنّ الحلم هو الختامُ اليومي للحياة، تمرينٌ بسيطٌ على الموت (...)
وثالثاً لأنّ في إتِلَ، عاصمة الخَزَر، موضعاً يستطيع فيه العابران إذا التقيا أن يتبادلا الاسمَ والمصيرَ، وأن يواصل أحدهما العيشَ في حياة الآخر) 2
وأتاه النعاسُ
حين فسّرت له
بإصبعي على صفحة الكتاب
أسرارَ الكوكبِ
وناديتُ الكوكبَ باسمه
قلت:
<<تلك هي العظام>>
كأنّني أقرأ في كتابِ جسمي
<<وتلك هي العضلات
ومسالك الدورة الدموية
وهذا رسمُ القلب
الذي يُحبّ
ولو متعباً
وهذا الرأسُ
الذي يصنعُ الأفكارَ
وهذه اليدُ القليلةُ
واليدُ القديرة
واليدُ الخرقاء
وهذه الساقُ
وعظمُ الساقِ
وهذه القَدَمُ
التي تسعى
وقد قيلَ في الكُتُبِ
إنّ جمعَها هو
الرفاتُ
لا أدري ما شغَفُ الحَجَرِ
الذي ألمّ بي
حَجرٌ أبيضُ يروي سيرتي
من فمِ الترابِ
ولم يُفسّر لي أحدٌ من قَبْل
ما معنى التراب
لو كنتُ ملكاً يموتُ
لأدركتُ معنى الترابِ
ورسَمتُ
أوّلاً
أنني ملكٌ يموتُ
لغسلتُ وجهي
وقلّمتُ أظافري
وسرّحتُ شعري
وجَعَلْتُ جنّتي
بجنبِ السريرِ
كأشيائي الأخرى:
العباءة الصيفيّة
الخفّان
علبة الدواء
الساعة والنظّارة
والريموت
الكوب والمناديل
وصورُ الأبناءِ
وقارورة العطر
وناديتُ ابنتي
لكي تطفئ الضوءَ
وتترك البابَ موارباً
لكي أسمعَ إذا غفوتُ
جَلبةَ البيتِ من حولي
لكي لا أكون
على السريرِ
ملكاً يموتُ
بمفرده

Part Two of - The second elegy

Bassam Hajjar

بسام حجاA few things I alone know
He said he was tired
that he had come to his final days,
so he found delight in nothing.
He said daylight hurt his eyes,
dust irritated his lungs,
and that he stayed in his room
sitting on the edge of his bed, his head bowed,
his hands on his hips to support himself.
He said he was tired
and not able to walk in the street
since breathing was a strain,
as if he'd grown used to a kind of suffocation
and was content with as much air
as would not keep the canary alive, dead from the cold.
He said spring
just about killed him,
and the dog days of summer,
and the winter, bitter cold and wet,
and autumn, season of wailing and lamentation,
and that he didn't know why the chill wouldn't leave
his limbs.
He said: "Take the ring
it is all I own,
that and the fountain pen.
Now wrap me up in woollen blankets,
give me your face to kiss
and your hands
for I might well not see you tomorrow."
He said he was tired and couldn't sleep;
that the night was a frightening wilderness.
These minutes or hours may be the last.
So he rises and walks in the hallway,
drinks a mouthful of water,
and the tumult of his heavy wheezing keeps him company,
as if his wheezes spoke to him
like the children or the neighbours or friends over drinks
or casual meetings during an evening stroll,
and he wouldn't pray
but said: "I loved whom I loved
and whoever loved me gave me happiness I did not deserve.
I was alive and the death in my lungs was
a pain and a cough,
and I lived with the smallest bit
of air and pleasure.
I watered the climbing plants until they reached
the ceiling.
I put the canary in its cage,
fed him seeds and water to drink
and he died despite me
and I cried for three days.
No one will inherit the hardship of living as I have,
asthma pains and the bare means.
I made time to wait for my final hour.
I told no one
but stayed to wait.
I told her when she came towards me
let me rest my tired head on your chest
and I didn't tell her I wanted to cry
but I cried.
A few things I alone know of
made me cry.
I was not afraid.
I was not miserable,
but I cried."

was born in 1955 in Sûr (Tyre), Lebanon. He has a diploma of advanced study in philosophy from the Sorbonne. He was cultural editor on the Lebanese newspapers An-Nahar and As-Safir, and now works for Al-Mustaqbal in Beirut. Since 1980 he has published 10 collections of poetry, and translated from French several novels, poetry collections and books of philosophy and literary criticism.

Does everything really end?
They leave the cups and the chairs
and I remain here, alone
to turn off the light and go to sleep.
And if they are hidden behind the doors
or behind the walls,
waiting?
And if, after I close my eyes
night begins in my absence?

_________________


حسن بلم

مهن القسوة,شعر وقصائد بسام حجار,ديوان بسام حجار pdf

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة

صفحة 1 من اصل 1
نوسا البحر :: فوضى الحواس(منتديات ثقافيه) :: مرتفعات أو سوناتا الكلام

حفظ البيانات | نسيت كلمة السر؟

عفاريت نوسا البحر google+ | عفاريت نوسا | مجلة الصور | مجلة عفاريت